ماكرون وزيلينسكي يوقعان اتفاق تسليح ضخم لكييف

فرنسا تتجه لتزويد الجيش الأوكراني بـ 100 مقاتلة رافال وأنظمة دفاع جوي

الرئيسان الفرنسي والأوكراني يوقعان في باريس الاثنين «رسالة النوايا» لتزويد كييف بطائرات رافال المقاتلة (رويترز)
الرئيسان الفرنسي والأوكراني يوقعان في باريس الاثنين «رسالة النوايا» لتزويد كييف بطائرات رافال المقاتلة (رويترز)
TT

ماكرون وزيلينسكي يوقعان اتفاق تسليح ضخم لكييف

الرئيسان الفرنسي والأوكراني يوقعان في باريس الاثنين «رسالة النوايا» لتزويد كييف بطائرات رافال المقاتلة (رويترز)
الرئيسان الفرنسي والأوكراني يوقعان في باريس الاثنين «رسالة النوايا» لتزويد كييف بطائرات رافال المقاتلة (رويترز)

خلال الزيارة التي قام بها إلى استوكهولم، عاصمة السويد، يوم 22 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وقّع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ورئيس الوزراء السويدي أولاف كريسترسون على «رسالة نوايا» للتعاون في القطاع الجوي، بحيث يفتح المجال أمام كييف للحصول على ما يتراوح ما بين 100 و150 طائرة مقاتلة من طراز «غريبن إي» تصنعها شركة «ساب» السويدية.

وتعد الطائرة المقاتلة «غريبن إي» الأكثر تطوراً من بين كل ما تنتجه مصانع «ساب» بفضل رادارها الجديد، وتجهيزاتها الإلكترونية، وقدراتها بوصفها طائرة قتال متعددة المهام. ولضخامة المشروع وما يتطلبه من تدريب وتجهيزات وقدرات موازية، فإن السير به يتطلب ما لا يقل عن 15 عاماً. أما تمويل الصفقة التي لم يكشف عن قيمتها، فقد بقي في الظل. ولكن ما فهم من تصريحات الطرفين أنه سيتم اللجوء إلى استخدام جانب من الأصول الروسية المجمدة في الاتحاد الأوروبي، وتحديداً في بروكسل، في مؤسسة «يوروكلير» المالية. ويخطط الاتحاد الأوروبي لتمكين أوكرانيا من الحصول على قروض من هذه الأصول، وفق آلية معقدة، قد تصل إلى 140 مليار يورو.

الرئيس ماكرون مرحباً بالرئيس زيلينسكي لدى وصوله إلى قصر الإليزيه (أ.ف.ب)

100 مقاتلة رافال

ما حصل في باريس الاثنين يشبه، إلى حد كبير، ما حصل في استوكهولم. فالرئيس زيلينسكي وقع صباحاً، في قاعدة فيلاكوبليه الجوية العسكرية الواقعة جنوب العاصمة، مع الرئيس إيمانويل ماكرون «رسالة نوايا» تحصل بموجبها كييف على 100 طائرة من طراز «رافال»، ومن أحدث ما تنتجه مصانع «داسو» للطيران. ووصف زيلينسكي الصفقة التي سيمتد العمل بها لعشر سنوات بأنها «ستكون أعظم وحدة دفاع جوي، لأن طائرة رافال المقاتلة تعد من أعظم الطائرات في العالم». وقدمت باريس للقوات الجوية الأوكرانية ست طائرات ميراج 2000 تسلمت منها كييف، حتى اليوم، ثلاثة.

وتجدر الإشارة إلى أن «رسالة النوايا» لا تعد عقداً، بل إنها تعكس توافقاً بين الجانبين، واستعدادهما لتنفيذ ما تتضمنه ما يستدعي مفاوضات لاحقة قبل أن تتحول إلى التزامات نهائية من الجانبين.

طائرة رافال المقاتلة التي تصنعها شركة «داسو» الفرنسية في تمرين استعراضي بمناسبة معرض دبي للطيران يوم 17 نوفمبر (رويترز)

وتشمل الصفقة تزويد الطائرات المقاتلة بكافة الأسلحة المصاحبة، إضافة إلى توفير منظومات صاروخية للدفاع الجوي من طراز SAMP-T من الجيل الجديد، وأنظمة رادار، ومسيّرات. وفيما يخص المسيّرات، فقد شهد قصر الإليزيه بعد ظهر الاثنين اجتماعاً خصص للتعاون بين الجانبين في هذا القطاع الذي أخذ يحتل موقعاً استثنائياً في الحرب الحديثة، الأمر الذي يظهر يومياً في أوكرانيا وروسيا. ويخطط الطرفان لإنتاج مشترك، على الأراضي الأوكرانية، لمسيرات هجومية، وأخرى لإسقاط المسيرات المعادية. ويؤكد العسكريون أن كييف كسبت خبرات واسعة في هذا القطاع، وأن الغربيين دأبوا على إرسال عسكرييهم للتعرف على ما تنتجه المصانع الأوكرانية. وتخطط كييف هذه السنة لاستخدام أكثر من 4.5 مليون مسيّرة، مع العلم أن الطائرات من دون طيار تتسبب في 70 في المائة من الدمار الذي يلحق بالمعدات المعادية على الجبهات.

كما تستخدم أوكرانيا المسيرات لإسقاط الطائرات من دون طيار من طراز شاهد التي تطلقها روسيا عليها كل ليلة.

وفي المؤتمر الصحافي المشترك الذي عقد في قصر الإليزيه، توقف ماكرون ملياً عند هذا التطور الرئيس في الشراكة العسكرية الاستراتيجية بين باريس وكييف. وقال ماكرون: «اليوم نقطع مرحلة جديدة مع هذا الاتفاق، ونواصل التعويل على التقارب، ودمج صناعاتنا الدفاعية من أجل الاستمرار في دعم أوكرانيا، وتحديث قواتها المسلحة التي تبقى في الخطوط الأمامية، وهي خط الدفاع الأول عن أوروبا، وأداة الردع ضد العدوان. ونقوم بذلك على المدى الطويل، مع إقرار أن القدرة على إعادة توليد الجيش الأوكراني تُعدّ عنصراً حاسماً في أمننا جميعاً». وأضاف الرئيس الفرنسي: «هذا الاتفاق يُظهر الإرادة الفرنسية في وضع تميزها الصناعي والتكنولوجي لخدمة دفاع أوكرانيا، وبالتالي الدفاع عن أوروبا». وشدد ماكرون على التكامل بين الصناعات الدفاعية بين البلدين، وعلى الشراكة الواسعة التي يطمح إليها، وتشمل إنتاج المسيرات على الأراضي الأوكرانية، وتزويد كييف بمنظومات صاروخية للدفاع الجوي.

رئيس أركان القوات الفرنسية الجنرال فابيان ماندو لدى وصوله إلى قصر الإليزيه للمشاركة في اجتماع مع الرئيس الأوكراني (أ.ف.ب)

باريس وكييف نحو شراكة استراتيجية

تريد باريس، وفق ما شددت عليه مصادر الإليزيه، مساعدة كييف بشكل خاص على حماية أجوائها، وأراضيها من الهجمات الجوية الروسية، سواء كانت بالمسيرات، أو الصواريخ الباليستية، أو القنابل الانزلاقية. وفي كل مناسبة، ناشد زيلينسكي الغربيين الحصول على منظومات الدفاع الجوي. ووفق جهات واسعة الاطلاع في باريس، فإن الإدارة الأميركية لم تعد تلبي الطلبات الأوكرانية رغم استعدادها المبدئي لبيعها، شرط أن يتكفل الأوروبيون بدفع أثمانها. وبحسب الإليزيه، فإن الصفقة الجديدة، في حال إتمامها، تحضر للمستقبل بحيث تساعد كييف على بناء قوة جوية أوكرانية حديثة شبيهة بما تمتلكه جيوش الحلف الأطلسي. ووفق رئيس الأركان الفرنسي الجنرال ماندو، فإن أنظمة الدفاع الجوي الأوروبية الصنع من طراز SAMP-T التي قدّمتها فرنسا أثبتت فعاليتها أكثر من بطاريات باتريوت الأميركية ضد الصواريخ الروسية صعبة الاعتراض. وأضاف ماندو في شهادة له أمام مجلس الشيوخ الفرنسي أن هذه المنظومة دفعت الجانب الروسي لتغيير مسارات الصواريخ لتجنب إسقاطها.

وكما في حالة السويد، تطرح في باريس إشكالية تمويل الصفقة الأوكرانية. وفي كلامه للصحافة أشار ماكرون إلى احتمال استخدام الأصول الروسية، إلى جانب الآليات التي اعتمدها الاتحاد الأوروبي، ومنها برنامج «إيرا» أو الاستدانة الجماعية الأوروبية. وشدد ماكرون على أهمية «احترام القانون الدولي»، والانخراط الجماعي، وكذلك «مجموعة السبع» لتقاسم الأعباء، والضمانات. وأضاف: «نحن نعمل أيضاً على تهيئة شروط دعمنا، ولا سيّما فيما يتعلق باستخدام الأموال (الروسية) التي يجب أن تتيح دعم الجهود العسكرية والدفاعية لأوكرانيا، وذلك من خلال تعزيز دمج القواعد الصناعية والدفاعية الأوروبية، والأوكرانية، مع وضع معايير واضحة للأفضلية الأوروبية». وبكلام آخر، فإن ماكرون لا يريد أن تذهب الأموال لشراء المعدات، والأسلحة الأميركية.

ما قاله ماكرون استعاده زيلينسكي الذي أشار إلى إمكانية إنتاج أجزاء من مقاتلات رافال على الأراضي الأوكرانية. وبالنسبة للأصول الروسية، وهو من أشد الداعين لاستخدامها، فقد أعلن زيلينسكي أن الاتحاد الأوروبي «سينجح في إيجاد حل يسمح باستخدامها، خصوصاً لدعم حزمة الدفاع الأوروبي للإنتاج الأوكراني، ولتوفير أنظمة الدفاع الجوي»، مضيفاً أنه «من العدل استخدامها للمشاريع التي تحدثنا عنها اليوم مع الرئيس ماكرون». وتساءل: «هل ذلك كافٍ؟ لا، ليس كافياً. وسوف نواصل العمل في هذا الاتجاه لتوفير الأموال».

زيارة ناجحة قام بها زيلينسكي إلى باريس، بينما يعاني في بلاده من صعوبات في الميدان العسكري، ومن فضائح مالية، وسياسية. فماكرون وفر له دعماً سياسياً، وعسكريا، والتزاماً بدوام الوقوف إلى جانبه، إضافة إلى مشاريع تعاون في قطاعي الطاقة، والمواصلات. واستفاد ماكرون من المناسبة لينبه روسيا من «المراهنة على إرهاق الأوروبيين (من تواصل الحرب)»، مؤكداً «عزمهم على مواصلة تعزيز العقوبات ضدها بالتنسيق مع واشنطن، من أجل إضعاف قدراتها على مواصلة مجهودها الحربي». كذلك لمح ماكرون إلى صعوبات الرئيس الأوكراني، ولم يتردد في الإشارة إلى أن الاتحاد الأوروبي الذي تسعى كييف إلى الانضمام إليه متيقظ لقدرة السلطات على محاربة الفساد، واحترام القوانين المرعية، وكلها تؤخذ بعين الاعتبار في عملية قبول انضمام كييف إلى النادي الأوروبي.

الرئيسان ماكرون وزيلينسكي يستمعان خلال زيارتهما الاثنين لمقر قيادة القوة متعددة الجنسيات من أجل أوكرانيا لشروح من أحد كبار الضباط (رويترز)

من جانب آخر، قام ماكرون وزيلينسكي بزيارة مقر «قيادة القوة متعددة الجنسيات» القائم قريباً من باريس التي تعمل على تنسيق الجهود لنشرها «في المواقع الخلفية» بعد أن يتم التوصل إلى اتفاقية لوقف إطلاق النار بين روسيا وأوكرانيا، وهو ما يبدو احتمالاً بعيد المنال. وانبثقت القوة، نظرياً حتى اليوم، من «تحالف الراغبين» الذي أطلق في فبراير (شباط) الماضي بمبادرة فرنسية-بريطانية.



«هدنة ترمب» لا توقف حرب الطاقة بين روسيا وأوكرانيا

تصاعد النيران والدخان بالقرب من منطقة صناعية في سانت بطرسبرغ عقب هجمات بمسيّرات يوم 18 أكتوبر 2026 (رويترز)
تصاعد النيران والدخان بالقرب من منطقة صناعية في سانت بطرسبرغ عقب هجمات بمسيّرات يوم 18 أكتوبر 2026 (رويترز)
TT

«هدنة ترمب» لا توقف حرب الطاقة بين روسيا وأوكرانيا

تصاعد النيران والدخان بالقرب من منطقة صناعية في سانت بطرسبرغ عقب هجمات بمسيّرات يوم 18 أكتوبر 2026 (رويترز)
تصاعد النيران والدخان بالقرب من منطقة صناعية في سانت بطرسبرغ عقب هجمات بمسيّرات يوم 18 أكتوبر 2026 (رويترز)

تبادلت روسيا وأوكرانيا هجمات واسعة استهدفت منشآت الطاقة والبنى التحتية الحيوية، في تصعيد جديد يهدد بتوسيع تداعيات الحرب على المدنيين، مع انقطاع الكهرباء عن عشرات الآلاف واندلاع حرائق في منشآت نفطية روسية، رغم إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب التوصل إلى هدنة في قطاع الطاقة بين البلدين.

وتكشف الضربات المتزامنة عن هشاشة المساعي الرامية إلى الحد من استهداف المنشآت الحيوية، في وقت تتبادل موسكو وكييف الاتهامات بخرق التفاهمات، بينما تتزايد المخاوف من تأثير الهجمات على إمدادات الكهرباء والوقود مع اقتراب فصل الشتاء.

حرائق وهجمات بمئات المسيّرات

واستهدفت طائرات مسيّرة أوكرانية، ليل السبت - الأحد، منشآت نفطية وصناعية في سان بطرسبورغ ومقاطعة لينينغراد المحيطة بها، ما أدى إلى اندلاع حرائق في محطة سان بطرسبورغ النفطية ومنشأة روتشي لتخزين النفط ومستودعات صناعية في جنوب المدينة.

وقال حاكم سان بطرسبورغ ألكسندر بيغلوف إن الهجوم أسفر عن مقتل شخص وإصابة خمسة آخرين نُقلوا إلى المستشفى، فيما لحقت أضرار بنحو 12 مبنى سكنياً ومنزلين. كما أعلنت شركة «أوزون» الروسية للتجارة الإلكترونية تعرض أحد مراكزها اللوجستية لضربة بطائرة مسيّرة.

وفي مقاطعة لينينغراد، قال الحاكم ألكسندر دروجدنكو إن الدفاعات الجوية أسقطت 145 طائرة مسيّرة خلال الليل، وهو أكبر عدد من المسيّرات تشهده المنطقة منذ بدء الحرب عام 2022؛ بحسب وكالة «تاس» الروسية. وأضاف أن الهجمات تسببت في انقطاع الكهرباء عن نحو 20 ألف شخص.

وأعلنت وزارة الدفاع الروسية إسقاط 1015 طائرة مسيّرة أوكرانية فوق نحو 15 منطقة روسية خلال الليل، بينها مناطق في جنوب البلاد وغربها ومنطقة موسكو.

وامتدت الهجمات إلى البنية التحتية الرقمية؛ إذ أعلنت شبكة «في كيه» الروسية تعرض مركز بيانات تابع لها في المنطقة لهجوم، مؤكدة استمرار خدماتها بصورة طبيعية. وقالت شركة «فاير بوينت» الأوكرانية المصنعة للطائرات المسيّرة إن الجيش الأوكراني استهدف المركز.

ووصف المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف الهجوم على سان بطرسبورغ بأنه دليل على مقاومة كييف، لكنه قال إن ذلك لن يغير مسار الأحداث، مؤكداً أن روسيا تواصل الرد على الهجمات الأوكرانية بضربات واسعة.

كييف تتهم موسكو بخرق الهدنة

صورة من مقطع فيديو تظهر تصاعد النيران بالقرب من محطة نفط في سانت بطرسبرغ عقب هجمات بمسيّرات أمس (رويترز)

في المقابل، أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن القوات الروسية استهدفت منشآت كهرباء في مقاطعات فينيتسا وجيتومير وخميلنيتسكي وأوديسا، ما أدى إلى انقطاع الكهرباء عن عشرات الآلاف من الأسر.

وقال زيلينسكي إن الهجمات الروسية خلال الأسبوع الماضي شملت نحو 2700 طائرة مسيّرة و1700 قنبلة جوية و66 صاروخاً، معظمها باليستية. وأضاف أن روسيا نفذت 76 هجوماً على قطاعات الطاقة والنفط والغاز الأوكرانية منذ إعلان ترمب الهدنة قبل أسبوع.

وأسفرت الضربات الروسية، وفق زيلينسكي، عن مقتل شخصين وإصابة 12 آخرين، بينهم طفلان، فيما تعمل فرق الإصلاح على مدار الساعة لإعادة التيار الكهربائي.

وتأتي هذه التطورات بعد انقطاعات واسعة للكهرباء شهدتها أوكرانيا خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، في وقت تزيد فيه الحاجة إلى الطاقة مع اقتراب الشتاء.

خلاف أميركي أوكراني

كان ترمب قد دعا مراراً زيلينسكي إلى وقف استهداف مصافي النفط ومستودعاته الروسية، معتبراً أن هذه الهجمات تسهم في رفع أسعار الوقود. وتقول كييف إن ضرباتها تأتي رداً على القصف الروسي لمنشآت الطاقة الأوكرانية، وتهدف أيضاً إلى تقليص عائدات موسكو النفطية التي تمول الحرب.

لكن الهدنة المعلنة لم تمنع استئناف الهجمات؛ إذ أعلنت أوكرانيا الخميس عزمها استئناف ضرب مصافي النفط، متهمة روسيا بعدم الالتزام بالتفاهمات.

وزادت التوترات تعقيداً بعد توقيع ترمب، الجمعة، أمراً تنفيذياً علّق بموجبه عقوبات ورسوم جمركية تستهدف عائدات النفط الروسية، عقب اتفاق مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على استئناف صادرات الديزل الروسية إلى الأسواق الأميركية والعالمية مقابل تخفيف العقوبات. وقوبلت الخطوة بتنديد أوكراني.

وبينما تسعى واشنطن إلى احتواء التصعيد، تشير الضربات المتبادلة إلى أن منشآت الطاقة لا تزال في صلب المواجهة العسكرية والاقتصادية، وأن أي هدنة لا تحظى بالتزام متبادل ستظل عرضة للانهيار، مع استمرار تعرض المدنيين لخطر انقطاع الكهرباء وتضرر إمدادات الوقود والخدمات الأساسية.


فرنسا تواجه تداعيات أسوأ اضطرابات تشهدها منذ سنوات

حريق يلتهم مبنى بلدية ليموج التاريخي بعد أن اقتحمته مجموعة من المحتجين (أ.ف.ب)
حريق يلتهم مبنى بلدية ليموج التاريخي بعد أن اقتحمته مجموعة من المحتجين (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تواجه تداعيات أسوأ اضطرابات تشهدها منذ سنوات

حريق يلتهم مبنى بلدية ليموج التاريخي بعد أن اقتحمته مجموعة من المحتجين (أ.ف.ب)
حريق يلتهم مبنى بلدية ليموج التاريخي بعد أن اقتحمته مجموعة من المحتجين (أ.ف.ب)

تواجه فرنسا تداعيات موجة من الاضطرابات الاجتماعية تعد من الأعنف منذ سنوات، بعدما تحولت احتجاجات واسعة على ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة إلى أعمال عنف ونهب واشتباكات مع الشرطة، في تطور يعكس اتساع فجوة الثقة بين قطاعات من الشارع الأوروبي وحكوماتها. ولم تقتصر موجة الغضب على فرنسا، بل توسعت في دول أوروبية أخرى؛ إذ شهدت مدن إيطالية، بينها ميلانو وتورينو، مواجهات مماثلة خلال مظاهرات ضد غلاء المعيشة، فيما تصاعدت الاحتجاجات في ألبانيا على خلفية اتهامات بالفساد ونقص فرص العمل وتدهور التعليم.

وفي فرنسا، أسفرت أحداث السبت عن وفاة أحد المتظاهرين وإصابة مئات من أفراد الشرطة والمتظاهرين، فيما أوقفت السلطات نحو 1800 شخص، في حصيلة تعكس حجم التوتر الذي اجتاح مدناً عدة، من باريس إلى مرسيليا وليون وبوردو. ويزيد التصعيد الضغوط على الرئيس إيمانويل ماكرون وحكومته، مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل، وسط مخاوف من أن تتحول المطالب الاجتماعية إلى أزمة سياسية أوسع.

احتجاجات تتحول إلى عنف

شارك أكثر من نصف مليون شخص في مسيرات شهدتها عشرات المدن الفرنسية، في حراك جمع بين احتجاجات طلابية مستمرة منذ نحو شهر واستياء اجتماعي أوسع من ارتفاع الأسعار وخفض الإنفاق العام وتراجع مستوى الخدمات الأساسية.

وبدأت التحركات على خلفية أوضاع المدارس ونقص المعلمين في ضواحي الطبقة العاملة، قبل أن تتسع لتشمل مطالب تتعلق بعدم المساواة وتكاليف المعيشة. ورغم أن غالبية المشاركين احتجوا سلمياً، استغلت مجموعات عنيفة المظاهرات لاستهداف مبانٍ عامة ومتاجر، ونهب محال فاخرة وكبرى، وإضرام النار في سيارات وممتلكات، والاشتباك مع قوات الأمن.

وفي باريس، سجلت الشرطة 855 حالة اعتقال، وهو رقم غير مسبوق في العاصمة، فيما تجاوز إجمالي الموقوفين في أنحاء البلاد 1800 شخص، وفق وزير الداخلية لوران نونيز، الذي أعلن إصابة أكثر من 500 من أفراد الشرطة. كما أُصيب متظاهرون، فيما توفي أحد المشاركين في الاحتجاجات إثر سكتة قلبية.

وقال رجل الأعمال الهولندي تايه دي بوير، الذي كان يزور باريس برفقة أطفاله، إن الأضرار التي لحقت بالفندق الذي يقيم فيه في ساحة الجمهورية اضطرته إلى إخلائه، واصفاً المشهد بأنه «أشبه بمنطقة حرب».

مدن تستيقظ على مشاهد الدمار

عامل في البلدية ينظف الشارع في اليوم التالي لاندلاع اشتباكات يوم السبت العنيفة في مدينة مرسيليا بفرنسا (رويترز)

مع بزوغ صباح الأحد، بدأت فرق النظافة والبلديات عمليات واسعة لإزالة آثار ليلة من العنف، فيما واجه السكان وأصحاب الأعمال حجم الخسائر التي خلفتها المواجهات.

وفي وسط باريس، بدت الشوارع مغطاة بالنفايات والبضائع المنهوبة، فيما تناثرت الدراجات الهوائية المحطمة وظهرت آثار الحرائق على واجهات المباني والمتاجر. وتكررت المشاهد في مرسيليا وليون، فيما امتدت الأضرار إلى مدن أخرى في شمال البلاد وشرقها وجنوبها الغربي.

وفي مدينة ليموج، أضرم مثيرو شغب النار في مبنى البلدية التاريخي المدرج ضمن مواقع التراث المحمية. وقال موريس بارات، محافظ إقليم أوت فيين، إن تدخلات الطوارئ أسهمت في إنقاذ الجزء الخلفي من المبنى.

كما شهدت بوردو اقتحام مجموعة من الملثمين مقر إقامة مسؤول محلي، فيما أكد وزير الداخلية أن مئات المتاجر تعرضت لأضرار خلال أحداث يوم السبت.

وتعهد وزير الاقتصاد رولان ليسكور بتقديم الدعم لأصحاب الأعمال المتضررين، محذراً من أن المسؤولين عن التخريب والنهب سيواجهون المحاسبة، وأن عليهم تحمل تبعات الأضرار التي تسببوا فيها.

ماكرون أمام اختبار سياسي

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)

وتضع الاضطرابات الحكومة الفرنسية أمام تحدٍّ مزدوج: احتواء العنف وإعادة النظام إلى الشوارع من جهة، والتعامل مع أسباب الاحتقان الاجتماعي التي غذت الاحتجاجات من جهة أخرى.

وألقى رئيس الوزراء، سيباستيان لوكورنو، بالمسؤولية عن أعمال العنف على اليسار المتطرف والمجرمين، في وقت تتزايد فيه الضغوط على السلطة التنفيذية لتقديم استجابة تتجاوز الإجراءات الأمنية.

وتكمن المعضلة الحكومية في أن الاحتجاجات لم تعد محصورة في مطالب طلابية أو اعتراضات قطاعية، بل اتسعت لتلامس قضايا تمس الحياة اليومية لشرائح واسعة، من القدرة على تحمُّل نفقات المعيشة إلى جودة الخدمات العامة والإنفاق على التعليم.

ومع اقتراب الاستحقاق الرئاسي، قد تؤثر طريقة تعامل الحكومة مع الأزمة في صورتها السياسية، خصوصاً إذا استمرت المواجهات أو لم تقترن التدابير الأمنية بخطوات ملموسة لمعالجة المطالب الاجتماعية.

إيطاليا: مواجهات مشابهة

وفي إيطاليا، شهدت بعض المدن مواجهات مشابهة لما حدث في فرنسا؛ إذ وقعت اشتباكات خلال مظاهرات خرجت احتجاجاً على ارتفاع تكاليف المعيشة، في مشهد يعكس امتداد الغضب الاجتماعي إلى خارج فرنسا.

وأفادت وكالة الأنباء الإيطالية «أنسا» بأن ميلانو كانت بؤرة المواجهات الأبرز، حيث رشق شبان ملثمون يرتدون ملابس سوداء الشرطة بالألعاب النارية والزجاجات في ساحة بيازا دومو، وسط المدينة، وأقاموا متاريس دفعت قوات الأمن إلى التراجع مؤقتاً وانتظار وصول تعزيزات.

وامتدت الاشتباكات إلى تورينو وبولونيا وبيرغامو، حيث ألقى متظاهرون الحجارة والألعاب النارية باتجاه الشرطة. وفي ميلانو وحدها، أُصيب أربعة من أفراد الشرطة على الأقل ونحو 20 متظاهراً، فيما أُلقي القبض على أكثر من 50 شاباً، نصفهم قاصرون، وفقاً للتقارير.

وتسلط هذه الأحداث الضوء على صعوبة احتواء الاحتجاجات عندما تتداخل المطالب المعيشية مع الغضب من الأوضاع الاقتصادية، ولا سيما في ظل تصاعد الضغوط على الأسر بسبب تكاليف الحياة.

ألبانيا: الاحتجاجات ضد الحكومة

عناصر من الشرطة يسيرون وسط غاز مسيل للدموع خلال احتجاج مناهض للحكومة نظمه طلاب في تيرانا بألبانيا (رويترز)

وفي ألبانيا أيضاً، اتخذت الاحتجاجات منحى سياسياً أكثر وضوحاً، مع تصاعد الدعوات إلى استقالة رئيس الوزراء إيدي راما، على خلفية اتهامات بالفساد ونقص الوظائف وتراجع معايير التعليم.

واجتاحت مظاهرات يقودها طلاب وسط العاصمة تيرانا، قبل أن تمتد إلى مدن أخرى خلال الأسبوع الماضي. وأضرم محتجون النار في مبانٍ حكومية ومصارف، واقتلعوا حجارة الأرصفة لإلقائها على الشرطة، التي ردت باستخدام الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه والرصاص المطاطي.

ورفض راما دعوات التنحي، معتبراً أن التحدي الحقيقي لا يتعلق بمستقبل حكومته وحدها، بل بمسار ألبانيا نحو الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وقال في خطاب بث عبر «فيسبوك» إن على الألبان التفكير ملياً في الاتجاه الذي يريدون أن تسلكه بلادهم، محذراً من أن الاضطرابات قد تهدد هذا المسار.

وتشكل الاحتجاجات أكبر تحدٍّ يواجه راما منذ توليه السلطة عام 2013، وفوزه بولاية رابعة العام الماضي. وقد جاءت بعد أشهر من احتجاجات اتسمت بالسلمية إلى حد كبير ضد مشروع تطوير ساحلي فاخر يدعمه جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وتواجه ألبانيا منذ سنوات انتقادات تتعلق بالفساد والجريمة المنظمة وغسل الأموال، في حين تؤكد الحكومة أنها تكثف جهود مكافحة الفساد. وتسعى البلاد، إلى جانب الجبل الأسود، إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بحلول عام 2030.

وقالت الشرطة الألبانية إن 388 شخصاً وُجهت إليهم اتهامات بارتكاب جرائم خلال المظاهرات، فيما أصيب عشرات من أفراد الشرطة والمتظاهرين.

ترمب: الهجرة سبب اضطرابات فرنسا

شخص يركل عبوة غاز مسيل للدموع فيما يتجمع متظاهرون بساحة الجمهورية في باريس يوم 18 أكتوبر 2026 (رويترز)

ودخل الرئيس الأميركي دونالد ترمب على خط الأزمة الفرنسية، مستخدماً منصته «تروث سوشيال» لربط الاضطرابات بالهجرة. وكتب أن هجرة أشخاص من «عالم مختلف كلياً» مزقت، على حد تعبيره، دولة كانت عظيمة في السابق، مضيفاً أن «فرنسا تحترق»، وداعياً إلى إغلاق الحدود والسيطرة على الأوضاع قبل فوات الأوان.

وكان نائبه، جي دي فانس، قد تبنى موقفاً مماثلاً؛ إذ اتهم السياسات الليبرالية الغربية باستقدام مهاجرين من دول العالم الثالث تحت شعارات التنوع والتعاطف، معتبراً أن الحكومات تجاهلت قضايا الاندماج والتوافق المجتمعي.

غير أن هذه التصريحات تمثل قراءة سياسية أميركية لأحداث فرنسا، ولا تثبت أن الهجرة هي سبب الاضطرابات. فالمعطيات الواردة عن الاحتجاجات تشير أيضاً إلى عوامل اقتصادية واجتماعية، من ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة إلى عدم المساواة ونقص فرص العمل، فضلاً عن المطالب المرتبطة بالتعليم والفساد في البلدان الأخرى.

أزمة تتجاوز الحدود الوطنية

تكشف التطورات في فرنسا وإيطاليا وألبانيا عن أزمات متباينة في أسبابها المباشرة، لكنها تتقاطع في اتساع السخط الشعبي وتراجع الثقة بقدرة السلطات على الاستجابة لمطالب المواطنين.

ففي فرنسا وإيطاليا، برزت تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات بوصفهما من أبرز محركات الاحتجاج، فيما تركز الغضب في ألبانيا بدرجة أكبر على الفساد والوظائف والتعليم، وعلى أداء الحكومة ومسار الإصلاح السياسي.

ومع ذلك، فإن تحول بعض المظاهرات إلى أعمال عنف ونهب يضيف بعداً أمنياً إلى هذه الأزمات، ويضع الحكومات أمام اختبار قدرتها على حماية الممتلكات العامة والخاصة من دون تجاهل المطالب التي دفعت المواطنين إلى الشوارع.

وبالنسبة إلى فرنسا، لا يقتصر التحدي على إعادة تنظيف الشوارع وإصلاح الأضرار، بل يمتد إلى استعادة الثقة واحتواء الاستياء الاجتماعي قبل أن يتحول إلى عامل حاسم في المشهد السياسي مع اقتراب الانتخابات الرئاسية. أما في بقية الدول، فتشير الاحتجاجات إلى أن التعامل مع الضغوط المعيشية والفساد والخدمات العامة بات جزءاً أساسياً من معادلة الاستقرار الداخلي، في وقت تتسع فيه رقعة الغضب من باريس إلى مدن أوروبية أخرى.


البابا يخاطب حشوداً في الفاتيكان بعد خضوعه لجراحة استئصال ورم سرطاني

البابا ليو الرابع عشر (إ.ب.أ)
البابا ليو الرابع عشر (إ.ب.أ)
TT

البابا يخاطب حشوداً في الفاتيكان بعد خضوعه لجراحة استئصال ورم سرطاني

البابا ليو الرابع عشر (إ.ب.أ)
البابا ليو الرابع عشر (إ.ب.أ)

خاطب البابا ليو الرابع عشر آلاف الذين احتشدوا في ساحة القديس بطرس، الأحد، وذلك في أول صلاة أسبوعية له منذ خضوعه لجراحة استئصال ورم سرطاني في الرئة.

وغادر رأس الكنيسة الكاثوليكية التي تضم 1.4 مليار شخص في العالم، المستشفى، في روما، السبت، بعد فترة نقاهة أمضاها فيه عقب خضوعه لجراحة الثلاثاء، تمَّ خلالها استئصال ورم سرطاني وجزء من رئته اليمنى.

وأطل البابا البالغ 71 عاماً من نافذة الشقة البابوية، وبدا في حالة جيدة، وتحدث بطريقة طبيعية ودون صعوبة.

وشكر البابا من صلُّوا لأجله، قائلاً: «بعد تجاوز هذه المرحلة الدقيقة -كما تعلمون- سأستأنف الآن أنشطتي تدريجياً»، وذلك على وقع هتافات: «يعيش البابا!» في الساحة.

وأُدخل ليو الرابع عشر الثلاثاء إلى مستشفى «جيميلي» في روما، الواقع شمال الفاتيكان؛ حيث خضع للعملية. وعاد إلى الفاتيكان السبت؛ إذ اعتبر طبيباه أنه «بات مؤهلاً لمغادرة المستشفى».

وقد ألغى ليو الرابع عشر كل استقبالاته حتى 20 أكتوبر (تشرين الأول).

وكان البابا قد تولى بنفسه في 11 أكتوبر إبلاغ الجمهور المحتشد في ساحة القديس بطرس أنه سيخضع «في الأيام المقبلة» لعملية جراحية لإزالة ورم اكتُشف «في مرحلة مبكرة جداً»؛ مشيراً إلى أن «الأطباء يرون أن التدخل الجراحي هو الخيار الأنسب».

ولا تزال نتائج الفحوص الرامية إلى تحديد ما إذا كان السرطان قد انتشر قيد الانتظار.

واستأنف البابا بعضاً من أنشطته في المستشفى؛ إذ أجرى اتصالاً الجمعة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حثَّه فيه على وقف إطلاق النار في مدينة أوليشكي الأوكرانية التي تحتلها موسكو.