«تجرحني بخفة وتعلو» مراوغة الوجود في فضاء القصيدة

جمال القصاص يلوذ بالشعر والمرأة من الشيخوخة والحروب

«تجرحني بخفة وتعلو» مراوغة الوجود في فضاء القصيدة
TT

«تجرحني بخفة وتعلو» مراوغة الوجود في فضاء القصيدة

«تجرحني بخفة وتعلو» مراوغة الوجود في فضاء القصيدة

يبدو ديوان «تجرحني بخفة وتعلو»، للشاعر المصري جمال القصاص، منذ عنوانه مفتوحاً على احتمالات تأويلية متعددة، فإذا كان المفعول به في هذه الجملة الفعلية واضحاً، وهو ياء المتكلم، الذي يعود على الذات الشاعرة، فإن الفاعل يظل دالاً عائماً، فهو ضمير غائب، يمكن حمله على تقديرات لا نهائية، لا يحدها شيء سوى كونها مؤنثة، فهي المرأة، والحياة، والقصيدة، والموسيقى، والشيخوخة والطفولة، والطبيعة، إلى آخر الدوال المشابهة، وكلها تطل برأسها على مدار الديوان، وتمارس حضورها في الذات الشاعرة، في وجودها وكينونتها، وحتى في الندوب التي تتركها في الجسد، ومن ثم فإن هذه الدوال الغائبة كلها في حالة لعب حر مع بعضها من ناحية، ومع الذات الشاعرة من ناحية أخرى، هذه الذات التي تعشق الحواف، وتقف على حافة كل شيء، ولا تنحاز كلية لشيء سوى الحب والشعر، وحتى هذين الأخيرين تبدو العلاقة معهما مسكونة بكثير من المراوغة واللعب والإرجاء.

هذا العنوان المخاتل تتعدد تمثيلاته داخل قصائد الديوان، وكل منها يشير إلى دلالة مغايرة عن الأخرى، فمرة يقول «هي نفس الموسيقى/ تجرحني بخفة... وتعلو»، فالإحالة هنا إلى الموسيقى، لكن هذه الإحالة ليست نهائية، فسرعان ما نجد في قصيدة أخرى إحالة مغايرة، حين يقول «أشياء كثيرة لا أحبها في الشعر/ لا تجرحني بخفة/ لا تعلو ولا تسقط/ لا تفتح في جسدي كتاب الليل أو النهار/ تضع في كفي متاهة تشبهني»، غير أن هذا الاقتران بالشعر ليس نهاية المطاف، فسرعان ما تنفتح دالة تجرحني على إحالة أكثر اتساعاً «سأرحل../ كل شيء يجرحني بخفة ويعلو/ كأني محض رغبة/ محض شبح». فالجملة المفتاحية التي تأتي في العنوان تنزاح دلالاتها من قصيدة لأخرى، وتظل في حالة لعب حر، وفي كل مرة تكتسي دلالات جديدة، ليصبح المعنى في المقطع الأخير أكثر اتساعاً، ولا يقتصر على الموسيقى أو الشعر، إنما أكثر نزوعاً نحو ظلال وجودية وفلسفية.

الديوان الصادر أخيراً عن دار «بتانة للنشر» في القاهرة، في أكثر من ثلاثمائة صفحة، يتكون من اثنتي عشرة قصيدة، كل منها تتكون من مجموعة مقاطع. وعلى مدار هذه القصائد، وفي كل قصيدة على حدة أيضاً، نرى الذات الشاعرة وقد جمعت الحياة من طرفيها، من لحظة الطفولة التي ما زالت حاضرة، كمعنى ونزق ورغبة في الاكتشاف، وحتى شيخوخة الذات، وما بينهما من استعادات للحظات جوهرية في هذه المسيرة الوجودية والعاطفية والجسدية وحتى السياسية، حتى إنه يمكن قراءة الديوان بوصفه سيرة شعرية مشفرة لهذه الذات التي تستعيد الماضي من جهة، ولا تكف عن البدء من جديد، سيرة لمراوغة العالم، لترويضه، لشعرنته، لمحاولة جعل الوجود أكثر ألفة، لإعادة تنظيمه في كلمات، فالشاعر صياد قديم - ومفردة صياد تتكرر أكثر من مرة في عدة قصائد - والقصيدة شبكته التي يلقي بها في لجة الوجود الصاخبة، محاولاً في كل مرة أن يظفر بغنيمة شعرية.

الالتباس والتداخل هو جوهر هذا الخطاب الشعري، فتتقاطع الذات الشاعرة مع الذات الشخصية لجمال القصاص، الذي يحضر باسمه في أكثر من نص، والذاتي يلتبس بالموضوعي ويتداخل معه، والعاطفي يمتزج بالأيروتيكي، والأحداث السياسية بالأزمات الصحية، والشيخوخة بطفولة جديدة. هنا، ذات تدرك تعددها، تدرك أن العالم عجينة نيئة، ألوان متعددة، ظلمة مسكونة بالنور، ونور مشوب بظلمة، ظلال لا متناهية، تتداخل كلها داخل الذات، فتحاول ترويض هذه المتاهة، متاهة الأنا ومتاهة العالم:

«الحياة متاهتنا الصغيرة نشبكها في أصابعنا

نحدثها عن ماض كان يشبهنا عن ظل دائماً يسبقنا

حين نتعب نتمسح في غباره»

رغم ضخامة الديوان، وإمكانية قراءة كل مقطع بشكل منفصل، فإنه محكم البناء، ويبدو مترابطاً منذ بدايته وحتى نهايته، كوحدة واحدة، وسؤال كبير مفتوح على إجابات شتى. فالشاعر يستهل الديوان بمساءلة ذاته بهذا السؤال الوجودي: «ماذا فعلت في هذه الحياة/ لا شيء يحرس عريك/ يؤنس وحدتك/ يضع شمعة صغيرة فوق الرف»، وإذا كان هذا المقطع هو ما أول يطالعه القارئ في الديوان، فإن إجابة السؤال تأتي في نهاية الديوان، ليس في القصيدة الأخيرة، لكن في المقطع الذي اختاره الشاعر ليكون على الغلاف الخلفي «ما زلت أحلم/ أتعرف على جسدي/ على نفسي/ على اسمي/ على حياة/ تركتها خلفي/ لم أودّعها/ فقط.../ نزّت الدموعُ من يدي/ وأنا أعلق الكتاب». وبين سؤال البدء، وإجابة الختام، تتناسل على مدار الديوان عشرات الأسئلة الأخرى المعلقة، عن الشعر، والحياة، والحب، والحرب، والمرأة، والجسد، وعن وجود ظل معلقاً على الحافة، وعن طفل يسكن الذات، ولا يتوقف عن محاولة البدء من جديد، فتصير النهايات بدايات أخرى، ليتحول الزمن إلى بنية دائرية، وليس خطاً فيزيائياً مستقيماً، فهو زمن شعري لا متناهٍ، زمن تعيد القصيدة والحب خلقه من جديد، لتمنحه طفولة لانهائية:

«ربما نحلم ببداية جديدة

في هذه السن الطائشة المجنونة

ربما تعرف النهايات كيف تسند القلب

توهمه بسعادة مؤجلة

تشبه الحنين أو النسيان»

وإذا كان الديوان مترابطاً بشكل بنائي، فإنه أيضاً يبدو مشدوداً ومترابطاً مع الدواوين السابقة للشاعر نفسه، فإذا كان الشاعر على مدار الديوان يراوع الحياة والزمن، فإن دواوينه السابقة قادرة على مراوغة النسيان وممارسة الحضور في القصائد الجديدة، مكتسبة حياة أخرى ووجوداً جديداً، فتحضر كثير من عناوين دواوين السابقة، بل بعض مقاطع من تلك الدواوين، في أكثر من قصيدة داخل هذا الديوان، وكأنها تولد من جديد، لتعيش طفولة نزقة - هي الأخرى - داخل القصائد الحديثة، فنرى حضوراً لدواوين «من أعلى بمحاذاة الموسيقى» و«السحابة التي في المرآة»، و«خصام الوردة»، و«بالكاد أعبر الشارع».

ثمة مرتكزان رئيسان في الديوان: الشعر والمرأة، وكلاهما يفضي إلى الآخر، ويسكنه، أو إنهما يندغمان أحياناً ليصيرا شيئاً واحداً، فالمرأة قصيدة متجسدة، والقصيدة امرأة لغوية، وكل منهما تستمد جدارتها من تشكيلها وتفاصيلها المغايرة للمعتاد، وتمثلان معاً الفضاء الآمن للذات، والملاذ من قسوة العالم وحروبه وأوبئته وغباره، فالشعر هو حارس الذات، ومرشدها إذا تعثرت الخطوات في الطريق «ببساطة شديدة أحب شعري/ يحرسني حين أنام/ وحين تتعثر خطوتي في الطريق/ يشدني من أذني ويهتف:/ انتبه... تشعبت قرون المشهد». أما المرأة، فإنها تعيد تشكيل هذه الذات، التي تتماهى معها، وتصير جزءاً من تجلياتها، وتعترف أنها صنيعة هذه الأنوثة: «يمكنني أن أواجه الظلمة برائحتك/ أضحك حين أصطدم بصدى صوتك/ ببقايا ظلك (....) كأن الكلمات كلها تخرج منك/ كأنني محض رائحتك». هكذا تتجلى مركزية كل من الشعر والمرأة في وجود الذات الشاعرة وعالمها، بل تذهب هذه الذات إلى القول إنهما معاً هما العالم، ولا تحقق لهذا العالم من دونهما:

«لا أعرف شكل العالم بلا شعر

لا أطيقه

تماماً مثل جسدي الفارغ منكِ»

هذه المركزية للشعر والمرأة تتجلى جمالياً في استخدام الضمائر على مستوى قصائد الديوان، إذ يغلب استخدام ضمير «أنتِ» المخاطبة، وكأن ثمة حالة حوارية دائمة مع امرأة ما، فتصير القصيدة بيتاً للحب غير المتحقق في الواقع، وفضاء للاتصال المؤجل في الحياة. أما الضمير الآخر الذي يقارب «أنتِ»، فهو ضمير الأنا، وكثيراً ما يكون استخدامه - أيضاً - في مقاربة علاقة الذات بالقصيدة أو بالحب، مقدماً مفاهيمه عن كليهما، فكثير من قصائد الديوان يمكن قراءتها بوصفها «ميتا شعر»، فإذا كانت الأنثى تخلق الذات، فهذه الأخيرة تخلق الشعر، وتكشف عن طبيعة مطبخها الشعري «بوسعي أن أخلق القصيدة/ من منفضة سجائر/ من حفرة عرجاء/ من صرخة فأر»، ولا تتوقف عند هذه الحدود، وتتعداها إلى وصف طبيعة اللغة الشعرية، وانحيازها إلى اللغة التي تولد من رحم الحياة وصخبها ومواضعاتها، وليس من متاحف القواميس والمعاجم، دلالة على انتماء الشعر للعالم، للحركة، للواقع المعيش:

«أكره الألفاظ المحنطة في المعاجم

اللغة حيث أمشي

حيث أرى

حيث ألمس

حيث أحس...

تلتحف قدميّ كعشبة

كبصقة...

كبقعة ضوء

فرت من غبار الرصيف».


مقالات ذات صلة

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

ثقافة وفنون دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون محمود البريكان... شعرية الاغتراب

محمود البريكان... شعرية الاغتراب

تجربة الشاعر محمود البريكان، بوصفه أحد شعراء الحداثة العراقيين، المجايلين للشاعر بدر شاكر السياب، منذ خمسينات القرن الماضي، تجربة شعرية متفردة إلى حدٍ كبير.

فاضل ثامر
الوتر السادس مصطفى الجارحي: أغنياتي مُحمّلة بطاقات شعرية لا تخضع لحسابات السوق

مصطفى الجارحي: أغنياتي مُحمّلة بطاقات شعرية لا تخضع لحسابات السوق

كان لأغنيات الشاعر مصطفى الجارحي التي لحنها وغناها الفنان مصطفى رزق، مطرب الجاز المصري، حضور كبير في النسيج الدرامي لمسلسل «ولاد الشمس».

حمدي عابدين (القاهرة)
كتب ركائز الخطاب الشعري في أعمال الأبنودي

ركائز الخطاب الشعري في أعمال الأبنودي

صدر حديثا عن المجلس الأعلى للثقافة في مصر كتاب «عبد الرحمن الأبنودي: شاعر الهوية المصرية» للناقد الدكتور رضا عطية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق الشاعر ناصر بن جرّيد (صور متداولة للراحل)

الشاعر ناصر بن جرّيد… عبَر سكة التائهين ثم رحل

فقد الوسط الفني والثقافي والأدبي والرياضي في السعودية، الشاعر والأديب ناصر بن جرّيد، بعد معاناة مع المرض، تاركاً إرثاً لافتاً جمع بين الموهبة والإبداع.

بدر الخريف (الرياض)

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.