«الشرق الأوسط» من داخل الخرطوم...سودانيون يُعيدون للحياة نبضها وحيويتها

سلطات العاصمة تبذل جهوداً لاستعادة الخدمات الأساسية في العاصمة السودانية

TT

«الشرق الأوسط» من داخل الخرطوم...سودانيون يُعيدون للحياة نبضها وحيويتها

وسط العاصمة الخرطوم عاد إلى الحياة فيما تبحث السلطات سبل إصلاح المرافق الاستراتيجية (الشرق الأوسط)
وسط العاصمة الخرطوم عاد إلى الحياة فيما تبحث السلطات سبل إصلاح المرافق الاستراتيجية (الشرق الأوسط)

رغم الخسائر والخراب والسماء المُلبدة بغيوم المسيّرات الانتحارية، وتفشي الأوبئة والأمراض ونقص الخدمات الضرورية في الكهرباء والمياه والدواء يعود الآلاف من النازحين إلى العاصمة السودانية الخرطوم، يزيلون الرُّكام والأنقاض ويعيدون تأهيل منازلهم ويفتحون باباً للأمل والتمسك بالأرض ومزاولة حياتهم اليومية بحلوها ومُرها.

في منطقة الكدرو، الضاحية الشمالية لمدينة الخرطوم بحري التي تبعد نحو 18 كيلومتراً عن العاصمة، يقف المواطن الطيب موسى، داخل محله التجاري، الذي أعاد ترميمه وتأهيله بعد فترة نزوح طويلة منذ اندلاع المواجهات المسلحة بين الجيش السوداني، و«قوات الدعم السريع»، منتصف أبريل (نيسان) 2023.

الطيب موسى تجول نازحاً بين مدن السودان وأكد أن «منزلك المُحطم أفضل من بيوت الإيجار في مدن النزوح» (الشرق الأوسط)

يقول موسى، وهو رجل أربعيني لـ«الشرق الأوسط»: «منذ الطلقة الأولى للحرب نزحت إلى مدن سنار ثم الدمازين (جنوب شرق) نحو العامين، ثم إلى القضارف، وكسلا (شرق)، وعطبرة (شمال). وقبل ثلاثة أشهر رجعت إلى مدينة بحري. كانت فترة صعبة وقاسية». ويضيف: «كافحت طيلة الفترة الماضية من أجل توفير لقمة العيش... النزوح تجربة مريرة، لكننا واجهنا الصعاب بصلابة وروح قتالية». وتابع بالقول: «بعد العودة، نواجه حالياً خطر المسيرات الانتحارية والاستراتيجية، ونقص الكهرباء والمياه والدواء، لكن المنزل حيث نشأنا وترعرعنا حتى لو كان مُحطماً ومدمراً أفضل من بيوت للإيجار في مدن النزوح».

الصبر والعزيمة

بسبب الدانات والرصاص الطائش في الأيام الأولى للحرب، اضطرت المواطنة إيهاب أحمد، إلى ترك منزلها بحي أم بدة بمدينة أم درمان إلى محلية جبل أولياء جنوب العاصمة الخرطوم بحثاً عن الأمن والأمان.

إيهاب أحمد عادت إلى الخرطوم لتبدأ رحلتها الجديدة من الصفر (الشرق الأوسط)

تقول إيهاب في حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أدير محلاً صغيراً للطباعة وتصوير المستندات بسوق الشهداء بمدينة أم درمان، لكنني تركته مُجبرة بسبب الحرب وتعرَّض للسرقة والحرق والدمار». وأضافت بالقول: «عندما وصلت المواجهات المسلحة إلى محلية جبل أولياء، غادرنا المنطقة واتجهنا إلى شمال أم درمان مرة أخرى، وعند استيلاء الجيش السوداني على العاصمة الخرطوم، واستباب الأمن، رجعت مرة أخرى إلى متجري، وبدأت من الصفر بشراء ماكينة طباعة واحدة، وواجهت كل الصعوبات والتحديات». وتابعت: «عدنا وسط الخراب والدمار بملء إرادتنا لنشتري حياة جديدة. كل شيء سيئ وصعب للغاية لكن قلوبنا وذكرياتنا هنا».

مواجهة الصعوبات

يقول المواطن عبد الباقي إسماعيل 50 عاماً، الذي يدير محلاً تجارياً للملابس الجاهزة: «في الأشهر الأولى للحرب غادرت الخرطوم ونزحت إلى مدينة كوستي بولاية النيل الأبيض (جنوب)، لكنني رجعت مؤخراً إلى شارع الدكاترة بمدينة أم درمان لمزاولة نشاطي الذي تعطل بسبب العنف والقتال».

عبد الباقي إسماعيل عاد في مواجهة نقص الخدمات وانهيار المستشفيات وتفشي الأوبئة (الشرق الأوسط)

وأضاف إسماعيل في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «عملت في مهنة بيع الملابس الجاهزة لأكثر من 30 عاماً. قدرنا أن نستمر في العمل رغم الصعوبات الكبيرة، وأكثر من 20 محلاً تجارياً زاول نشاطه في المنطقة». وتابع: «أكبر مشكلة واجهتنا حالياً تتمثل في نقص الخدمات الضرورية وانهيار المستشفيات والمراكز الصحية وتفشي الأوبئة والأمراض وغلاء الأدوية وارتفاع تكاليف المعيشة».

تقارير دولية

في 21 أكتوبر (تشرين الأول) 2025، قالت «المنظمة الدولية للهجرة» إن ما يُقدَّر بنحو 2.7 مليون شخص من بين أكثر من 3.77 مليون شخص نزحوا من الخرطوم، قد يعودون إليها، رغم ظروف الحياة القاهرة ونقص الخدمات.

باتت الحياة تنبض في العاصمة تدريجياً في محاولة لهزيمة الواقع المرير (الشرق الأوسط)

وفي جميع أنحاء السودان، وفق المنظمة الدولية، سجل تقرير للمنظمة عودة 2.6 مليون شخص إلى مناطقهم الأصلية خلال الفترة نفسها، نصفهم تقريباً من الأطفال. وشمل ذلك أكثر من مليوني شخص من النازحين داخلياً، و523844 من الخارج، معظمهم من مصر وجنوب السودان وليبيا.

تطمينات حكومية

وكشف وزير الشؤون الاجتماعية بولاية الخرطوم، صديق فريني، عن جهود مبذولة من الحكومة لمواجهة متطلبات الكثافة العالية للعائدين إلى منازلهم وتوفير الخدمات الضرورية من المياه والكهرباء والدواء وبسط الأمن.

 

وزير الشؤون الاجتماعية بولاية الخرطوم صديق فريني متحدثا للصحيفة عن قضايا إعادة تاهيل المرافق (الشرق الأوسط)

وأشار فريني في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى إنشاء نحو 87 مركز إيواء في الخرطوم لاستضافة 15 ألف نازح من ولايات دارفور، و12 ألفاً من ولايات شمال وغرب وجنوب كردفان والتعامل مع احتياجاتهم ومتطلباتهم بكل مسؤولية.

وأضاف بالقول: «أهم القرارات تمثلت في تكليف عضو مجلس السيادة إبراهيم جابر رئاسة اللجنة العليا لتهيئة البيئة المناسبة لعودة المواطنين إلى ولاية الخرطوم، وهذه اللجنة جاءت وفي يدها سلطات واسعة لتلبية متطلبات الحياة للمواطنين في ولاية الخرطوم، وعلى رأسها إعادة محطات المياه والتيار الكهربائي إلى الأحياء المختلفة ونظافة آثار ومخلفات الحرب، وهي بكثافة كبيرة تفوق التي شاهدناها في الأفلام السينمائية».

المسيرات تهدد العائدين

يقول فريني: «الآن هناك استهداف لولاية الخرطوم، كما شهدنا خلال الأسابيع الماضية بالمسيرات العادية والاستراتيجية، لكن رغم ذلك شهدنا عودة المواطنين من الداخل أو الخارج إلى الأحياء والمنازل السكنية»، لافتاً إلى تهيئة المؤسسات الصحية والمراكز الصحية وبث الحياة من جديد في المستشفيات الكبيرة، وتهيئة مطار الخرطوم الدولي والمرافق الاستراتيجية والحيوية.

بعض المتاجر عادت إلى الحياة رغم ما أصابها من دمار (الشرق الأوسط)

ونبَّه فريني إلى أن المنظمات الوطنية والإقليمية والدولية تعمل بتناغم عالٍ في تهيئة البيئة المناسبة لعودة المواطنين، وأن الحركة تدب في أوصال العاصمة الخرطوم بمحلياتها المختلفة، والأحياء الشعبية تكتظ بالسكان ومحلية كرري (شمال مدينة أم درمان) لا تكاد تجد فيها منزلاً شاغراً، والإيجارات أصبحت عالية جداً.

ونوّه بأن مراكز التنمية الاجتماعية عادت حالياً لتباشر مهامها في الإسناد النفسي للمتضررين من الحرب، خصوصاً المرأة التي تعرضت لأبشع الانتهاكات.

وأوضح أن «الحرب السودانية مُعقدة جداً ولها أبعاد سياسية وثقافية وعميقة في الأثر النفسي، وجزء كبير من هذه الحرب صُمم على الجانب النفسي، وآثارها النفسية دائماً ما تكون طويلة المدى. والحرب جاءت لتبعد الإنسان عن أرضه واستهداف تاريخه وماضيه وتراثه ومتاحفه ومعارفه التي تكونت عبر قرون وشكّلت ملامح الدولة السودانية لكن تم استهدافها».

متاجر في وسط الخرطوم أصابها الدمار فيما تبحث السلطات ترتيب الأوضاع (الشرق الأوسط)

وأكد فريني أن الأسواق تشهد للمرة الأولى دخول المنتجات الزراعية والحيوانية والبستانية إلى ولاية الخرطوم، والأجهزة الأمنية تعمل على إزالة التحديات.

ومضى بالقول: «التهديد ما زال قائماً من (قوات الدعم السريع)، بمشاركة جهات خارجية، وهذا يعني أننا انتقلنا من تهديد التنمية والاستقرار إلى تهديد الوجود، والآن نحن في مرحلة إعادة ترتيب ملامح الدولة السودانية من جديد».

تأهيل مراكز الخدمات

المتحدث الرسمي باسم حكومة ولاية الخرطوم، الطيب سعد الدين، ذكر أن الأجهزة المُختصة بدأت في الإجراءات الأولية المتعلقة بالنظافة والتطهير ونقل الجثث ومعالجتها، ثم جاءت المرحلة الثانية المتمثلة في نقل الأنقاض من الشوارع وفتحها.

وزير الاعلام بولاية الخرطوم الطيب سعد الدين (الشرق الأوسط)

وأوضح سعد الدين لـ«الشرق الأوسط» أن اللجنة العليا لتهيئة البيئة المناسبة لعودة المواطنين إلى ولاية الخرطوم، برئاسة عضو مجلس السيادة إبراهيم جابر، نسقت مع حكومة الولاية وفق الأولويات وعلى رأسها تأهيل محطات الكهرباء والخطوط الناقلة للمحولات الكبيرة والخطوط الناقلة، وأن الأحياء السكنية والمناطق الخدمية استهلكت نحو 15 ألف محول كهربائي تم استيرادها من الخارج.

وكشف سعد الدين عن معالجات كبيرة لتشغيل محطات المياه، وتشغيل الآبار الجوفية عبر منظومة الطاقة الشمسية لتلبية احتياجات المواطنين من المياه الصالحة للشرب.

جانب من مبنى محترق وسط الحطام في مطار الخرطوم تسعى السلطات لإعادته إلى الحياة (رويترز)

وأشار إلى أن المؤسسات الصحية العامة والخاصة تعرضت إلى نهب كبير للأجهزة والمعدات الطبية وتدمير البنية التحتية، لكن وزارة الصحة شرعت في إعادة الخدمة إلى عدد كبير من المستشفيات، والعمل جارٍ لعودة مستشفيات إبراهيم مالك والذرة والشعب في العاصمة الخرطوم، ومستشفى أحمد قاسم المتخصص في القلب والكلى بمدينة بحري الذي يعمل بشكل جزئي، كما أن مستشفى الأطفال يعمل أيضاً، ومستشفى بحري التعليمي سيعود إلى العمل قريباً، وكذلك مستشفى حاج الصافي، ومستشفى أم درمان التعليمي دخل الخدمة، ومستشفى الوالدين للعيون عاد إلى العمل أيضاً.

وأضاف: «هناك جهود كبيرة في مجال البيئة ومكافحة نواقل الأمراض والآثار المترتبة عليها، والآن الوضع الصحي مستقر للغاية وتم دحر حمى الضنك، وقبل أشهر تم دحر الكوليرا. القطاع الصحي بدأ في مرحلة التعافي».

عناصر في الجيش يحتفلون بعد استعادتهم القصر الجمهوري في الخرطوم يوم 21 مارس 2025 (أ.ب)

وتابع سعد الدين: «كما بدأ العمل في معالجة الطرق من الحفر وسفلتة بعضها، وجرت إعادة تأهيل للجسور التي تأثرت بالحرب، وقطاع الطرق يحتاج إلى أموال ضخمة جداً، خصوصاً أن ولاية الخرطوم فقدت معظم مواردها».

والولاية تبحث عن حلول أخرى مع اللجنة العليا لإيجاد تمويل للطرق، وهناك لجان أخرى متعلقة بفرض هيبة الدولة وضبط الأمن وإفراغ العاصمة من القوات والتشكيلات المسلحة والدراجات النارية التي كانت تشكل تهديداً أمنياً، بالإضافة إلى انتشار الشرطة وفتح الأقسام والطوافات الأمنية والخلية الأمنية لاستتباب الأمن، وهي جهود كبيرة لتوفير بيئة آمنة لعودة المواطنين ومزاولة نشاطهم».


مقالات ذات صلة

قوى سودانية تتوافق على مسار جديد لوقف الحرب

شمال افريقيا جانب من مؤتمر «قوى إعلان المبادئ السوداني» الذي انعقد بالعاصمة الكينية نيروبي يومي الجمعة والسبت (إعلام محلي)

قوى سودانية تتوافق على مسار جديد لوقف الحرب

أجازت قوى سياسية ومدنية سودانية في العاصمة الكينية نيروبي ميثاق «إعلان المبادئ الثاني» وخريطة طريق لوقف الحرب والانتقال إلى الحكم المدني الديمقراطي.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
الخليج طغت دموع الفرح ومشاعر الوصول على مشاق الانتظار والسفر (الشؤون الإسلامية)

حجاج سودانيون: مشاعر الوصول طغت على مشاق الرحلة والسفر‏

في مشهدٍ يفيض بالروحانية والخشوع، رصدت «الشرق الأوسط» اللحظات الأولى لوصول دفعة الحجاج السودانيين إلى مقر إقامتهم في أحد الفنادق الكبرى بوسط مكة المكرمة.

عمر البدوي (مكة المكرمة)
العالم العربي أعمدة الدخان تتصاعد من داخل مطار الخرطوم على أثر اشتباكات سابقة بين الجيش السوداني و«الدعم السريع» (أرشيفية - رويترز)

الجيش السوداني يعلن إسقاط مسيّرة قادمة من إثيوبيا

أعلن الجيش السوداني، اليوم السبت، إسقاط مسيرة معادية بولاية النيل الأزرق قادمة من إثيوبيا. وقال الجيش السوداني، في بيان صحافي اليوم، إن «القوات المسلحة…

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا عبد الله حمدوك رئيس الوزراء السوداني الأسبق (الشرق الأوسط)

حمدوك: السودان يواجه معركة وجودية «يكون أو لا يكون»

دعا رئيس وزراء السودان السابق، «رئيس تحالف صمود»، عبد الله حمدوك، القوى السياسية والمدنية إلى الالتفاف حول رؤية واضحة لوقف الحرب

محمد أمين ياسين (نيروبي)
تحليل إخباري طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)

تحليل إخباري حرب السودان... هل اقتربت لحظة التسوية؟

بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، يبدو السودان أمام لحظة مختلفة سياسياً وإنسانياً؛ فالإنهاك العسكري والمجاعة والضغوط الدولية تدفع أطراف الصراع نحو لحظة مفصلية.

عيدروس عبد العزيز (لندن)

«يوم أفريقيا»... تعهدات مصرية بمقاربة تجمع بين التنمية وتعزيز الأمن المائي

وزير الري المصري هاني سويلم في صورة تذكارية مع متدربين أفارقة بالقاهرة (وزارة الري)
وزير الري المصري هاني سويلم في صورة تذكارية مع متدربين أفارقة بالقاهرة (وزارة الري)
TT

«يوم أفريقيا»... تعهدات مصرية بمقاربة تجمع بين التنمية وتعزيز الأمن المائي

وزير الري المصري هاني سويلم في صورة تذكارية مع متدربين أفارقة بالقاهرة (وزارة الري)
وزير الري المصري هاني سويلم في صورة تذكارية مع متدربين أفارقة بالقاهرة (وزارة الري)

في «يوم أفريقيا»، أكدت مصر استمرار دعمها تنمية القارة وتعزيز الأمن المائي والاستقرار بها، مع استضافة القمة التنسيقية للاتحاد الأفريقي في الشهر المقبل، لافتة إلى أن القارة «على أعتاب مرحلة جديدة».

وبحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن تلك التعهدات التي تجمع بين التنمية وتعزيز الأمن على كل المستويات، والعزم على استمرار تنفيذ مشروعات تعاون ثنائية مع دول القارة، تؤكد حرص القاهرة على علاقات بناء متوازنة ومتميزة.

وتحتفل القارة الأفريقية سنوياً بـ«يوم أفريقيا» في 25 مايو (أيار)، إحياءً لذكرى تأسيس «منظمة الوحدة الأفريقية» عام 1963، التي تحولت لاحقاً إلى «الاتحاد الأفريقي».

وكانت العلاقات المصرية - الأفريقية قد شهدت تراجعاً ملحوظاً في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك عقب محاولة اغتيال تعرض لها في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا عام 1995؛ غير أنه في مرحلة ما بعد 30 يونيو (حزيران) 2013، بدأت مرحلة علاقات جديدة وتعاون واسع، تولت مصر خلالها رئاسة الاتحاد الأفريقي عام 2019، ورأست تجمع «الكوميسا»، وصولاً إلى استضافة القمة التنسيقية للاتحاد الأفريقي في يونيو (حزيران) المقبل.

مشروعات واتفاقيات تعاون

بمناسبة الاحتفال بـ«يوم أفريقيا»، أكد وزير الري المصري هاني سويلم، الاثنين، حرص الوزارة على التعاون مع الدول الأفريقية، حيث نفذت كثيراً من مشروعات التعاون الثنائي في مجالات حصاد مياه الأمطار، وحفر الآبار الجوفية، والتدريب وبناء القدرات، بخلاف إطلاق الدولة آلية تمويلية بمخصصات قدرها 100 مليون دولار لتمويل دراسات ومشروعات تنموية بدول حوض النيل.

وقال سويلم إن مصر «ستواصل التزامها الراسخ بدعم الأشقاء الأفارقة في مجالات المياه والبيئة والمناخ، وتعزيز تبادل الخبرات وبناء القدرات، والعمل مع الدول والمؤسسات الأفريقية لمواجهة التحديات المشتركة، بما يدعم الأمن المائي والتنمية المستدامة والرخاء لشعوب القارة الأفريقية».

ويقول خبير الشؤون الأفريقية بالمركز القومي لدراسات الشرق الأوسط، حسين البحيري: «احتفال مصر بـ(يوم أفريقيا) يتزامن مع النجاحات الدبلوماسية المتواصلة التي حققتها القيادة السياسية المصرية بأفريقيا على كل المستويات، والذي انعكس في اتفاقيات تعاون مع عدد كبير من الدول الأفريقية، لا سيما في منطقة حوض النيل، ومنطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر».

وزير الخارجية بدر عبد العاطي يتفقد موقع سد «جوليوس نيريري» الذي تقيمه مصر بتنزانيا في مارس 2025 (وزارة الخارجية)

وضرب مثلاً بالاتفاقات الموقعة مؤخراً بين مصر وإريتريا لتعزيز التعاون في قطاعات اقتصادية حيوية مثل النقل والطاقة المتجددة، وإنشاء مصر محطة لتوليد الطاقة الشمسية في ريف جيبوتي، ومشروع سد جوليوس نيريري في تنزانيا.

«أعتاب مرحلة جديدة»

في كلمة للرئيس المصري، الأحد، بمناسبة احتفال مصر بـ«يوم أفريقيا»، أكد أن القارة تقف «على أعتاب مرحلة جديدة من البناء والتنمية».

ويكتسب اختيار الاتحاد الأفريقي «قضية المياه» موضوع هذا العام أهمية بالغة، بحسب السيسي الذي دعا إلى ضرورة احترام القانون الدولي المنظم للأنهار الدولية العابرة للحدود، وضمان الإدارة الرشيدة لتلك الأنهار، واتباع نهج يقوم على تحقيق المصالح المشتركة، والمنفعة المتبادلة، والحفاظ على السلم والأمن وتحقيق التكامل، بدلاً من التوترات.

وأكد أن مصر ستظل «شريكاً فاعلاً في دعم مسيرة التنمية والبناء بالدول الأفريقية الشقيقة من خلال تبادل الخبرات، وتنفيذ المشروعات، والانفتاح على التعاون مع مختلف الشركاء الدوليين، وذلك في إطار من الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، تحقيقاً لأولويات شعوب ودول القارة».

ويرى البحيري، في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، أن استضافة مصر للقمة التنسيقية للاتحاد الأفريقي «ترجمة حقيقية لتوظيفها أدوات الدبلوماسية السياسية والاقتصادية، ودبلوماسية الزيارات الرئاسية المكثفة»، منوهاً بزيارات السيسي إلى عدد من الدول الأفريقية خلال الفترة الأخيرة، واستقبال القاهرة عدداً لافتاً من رؤساء الدول والحكومات الأفريقية.

وتأتي هذه الخطوات، بحسب البحيري، تأكيداً لإدراك الدول الأفريقية لعمق وثقل مكانة مصر السياسية والاقتصادية والأمنية، ما جعلها وجهة للمسؤولين الأفارقة الساعين لتعزيز وتطوير مسارات العلاقات المشتركة.

وأضاف: «تقدم مصر نفسها اليوم شريكاً تنموياً واستراتيجياً موثوقاً به يُعتمد عليه في تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة».


«الأعلى للدولة» الليبي يتحرك لعزل رئيس «الرقابة الإدارية»

صورة نشرها المجلس الأعلى للدولة لجلسته في طرابلس يوم 24 مايو
صورة نشرها المجلس الأعلى للدولة لجلسته في طرابلس يوم 24 مايو
TT

«الأعلى للدولة» الليبي يتحرك لعزل رئيس «الرقابة الإدارية»

صورة نشرها المجلس الأعلى للدولة لجلسته في طرابلس يوم 24 مايو
صورة نشرها المجلس الأعلى للدولة لجلسته في طرابلس يوم 24 مايو

أعلن المجلس الأعلى للدولة في ليبيا أنه كلف مكتب رئاسته باتخاذ إجراءات ومتابعات عاجلة، وفقاً للاختصاصات القانونية والتنظيمية، للرد على قيام رئيس هيئة الرقابة الإدارية عبد الله قادربوه بتكريم مسؤولين سابقين من نظام الرئيس الراحل معمر القذافي.

اجتماع سابق لقادربوه وأعضاء من المجلس الأعلى للدولة (الرقابة الإدارية)

وفي مؤشر جديد على عمق الانقسامات حول ملف العدالة الانتقالية في البلاد، شدد المجلس، عقب جلسة تشاورية مساء الأحد، برئاسة محمد تكالة، في العاصمة طرابلس، على أن «الاحتفاء بأسماء ترتبط بوقائع وتجاوزات لا تزال حاضرة في الذاكرة الوطنية يمس مشاعر الضحايا وذويهم».

ويعني هذا التكليف، بحسب مراقبين، أن المجلس قرر نقل الأزمة من مجرد الإدانة السياسية إلى المسار القانوني والرقابي الفعلي سعياً لعزل قادربوه، مستنداً إلى صلاحياته السيادية والتشريعية في مراجعة ومراقبة أعمال وتعيينات الأجهزة الرقابية الكبرى في البلاد.

وجاء هذا التحرك بعد تحذيرات المجلس من أن الاحتفاء بأسماء مرتبطة بوقائع وتجاوزات في الذاكرة الوطنية «يهدد السلم الاجتماعي والتوافق الهش بين الأطراف الليبية».

وكان قادربوه قد كرّم هدى بن عامر، إحدى أبرز الشخصيات النسائية في عهد الرئيس الراحل معمر القذافي، والتي ارتبط اسمها في الذاكرة الليبية بـ«وقائع وإعدامات ميدانية شهيرة في ثمانينيات القرن الماضي». لكن المجلس الأعلى للدولة اعتبر في المقابل أن «الاحتفاء بشخصية تحمل هذا الإرث الجدلي يعد استفزازاً صارخاً لمشاعر الضحايا وعائلاتهم، وتحدياً لجهود المصالحة الوطنية التي تحاول البلاد إرساءها».

ولم يصدر حتى الآن أي تعليق رسمي من قادربوه أو هيئة الرقابة الإدارية للرد على انتقادات «المجلس الأعلى»، أو لتوضيح التكريم المثير للجدل.

ودخل مفتي غرب ليبيا، الصادق الغرياني، على خط هذه الأزمة، بمطالبته علناً المجلس الأعلى للدولة باتخاذ قرار حاسم بإعفاء قادربوه من منصبه، و«شكك في مصداقية التقارير الأخيرة الصادرة عن الهيئة بشأن إنفاق ما قيمته تريليون دينار ليبي» (الدولار يساوي 6.35 دينار في السوق الرسمية، و8.33 دينار في السوق الموازية)، مؤكداً أن هذا المبلغ الضخم لا يشمل حتى مصاريف صندوق إعمار ليبيا.

ولفتت وسائل إعلام محلية إلى أن تصاعد الجدل بشأن احتمال إعفاء قادربوه من منصبه يتزامن مع اقتراب انتهاء ولايته الثانية والأخيرة لرئاسته للهيئة، وسط تساؤلات ومؤشرات متزايدة حول قرب رحيله.

وتسلم قادربوه مهامه رسمياً رئيساً لهيئة الرقابة الإدارية في يوليو (تموز) 2023، خلفاً لسليمان الشنطي، بموجب قرار تكليف سابق صادر عن مجلس النواب وحكم قضائي من محكمة استئناف طرابلس، مما يضع التحركات الحالية لإنهاء ولايته في سياق صراع ممتد حول إدارة هذا المنصب السيادي النافذ.

وكان 75 عضواً من المجلس الأعلى للدولة قد طالبوا بعقد جلسة طارئة الأحد لمناقشة ما اعتبروه «تجاوزات» من قبل قادربوه، و«استغلاله منصبه»، إلا أن خلافات داخلية حالت دون اكتمال النصاب المطلوب لعقد الجلسة بشكل رسمي.


دعوات حقوقية ليبية للكف عن «الاحتجاز التعسفي» و«تصفير السجون»

جانب من المفرج عنهم من سجن قرنادة في شرق ليبيا (إدارة السجن)
جانب من المفرج عنهم من سجن قرنادة في شرق ليبيا (إدارة السجن)
TT

دعوات حقوقية ليبية للكف عن «الاحتجاز التعسفي» و«تصفير السجون»

جانب من المفرج عنهم من سجن قرنادة في شرق ليبيا (إدارة السجن)
جانب من المفرج عنهم من سجن قرنادة في شرق ليبيا (إدارة السجن)

دعا حقوقيون ليبيون الأجهزة الأمنية في البلاد إلى وقف «الاحتجاز التعسفي» و«سياسات إذلال البشر»، و«تصفير السجون»، وذلك على خلفية عفو أطلقته سلطات شرق البلاد عن عدد من السجناء بداعي «ترسيخ الاستقرار».

جانب من المفرج عنهم من سجن قرنادة في شرق ليبيا (إدارة السجن)

واعتبر الحقوقي الليبي، طارق لملوم، عملية الإفراج عن 250 شخصاً من سجن قرنادة في بنغازي بادرة «تستحق الترحيب»، وقال إن «أي خطوة تؤدي إلى إنهاء معاناة المحتجزين، وتخفيف الظلم عنهم تُعد تحركاً إيجابياً، ومهماً؛ بغض النظر حالياً عن تفاصيل الترتيبات التي قادت إليها، أو ما إذا كانت جزءاً من مسار قانوني مكتمل وواضح».

ورأى لملوم في تصريح صحافي ضرورة أن «تتم تسوية أوضاع المفرج عنهم بصورة قانونية وإنسانية تحفظ كرامتهم وحقوقهم، وأن يحصل كل من تعرض للاحتجاز التعسفي أو الظلم على حقه في الإنصاف، والتعويض، والاعتذار، وجبر الضرر، وفق القانون ومبادئ العدالة».

وقال: «آمل أن تكون هذه الخطوة رسالة إلى جميع الجهات والمقرات والسجون وأماكن الاحتجاز في ليبيا بضرورة التوقف عن سياسات التوسع في الاحتجاز التعسفي»، داعياً إلى أن «يكون إنفاذ القانون قائماً على العدالة واحترام الكرامة الإنسانية، لا على الانتقام، أو التعسف، أو استغلال النفوذ».

لقطة من الداخل لسجن مدينة زليتن شرق طرابلس (غيتي)

وكان مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قد رصد مخالفات قانونية وإنسانية عدة، في تقرير سابق جاء تحت عنوان: «تجاوزات خلف القضبان»، وقال إنه «لا تتوافر أرقام دقيقة عن عدد المحتجزين، ومراكز الاحتجاز الموجودة في ليبيا. كما أنه لا توجد إحصاءات بشأن مراكز الاحتجاز التابعة شكلياً لوزارتي الداخلية والدفاع، ولا تلك التي تديرها المجموعات المسلحة مباشرة».

ولفت لملوم إلى أن «الترحيب بالإفراج عن هؤلاء المحتجزين لا يعني إغلاق هذا الملف، أو طي صفحة الانتهاكات»، مشدداً على ضرورة أن «من تعرض للضرر أو الظلم، حتى وإن أُفرج عنه لاحقاً، يبقى من حقه المطالبة بالإنصاف، والمحاسبة القانونية لكل من تسبب في احتجازه، أو إساءة معاملته خارج إطار القانون».

واتفق حقوقيون ليبيون مع دعوة لملوم، كما شددوا على ضرورة أن تشمل هذه الإجراءات «تصفير السجون» في جميع أنحاء ليبيا.

في السياق ذاته، استغل أحمد عبد الحكيم حمزة، رئيس المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا، عملية إطلاق سراح 250 موقوفاً في بنغازي، ودعا إلى «تصفير السجون» في عموم البلاد.

وأكد حمزة لـ«الشرق الأوسط» على «ضرورة إطلاق سراح من انقضت مدة محكوميتهم، أو من صدر بحقه حكم بالبراءة، وأن يتم الإفراج عنهم»، كما شدد على أهمية إخلاء سبيل المعتقلين على خلفية آرائهم السياسية.

ورحب حمزة بعملية الإفراج عن دفعة من السجناء بسجن قرنادة، وتسوية أوضاعهم ومراكزهم القانونية ممن انطبقت عليهم شروط قرار العفو العام عن باقي العقوبة الصادر عن المجلس الأعلى للقضاء.

ودعا إلى «الاستمرار في مراجعة ملفات السجناء بصورة دورية، وتفعيل آليات الرقابة، والإشراف، والمتابعة داخل السجون، ومرافق الاحتجاز، بما يضمن احترام حقوق السجناء، والكرامة الإنسانية، وترسيخ مبادئ العدالة، وسيادة القانون».

جانب من المفرج عنهم من سجن قرنادة في شرق ليبيا (إدارة السجن)

وكان صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي، قد بحث مع رئيس «اللجنة الوطنية لمتابعة أوضاع السجناء والسجون»، المستشار إبراهيم بوشناف، التحضيرات النهائية لتنفيذ قرارات العفو عن باقي مدة العقوبة للمحكوم عليهم ممن تنطبق عليهم الشروط والضوابط.

وقالت القيادة العامة مساء الأحد إن الفريق صدام حفتر اطّلع خلال الاجتماع على آخر التحضيرات التي تتخذها اللجنة الوطنية بشأن تنفيذ قرارات العفو عن باقي مدة العقوبة للمحكوم عليهم ممن تنطبق عليهم الشروط، والتي شملت أكثر من 250 سجيناً، مشيرة إلى أن ذلك يأتي «ضمن تدابير قانونية وإنسانية استثنائية لمعالجة تداعيات المراحل السابقة، وفي إطار مشروع الاستقرار الوطني».

وتأتي هذه الجهود، وفقاً للقيادة العامة، «دعماً لمساعي العفو، ولمّ الشمل، وترسيخ الاستقرار، والمصالحة الوطنية».