حرب غزة تتحول إلى منجم ذهب لصناعة السلاح الأميركية

أكثر من 32 مليار دولار مبيعات لإسرائيل منذ أكتوبر 2023

طفل فلسطيني يجمع البلاستيك بالقرب من صاروخ لم ينفجر في مكب نفايات بمدينة غزة أمس (أرشيفية - أ.ف.ب)
طفل فلسطيني يجمع البلاستيك بالقرب من صاروخ لم ينفجر في مكب نفايات بمدينة غزة أمس (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

حرب غزة تتحول إلى منجم ذهب لصناعة السلاح الأميركية

طفل فلسطيني يجمع البلاستيك بالقرب من صاروخ لم ينفجر في مكب نفايات بمدينة غزة أمس (أرشيفية - أ.ف.ب)
طفل فلسطيني يجمع البلاستيك بالقرب من صاروخ لم ينفجر في مكب نفايات بمدينة غزة أمس (أرشيفية - أ.ف.ب)

تحوّلت الحرب الإسرائيلية في غزة، منذ اندلاعها في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، إلى أحد أكثر النزاعات ربحاً لشركات السلاح الأميركية الكبرى. فبينما كانت غزة تُدمَّر ومئات آلاف المدنيين يواجهون الموت والجوع، كانت مصانع الأسلحة في ولايات أميركية عدة تعمل بطاقتها القصوى لتلبية طلبات إسرائيل العسكرية المتزايدة، في موجة مبيعات تجاوزت 32 مليار دولار خلال عامين فقط، بحسب تحليل لصحيفة «وول ستريت جورنال» استند إلى بيانات وزارة الخارجية الأميركية.

منذ الهجوم الذي شنّته حركة «حماس» على جنوب إسرائيل، في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وما تبعه من عملية عسكرية إسرائيلية واسعة ضد غزة، سارعت واشنطن إلى فتح جسر تسليحي غير مسبوق، شمل ذخائر دقيقة التوجيه وصواريخ بعيدة المدى وطائرات مقاتلة ومعدات ميدانية.

وفي حين تبلغ المساعدات العسكرية السنوية المعتادة لإسرائيل نحو 3.3 مليار دولار، تضاعف هذا الرقم في عام 2024 ليصل إلى 6.8 مليار دولار من التمويل المباشر، من دون احتساب أشكال الدعم غير النقدي الأخرى، كالإمداد اللوجستي أو التدريب والتنسيق الاستخباراتي.

طائرة إسرائيلية من طراز «إف 16» تحمل صواريخ جو - جو، وخزانات وقود إضافية، خلال إقلاعها من إحدى القواعد الجوية (الجيش الإسرائيلي)

 

وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية إن «إدارة ترمب ما زالت ملتزمة بحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها»، مشيراً إلى أن واشنطن «تقود حالياً جهداً إقليمياً لإنهاء الحرب عبر ترتيبات أمنية دائمة».

لكن رغم الحديث عن «نهاية محتملة» للصراع، تشير بيانات «البنتاغون» إلى أن خطوط الإنتاج في مصانع الأسلحة الأميركية لم تهدأ، وأن عقود التوريد تمتد حتى عام 2029. ما يعني أن تدفق السلاح إلى إسرائيل سيستمر حتى بعد توقف المعارك.

 

مَن المستفيد الأكبر؟

 

تتربع شركة «بوينغ» على رأس قائمة المستفيدين من الحرب، بعد أن حصلت على صفقة تاريخية بقيمة 18.8 مليار دولار لبيع طائرات «F - 15» مطوّرة لإسرائيل، يُتوقَّع تسليمها بعد أربع سنوات. كما نالت الشركة عقوداً إضافية بقيمة 7.9 مليار دولار لتزويد تل أبيب بقنابل موجهة وأنظمة تسليح مرتبطة بها. هذه الصفقات وحدها تمثل قفزة هائلة مقارنة بالتزامات إسرائيل السابقة مع «بوينغ» التي لم تتجاوز 10 مليارات دولار خلال عقد كامل.

 

دبابة إسرائيلية على حدود قطاع غزة (أرشيفية - رويترز)

 

أما شركات «نورثروب غرومان» و«لوكهيد مارتن» و«جنرال دايناميكس»، فقد نالت عقوداً متخصصة في قطع غيار الطائرات المقاتلة، والصواريخ الدقيقة، وقذائف الدبابات من عيار 120 ملم المستخدمة في دبابات «ميركافا». في حين استفادت «كاتربيلر» من الطلب الكبير على الجرافات المدرعة «دي 9» التي استخدمها الجيش الإسرائيلي على نطاق واسع لتدمير المنازل والبنية التحتية في القطاع.

وتشير بيانات «هيئة التعاون الأمني الدفاعي» الأميركية إلى أن الجزء الأكبر من الصفقات يتركز على الذخائر الجوية والمقاتلات الهجومية، فيما تمثل المعدات البرية، كالدبابات والعربات المدرعة، نسبة أقل بكثير من إجمالي المبيعات.

الحرب كفرصة اقتصادية

الحرب لم تكن مجرد معركة عسكرية، بل مثّلت أيضاً رافعة اقتصادية لقطاع الصناعات الدفاعية الأميركي، الذي واجه في السنوات الأخيرة تحديات تتعلق بسلاسل التوريد والإضرابات العمالية. فقد أكدت «بوينغ»، في تقريرها السنوي لعام 2024، أن قسمها الدفاعي شهد «طلباً قوياً من الحكومات التي تعطي الأولوية للأمن والتكنولوجيا الدفاعية في ظل التهديدات المتزايدة»، في حين سجّلت «لوكهيد مارتن» ارتفاعاً بنسبة 13 في المائة في إيرادات قسم الصواريخ، لتبلغ 12.7 مليار دولار خلال عام واحد فقط.

حتى شركة «أوشكوش»، المنتجة للمركبات العسكرية التكتيكية، قالت إن طلبيات إسرائيل أنقذت خط إنتاج كان على وشك الإغلاق العام الماضي. أما مجموعة «ليوناردو» الإيطالية التي تعمل وحدتها الأميركية في بيع مقطورات عسكرية لإسرائيل، فأكدت في تقريرها المالي الأخير أن «استمرار النزاعين في أوكرانيا وإسرائيل» يضمن استقرار مبيعاتها الدولية لعام 2025.

جثامين 40 فلسطينياً قُتلوا على يد الجيش الإسرائيلي وُضعت أمام مستشفى ناصر تمهيداً لدفنها في خان يونس جنوب قطاع غزة (أرشيفية - د.ب.أ)

تكاليف الحرب ومن يدفع الثمن؟

ورغم أن مليارات الدولارات المتدفقة عبر عقود التسليح تُظهر جانباً من الانتعاش الصناعي الأميركي، فإن الجانب الإنساني والسياسي من المعادلة يثير جدلاً واسعاً داخل الولايات المتحدة وخارجها. فقد أسفرت الحرب، بحسب وزارة الصحة في غزة، عن مقتل أكثر من 68 ألف شخص، بينهم نحو 18 ألف طفل، بينما لم تُفرج إسرائيل عن أي إحصاءات رسمية لعدد مقاتلي «حماس» الذين قُتلوا.

وفي الوقت الذي تموّل فيه واشنطن جزءاً كبيراً من هذه المبيعات من أموال دافعي الضرائب الأميركيين، بدأت بعض المؤسسات المالية الغربية باتخاذ خطوات احتجاجية؛ فقد سحبت ثلاثة صناديق نرويجية استثماراتها من شركات، مثل: «كاتربيلر» و«أوشكوش» و«بالانتير»، احتجاجاً على استخدام منتجاتها في العمليات داخل غزة. كما باع صندوق التقاعد الهولندي حصته التي بلغت 448 مليون دولار في «كاتربيلر» للأسباب نفسها.

مبانٍ دمَّرها الجيش الإسرائيلي في حي الشجاعية بمدينة غزة (أرشيفية - أ.ب)

وفي أوروبا، أعلنت ألمانيا في أغسطس (آب) 2025 وقف جميع تراخيص تصدير السلاح إلى إسرائيل للاستخدام في غزة، بينما خضعت شركات التكنولوجيا الأميركية أيضاً لضغوط داخلية، دفعت «مايكروسوفت» إلى تقييد وصول وزارة الدفاع الإسرائيلية إلى بعض خدماتها السحابية.

 

الذكاء الاصطناعي في الميدان

 

إلى جانب الأسلحة التقليدية، شكّلت الحرب مسرحاً لتوسع التعاون في مجالات الذكاء الاصطناعي والمراقبة الرقمية، فقد دخلت شركة «بالانتير» التي يملكها الملياردير المحافظ بيتر تيل، في شراكة مع وزارة الدفاع الإسرائيلية مطلع عام 2024. وعندما وُجّهت إليها انتقادات باستخدام تقنياتها في عمليات القصف، ردّ مديرها التنفيذي أليكس كارب قائلاً إن الذين قُتلوا «كانوا في الغالب إرهابيين»، بحسب وصفه.

كما أبرمت إسرائيل قبل الحرب اتفاقيات مع «غوغل» و«أمازون» و«مايكروسوفت» لتزويدها بخدمات حوسبة سحابية متقدمة، وواجهت تلك الشركات احتجاجات متزايدة من موظفيها المطالبين بوقف التعاون العسكري.

المفارقة أن بعض الشركات الأميركية نفسها التي تزوّد إسرائيل بالسلاح، تشارك أيضاً في برامج المساعدات الإنسانية لغزة؛ فقد خصصت وزارة الخارجية الأميركية 30 مليون دولار لمؤسسة «غزة هيومنيتاريان فاونديشن» التي يشرف عليها المستشار السابق في إدارة ترمب، جونّي مور، لتنسيق توزيع المساعدات داخل القطاع. وقد استعانت المؤسسة بشركات أمن أميركية لتأمين عملياتها وسط فوضى واتهامات بسوء التنظيم.


مقالات ذات صلة

هولندا تنسحب من «يوروفيجن» 2027 بسبب مشاركة إسرائيل

أوروبا علم مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» يرفرف في ميناء بورغاس على ساحل البحر الأسود في بلغاريا حيث تقام النسخة الـ71 من المسابقة عام 2027 (أ.ب)

هولندا تنسحب من «يوروفيجن» 2027 بسبب مشاركة إسرائيل

أعلنت هيئة الإذاعة والتلفزيون العامة الهولندية «إن بي أو» انسحاب هولندا من مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» 2027، عازية القرار إلى الجدل حول مشاركة إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (أمسترادم)
خاص مشيّعون خلال جنازة 3 فلسطينيين قُتلوا بغارة إسرائيلية في مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

خاص رسالة من «حماس» للوسطاء: لا نخطط لهجمات... وننتظر نتائج انتخابات إسرائيل

أظهرت حركة «حماس» اهتماماً بانتخابات البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) التي تجري الثلاثاء، وسط آمال بأنها قد تكون بداية لنهاية أزمة تطبيق «خطة ترمب» في غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية جنود من الجيش الإسرائيلي يقفون للحراسة أثناء إغلاقهم حاجز المركبات عند نقطة تفتيش غرب نابلس في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل 25 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)

لجنة أممية تتهم إسرائيل بارتكاب «إبادة» في الضفة الغربية

اتهمت لجنة دولية إسرائيل بارتكاب جرائم ضد الإنسانية بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، من بينها جريمة «الإبادة»، وبمواصلة تنفيذ إبادة جماعية في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شؤون إقليمية لوحات إعلانية إلكترونية خاصة بالانتخابات تُظهر كلاً من رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)

انتخابات إسرائيل... ملفات الحرب والتجنيد والقضاء تشعل المواجهة

تتوجه إسرائيل إلى صناديق الاقتراع، الثلاثاء وسط انقسام سياسي واجتماعي يجعلها أقرب إلى استفتاء على قيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي شاحنة دقيق في طريقها الأحد لقطاع غزة لتجاوز أزمة الخبز (صفحة الهلال الأحمر المصري على فيسبوك)

تحرُّك مصري عاجل للحد من تفاقم أزمة الخبز في غزة

جرَت تحركات مصرية عاجلة للحد من تفاقم أزمة الخبز في غزة؛ حيث تم توجيه قافلة مساعدات تضم 280 شاحنة دقيق وسلال غذائية لتشغيل المخابز.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

ارتباك أمني بعد إسقاط مسيّرتي استطلاع في بغداد

صورة لمبنى السفارة الأميركية في بغداد (وكالة الأنباء العراقية)
صورة لمبنى السفارة الأميركية في بغداد (وكالة الأنباء العراقية)
TT

ارتباك أمني بعد إسقاط مسيّرتي استطلاع في بغداد

صورة لمبنى السفارة الأميركية في بغداد (وكالة الأنباء العراقية)
صورة لمبنى السفارة الأميركية في بغداد (وكالة الأنباء العراقية)

أفادت مصادر أمنية، الثلاثاء، بأنَّ دفاعات جوية تابعة للسفارة الأميركية في بغداد أسقطت طائرتين مسيّرتين حلَّقتا فوق المنطقة الخضراء الحكومية المُحصَّنة وسط العاصمة العراقية، في وقت رجَّحت فيه أن الطائرتين غير مزودتين بذخيرة متفجرة وكانتا مخصصتين.

وأطلقت السفارة الأميركية صافرات الإنذار خلال مرور المسيّرتين في سماء المنطقة الخضراء، بينما تحدَّث رئيس خلية الإعلام الأمني عن إسقاط مسيّرة واحدة في محيط المنطقة الخضراء دون مزيد من التفاصيل.

وقال الفريق سعد معن في بيان صحافي: «إن الصوت الذي سُمع في بغداد ناتج عن معالجة طائرة مجهولة الهوية في محيط المنطقة الخضراء».

وأبلغ شهود عيان «الشرق الأوسط» أنهم سمعوا دوي انفجارين كبيرين في مناطق إسقاط المسيّرتين. وأبلغ مدنيون عن أجزاء من مسيّرة محطَّمة قرب شارع الرشيد وسط بغداد القديمة.

ونقلت «رويترز» عن مصدرين ⁠أمنيَّين أن أنظمة الدفاع الجوي التابعة للسفارة الأميركية فُعّلت بعد رصد طائرتين ⁠مسيّرتين تقتربان من محيط المنطقة ‌الخضراء، ‌وأسقطتهما.

وذكر المصدران ​أنه ‌تسنَّى العثور على ‌حطام الطائرتين في موقعين مختلفين، وأن قوات الأمن تواصل إجراء تحقيقات ‌موسَّعة لتحديد مصدرهما ووجهتهما.

وتضم المنطقة الخضراء مباني حكومية ⁠وبعثات ⁠دبلوماسية أجنبية، منها السفارة الأميركية، التي تعرَّضت لهجمات بصواريخ وطائرات مسيّرة منذ أن شنَّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على إيران.

وطبقاً لمصادر تحدَّثت مع «الشرق الأوسط»، فإن شظايا الطائرتين توزَّعت على محيط المنطقة الخضراء ومنطقة سوق الشورجة وشارع الرشيد ومنطقة الكاظمية، لكن من دون خسائر أو إصابات بين صفوف المدنيِّين.

ومنذ أشهر طويلة لم تتعرَّض المنطقة الخضراء إلى خرق من هذا النوع بعد أن كانت تتعرَّض لهجمات تستهدف السفارة الأميركية والبعثات الدبلوماسية خلال السنوات القريبة الماضية، وغالباً ما كانت أصابع الاتهام تشير إلى الفصائل المسلحة الموالية لإيران.

عنصران من الأمن العراقي يرفعان علامة النصر في بغداد يوم 30 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

ارتباك أمني

وجاء الحادث بعد أقل من شهر على انسحاب قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية من الأراضي العراقية، وهي الذريعة التي كانت تستخدمها الفصائل لشنِّ هجماتها على منشآت ومقار دبلوماسية وعسكرية.

وليس من الواضح طبيعة الأهداف التي تقف وراء تحليق الطائرتين، لكن مراقبين ربطوا الأمر بحالة الصراع القائمة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، في حين ربط آخرون الواقعة برسائل سياسية بين أطراف متنافسة داخل «الإطار التنسيقي» وجهات فصائلية.

كانت بغداد دشَّنت حملةً واسعةً منذ أشهر لحسم ملف سلاح الفصائل ودمجها في القوات الأمنية، وكان من المخطط لها أن تنتهي بحلول موعد انسحاب قوات التحالف في 30 سبتمبر (أيلول) الماضي، قبل أن تتراجع عن الموعد وتؤجله إلى يونيو (حزيران) 2027.

وفي حين استجابت فصائل إلى الخطة الحكومية، فإن هناك مجموعات ما زالت تعارض حصر السلاح، وضمنها كتائب «حزب الله» المرتبطة بإيران.

وكانت المجموعة التي تسمي نفسها «المقاومة الإسلامية في العراق» تعهَّدت بالوقوف إلى جانب إيران في حال استأنفت الولايات المتحدة الحرب في المنطقة.


إسرائيل توسع عملياتها بالضفة لتأكيد الحضور يوم الانتخابات

فلسطينيون يتجادلون مع جنود من الجيش الإسرائيلي خلال احتجاج ضد تهجيرهم من منازلهم في مدينة الخليل بالضفة الغربية (رويترز)
فلسطينيون يتجادلون مع جنود من الجيش الإسرائيلي خلال احتجاج ضد تهجيرهم من منازلهم في مدينة الخليل بالضفة الغربية (رويترز)
TT

إسرائيل توسع عملياتها بالضفة لتأكيد الحضور يوم الانتخابات

فلسطينيون يتجادلون مع جنود من الجيش الإسرائيلي خلال احتجاج ضد تهجيرهم من منازلهم في مدينة الخليل بالضفة الغربية (رويترز)
فلسطينيون يتجادلون مع جنود من الجيش الإسرائيلي خلال احتجاج ضد تهجيرهم من منازلهم في مدينة الخليل بالضفة الغربية (رويترز)

على الرغم من الانشغال الكبير في الانتخابات الإسرائيلية وإغلاق الضفة الغربية بالكامل، أطلقت قوات الاحتلال الإسرائيلي عملية عسكرية جديدة في منطقة نابلس شمال الضفة الغربية، فيما تواصل عمليتها في الخليل جنوباً، ووجد المستوطنون الوقت الكافي رغم انشغالهم بالتصويت لشن سلسلة من الهجمات على الفلسطينيين. وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» أنه في صباح يوم الانتخابات بدأت قوات الأمن عملية في منطقة نابلس.

ووفقاً لبيان صادر عن الجيش الإسرائيلي، يعمل الجيش، بالتعاون مع شرطة الحدود وجهاز الأمن العام (الشاباك)، «على إحباط الإرهاب ضمن عملية واسعة النطاق ستُجرى في المنطقة خلال الأيام المقبلة».

وتستهدف العملية اعتقال مطلوبين، وتفتيش مبانٍ وردت معلومات استخباراتية تفيد بوجود أسلحة فيها، وهدم نصب تذكارية.

وقالت «يديعوت أحرونوت» إنه في هذه المرحلة، لا يوجد أي مجال لإجلاء سكان نابلس والقرى المحيطة بها كما حدث في الخليل.

جندي إسرائيلي يشير بيده نحو رجل فلسطيني خلال احتجاج نظمه سكان فلسطينيون ضد تهجيرهم من أحد الأحياء وذلك في ظل العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة في مدينة الخليل بالضفة الغربية (رويترز)

وهاجم الجيش مناطق في نابلس واعتقل فلسطينيين وهدم 10 صروح تذكارية لفلسطينيين شاركوا سابقاً في عمليات ضد إسرائيل، وطالت الحملة مناطق واسعة في قرى تل، وقريوت، وبورين، ومادما، وعراق بورين، وبيتا، وسالم، وروجيب، وعزموط، وبيت فوريك.

وجاءت العملية في نابلس فيما تواصل قوات إسرائيلية عمليتها في الخليل، وقد اقتحم الجيش مدناً أخرى في الضفة بينها رام الله وجنين وبيت لحم وطولكرم.

وتركز القوات الإسرائيلية عمليتها في الخليل في منطقة الجلدة ودير بحة، كما اقتحمت المستشفى الأهلي في المدينة. واعتقلت إسرائيل عشرات الفلسطينيين من الخليل، وأجبرت مئات العائلات على إخلاء أجزاء واسعة من المنطقتين قسراً، لكنها لم تجد البنى التحتية المسلحة التي روج لها كل من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس قبل إطلاقهما العملية.

ووفقاً لآخر الأرقام الفلسطينية الرسمية، بلغ عدد العائلات المتضررة جراء العدوان المتواصل على مناطق في مدينة الخليل منذ يوم الجمعة الماضي619 عائلة، فيما أُجبر نحو 3971 مواطناً على النزوح القسري من منازلهم، واعتقلت قوات الاحتلال 85 مواطناً.

وقالت «يديعوت» إن الجيش أراد الحفاظ على وجود ميداني في الضفة مع الانتخابات بسبب مخاوف من محاولة شن هجمات. وكان الجيش الإسرائيلي أغلق الضفة الغربية بالكامل عشية يوم الانتخابات وحولها إلى سجن كبير.

هجمات المستوطنين متواصلة

ولم يسلم الفلسطينيون المحاصرون من هجمات المستوطنين كذلك. وهاجم مستوطنون، الثلاثاء، الفلسطينيين في عدة مناطق، فأضرموا النار في ثلاث مركبات في قرية أم صفا، شمال غربي رام الله، وهاجموا قاطفي الزيتون في عين يبرود ودير جرير وترمسعيا وبيت عور التحتا في رام الله والبيرة، كما شنوا هجمات في برقة شمال غربي نابلس، وألحقوا أضراراً بمحاصيل زراعية في تجمع يرزا شرق طوباس.

وأقام مستوطنون بؤرة جديدة شمال البيرة بنصب منزلين متنقلين، فيما منعوا، بحماية قوات الاحتلال، أهالي ترمسعيا من الوصول إلى أراضيهم لقطف الزيتون


دمشق تشيّع ضحايا درعا... وتعمل على لجنة مشتركة عاجلة مع الأردن

مشيعون يصلون على جثامين الضحايا المدنيين في غارات جوية أردنية الليلة السابقة على قرية الطاف في منطقة اللجاة بريف درعا الشمالي الشرق (أ.ف.ب)
مشيعون يصلون على جثامين الضحايا المدنيين في غارات جوية أردنية الليلة السابقة على قرية الطاف في منطقة اللجاة بريف درعا الشمالي الشرق (أ.ف.ب)
TT

دمشق تشيّع ضحايا درعا... وتعمل على لجنة مشتركة عاجلة مع الأردن

مشيعون يصلون على جثامين الضحايا المدنيين في غارات جوية أردنية الليلة السابقة على قرية الطاف في منطقة اللجاة بريف درعا الشمالي الشرق (أ.ف.ب)
مشيعون يصلون على جثامين الضحايا المدنيين في غارات جوية أردنية الليلة السابقة على قرية الطاف في منطقة اللجاة بريف درعا الشمالي الشرق (أ.ف.ب)

شيعت محافظة درعا جنوب سوريا، الثلاثاء، ضحايا العملية العسكرية الأردنية داخل الأراضي السورية، وسط حالة من الغضب الشعبي في أعقاب سقوط سبعة مدنيين بينهم أطفال وكبار في السن.

واعتبرت وزارة الخارجية السورية «هذا التصرف الميداني مرفوض جملة وتفصيلاً»، متهمة ما وصفته بـ«الأطراف المشبوهة» بالسعي إلى «تعكير صفو العلاقات الأخوية المتميزة بين البلدين». وأعلنت الخارجية، في بيان أصدرته الثلاثاء، عن العمل بالتنسيق المباشر مع الأردن على تشكيل لجنة ميدانية وأمنية مشتركة عاجلة، بهدف وضع حد للخروقات والتجاوزات الميدانية ومنع تكرارها.

أهالي محافظة درعا من جهتهم، طالبوا في أثناء التشييع بفتح تحقيق حول الغارات الأردنية التي استهدفت عدداً من المواقع في المحافظة، ونقلت قناة «الإخبارية السورية» الرسمية عن المشاركين بالتشييع مطالباتهم الجانب الأردني بتوضيح المعلومات التي وصلتهم عن الأهداف التي جرى قصفها، مع تأكيدهم أنها مواقع مدنية، وخلو محافظتهم من أي تنظيمات إرهابية.

الخبير العسكري عماد شحود اعتبر العمل على تشكيل اللجنة مشتركة «إجراء متأخر كان يجب أن يتم قبل تنفيذ العملية»، وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن خطأ ما تسبب بوقوع ضحايا مدنيين يترتب عليه تعويض ذويهم».

ورأى أن المسؤولية عن هذا الخطأ تتحمله بالدرجة الأولى الاستخبارات الأردنية، من حيث ضرورة التأكد من المعلومات والإحداثيات عبر التنسيق مع الجانب السوري، مشيراً إلى وجود خطأ آخر مهني يتعلق بضرورة استطلاع الأهداف لمدة يوم كامل على الأقل، مستغرباً استخدام سلاح طائرات إف 16 لضرب «خلية إرهابية»، وقال: «في مثل هذه العمليات يتم العمل على القبض على العناصر أحياء قدر الممكن».

رجل يتفقد الأضرار في أعقاب غارة جوية نفذها الأردن على قرية الطاف في منطقة اللجاة بريف درعا الشمالي الشرقي الثلاثاء (أ.ف.ب)

وكانت غارات نفّذها سلاح الجو ‏الأردني استهدفت عدداً من المواقع في محافظة درعا، ليلة الاثنين/الثلاثاء. وأفادت مديرية الصحة في درعا بارتفاع عدد الضحايا إلى 10 أشخاص، «هم 7 شهداء بينهم رجل مسن وامرأة وثلاثة أطفال، إضافة إلى أربعة جرحى بإصابات متفاوتة نتيجة 4 غارات شنها الطيران الأردني مستهدفاً فيها مواقع في جنوب سوريا».

هذا، ودعا مجلس الشعب السوري الحكومتين السورية والأردنية إلى فتح تحقيق مشترك، مؤكداً «عمق العلاقة بين الشعبين الشقيقين السوري والأردني»، وذلك بعد إدانته في بيان «الجريمة التي راح ضحيتها مدنيون بينهم أطفال ونساء في ريف محافظة درعا».

ويلاحظ من البيانات الرسمية الأردنية والسورية، أنها أظهرت حرصاً على العلاقات الثنائية، واعتبارها «أكبر من الأخطاء» بحسب تعبير السياسي السوري وعضو مجلس الشعب مؤيد غزلان، مشيراً في تصريحه لـ«الشرق الأوسط» إلى عدم إمكانية توجيه الاتهام لأي «جهة ثالثة حالياً» تسببت فيما حصل.

وقال: «نعول على أن العلاقات الثنائية أكبر من الأخطاء، لكن لا يمكن أن نقبل بعدم التحقيق فيما حصل وعدم تحمل مسؤولية الحدث الجسيم وتعويض الأهالي عن الضرر الكبير الذي لحق بأرواح شهدائنا».

سيارات الأمن السوري تشارك في التشييع الرسمي لضحايا غارات على درعا (مركز درعا الإعلامي)

ورأى غزلان أن «التنسيق الأمني بين البلدين ماض إلى الأفضل كما هي العلاقات الثنائية، ودور الأردن وسوريا في التحالف ضد الإرهاب والموقف الصلب المشترك ضد الانتهاكات الإسرائيلية أثار غيرة بعض الأطراف التي تريد ضرب أسس هذه العلاقة الإيجابية».

وعن الانعكاسات المحتملة للعملية الأردنية على العلاقات بين البلدين، قال غزلان: «لا مساس بعلاقتنا بالأردن؛ لأنها متينة ومتجذرة، وهذا بذاته يقتضي احتراماً مطلقاً متبادلاً للسيادة، وأن يتم التنسيق الكامل مع الحكومة السورية ضمن بروتوكولات الاتفاق في مكافحة الإرهاب».

وتتفق التحليلات في الأوساط السورية على وجود «خلل» تسبب بوقوع ضحايا مدنيين. وتحدث المحلل السياسي والإعلامي علي عيد لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود فجوة أمنية في الجنوب السوري، بسبب الممارسات الإسرائيلية التي تمنع وجود قوة أمنية سورية كافية وإجراء عمليات مسح كافية لضبط المنطقة الجنوبية، وبحسب عيد، وهو ابن محافظة درعا، فإن إسرائيل هي سبب رئيسي -قد لا يظهر بشكل مباشر في الصورة- في حصول فوضى تؤدي إلى خلل أمني يستدعي هذا النوع من التدخل.

حزن شابين في أثناء الدفن الثلاثاء على مقتل أفراد من العائلة في درعا إثر غارة أردنية (مركز درعا الإعلامي)

وبحسبه، فإن غياب التنسيق عن هذه العملية يظهر أن الجانبين الأردني والسوري ليسا على صفحة واحدة في القضايا الأمنية، وأن هناك فجوة برزت جلياً في سقوط ضحايا مدنيين، مشدداً على أنه لا تزال هناك أسئلة بحاجة إلى إجابات ومعالجة. وقال إن بيان الخارجية السورية حاول خلق حالة من التوازن مع تأكيد على السيادة السورية، وضرورة ألا تتم هذه العمليات إلا بتنسيق مسبق؛ لأن «الأرض السورية هي من مسؤولية الدولة السورية، لا مسؤولية الجانب الأردني».

ولم يستغرب عيد أن الضربة أثارت استياء كبيراً في الشارع السوري، خاصة مع غياب دليل ملموس على وجود قتلى إرهابيين ضمن المستهدفين، وهذا يشكل ضغطاً على الحكومة والرئيس السوري، وبالتالي سيدفع إلى تنسيق من نوع مختلف على الأرجح «سيصطدم بعقبات إسرائيلية».