ماكرون لعباس: خطط الضمّ الإسرائيلية في الضفة الغربية «خط أحمر»

ماكرون وعباس في مؤتمر صحافي مشترك بقصر الإليزيه اليوم (إ.ب.أ)
ماكرون وعباس في مؤتمر صحافي مشترك بقصر الإليزيه اليوم (إ.ب.أ)
TT

ماكرون لعباس: خطط الضمّ الإسرائيلية في الضفة الغربية «خط أحمر»

ماكرون وعباس في مؤتمر صحافي مشترك بقصر الإليزيه اليوم (إ.ب.أ)
ماكرون وعباس في مؤتمر صحافي مشترك بقصر الإليزيه اليوم (إ.ب.أ)

أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الثلاثاء، أن مشاريع الضمّ الإسرائيلية «الجزئية أو الكلية» أو «بحكم الأمر الواقع»، عبر الاستيطان في الضفّة الغربية المحتلّة، تشكل «خطاً أحمر».

وقال ماكرون إن فرنسا وشركاءها الأوروبيين سيردّون على هذه المشاريع «بقوة» إن نُفّذت.

وأضاف في مؤتمر صحافي عقب لقائه الرئيس الفلسطيني محمود عباس في قصر الإليزيه أن «عنف المستوطنين وتسارع مشاريع الاستيطان يبلغان مستويات قياسية جديدة تهدد استقرار الضفة الغربية، وتشكل انتهاكات للقانون الدولي».

وأشار الرئيس الفرنسي إلى أن فرنسا ستساعد السلطة الفلسطينية في صياغة دستور لدولة فلسطينية مستقبلية. اعترف عدد من الدول الغربية الكبرى، بما فيها فرنسا، رسمياً بدولة فلسطينية في سبتمبر (أيلول) في خطوة أثارها الشعور بالإحباط من إسرائيل بسبب حربها المدمرة في غزة والرغبة في تعزيز حل الدولتين للصراع في الشرق الأوسط. وقال إن فرنسا والسلطة الفلسطينية، التي تمارس حكماً ذاتياً محدوداً تحت الاحتلال العسكري الإسرائيلي في الضفة الغربية، ستشكلان لجنة مشتركة للعمل على صياغة دستور فلسطيني جديد.

وأضاف: «ستتولى هذه اللجنة العمل على جميع الجوانب القانونية: الدستورية والمؤسسية والتنظيمية». وتابع: «ستسهم في أعمال صياغة دستور جديد، وقدم لي الرئيس عباس مسودته التي تهدف إلى استكمال جميع الشروط اللازمة لإقامة دولة فلسطين». وقال إن فرنسا ستسهم بمبلغ 100 مليون يورو (116.62 مليون دولار) كمساعدات إنسانية لغزة لعام 2025.

«منطقتنا تمر بظروف صعبة»

من جانبها، قالت وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا) إن الجانبين بحثا تولي دولة فلسطين مسؤولياتها في قطاع غزة وإعادة الإعمار، بينما دعا عباس نظيره الفرنسي إلى الضغط على إسرائيل للإفراج عن أموال الضرائب الفلسطينية المحتجزة، و«وقف اقتطاع أي مبالغ منها تحت أي ذرائع». وقال عباس: «أمام ما تمر به منطقتنا من ظروف صعبة غير مسبوقة، لا بد من إنهاء الكارثة التي يتعرض لها شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة بسبب جرائم الإبادة والتدمير والتجويع ومخاطر التهجير، وكذلك الانتهاكات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس الشرقية».

ماكرون مستقبلاً عباس في قصر الإليزيه اليوم (إ.ب.أ)

وأثنى الرئيس الفلسطيني على جهود الرئيس الأميركي دونالد ترمب في وقف الحرب في قطاع غزة، كما رحب «بالجهود الحثيثة التي تبذلها كل من مصر وقطر وتركيا لتثبيت وقف إطلاق النار، والإفراج عن الرهائن والأسرى».

وأشار الرئيس الفلسطيني إلى استعداد القيادة الفلسطينية «للعمل مع الإدارة الأميركية... لتنفيذ جهود صنع السلام ضمن جدول زمني واضح وضمانات دولية صارمة»، مشيداً بجهود الوسطاء في العمل على «نشر قوات الأمن الفلسطينية في غزة بدعم من قوة الاستقرار الدولي وتسليم جميع أسلحة الفصائل المسلحة، بما فيها (حماس)، والانسحاب الإسرائيلي وإعادة الإعمار».

وشدد عباس على أن «جميع المؤسسات الفلسطينية الانتقالية في قطاع غزة يجب أن تكون مرتبطة وتابعة للسلطة الفلسطينية... بما في ذلك معابر دولة فلسطين»، مؤكداً أن «قطاع غزة هو جزء من الدولة الفلسطينية والسيادة عليها». وأشار الرئيس الفلسطيني إلى اقتراب الانتهاء من صياغة دستور مؤقت لدولة فلسطين وقانوني الانتخابات والأحزاب السياسية، التزاماً بتعهدات السلطة الفلسطينية في المؤتمر الدولي للسلام في وقت سابق من العام الحالي، والتي شملت الذهاب إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية خلال عام بعد انتهاء الحرب.


مقالات ذات صلة

الملك تشارلز وماكرون يتفقدان نسيج بايو التاريخي في المتحف البريطاني

ثقافة وفنون تُظهر هذه الصورة التي التُقطت في 18 سبتمبر 2019 نسيج بايو الذي يعود إلى القرن الحادي عشر والذي يؤرخ للغزو النورماندي لإنجلترا في بايو في نورماندي بفرنسا (أ.ب)

الملك تشارلز وماكرون يتفقدان نسيج بايو التاريخي في المتحف البريطاني

سيزور الملك تشارلز ملك بريطانيا والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم الأربعاء، المعرض الذي يضم نسيج بايو التاريخي في المتحف البريطاني.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)

ماكرون: ندعم إقرار عقوبات جديدة على روسيا بعد المسيّرة على مطار لايبزيغ

أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اليوم الثلاثاء إن فرنسا «تؤيد فرض عقوبات أوروبية جديدة على روسيا».

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ب) p-circle

ماكرون يزور لندن لافتتاح معرض مخصص لمنسوجة بايو ولقاء بيرنهام

يزور الرئيس الفرنسي لندن، الأربعاء والخميس؛ حيث سيفتتح معرضا يحتفي بمنسوجة بايو التي قرر إعارتها لمتحف بريطاني كما يلتقي للمرة الأولى رئيس وزراء بريطانيا الجديد

«الشرق الأوسط» (باريس)
الخليج لقاءات ومناسبات متعددة جمعت محمد بن سلمان وماكرون خلال زيارة الأول إلى فرنسا الأحد والاثنين (أ.ف.ب) p-circle

القمة السعودية - الفرنسية... تعزيز التعاون الدفاعي وترسيخ التنسيق السياسي

عزّز البيان المشترك الصادر في ختام زيارة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، إلى فرنسا، من مستوى «الشراكة الاستراتيجية» بين البلدين.

غازي الحارثي (الرياض)
الخليج الأمير محمد بن سلمان خلال جولة مع الرئيس إيمانويل ماكرون بقصر الإليزيه في باريس (واس)

تفاهم سعودي - فرنسي على الملفات الإقليمية وقرارات بتفعيل استراتيجية الشراكة

الاستقبال الحار الذي هيأه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لضيفه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يعكس بقوة العلاقة الخاصة التي تربطهما منذ عام 2017.

ميشال أبونجم (باريس)

موسكو: إرسال صواريخ أميركية إلى النرويج يعرقل الحوار حول الاستقرار النووي

المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف خلال مؤتمر صحافي مشترك للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو يوم 18 فبراير 2022 (رويترز)
المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف خلال مؤتمر صحافي مشترك للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو يوم 18 فبراير 2022 (رويترز)
TT

موسكو: إرسال صواريخ أميركية إلى النرويج يعرقل الحوار حول الاستقرار النووي

المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف خلال مؤتمر صحافي مشترك للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو يوم 18 فبراير 2022 (رويترز)
المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف خلال مؤتمر صحافي مشترك للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو يوم 18 فبراير 2022 (رويترز)

انتقدت روسيا إرسال أميركا نظاماً صاروخياً متطوراً إلى النرويج، عضو حلف شمال الأطلسي (ناتو)، قائلة، الاثنين، إن ذلك يوجّه ضربة أخرى لمحادثات أميركية روسية بشأن الاستقرار النووي الاستراتيجي، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وذكرت تقارير إعلامية في الولايات المتحدة أن واشنطن سلّمت إلى النرويج في أغسطس (آب) نظاماً صاروخياً يستخدم منصات إطلاق من طراز «إم كيه-41» القادرة على إطلاق صواريخ «كروز» من طراز «توماهوك».

وقالت وزارة الخارجية الروسية إن ذلك يشكل تهديداً؛ لأن تلك المنصات يمكن استخدامها لإطلاق صواريخ قادرة على الوصول إلى جزء كبير من روسيا الواقع في القارة الأوروبية، بما في ذلك موسكو.

وأضافت الوزارة في بيان: «خطوات مثل نشر صواريخ أرضية متوسطة المدى أميركية في أوروبا تشكّل تهديداً للاتحاد الروسي تعيد الأجواء المناسبة للحوار البنَّاء مع الولايات المتحدة بشأن القضايا الاستراتيجية لنقطة الصفر على أقل تقدير».

وأشارت إلى أن روسيا ستولي «اهتماماً خاصاً» لمواقع نشر ومراكز القيادة والسيطرة لأنظمة الصواريخ الأميركية، وأنها ستصبح أهدافاً في حالة نشوب نزاع عسكري.

وتحدث الرئيس الأميركي دونالد ترمب مراراً عن محاولة إبرام اتفاقية جديدة للحد من التسلح مع روسيا والصين، لكن وزارة الخارجية الروسية وصفت، الاثنين، خطط السعي وراء مفاوضات متعددة الأطراف تشمل الصين بأنها «غير واقعية».

وانتقد الكرملين أيضاً التحركات التي قامت بها النرويج في الآونة الأخيرة لتعزيز دفاعاتها من خلال توسيع لواء فينمارك في القطب الشمالي ليشمل كتيبة مدفعية وخططاً لنشر أنظمة صواريخ بعيدة المدى جديدة بحلول عام 2030.

وتقول النرويج، التي تشترك في حدود مع روسيا في القطب الشمالي، إن الحرب في أوكرانيا أظهرت أن الأنظمة بعيدة المدى ضرورية في ساحة المعركة في العصر الحديث.

ورداً على سؤال حول هذه التحركات، قال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف للصحافيين: «لا شك أن مثل هذا الحشد العسكري الموجه ضد بلدنا... لا يمكن إلا أن يُنظر إليه على أنه تهديد لأمن روسيا».

وقال إن ذلك يشكل مبررات وحيثيات لروسيا لاتخاذ إجراءات إضافية خاصة بها لضمان أمنها، كاشفاً أن وزارة الدفاع والوكالات الحكومية الأخرى تقوم بذلك بالفعل.


اليمين المتطرف يتلمّس طريقه للحكم محلياً في ألمانيا

أولريش سيغموند المرشح الرئيسي لحزب «البديل من أجل ألمانيا» الذي قد يصبح رئيس ولاية ساكسونيا - أنهالت (أ.ف.ب)
أولريش سيغموند المرشح الرئيسي لحزب «البديل من أجل ألمانيا» الذي قد يصبح رئيس ولاية ساكسونيا - أنهالت (أ.ف.ب)
TT

اليمين المتطرف يتلمّس طريقه للحكم محلياً في ألمانيا

أولريش سيغموند المرشح الرئيسي لحزب «البديل من أجل ألمانيا» الذي قد يصبح رئيس ولاية ساكسونيا - أنهالت (أ.ف.ب)
أولريش سيغموند المرشح الرئيسي لحزب «البديل من أجل ألمانيا» الذي قد يصبح رئيس ولاية ساكسونيا - أنهالت (أ.ف.ب)

بدت مدينة ماغدبورغ، عاصمة ولاية ساكسونيا-أنهالت، غداة فوز حزب «البديل من أجل ألمانيا»، الاثنين، هادئة ساكنة، لا يربطها الكثير بالفوضى والصدمة التي تسببت بها نتائج الانتخابات المحلية التي شهدتها قبل يوم. فالولاية الصغيرة لا يتعدى عدد سكانها مليوني نسمة؛ ولكنها أصبحت أول ولاية ألمانية يفوز فيها حزب يميني متطرف منذ النازيين ويملك حظوظاً حقيقية بالحكم.

المرشح الأبرز لحزب «البديل من أجل ألمانيا» أولريش سيغموند (يسار) يتحدث في برلين الاثنين غداة فوز حزبه في الانتخابات المحلية في ساكسونيا - أنهالت (إ.ب.أ)

ورغم الفوز الكبير للحزب الذي ناهزت نسبة الأصوات التي حظي بها الـ44 في المائة، فإن طريقه إلى الحكم لن يكون سهلاً، ذلك أن كل الأحزاب الأخرى تعهدت بعدم التحالف معه. ولكن تلميح حزب صغير جديد من أقصى اليسار هو «حزب فاغنكناشت»، بأنه لن يعرقل وصول «البديل من أجل ألمانيا» إلى السلطة، قد يكون مفتاح الحزب المتطرف الذي يتلمّس طريقه ويتطلع لقيادة الولاية. ويتعين الآن على البرلمان أن ينعقد خلال 30 يوماً من الانتخابات والتصويت لرئيس حكومة الولاية. وقال نجم حزب «البديل من أجل ألمانيا» الذي قاد الحزب لهذا النصر، أولريش زيغموند، إنه سيتواصل مع كل الأحزاب ويدعوها للتحالف لتشكيل حكومة، رغم معرفته المسبقة بأن الجواب سيكون سلبياً.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس متحدثاً في برلين الاثنين غداة خسارة حزبه في ولاية ساكسونيا-أنهالت (د.ب.أ)

انقسامات وتحالفات

ويمكن في المقابل للأحزاب الأخرى مجتمعة أن تشكل حكومة، ولكن ذلك قد يكون صعباً بسبب رفض الحزب المسيحي الديمقراطي الذي يرأسه المستشار الألماني فريدريش ميرتس، التحالف مع حزب «دي لينكا» من أقصى اليسار. كما أن تحالفاً شبيهاً قد يؤدي إلى تمرد داخل الحزب وانقسامات كبيرة. ويرفض كثيرون من حزب ميرتس أن يرأس حزب حكومة وهو لم يحظَ بأكثر من 17 في المائة من الأصوات.

أما زيغموند الشاب (35 عاماً) الذي حقق لـ«البديل من أجل ألمانيا» أكبر فوز له حتى الآن، فهو يصر على عدم ترؤس حكومة أقلية. ويقول إنه يريد قيادة حكومة مستقرة تحظى بالأغلبية حتى ولو تطلب ذلك إعادة الانتخابات. وبحسب القانون، يتعين على البرلمان التصويت لاختيار رئيس حكومة يجب أن ينجح بالأغلبية في التصويتين الأول والثاني ولكن في التصويت الثالث يفوز من يحصل على أكبر عدد من الأصوات. وفي حال امتنع «حزب فاغنكناشت» عن التصويت كما قالت زعيمته، فيمكن حينها أن يفوز زيغموند برئاسة الحكومة ويشكل حكومة أقلية. ولكن عملها سيكون صعباً، إذ سيتعين عليها جمع الأكثرية قبل تمرير أي قانون.

برلمان ساكسونيا - أنهالت المحلي في مدينة ماغدبورغ (أ.ف.ب)

وتتطابق خطط الحزب اليميني المتطرف مع خطط «حزب فاغنكناشت» الشعبوي في الكثير من المجالات، مثل الهجرة وتأييد إعادة العلاقات مع روسيا. ولكن من غير الواضح إلى أي مدى قد يحظى حزب البديل بتأييد في سياساته الأكثر تطرفاً، مثل فصل طلاب المدارس الأجانب ومن أصول مهاجرة عن الطلاب الألمان وإقامة صفوف خاصة.

قلق وسط المهاجرين

وتثير خطط حزب «البديل من أجل ألمانيا» للولاية قلقاً كبيراً بين المهاجرين الذين بات يفكر عدد كبير منهم في ترك الولاية. ويقول طارق رجب، رئيس قسم إعادة تأهيل أمراض عصبية في عيادة خاصة في ماغدبورغ، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إنه يفكر جدياً في الانتقال إلى ولاية أخرى بسبب المخاوف من المستقبل الغامض. ويقر بأنه يبحث عن «مكان آمن» يمكنه أن يقدم فيه الخدمات والكفاءات المطلوبة «من دون مخاوف». وأكثر ما يخيف طارق الذي وصل لاجئاً من سوريا قبل 10 سنوات، وحصل على الجنسية الألمانية، هو مستقبل ولديه اللذين يبلغان من العمر عامين و3 أعوام وما زالا في الروضة. ويقول إنه شعر بالصدمة عندما اطلع على برنامج حزب «البديل من أجل ألمانيا» حول المهاجرين وخططه لفصل الأطفال من أصول مهاجرة «لأنهم سيضعونهم في صفوف منفصلة يشرف عليها مدرسون أجانب تمهيداً للترحيل».

ويشكو لاجئ سوري آخر من مخاوف بشأن تعرض زوجته المحجبة لمضايقات بعد فوز «البديل» بسبب تزايد مشاعر الكراهية ضد المسلمين والأجانب. ويقول هو أيضاً إنه يفكر في مغادرة الولاية مع زوجته وأولاده. ومقابل مخاوف المهاجرين، تبدو الصدمة واضحة كذلك على مناصري الأحزاب الأخرى الذين لم يتوقعوا أن يحقق الحزب المتطرف النجاح الذي حققه. وقد عبّر عن ذلك المستشار الألماني فريدريش ميرتس الذي مُني حزبه بخسارة تاريخية وانخفضت أصواته إلى النصف في الولاية بنسبة لم تتعدَّ الـ17 في المائة. وقد اعترف ميرتس في كلمة ألقاها غداة الانتخابات بـ«خسارة هي الأقسى» التي يمنى بها حزبه منذ سنوات، قائلاً: «لم نتوقع» أن تأتي النتائج على هذا الشكل.

وكان ميرتس قد تعهد خلال حملته الانتخابية قبل عامين بأن يقلص تأييد حزب «البديل من أجل ألمانيا» إلى النصف، ولكن العكس هو الذي حصل، على الأقل في ولاية ساكسونيا أنهالت. وأضاف أنه ستكون هناك ارتدادات لخسارة حزبه الذي حكم الولاية الشرقية لـ28 عاماً، وأنه «لا يمكن المضي قدماً وكأن شيئاً لم يحصل».

وبنى حزب «البديل من أجل ألمانيا» الكثير من شعبيته في ولاية ساكسونيا-أنهالت بانتقاد حكومة برلين ودعمها لأوكرانيا و«إهدارها أموال دافعي الضرائب» على دعم أوكرانيا بدلاً من استثمارها في الولاية. وتعاني الولايات الشرقية من حرمان مقارنة بالولايات الغربية وتبدو بشكل واضح أفقر منها. كما أن معدل مستوى المرتبات فيها أقل من المرتبات في الولايات الغربية.

ويبدي الكثير من سكان الولاية استياءهم من ذلك، وقال هانو، أحد السكان وهو في السبعينات من العمر، ورفض التصويت، إنه لم يجد أن أياً من الأحزاب تطرق إلى أساس مشكلة الولاية، وهي غياب التنمية وانخفاض المرتبات مقارنة بالولايات الغربية. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن حزب «البديل من أجل ألمانيا» لا يقدم أي حلول في هذه المجالات وأنه لا يعطيه أي أمل. ولكن الكثير ممن هم في عمر الشباب يرون العكس؛ وقد أظهرت استطلاعات أن شعبية الحزب مرتفعة بين الشبان الذين هم بين 18 و24 عاماً. وينشط الحزب بشكل كبير على وسائل التواصل الاجتماعي، ولدى زيغموند مثلاً نحو مليوني متابع على «إنستغرام» و«تيك توك» و«فيسبوك».


رياح اليمين المتطرف تعصف بالشراع الأوروبي

المرشح الأبرز لحزب «البديل من أجل ألمانيا» في ولاية ساكسونيا - أنهالت أولريش سيغموند خلال مؤتمر صحافي ببرلين الاثنين (إ.ب.أ)
المرشح الأبرز لحزب «البديل من أجل ألمانيا» في ولاية ساكسونيا - أنهالت أولريش سيغموند خلال مؤتمر صحافي ببرلين الاثنين (إ.ب.أ)
TT

رياح اليمين المتطرف تعصف بالشراع الأوروبي

المرشح الأبرز لحزب «البديل من أجل ألمانيا» في ولاية ساكسونيا - أنهالت أولريش سيغموند خلال مؤتمر صحافي ببرلين الاثنين (إ.ب.أ)
المرشح الأبرز لحزب «البديل من أجل ألمانيا» في ولاية ساكسونيا - أنهالت أولريش سيغموند خلال مؤتمر صحافي ببرلين الاثنين (إ.ب.أ)

لن تسمع أحداً هنا، في مسقط رأسه النمسا، يلفظ اسمه ولو همساً. لكن طيف أدولف هتلر ماثل بقوة في الأذهان كلما ارتفع رصيد الأحزاب اليمينية المتطرفة في عدّاد الانتخابات الأوروبية، وباتت رياحها تعصف بالشراع، كما حصل نهاية الأسبوع الماضي عندما حصد حزب «البديل من أجل ألمانيا » على أكثر من 44 في المائة من الأصوات في أحد الانتخابات الإقليمية التي سجّلت فيها المشاركة رقماً قياسياً تجاوز 80 في المائة من الناخبين.

رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني تلتقط صورة مع مؤيديها خلال تجمع لحزب «إخوان إيطاليا» في مدينة باري الإيطالية 4 سبتمبر (د.ب.أ)

وبينما كان الناخبون يتوافدون إلى صناديق الاقتراع في مقاطعة ساكسونيا - أنهالت الشرقية لترسيخ صعود النازيين الجدد في ألمانيا، حيث باتت شعبيتهم تزيد على 30 في المائة على الصعيد الفيدرالي حسب الاستطلاعات الأخيرة، كانت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، وزعيمة حزب «إخوان إيطاليا» الذي تأسس على ركام الحزب الفاشي، تحتفل بكون حكومتها أصبحت الأطول عمراً في تاريخ بلادها الحديث بعد أن مرّ على تشكيلها 1412 يوماً، وتراقب بطرف عينها كيف أن تنظيماً سياسياً جديداً يزداد عليها في التطرف، باتت شعبيته تتجاوز شعبية حلفائها في الحكومة.

سياسات فاشلة

هذا الزلزال الألماني المعلن الذي ما زالت تداعياته تتردد في أرجاء الاتحاد الأوروبي، معطوفاً على الصعود المطرد للقوى والأحزاب اليمينية المتطرفة، أثبت أن كل التدابير التي كانت والوسائل التي لجأت إليها الأحزاب التقليدية في أوروبا لكبح إعصار التطرف واحتوائه، قد باءت بالفشل أو أنها أثمرت عكس النتيجة المنشودة منها، وأنه لم يعد من مناص سوى إعادة النظر بشكل جذري في الاستراتيجيات التي اتبعتها طيلة العقود الماضية. لم ينفع مثلاً ما قامت به الأحزاب اليمينية المعتدلة عندما استنسخت برامج اليمين المتطرف، لأن الناخبين كانوا يميلون في غالبيتهم إلى تفضيل النسخة الأصلية عند الدلاء بأصواتهم في صناديق الاقتراع. ولم ينفع تجاهل المخاوف الحقيقية أو المتخيلة التي تساور بعض السكان من ظاهرة الهجرة. كما فشل أيضاً الحجر الصحي الذي مارسته الأحزاب التقليدية ضد اليمين المتطرف وقطعت عليه طريق الوصول إلى الحكم، كما يتبيّن من صعود شعبية «البديل من أجل ألمانيا» ومارين لوبان في فرنسا.

لا شك في أن سياسة الخطوط الحمر التي نهجتها الأحزاب التقليدية في الاتحاد، وعزل القوى المتطرفة، ومنع إقامة التحالفات معها، قد ساعد على إقصائها عن السلطة. وهي سياسة يبررها أخلاقياً حظر التحالف أو التعاون مع أحزاب ترفض المبادئ الأساسية التي قامت عليها الديمقراطيات الأوروبية في أعقاب الحرب العالمية الثانية. لكن من الواضح أن كل ذلك أثبت عدم جدواه في كل مرة كانت الأحزاب اليمينية ترسخ صعودها تحت شعارات مثل «الجميع ضدنا» أو «النخب ضد الشعب»، وتحوّل الأسلحة التي رفعت لإضعافها، إلى رافعات لشعبيتها. يضاف إلى ذلك أن الحجر الصحي الذي يفرض على حزب معيّن بهدف عزله أو إضعافه، يفقد مفعوله عندما يصبح هذا الحزب قادراً على القفز فوقه وتجاوزه كما حصل بالأمس في إيطاليا، واليوم في ألمانيا، وربما غداً في فرنسا. والمفارقة المذهلة التي يتوقف عندها الأوروبيون اليوم ويستشعرون بمرارة العبرة المستخلصة من هذه الانتخابات الألمانية، هي أنه لا يوجد بلد في العالم انكبّ على التبحّر في دراسة ماضيه الإجرامي كما فعلت ألمانيا التي بذلت جهوداً غير مسبوقة في المدارس والمجتمع المدني لفهم جذور الفكر النازي وتداعياته. وهي فعلت ذلك بوصفه واجباً أساسياً بعد نهوضها من ركام الحرب التي دمرت أوروبا، وانطلاقاً من قناعتها بأن فهم الأخطاء ودراستها وتحليلها والتكفير عنها هي الحائل دون تكرارها.

عدد من قادة حزب «البديل من أجل ألمانيا» خلال مؤتمر صحافي ببرلين الاثنين غداة فوز حزبهم بالانتخابات المحلية في ساكسونيا - أنهالت (إ.ب.أ)

مشهد جديد يتشكل

لكن المشهد السياسي الذي يتشكّل منذ سنوات في أوروبا، ويندفع نحو أقصى اليمين مدعوماً من المعسكر اليميني المتطرف في الولايات المتحدة الذي يعيش عصره الذهبي مع دونالد ترمب، وناهلاً من الأزمات المتعاقبة على الاتحاد الأوروبي، التي ليست الهجرة أعظمها شأناً، يستدعي نقلة نوعية وخطوات جريئة قبل فوات الأوان. اليمين المتطرف يُمسك بزمام الحكم في إيطاليا منذ أكثر من ثلاث سنوات، وليس ما يوحي بأن انتخابات العام المقبل ستقصيه عن السلطة، لا بل إنه قد يذهب نحو مزيد من التشدد بعد ظهور حزب جديد يقوده جنرال متقاعد ليس خطابه السياسي بعيداً عن خطاب موسوليني، وقد يكون المفاجأة الكبرى في الاستحقاق الانتخابي المقبل. في الجمهورية التشيكية يقود اليمين المتطرف الحكومة الائتلافية، مدعوماً من القوى القومية والمناهضة للمشروع الأوروبي وللهجرة والسياسات البيئية. وفي سلوفاكيا يقود الحكومة القومي روبرت فيكو، متحالفاً مع اليمين المتطرف الذي يطالب بإغلاق الحدود في وجه المهاجرين من خارج الاتحاد. رئيس الوزراء السلوفيني جانيز جانسا، لا يخفي إعجابه برئيس الوزراء المجري السابق فيكتور أوربان، وبالرئيس الأميركي دونالد ترمب. وفي كرواتيا يرتفع رصيد التيار القومي الذي يشارك في الحكومة الائتلافية، ويرجح أن يكون النصر حليفه في الانتخابات المقبلة. في فنلندا، يحتل حزب «الفنلنديون الحقيقيون» المركز الثاني في الائتلاف الحاكم، حيث تمكن من فرض سياسة متشددة في موضوع الهجرة. وفي السويد يقود رئيس الوزراء أولف كريترسون تحالفاً يمينياً بدعم من اليمين المتطرف الذي يطمح إلى الفوز في انتخابات الأحد المقبل. اليمين الفرنسي المتطرف الذي تقوده مارين لوبان، أحكم قبضته على عشرات المدن في الانتخابات البلدية التي أجريت في مارس (آذار) الماضي، وقد أصبحت زعيمته أوفر المرشحين حظاً للفوز في الانتخابات الرئاسية ربيع العام المقبل.

وقد أحدثت لوبان تغييراً عميقاً في عقيدة الحزب الذي أسسه والدها، فأبعدته عن الطروحات النازية، وجنحت به نحو بعض الاعتدال، لكنها أبقت على مناهضة الهجرة ومكافحتها بأشد التدابير. وفي البرتغال يسيطر اليمين المتطرف على ثاني أكبر كتلة في البرلمان، ويقود زعيمه أندريه فنتورا المعارضة الحالية بعد أن أوشك أن يفوز مؤخراً في انتخابات الرئاسة. وفي النمسا يشكّل اليمين المتطرف القوة السياسية الأولى بما يزيد على 40 في المائة من التأييد بعد أن فاز في الانتخابات الأخيرة، وعجز عن تشكيل حكومة لامتناع الأحزاب الأخرى عن التحالف معه. والسيناريو ذاته يتكرر في هولندا وبلجيكا وإسبانيا واليونان وبولندا والنرويج ورومانيا وقبرص وبلغاريا، حيث تشارك الأحزاب اليمينية في الحكومة أو تدعمها بشروط تملي بموجبها تدابيرها المتشددة.