النيابة العامة الليبية تتعقب المزيد من «قضايا الفساد»

أمرت بحبس واختصام مصرفييِن بتهمة «تسهيل الاستيلاء» على أموال المودعين

النائب العام الليبي الصديق الصور في اجتماع سابق مع مساعديه (مكتب النائب العام)
النائب العام الليبي الصديق الصور في اجتماع سابق مع مساعديه (مكتب النائب العام)
TT

النيابة العامة الليبية تتعقب المزيد من «قضايا الفساد»

النائب العام الليبي الصديق الصور في اجتماع سابق مع مساعديه (مكتب النائب العام)
النائب العام الليبي الصديق الصور في اجتماع سابق مع مساعديه (مكتب النائب العام)

تكثّف النيابة العامة الليبية من جهودها لتعقّب «قضايا الفساد» في إطار مساعيها لـ«تعزيز الشفافية في المؤسسات المالية والإدارية»، وذلك بعد حبس وزراء ومسؤولين على ذمة قضايا من هذا النوع.

تأتي هذه التحركات بعد حبس علي العابد، وزير التربية والتعليم المكلّف بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة ومدير مركز المناهج، بتهم «إساءة في عقود طباعة الكتب المدرسية للعام الحالي»، ليرتفع بذلك عدد الوزراء المحبوسين في الحكومة إلى أربعة على الأقل منذ تشكيلها عام 2021.

رئيس حكومة «الوحدة» عبد الحميد الدبيبة مستقبلاً وزير التربية والتعليم علي العابد في مارس الماضي (حكومة «الوحدة» الليبية)

وتزداد في ليبيا وتيرة الفساد في ظل إعلان النائب العام الصديق الصور عن ضبط واعتقال موظفين ومسؤولين حاليين بحكومة «الوحدة» برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وسابقين بتهم فساد، بينما يتشكك جل الليبيين في إمكانية التصدّي لذلك.

وقال مكتب النائب العام، الاثنين، إن النيابة العامة أقامت الدعوى الجنائية ضد أحد موظفي فرع الجمهورية - القادسية لاتهامه بالاستيلاء على 8 ملايين و200 ألف دينار من أموال المودعين (الدولار يساوي 5.45 دينار ليبي). واختصمت النيابة متهماً آخر «تآمر مع مرتكب فعل الاستيلاء على تزوير أوراق عرفية»، وكذلك أربعة موظفين «أهملوا واجبهم الوظيفي بشكل مكّن غيرهم من الاستيلاء على الأموال».

وأوضح مكتب النائب العام أن محكمة استئناف طرابلس قضت بمعاقبة الأول بالسجن مدة سبع سنوات، وإلزامه برد المبلغ الذي استولى عليه وغرّمته نحو 16 مليوناً و500 ألف دينار مع حرمانه من الحقوق المدنية مدة تنفيذ العقوبة وسنة عقب تنفيذها.

وتضمن الحكم القضائي أيضاً معاقبة الموظف الآخر الذي ساعد في واقعة التزوير بالحبس سنة، وقضى بمعاقبة المتهمين الأربعة الآخرين عن واقعة الإهمال، بالحبس سنة واحدة، وأمرت بوقف نفاذها مدة خمس سنوات.

وقال مصدر بمكتب النائب العام لـ«الشرق الأوسط» إن النيابة تواصل التحقيق في «كل الوقائع التي وردت بالتقرير الأخير لديوان المحاسبة، وغيرها من وقائع استُحدثت»، مشيراً إلى أن لديها «كثيراً من الملفات قيد البحث والتحري قبل استدعاء المتورطين فيها».

وفي مطلع أغسطس (آب) 2024 قضت محكمة استئناف طرابلس بسجن موسى المقريف، وزير التربية والتعليم بحكومة «الوحدة الوطنية» الليبية، 3 سنوات و6 أشهر، وحرمانه من حقوقه المدنية مدة العقوبة وسنة بعدها، وتغريمه ألف دينار، وذلك بتهمة «الفساد».

وكان رئيس حكومة «الوحدة» قد أطلق في 16 يوليو (تموز) «استراتيجية وطنية» للرقابة على الأداء ومكافحة الفساد (2025 - 2030). كما سبق وكشف ديوان المحاسبة في تقريره الأخير «تجاوزاً وتبديداً» للمال العام من قبل أطراف كثيرة بالبلاد، من بينها حكومة «الوحدة»، وسط مطالب بضرورة إخضاع المتورطين لـ«المحاكمة».

خالد شكشك رئيس ديوان المحاسبة بغرب ليبيا (المكتب الإعلامي للجهاز)

وأصدر ديوان المحاسبة، الذي يعد أكبر جهة رقابية في البلاد، تقريراً تضمن «وقائع فساد» كثيرة، بداية من «اختلاس المال العام عن طريق عقود وهمية، والتوسع في إبرام عقود للتوريد»، بالإضافة إلى إنفاق الملايين على شراء السيارات، فضلاً عن إقامة أشخاص لا تربطهم علاقة وظيفية بديوان الحكومة في فنادق خارج البلاد.

وكلّف رئيس حكومة «الوحدة» الوزير العابد في مايو (أيار) الماضي بمهام وزير التربية والتعليم، بالإضافة إلى مهامه وزيراً للعمل، وذلك بعد صدور حكم قضائي بالسجن بحق المقريف على خلفية «ملفات فساد» تتعلق بطباعة الكتاب المدرسي أيضاً.

كان ديوان المحاسبة أعلن رصد مخالفات في طباعة وتوريد الكتاب المدرسي والتقني، مما أدى إلى تأخير توريده، ومن ثم عدم وصوله إلى الطلاب. وفي 19 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، قال إنه أصدر قراراً يقضي بإخضاع كل المعاملات المالية المتعلقة بطباعة وتوريد الكتابين المدرسي والتقني للعام الدراسي 2025 - 2026 لأعمال الرقابة المصاحبة.

وانتهى ديوان المحاسبة إلى أن «هذه التدابير تأتي في إطار قيامه بمهامه الرقابية الرامية إلى حماية المال العام وضمان سلامة الإجراءات التعاقدية».

وشهدت الحكومة، التي تضم نحو 35 وزيراً ووزيرة منذ تشكيلها في 2021، حبس أو إدانة أربعة وزراء على الأقل، مع تركيز على قطاعي التربية والصحة بوصفهما أبرز المتضررين، بالإضافة إلى اعتقال مبروكة توكي، وزيرة الثقافة، نهاية 2021 بتهم «فساد مالي وإداري»، قبل أن يتم الإفراج عنها بتدخل من الدبيبة وعودتها إلى منصبها لاحقاً.


مقالات ذات صلة

أزمة الدولار تضغط بقوة على «رغيف الخبز» في ليبيا

شمال افريقيا ارتفاع أسعار الخبز في مدن ليبية عدة أثار موجة استياء شعبي (أ.ف.ب)

أزمة الدولار تضغط بقوة على «رغيف الخبز» في ليبيا

أثار ارتفاع أسعار الخبز في مدن ليبية عدة موجةَ استياء شعبي، منذ منتصف هذا الأسبوع، بعدما أعلن أصحاب مخابز رفع سعر الرغيف إلى نصف دينار.

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» أكد ارتفاع عدد المسجلين الجدد في القوائم الانتخابية وفي عدد المترشحين للانتخابات المحلية المقبلة (أ.ب)

الجزائر: استبعاد مئات المرشحين يشعل مواجهة بين «سلطة الانتخابات» والأحزاب

تحتدم حالياً مواجهة حادة بين الأحزاب وهيئة تنظيم العمليات الانتخابية في الجزائر، على خلفية إقصاء مئات المترشحين للانتخابات المحلية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عالمية فانغيليس ليوليوس (إ.ب.أ)

سلة: استجواب رئيس الاتحاد اليوناني وحَكَمة بارزة في قضية تلاعب

كان رئيس الاتحاد اليوناني لكرة السلة وحكَمة بارزة من بين المشتبه بهم الذين خضعوا للاستجواب الخميس.

«الشرق الأوسط» (أثينا)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (الرئاسة التركية)

تركيا: «فضيحة صناديق الاستثمار» تشعل التوتر بين إردوغان والمعارضة

رفعت «فضيحة صناديق الاستثمار» في تركيا حدة التوتر بين الرئيس رجب طيب إردوغان والمعارضة، التي تتهمه بالفشل في التعامل مع الفضيحة...

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
رياضة عالمية فانغيليس ليوليوس (إ.ب.أ)

توقيف رئيس الاتحاد اليوناني لكرة السلة بتهمة التلاعب في النتائج

أوقف رئيس الاتحاد اليوناني لكرة السلة، الأربعاء، في إطار تحقيق واسع بشأن التلاعب بنتائج المباريات يعود إلى عقد من الزمن ويشمل عدداً من المشتبه بهم.

«الشرق الأوسط» (أثينا)

الحرب توسّع دائرة الفقر والتسوّل في السودان

جانب من «سوق الخضر» في مدينة أم درمان (الشرق الأوسط)
جانب من «سوق الخضر» في مدينة أم درمان (الشرق الأوسط)
TT

الحرب توسّع دائرة الفقر والتسوّل في السودان

جانب من «سوق الخضر» في مدينة أم درمان (الشرق الأوسط)
جانب من «سوق الخضر» في مدينة أم درمان (الشرق الأوسط)

تحت وطأة الحرب وتفاقم الأزمات المعيشية، لم يعد مد الأيدي طلباً للمساعدة في شوارع السودان وأسواقه ومساجده مشهداً عابراً، بل بات انعكاساً لوجع إنساني يتسع يوماً بعد آخر، في بلد تشير تقديرات رسمية إلى أن الفقر يطول نحو 73 في المائة من سكانه داخل البلاد وخارجها.

وخلف كل يد ممدودة حكاية فَقْد ونزوح وعجز عن توفير لقمة العيش؛ فعامل حرمته الإصابة من القدرة على العمل، وأب أثقل النزوح كاهله، وأم فقدت زوجها لتجد نفسها وحيدة في مواجهة أعباء إعالة أطفالها...ومع تآكل مصادر الدخل وارتفاع تكاليف الغذاء والعلاج والتعليم، يجد هؤلاء أنفسهم أمام خيار قاسٍ: طلب العون من الآخرين، أو ترك أسرهم تواجه الجوع والحرمان.

وهكذا، لم تعد الحرب تسرق البيوت ومصادر الرزق فحسب، بل تدفع مزيداً من السودانيين إلى حافة العوز، حيث تصبح الكرامة الإنسانية نفسها موضع اختبار يومي.تتسع رقعة الفقر في السودان على نحو غير مسبوق منذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023.

ففي يونيو (حزيران) الماضي، أعلن وزير الموارد البشرية، معتصم أحمد صالح، أن نسبة الفقر بلغت نحو 73 في المائة بين السودانيين داخل البلاد وخارجها، واصفاً النسبة بأنها «صادمة»، وتعكس حجم التدهور الذي خلّفه الصراع المستمر.

وفي السياق نفسه، حذر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، في تقرير صدر في أبريل الماضي، من أن استمرار الصراع قد يرفع نسبة الفقر المدقع إلى 60 في المائة من السكان بحلول عام 2030، بما يعادل نحو 36 مليون شخص.

إصابة تسلب عاملاً مصدر رزقه

حركة المتسوقين تناقصت بشكل ملحوظ في الأسواق الشعبية (الشرق الأوسط)

يروي حسين عبد الله لـ«الشرق الأوسط» جانباً من المعاناة التي دفعته إلى التسول بعدما فقد مصدر رزقه بسبب الحرب؛ فقد أدت إصابته بشظايا إلى بتر إحدى يديه، ما حرمه من مواصلة العمل في البناء، الذي كان يوفر له دخلاً يومياً يعين به أسرته.

ومع تضاؤل خياراته وعجزه عن تلبية احتياجات عائلته، وجد نفسه مضطراً إلى مد يده للمارة في السوق، بعدما كان يتمتع بقدر أكبر من الاستقرار المعيشي قبل إصابته.

أما صلاح التيجاني، فقد قادته رحلات النزوح المتكررة بين الولايات والمدن التي هي أكثر أمناً إلى مواجهة أعباء معيشية تفوق قدرته على الاحتمال. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن تأمين الغذاء والسكن أصبح تحدياً يومياً لأسرته، في ظل غياب مورد مالي يكفي لتغطية احتياجاتها الأساسية.

ويضيف أن هذه الظروف اضطرته إلى التسول لتوفير الطعام وتكاليف العلاج والدراسة، في محاولة لتجنيب أفراد أسرته مزيداً من المعاناة.

أرامل في مواجهة العوز

القدرة الشرائية تراجعت بسرعة كبيرة في سنوات الحرب (الشرق الأوسط)

تواجه فاطمة عبد الكريم واقعاً أشد قسوة بعد أن فقدت زوجها خلال الحرب، لتجد نفسها وحيدة في تحمل مسؤولية إعالة أطفالها، من دون مصدر دخل ثابت يلبي احتياجاتهم الأساسية.

وتقول إنها اضطرت إلى التسول لتوفير متطلبات الحياة اليومية، رغم محاولاتها المتكررة الحصول على مساعدة من الجهات الحكومية والمنظمات الإنسانية، لكنها لم تجد ما يعينها على تجاوز محنتها.

وتضيف فاطمة لـ«الشرق الأوسط»، بصوت يمتزج فيه التعب بالأمل، أنها باتت تتجول في الأسواق بحثاً عما يسد رمق أطفالها ويوفر ثمن العلاج، مشيرة إلى أنها تعاني حالياً من الملاريا، ولا تملك سوى ما تجمعه من طلب المساعدة لتغطية تكاليف علاجها.

ولا تخفي فاطمة رغبتها في الخروج من دائرة التسول، التي تقول إنها تتعرض خلالها للمضايقات والاستغلال. وتحلم بالحصول على دعم يمكّنها من إقامة مشروع صغير يوفر لها دخلاً ثابتاً، ويساعدها على إعالة أطفالها بعيداً عن مشقة السؤال، بما يحفظ كرامتها ويمنح أسرتها فرصة لحياة أكثر أماناً واستقراراً.

ومن جهته، يقول عبد اللطيف الحسن، وهو من ذوي الإعاقة الحركية ويتنقل على كرسي متحرك، إن تداعيات الحرب والارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة دفعاه إلى طلب المساعدة في الشوارع والمساجد لتأمين احتياجات أسرته اليومية، بما في ذلك متطلبات زوجته وأبنائه الذين يواصلون دراستهم.

ويؤكد أن الحرب فاقمت الضغوط المعيشية على الأسر السودانية، لا سيما الأشخاص ذوي الإعاقة، الذين يواجهون تحديات مضاعفة في ظل تراجع فرص العمل وارتفاع تكاليف الحياة، ما يجعل تأمين أبسط متطلبات المعيشة معركة يومية.

من التسول إلى بيع الشاي

وتروي فتحية عبد الله، وهي امرأة مطلقة، جانباً من معاناة النزوح والتشرد؛ إذ دفعتها قسوة الظروف إلى التجول في الشوارع ومد يدها للآخرين سعياً إلى توفير لقمة العيش لأطفالها.

لكن وطأة هذه المعاناة دفعتها إلى البحث عن بديل، فقررت العمل في بيع الشاي بإحدى أسواق أم درمان، أملاً في تأمين مصدر رزق يعينها على مواجهة أعباء الحياة.وتقول فتحية لـ«الشرق الأوسط»: «أحياناً لا أجد ثمن وجبة الفطور، فأكتفي بسندويتش طعمية أتناوله في الصباح، وأظل من دون طعام حتى أعود إلى منزلي مساءً».

وتكشف شهادتها جانباً من الضغوط اليومية التي تواجهها الأسر التي فقدت مصادر دخلها؛ إذ لا يقتصر العوز على العجز عن توفير الاحتياجات الأساسية، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، من وجبة الطعام إلى تكاليف التعليم والعلاج.

الظاهرة انعكاس للانهيار الاقتصادي

جزارة في سوق أم درمان بالعاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

وشددت الباحثة الاجتماعية رندا حسين على ضرورة تعامل المجتمع مع ظاهرة التسول بقدر كبير من التعاطف والمسؤولية، بعيداً عن الإهانة أو التمييز أو افتراض أن جميع المتسولين ينتمون إلى الفئة نفسها.

وأوضحت لـ«الشرق الأوسط» أن بعض هؤلاء فقدوا أعمالهم ومنازلهم وشبكات الأمان الاجتماعي، وأصبحوا عاجزين عن توفير أبسط متطلبات الحياة.

وأضافت أن اتساع الظاهرة في زمن الحرب لا يمثل مجرد مشهد لأيدٍ ممدودة في الشوارع، بل يعكس واقع أسر فقدت مصادر رزقها، وأطفال باتوا مهددين بالحرمان من التعليم، وأشخاص دفعتهم الحاجة إلى التخلي عن استقلالهم المعيشي.

وتشير هذه المعطيات إلى أن التعامل مع الظاهرة لا ينبغي أن يقتصر على الحد من انتشارها في الشوارع، بل يتطلب أيضاً معالجة الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع الناس إلى التسول، وتوفير بدائل تتيح لهم استعادة قدرتهم على كسب العيش.

تحركات حكومية لمواجهة الظاهرة

وفي ظل غياب إحصاءات رسمية دقيقة بشأن أعداد المتسولين والمشردين، وجّهت وزارة التنمية الاجتماعية بولاية الخرطوم بإجراء حصر شامل للمشردين، وتصنيفهم وتحديث بياناتهم، بالتوازي مع تشكيل لجان فنية مصغرة لوضع منهجية متكاملة لمكافحة ظاهرة التسول، وإعداد تصور عملي للتعامل معها ومعالجة أسبابها.

وشدد وزير التنمية الاجتماعية بولاية الخرطوم، صديق فريني، على ضرورة إطلاق حملات واسعة لمكافحة الظاهرة، قائلاً إنها «لم تعد مجرد تحدٍّ اجتماعي، بل أصبحت ملفاً أمنياً يهدد سلامة مواطني الولاية، ما يتطلب التعامل معها بحزم».

ويضع هذا التوجه السلطات أمام تحدي الموازنة بين تنظيم المجال العام والاستجابة للاحتياجات الإنسانية للفئات التي دفعتها الحرب إلى التسول، خصوصاً في ظل تراجع فرص العمل واتساع دائرة الفقر والنزوح.

الاعتماد على الذات

أصبح حديث الناس الدائم هو الغلاء وارتفاع الأسعار (الشرق الأوسط)

في نهاية المطاف، لا تقف مأساة هؤلاء عند الأيدي التي امتدت طلباً للمساعدة، بل تتجاوزها إلى الحياة التي كانوا يعيشونها قبل أن تنتزع الحرب منهم القدرة على الاعتماد على أنفسهم.

فخلف كل يد ممدودة أب يخشى العودة إلى أطفاله خالي الوفاض، وأم تحاول إخفاء عجزها عن توفير احتياجات صغارها، ورجل أثقلته الإصابة فلم يعد قادراً على ممارسة عمله، وآخرون دفعتهم قسوة النزوح وغلاء المعيشة إلى طرق أبواب لم يعتادوا الوقوف أمامها.

وفي بلد أنهكت الحرب اقتصاده ومجتمعه، لا تبدو هذه الحكايات مجرد حالات فردية من العوز، بل وجوهاً لأزمة إنسانية تتسع، وتضع آلاف الأسر أمام معركة يومية من أجل البقاء؛ إذ لم تعد لقمة العيش وحدها هي التحدي، بل الحفاظ على الكرامة والأمل في حياة أكثر أمناً واستقراراً.


«المركزي» الليبي يفتح جبهة جديدة في الصراع على قيادة المؤسسات السيادية

مقر مصرف ليبيا المركزي في طرابلس (رويترز)
مقر مصرف ليبيا المركزي في طرابلس (رويترز)
TT

«المركزي» الليبي يفتح جبهة جديدة في الصراع على قيادة المؤسسات السيادية

مقر مصرف ليبيا المركزي في طرابلس (رويترز)
مقر مصرف ليبيا المركزي في طرابلس (رويترز)

عاد مصرف ليبيا المركزي إلى واجهة الصراع على قيادة المؤسسات السيادية في ليبيا، بعدما قبلت هيئة رئاسة مجلس النواب استقالة المحافظ ناجي عيسى، وقررت تكليف عضو بمجلس إدارة المصرف بتسيير مهامه مؤقتاً، في خطوة رفضها المجلس الأعلى للدولة، وأثارت اعتراض المصرف نفسه.

وتأتي هذه الخطوة غداة اقتحام مسلحين مقر ديوان المحاسبة في طرابلس، أكبر جهاز رقابي في ليبيا، في محاولة لتمكين مسؤول من تولي منصب وكيل الديوان، بما يعيد استقلال المؤسسات السيادية والرقابية إلى واجهة الانقسام الليبي، ويثير تساؤلات حول قدرتها على مقاومة ضغوط صراعات التعيينات والقيادة.

ناجي عيسى محافظ المصرف المركزي الليبي المقبول استقالته من البرلمان (صفحة المركزي)

وعلى الرغم من مرور نحو عامين على أزمة الإطاحة بالمحافظ السابق الصديق الكبير، عادت الخلافات بشأن قيادة المصرف إلى الواجهة، مع إعلان هيئة رئاسة مجلس النواب، الخميس، قبول استقالة عيسى مبدئياً، وإحالة الأمر إلى المجلس في جلسته المقبلة لاتخاذ القرار النهائي وفقاً للتشريعات النافذة، إلى جانب تكليف فوزي مصباح أبو خزام، عضو مجلس الإدارة، بتسيير مهام المحافظ.

وفي مؤشر على بدء تنفيذ القرار، تداولت وسائل إعلام محلية محضر تسليم وتسلم مهام المحافظ، قالت إنه وُقّع من لجنة تضم أعضاء في مجلسي النواب والأعلى للدولة. وأظهرت تسجيلات مصورة وصول أبو خزام إلى مقر المصرف، وسط استمرار الخلاف بشأن قانونية الإجراء.

غير أن إدارة المصرف المركزي، التي قُبلت استقالتها، أبدت اعتراضاً صريحاً على ما جرى، وأعربت في بيان نشرته عبر الصفحة الرسمية للمصرف على «فيسبوك»، عن «بالغ استنكارها» لدخول قوة وأطراف أخرى إلى المقر، وانتهاك حرمة مكتب المحافظ في غيابه.

وعدّت الإدارة التابعة لناجي عيسى الواقعة تجاوزاً للأصول المؤسسية والإدارية، وإخلالاً بواجب احترام مقاره وصون حرمتها، محمّلاً الجهات التي شاركت فيها أو أسهمت فيها مسؤولية تداعياتها، وفي مقدمتها وزارة الدفاع، بالنظر إلى مسؤوليتها عن حماية المقر وتأمينه.

وفي تصعيد للموقف، أكدت الإدارة التابعة لناجي عيسى عدم تحمله المسؤولية عن الإجراءات، أو التصرفات التي ترتبت على دخول المقر، متمسكاً بحقه في اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لحماية مقاره ومكاتبه ووثائقه، ومساءلة المسؤولين عن الواقعة.

رئيس مجلس النواب الليبي الصالحين عبد النبي خلال لقاء مع رئيس مجلس التخطيط الوطني في بنغازي الخميس (مجلس النواب)

وعلى المسار السياسي، أعلن المجلس الأعلى للدولة رفضه الإجراء، الذي اتخذته هيئة رئاسة مجلس النواب، إذ وجّه النائب الأول لرئيس المجلس، ناجي مختار علي، مراسلة رسمية إلى المحافظ، أكد فيها الاعتراض على قبول الاستقالة، وتكليف أحد أعضاء مجلس الإدارة بتسيير مهامه مؤقتاً.

وتعود بداية الأزمة الحالية إلى أغسطس (آب) الماضي، عندما أعلن عيسى استقالته من منصبه، من دون الكشف عن أسبابها، مكتفياً بالإشارة، في رسالة وجّهها إلى مجلسي النواب والأعلى للدولة، إلى «حساسية» تلك الأسباب، غير أن مصادر مقربة من المحافظ (المقبول استقالته) ربطت عدوله عن الاستقالة بتسريع تنفيذ اتفاق الإنفاق الموحد، ووقف زيادات الرواتب غير المتناسبة مع الإيرادات، وإقرار إجراءات للحد من تهريب السلع والمحروقات وحماية الاحتياطيات، وهي ملفات ترتبط مباشرة باستقرار المالية العامة وإدارة الموارد.

ومن وجهة نظر اقتصادية، رأى علي الشريف، أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، أن قبول الاستقالة مبدئياً كان ينبغي أن يعقبه استدعاء المحافظ، والاستماع إلى الأسباب التي دفعته إلى تقديمها، بدلاً من اتخاذ قرار متسرع قبل تحديد طبيعة الأزمة.

من جلسة سابقة للمجلس الأعلى للدولة (المجلس)

وحذّر الشريف من أن استمرار الأسباب، التي دفعت عيسى إلى الاستقالة، سيُبقي تداعياتها قائمة، حتى لو جرى تغيير أكثر من محافظ، مشيراً إلى أن معالجة الأزمة تتطلب التعامل مع مسبباتها، لا الاكتفاء بتغيير المسؤول عن إدارة المصرف.

ويأتي تجدد الخلاف في سياق انقسام سياسي ومؤسسي مستمر منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، مع وجود سلطات متنافسة في شرق البلاد وغربها، وتكرار النزاعات بشأن إدارة المؤسسات العامة وتعيين قياداتها، وسط تعثر جهود توحيد مؤسسات الدولة.

وجاء تعيين عيسى عام 2024 ثمرة لاتفاق بين مجلسي النواب والأعلى للدولة، في محاولة لإنهاء أزمة السيطرة على المصرف المركزي، التي انتهت بإطاحة المحافظ السابق الصديق الكبير، بعد تصاعد الخلاف بشأن صلاحيات التعيين وإدارة المؤسسة النقدية.

وتفجرت الأزمة آنذاك بعدما قرر المجلس الرئاسي تغيير الكبير، وتعيين محافظ جديد، في خطوة رفضها مجلس النواب، قبل أن يتصاعد النزاع إلى إغلاق حقول نفطية وتعطل الإنتاج، وصولاً إلى اتفاق برعاية أممية لاختيار قيادة جديدة للمصرف.

وغير بعيد عن الصراع على قيادة المؤسسات السيادية، استمر توقف العمل في ديوان المحاسبة في طرابلس، الخميس، بعدما حاول مسلحون تمكين مسؤول من تولي منصب وكيل الديوان، وفق وصف المؤسسة الرقابية، التي أعلنت تعليق العمل عقب الواقعة إلى حين توافر الظروف المناسبة والآمنة لمباشرة مهامه الرقابية

واتسعت دائرة الإدانات الدولية لاقتحام مقر ديوان المحاسبة، إذ أدانت بعثة الاتحاد الأوروبي لدى ليبيا و27 بعثة دبلوماسية، الخميس، هذا التصرف، داعية إلى إنهاء الوجود المسلح ومغادرة المقر دون تأخير، وتسوية الخلافات بشأن التعيينات القيادية عبر الإجراءات القانونية والمؤسسية.

وسبق الموقف الأوروبي، الأربعاء، تعبير الولايات المتحدة عن قلقها إزاء وجود قوات مسلحة داخل مقر ديوان المحاسبة، مؤكدة أن استقلال المؤسسات الليبية «أمر بالغ الأهمية»، وأنه ينبغي أن تتمكن من أداء مهامها بعيداً عن الترهيب والتهديدات الجسدية.

وتعيد التطورات الأخيرة ملف حماية المؤسسات السيادية والرقابية إلى صدارة المشهد الليبي، مع تزامن النزاع على قيادة المصرف المركزي، والخلاف على المناصب داخل ديوان المحاسبة، بما يضع قدرة التفاهمات السياسية على تحييد هذه المؤسسات عن صراعات النفوذ أمام اختبار جديد.


إغلاق السفارة الهولندية في القاهرة «حتى إشعار آخر»

إحدى الفعاليات التي نظمتها السفارة الهولندية في القاهرة خلال يونيو الماضي (السفارة الهولندية بالقاهرة)
إحدى الفعاليات التي نظمتها السفارة الهولندية في القاهرة خلال يونيو الماضي (السفارة الهولندية بالقاهرة)
TT

إغلاق السفارة الهولندية في القاهرة «حتى إشعار آخر»

إحدى الفعاليات التي نظمتها السفارة الهولندية في القاهرة خلال يونيو الماضي (السفارة الهولندية بالقاهرة)
إحدى الفعاليات التي نظمتها السفارة الهولندية في القاهرة خلال يونيو الماضي (السفارة الهولندية بالقاهرة)

أعلنت السفارة الهولندية في القاهرة «إغلاق أبوابها حتى إشعار آخر». وقالت، في بيان الخميس، إن «وزارة الخارجية الهولندية اتخذت هذا القرار في ضوء المظاهرات التي يتم تنظيمها أمام مبنى السفارة».

وأشارت السفارة، بحسب البيان، إلى أنه «سيتم التواصل مع الأشخاص الذين لديهم مواعيد مسبقة في السفارة، وإخطارهم في أقرب وقت ممكن بإعادة جدولة مواعيدهم»، مؤكدة أن «هذا الإغلاق المؤقت لا يؤثر على الخدمات التي تقدمها الشركة المتخصصة بإجراءات التقديم على التأشيرات في القاهرة».

ويأتي هذا التصعيد من جانب هولندا عقب تجدد التوترات الدبلوماسية مع القاهرة على خلفية توقيف الناشط أحمد ناصر نائب رئيس «اتحاد شباب المصريين بالخارج»، وزميل له في هولندا، وما سببه ذلك من تداعيات واحتجاجات أمام مبنى السفارة في حي الزمالك بالقاهرة.

وجاء توقيف ناصر وزميله، في الحادي عشر من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، خلال توجههما للمشاركة في مظاهرة مؤيدة للحكومة المصرية أمام مقر سفارتها في لاهاي، شارك فيها عشرات من أبناء الجاليات المصرية بأوروبا لإظهار «دعمهم لموظفي السفارة»، عقب مظاهرة مناهضة للحكومة نظمها الناشط المعارض أنس حبيب أمام مقرها في 4 أكتوبر الحالي.

وإثر توقيف ناصر وزميله أجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالاً هاتفياً بنظيره الهولندي توم بيريندسن، الأسبوع الماضي، طالبه خلاله بـ«معرفة ملابسات التوقيف وسرعة الإفراج عن المواطن المصري».

وأكد بحسب بيان لوزارة الخارجية آنذاك «الأهمية القصوى لتوفير الحماية اللازمة والكافية لمقر السفارة المصرية في لاهاي، واحترام الالتزامات المنصوص عليها في اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، وربط ذلك بمبدأ المعاملة بالمثل»، مشيراً إلى «حرص السلطات المصرية على حماية جميع البعثات الدبلوماسية الموجودة في مصر».

كما امتدّت تداعيات المسألة إلى البرلمان حيث دعا رئيس «لجنة حقوق الإنسان» بمجلس النواب طارق رضوان إلى «توضيح الأساس القانوني للإجراءات المتخذة بحق ناصر وضمان حقوقه»، مطالباً أمستردام بالإفراج عنه وعن زميله.

وامتدت التداعيات إلى محيط السفارة الهولندية في القاهرة حيث احتشد العشرات أمام السفارة للمطالبة بالإفراج عن ناصر، وكرروا الاحتجاج لعدة أيام، وسط مخاوف من تجدد التوترات الدبلوماسية بين القاهرة وأمستردام على خلفية «مظاهرات السفارات» التي جرت في وقت سابق.

وشهد العام الماضي حملة تظاهر أمام سفارات وبعثات دبلوماسية مصرية في الخارج والدعوة لإغلاقها، قام فيها المعارض المصري أنس حبيب نفسه بزعم أن القاهرة «تعرقل دخول المساعدات إلى غزة»، وهو ما نفته مصر مراراً، مُوجّهة أصابع الاتهام إلى تنظيم «الإخوان» بالوقوف وراء الحملة التي تطورت إلى احتجاجات أمام سفاراتها لدى عدة دول.