إسرائيل تُفجّر خلافاً غير مسبوق في صفوف اليمين الأميركي

بعد دفاع رئيس «هيريتيج» عن الإعلامي تاكر كارلسون

ترمب مستقبلاً نتنياهو في البيت الأبيض 29 سبتمبر 2025 (رويترز)
ترمب مستقبلاً نتنياهو في البيت الأبيض 29 سبتمبر 2025 (رويترز)
TT

إسرائيل تُفجّر خلافاً غير مسبوق في صفوف اليمين الأميركي

ترمب مستقبلاً نتنياهو في البيت الأبيض 29 سبتمبر 2025 (رويترز)
ترمب مستقبلاً نتنياهو في البيت الأبيض 29 سبتمبر 2025 (رويترز)

تتّخذ السجالات داخل الحزب الجمهوري الأميركي حول حدود النقد الموجّه لحكومة إسرائيل منحى متسارعاً، بعدما دافع كيفين روبرتس، رئيس مؤسسة «هيريتيج» المحافظة، عن الإعلامي تاكر كارلسون إثر مقابلته مع الداعم لنظريات تفوق العرق الأبيض ومُنكِر المحرقة، نيك فوينتس. المشهد الذي بدا في بدايته مجرد جدل إعلامي، تحوّل سريعاً إلى أزمة فكرية وأخلاقية داخل اليمين الأميركي، كاشفاً عن انقسام آيديولوجي عميق بين من يرى أن الدفاع عن إسرائيل جزء من الهوية المحافظة، ومن يعتبر أن انتقادها مشروع ولا يُعدّ معاداة للسامية والدين اليهودي.

وفي تسجيل مصوّر نشره على منصة «إكس»، عدّ روبرتس منتقدي كارلسون بأنهم «تحالف سامّ يسعى لإلغائه»، مؤكداً أن مقدم البرامج السابق في «(فوكس نيوز) صديق مقرّب لمؤسسة هيريتيج، وسيبقى كذلك». ومع أنه شدّد على رفضه «الكامل لأفكار فوينتس»، فإنه اعتبر أن «الإلغاء ليس الحلّ»، داعياً إلى مواجهة الأفكار المتطرفة بالحوار، لا بالعقاب.

هذا الدفاع العلني، الصادر عن واحدة من أقوى مؤسسات الفكر اليميني في واشنطن، جاء في لحظة حساسة، يواجه فيها الحزب الجمهوري أزمة هوية بعد سلسلة من الحوادث التي طالت شخصيات يمينية، اتُهمت بالترويج لمقولات معادية لليهود أو متعاطفة مع رموز نازية.

أزمة تتجاوز كارلسون وفوينتس

كارلسون، الذي يُعدّ من أبرز الأصوات المحافظة المؤثرة بعد خروجه من «فوكس نيوز»، واجه انتقادات حادّة إثر مقابلته مع فوينتس، المعروف بإنكاره للمحرقة وبتصريحاته التي تحدّث فيها عن «اليهود المُنظّمين» و«هيمنتهم على الإعلام».

وخلال المقابلة، سخر كارلسون من دعم بعض الجمهوريين لإسرائيل، معتبراً أن شخصيات مثل السيناتور تيد كروز والسفير السابق مايك هوكابي مصابون بـ«فيروس في الدماغ».

ردود الفعل داخل الحزب كانت سريعة وحادّة. فقد سخر هوكابي على «إكس» قائلاً إنه لم يكن يعلم أن كارلسون «يكرهه»، لكنه اعتاد على «الجهلة بالكتاب المقدس والتاريخ». أما كروز، فاعتبر أن هوكابي «قسّ ووطني يُحبّ أميركا وإسرائيل والمسيح»، مؤكداً «فخره بالانتماء إلى صفّه».

غير أن الأزمة تجاوزت حدود الجدل الشخصي، لتعيد طرح السؤال الأوسع داخل اليمين الأميركي؛ هل بات انتقاد إسرائيل يُصنَّف تلقائياً ضمن معاداة السامية؟

انقسام جمهوري متنامٍ

تتزامن هذه الأزمة مع تصاعد الخطاب المعادي لليهود في بعض أوساط اليمين الشاب داخل الحزب الجمهوري. فقد كشفت صحيفة «بوليتيكو» مؤخراً عن رسائل في مجموعات «تلغرام» لقيادات شبابية جمهورية تضمّنت نكاتاً عن المحرقة وإشادات بأدولف هتلر، ما أدى إلى إقالات وإغلاق فروع محلية. كما انسحب بول إنغراسيا، مرشح ترمب السابق لمنصب رفيع في وزارة العدل، بعد الكشف عن ميوله النازية ومشاركته في تجمعات مع فوينتس.

السيناتور تيد كروز حذّر من «تصاعد غير مسبوق لمعاداة السامية في اليمين الأميركي»، فيما اختار نائب الرئيس جي دي فانس، المقرّب من كارلسون، تحويل النقاش نحو الحزب الديمقراطي، مُذكّراً بأن بعض مرشّحيه واجهوا اتّهامات مشابهة. وخلال فعالية جامعية لحركة «نقطة تحول الولايات المتحدة»، تلقى فانس سؤالاً من أحد المشاركين حول سبب دعم واشنطن لإسرائيل «التي تضطهد المسيحيين»، فردّ بأن السياسة الأميركية «يجب أن تكون أميركا أولاً»، وأن العلاقة مع إسرائيل «قائمة على المصالح، لا العواطف الدينية»، داعياً إلى «تعاون ندّي يحمي المواقع المسيحية المقدسة من دون تبعية».

«هيريتيج» في اضطراب داخلي

منذ تأسيسها في سبعينات القرن الماضي، شكّلت «هيريتيج فاونديشن» المرجع الفكري للمحافظين الأميركيين، وقدّمت خرائط طريق لسياسات كل الإدارات الجمهورية منذ رونالد ريغان. غير أن مواقف رئيسها الحالي، كيفين روبرتس، تعبّر عن تحوّل آيديولوجي لافت داخل المؤسسة التي باتت أقرب إلى الشعبوية «الترمبية» منها إلى الخط الكلاسيكي للمحافظين، وفق بعض المراقبين.

لكن أزمة روبرتس لم تتوقف عند دفاعه عن كارلسون. فقد كشفت صحيفة «واشنطن بوست» عن تمرد داخلي غير مسبوق داخل المؤسسة، مع استقالات جماعية من «فريق مكافحة معاداة السامية» واتهامات له بـ«التغطية على أقصى اليمين». وخلال اجتماع عاصف للموظفين، واجه روبرتس دعوات للاستقالة بسبب ما عدّ بأنه «إخفاق أخلاقي في مواجهة الكراهية»، بعدما قال إن فوينتس «شخص شرير، لكنه يملك جمهوراً يمكن جذبه نحو التيار المحافظ».

الانقسام امتدّ إلى مجلس إدارة «هيريتيج»، حيث دعا أحد أعضائه البارزين، أستاذ جامعة «برينستون» روبرت جورج، إلى «طرد دعاة التفوق الأبيض ومعادي السامية من الحركة المحافظة»، مؤكداً أن «الدفاع عن حرية التعبير لا يعني التحالف مع الكراهية».

وتأتي هذه الاضطرابات بعد أشهر من الخلافات حول مشروع «هيريتيج» السياسي الضخم المعروف باسم «مشروع 2025»، الذي أثار انتقادات حتى بين المحافظين التقليديين بسبب بعض السياسات التي اعتُبرت «شعبوية». وقد ساهم هذا التوتر، إلى جانب اتهامات بسوء إدارة وشكاوى داخلية تتعلق بالتمييز ضد النساء، في تعميق أزمة الثقة بمؤسسة لطالما عدّت «المحرّك الفكري للمحافظين».

تراجع دعم إسرائيل

وفق استطلاعات مركز «بيو»، انخفضت نسبة الجمهوريين الذين ينظرون إلى إسرائيل «بصورة إيجابية جداً»، من 64 في المائة عام 2018 إلى أقل من 50 في المائة عام 2024، في مؤشر على تراجع الحماس التقليدي المرتبط بدعم إسرائيل داخل القاعدة اليمينية. ويرى محللون أن هذا التحول يعكس «تعباً من الحروب الخارجية»، ورغبة في التركيز على الشأن الداخلي.

تاكر كارلسون يعدّ انتقاد إسرائيل وسياساتها مشروعاً (أ.ب)

لكن هذا الميل، كما يحذّر باحثون، سهّل على «أطراف متطرفة» مثل فوينتس، الترويج لخطاب قومي يخلط بين نقد إسرائيل وكراهية اليهود. ووفق تقارير أميركية، فإن كارلسون بات يجذب هذه الفئة عبر خطابه الذي يصفه بعض المعلّقين بأنه «إعادة تدوير ناعمة لنظريات المؤامرة القديمة حول نفوذ اليهود في السياسة والإعلام».

وقد أشار تقرير في مجلّة «ذا أتلانتيك» إلى أن كارلسون «حوّل برنامجه إلى منصّة لغسل سمعة الأفكار المتطرفة وجعلها مقبولة في الوسط المحافظ»، مشيراً إلى أن الرئيس ترمب وصفه بأنه «غريب الأطوار»، فيما هاجمته صحف مثل «وول ستريت جورنال» و«ناشونال ريفيو» باعتباره «مروجاً للكراهية تحت غطاء الوطنية».

بين «ثقافة الإلغاء» ومواجهة الكراهية

يرى روبرتس وأنصاره أن ما يسمّونه «التحالف السامّ داخل الإعلام والسياسة» يستخدم تهمة معاداة السامية كسلاح لإسكات الأصوات الناقدة لإسرائيل، في ما يسمونه «ثقافة الإلغاء». في المقابل، يرى المحافظون التقليديون أن هذا المنطق يخلط بين حرية التعبير والتطبيع مع الكراهية، ويهدد بتقويض الأسس الأخلاقية للحركة المحافظة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست بالقدس 13 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)

وبين هذين الاتجاهين، يجد الحزب الجمهوري نفسه أمام معادلة صعبة؛ كيف يمكنه أن يدين معاداة السامية بوضوح من دون أن يُتَّهم بالخضوع للنفوذ الإسرائيلي، وكيف يستوعب الجناح الشعبوي الصاعد من دون أن يفقد توازنه الأخلاقي والسياسي.

وحذّر البعض من انقسام يلوح في الأفق لحركة «ماغا» (لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى) التي يقودها الرئيس ترمب، متهمين كارلسون بأنه أكثر الشخصيات الإعلامية التي تُهدّد بتقسيم هذه الحركة.

وتُظهر أزمة كارلسون وروبرتس أن الانقسام لم يعد بين «اليمين واليسار»، بل بين جناحين داخل اليمين نفسه؛ أحدهما قومي انعزالي يستحضر رموزاً شعبوية، وآخر مؤسسي يرى في إسرائيل حليفاً استراتيجياً لا يمكن التفريط به. ومع استمرار التوتر داخل الحزب الجمهوري حول تعريف معاداة السامية وحدود نقد إسرائيل، يبدو أن الولايات المتحدة أمام مرحلة إعادة تشكّل فكرية في صفوف اليمين، ستنعكس حتماً على السياسة الخارجية الأميركية وعلى موقع إسرائيل في وجدان المحافظين في السنوات المقبلة.

السياسة الخارجية تحت اختبار الانقسام الداخلي

تنعكس هذه السجالات الفكرية مباشرة على السياسة الخارجية لإدارة ترمب، التي تحاول الموازنة بين القاعدة اليمينية الشعبوية المتزايدة التأثير، وبين التيار المحافظ التقليدي الذي يمثله عدد من مستشاريه في البيت الأبيض. ففي حين يواصل ترمب تأكيد التزامه بأمن إسرائيل ورفضه قيام دولة فلسطينية، يلحظ مراقبون تراجعاً نسبياً في حماسه للانخراط في صراعات الشرق الأوسط، مقابل تركيزه على مواجهة الصين وإعادة ترتيب العلاقات مع روسيا.

وفيما يرى بعض المحللين أن الانقسام داخل الحزب الجمهوري حول تعريف معاداة السامية قد يحدّ من قدرة ترمب على صياغة خطاب موحّد تجاه إسرائيل، يعتقد آخرون أن هذا التباين يعكس تحولاً أعمق في المزاج الأميركي المحافظ، حيث باتت إسرائيل تُعامل بوصفها «حليفاً من بين حلفاء»، لا محوراً أساسياً في العقيدة السياسية لليمين الأميركي.


مقالات ذات صلة

ترمب: الديمقراطيون متساهلون مع الجريمة ويتبنون الشيوعية

الولايات المتحدة​ الرئيس دونالد ترمب خلال إلقاء كلمته في المؤتمر الوطني لـ«الحزب الجمهوري» الخاص بانتخابات التجديد النصفي في دالاس (أرشيفية - رويترز)

ترمب: الديمقراطيون متساهلون مع الجريمة ويتبنون الشيوعية

قام الرئيس الأميركي ‌دونالد ترمب بجولة انتخابية في ولاية نورث كارولاينا لدعم مرشح جمهوري لمجلس الشيوخ يتخلف عن منافسه الديمقراطي في استطلاعات الرأي.

«الشرق الأوسط» (جاستونيا)
الولايات المتحدة​ ترمب في المؤتمر الحزبي الجمهوري بدالاس يوم 10 سبتمبر 2026 (د.ب.أ) p-circle

ترمب يفتح خزائنه لإنقاذ الجمهوريين

حسب «نيويورك تايمز» حجزت لجنة العمل السياسي التابعة للرئيس دونالد ترمب خلال 10 أيام موارد إعلانية ضخمة لدعم الجمهوريين في انتخابات نوفمبر

إيلي يوسف (واشنطن)
الولايات المتحدة​ نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس (أ.ب) p-circle

فانس يحث الجمهوريين على استخدام عبد الرحمن السيد كـ«مثال سلبي» في حملاتهم الانتخابية

حثَّ نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس أعضاء مجلس النواب الجمهوريين على استخدام المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، عبد الرحمن السيد، كأداة في حملاته

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ترمب متحدثاً إلى الصحافيين على متن الطائرة الرئاسية «إير فورس وان» يوم 13 سبتمبر (رويترز)

المحكمة العليا ترفض تغيير قواعد التصويت بالبريد

وجهت المحكمة العليا الأميركية ضربة قوية لمساعي الرئيس دونالد ترمب لتغيير قواعد التصويت قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يقود جمهوريين لأداء القسم للتصويت بالانتخابات النصفية خلال مؤتمر الحزب في دالاس بتكساس يوم 10 سبتمبر (رويترز)

شعبية ترمب عند أدنى المستويات... والأميركيون يميلون إلى الديمقراطيين

يفيد أحدث الاستطلاعات بأن الديمقراطيين يتقدمون بشكل واضح على الجمهوريين في معركة السيطرة على الغالبية في مجلسَي النواب والشيوخ خلال الانتخابات النصفية للكونغرس.

علي بردى (واشنطن)

الوجه الآخر لاتفاقيات ترمب لترحيل المهاجرين نحو أفريقيا

أحد المؤيدين لترمب يحمل لافتة كُتب عليها: «ترحيل المهاجرين غير الشرعيين الآن» خلال تجمع انتخابي العام الماضي (أ.ف.ب)
أحد المؤيدين لترمب يحمل لافتة كُتب عليها: «ترحيل المهاجرين غير الشرعيين الآن» خلال تجمع انتخابي العام الماضي (أ.ف.ب)
TT

الوجه الآخر لاتفاقيات ترمب لترحيل المهاجرين نحو أفريقيا

أحد المؤيدين لترمب يحمل لافتة كُتب عليها: «ترحيل المهاجرين غير الشرعيين الآن» خلال تجمع انتخابي العام الماضي (أ.ف.ب)
أحد المؤيدين لترمب يحمل لافتة كُتب عليها: «ترحيل المهاجرين غير الشرعيين الآن» خلال تجمع انتخابي العام الماضي (أ.ف.ب)

رحّلت الولايات المتحدة أكثر من 25 ألف شخص بموجب اتفاقيات سرية مع 35 دولة لاستقبال مهاجرين لا تربطهم أي صلات بتلك الدول، وفقاً لتحقيق نُشرته (الاثنين) مجموعة «فوربيدن ستوريز» الصحافية.

ولكن التقرير كشف عن ظروف صعبة يمر بها المرحّلون من الولايات المتحدة إلى عدد من الدول الأفريقية، إذ كشف التحقيق عن أن ثلث اتفاقيات الترحيل التي وقّعتها الولايات المتحدة كان مع دول أفريقية (12 اتفاقية على الأقل).

التوجه نحو أفريقيا

أشارت «فوربيدن ستوريز» إلى أن إدارة ترمب تواصلت مع 49 دولة أفريقية، من أصل 54، خلال بحثها عن دول لاستقبال مهاجرين مرحَّلين لا تربطهم بها أي صلة، وأشرف على هذه المفاوضات مكتب «إعادة الهجرة» في وزارة الخارجية الأميركية، برئاسة كريستيان إيرهاردت.

وقال التحقيق إن المفاوضات في الغالب تكون سرية، وتستخدم ضغوطاً مثل قيود التأشيرات أو ربطها بمساعدات، في حين ترفض كثير من الدول قبول أصحاب السجلات الجنائية العنيفة، لكن بعضها يقبل بذلك مثل دولة سواتيني، التي وقّعت اتفاقية بقيمة 5 ملايين دولار لاستقبال 160 شخصاً.

واعتمد التحقيق على أكثر من 100 مقابلة (منها 33 مع مرحّلين)، ووثائق داخلية، وتتبع رحلات، فيما يشير إلى أن المرحّلين غالباً هم أشخاص عاشوا سنوات طويلة في أميركا، لديهم عائلات أو عملوا هناك، ومنحهم قضاة أميركيون حماية من الترحيل إلى أوطانهم.

تعنيف ممرضة!

كشف التحقيق عن أن غانا استقبلت أكثر من 110 أشخاص، عبر 9 رحلات على الأقل منذ سبتمبر (أيلول) 2025، ولكن غانا وافقت فقط على استقبال مرحّلين من أصول غرب أفريقية، وفي بعض الحالات، أعادت ترحيلهم سريعاً إلى بلدانهم الأصلية مثل نيجيريا أو سيراليون، رغم وعود أولية بتوفير «ملاذ آمن».

طائرات تُستخدم لترحيل المهاجرين على مدرج مطار في ولاية تكساس الأميركية (أ.ب)

ومن أشهر قصص الترحيل، رابياتو كوياتيه (58 عاماً)، وهي ممرضة عاشت معظم حياتها في أميركا بعد فرارها من سيراليون، بسبب الحرب الأهلية التي ضربت البلد الصغير والفقير الواقع في أقصى غرب القارة الأفريقية.

رُحّلت كوياتيه إلى غانا، ثم أُجبرت على العودة إلى بلدها الأصلي سيراليون وسط مشاهد عنيفة، حيث انتشر مقطع فيديو منها وهي حافية القدمَيْن وتُسحب من شعرها بعنف، مما أثار غضباً شعبياً واسعاً.

مركز احتجاز

أما في غينيا الاستوائية فيبدو الوضع أكثر إثارة للقلق، حيث يشير التقرير إلى أنه بموجب اتفاق بقيمة 7.5 مليون دولار، استقبلت نحو 66 شخصاً عبر 6 إلى 7 رحلات منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، من جنسيات مختلفة مثل إريتريا، وإثيوبيا، ومصر، وأنغولا، والكاميرون، وكوبا، والبرازيل.

وأوضح التحقيق أن أغلب هؤلاء المرحّلين محتجزون في فندق «بامي» المتداعي على أطراف العاصمة مالابو، الذي تحول إلى سجن فعلي، وسط تقارير عن ظروف سيئة بسبب نقص الرعاية الطبية، والمنع من الاتصال، والضغط النفسي.

ويؤكد التحقيق أن السلطات الغينية اعتقلت في شهر سبتمبر (أيلول) الحالي مواطناً مصرياً وآخر إريترياً، بعد أن وثقا بالفيديو سوء الظروف التي يتم احتجاز المرحّلين فيها، ونقل التحقيق عن شهود ومحامين أن الشرطة غطت رأسيهما بأكياس، وقيدتهما، وضربتهما بأعقاب البنادق، ودفعتهما على الدرج.

نيكا الإيرانية

تناول التحقيق قصة نيكا الإيرانية (32 عاماً)، التي فرت من إيران قبل نحو 18 شهراً بعد مشاركتها في احتجاجات ضد النظام، وبعد وصولها إلى الولايات المتحدة، قضت أكثر من عام في مركز احتجاز للهجرة الأميركية، قبل أن يمنحها قاضٍ حماية قانونية بـ«منع الترحيل»، لأنها معرّضة لضرر جسيم أو خطر على حياتها إذا أُعيدت إلى إيران.

أُفرج عنها بموجب أمر قضائي في أواخر مايو (أيار) 2026، وأصبح بإمكانها العمل والبقاء في الولايات المتحدة مؤقتاً، ولكن بعد أقل من أسبوعين، أعادت سلطات الهجرة اعتقالها خلال موعد روتيني، ثم رحّلتها جواً إلى جمهورية أفريقيا الوسطى مع نحو 18 مهاجراً آخرين (من جنسيات مختلفة مثل أفغانستان والعراق وقيرغيزستان)، رغم الحماية القضائية.

لم يُخبروها بوجهتها مسبقاً، وظلّت مقيدة بالأصفاد طوال الرحلة، قبل أن تصل نيكا إلى عاصمة البلاد بانغي، وهي مدينة تصفها وزارة الخارجية الأميركية بأنها خطيرة جداً للسفر. حالياً تعيش في غرفة صغيرة شبه معزولة، وتخاف الخروج، وتنتظر مصيرها خشية أن تُرحّل مجدداً إلى إيران.


4 شبكات أميركية كبرى توقف التغطيات المشتركة لأخبار ترمب تضامناً مع «سي إن إن»

جناح شبكة «سي إن إن» في البيت الأبيض بعد أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه سيحظر «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من البيت الأبيض... في العاصمة واشنطن 18 سبتمبر 2026 (رويترز)
جناح شبكة «سي إن إن» في البيت الأبيض بعد أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه سيحظر «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من البيت الأبيض... في العاصمة واشنطن 18 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

4 شبكات أميركية كبرى توقف التغطيات المشتركة لأخبار ترمب تضامناً مع «سي إن إن»

جناح شبكة «سي إن إن» في البيت الأبيض بعد أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه سيحظر «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من البيت الأبيض... في العاصمة واشنطن 18 سبتمبر 2026 (رويترز)
جناح شبكة «سي إن إن» في البيت الأبيض بعد أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه سيحظر «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من البيت الأبيض... في العاصمة واشنطن 18 سبتمبر 2026 (رويترز)

قرّرت أربع شبكات أميركية كبرى تشكّل مجموعة التغطية الصحافية المشتركة لأنشطة الرئيس دونالد ترمب، الاثنين، وقف هذه التغطية، وذلك تضامناً مع شبكة «سي إن إن» التي استبعدها الرئيس الأميركي من البيت الأبيض، وفقاً لبيان اطلعت عليه «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال براين بونتون، ممثل شبكة «فوكس» والمنسق لهذه المجموعة من القنوات المكلفة بتصوير الرئيس الأميركي على مدار اليوم وتوزيع اللقطات المصورة على وسائل الإعلام الأخرى: «اعتباراً من اليوم، لن تتولى مجموعة التغطية التلفزيونية المشتركة تغطية الفعاليات التي يشارك فيها الرئيس والتي تندرج عادة ضمن نطاق التغطية المشتركة».

والشبكات الأربع هي «سي بي إس» و«إيه بي سي» و«إن بي سي» و«فوكس».


زعماء العالم يترقبون خطاب ترمب... ومناسبة على غرار مؤتمر يالطا

شعار الجمعية العامة للأمم المتحدة «أونغا» منعكساً في نقعة مياه عند مدخل المنظمة الدولية في نيويورك (إ.ب.أ)
شعار الجمعية العامة للأمم المتحدة «أونغا» منعكساً في نقعة مياه عند مدخل المنظمة الدولية في نيويورك (إ.ب.أ)
TT

زعماء العالم يترقبون خطاب ترمب... ومناسبة على غرار مؤتمر يالطا

شعار الجمعية العامة للأمم المتحدة «أونغا» منعكساً في نقعة مياه عند مدخل المنظمة الدولية في نيويورك (إ.ب.أ)
شعار الجمعية العامة للأمم المتحدة «أونغا» منعكساً في نقعة مياه عند مدخل المنظمة الدولية في نيويورك (إ.ب.أ)

​يجلس مئات من زعماء العالم، الثلاثاء، تحت قبَّة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، حاملين إلى دورتها السنوية الحادية بعد الثمانين آمالهم وتطلعات شعوبهم إلى عالم أفضل، لا ينهشه الجوع والفقر، ولا تستبد فيه الحروب والنزاعات، ولا تهدده الكوارث الطبيعية والتكنولوجيا الجديدة، وأحدثها الذكاء الذي من صنع الإنسان.

ولكن هيهات! كأن الجمعية العامة للأمم المتحدة (التي يشيع اختصار اسمها بـ«أونغا») في وادٍ، وواقع حال أعضائها الـ193 في وادٍ آخر.

ومع ،ذلك يترقب هذا الحشد الدولي الأكبر عالمياً اللحظة التي يدخل فيها الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، إلى المبنى العريق على الجادة الأولى في وسط مانهاتن، والمشرف على نهر إيست ريفر، لمعرفة ما إذا كان خطابه المكتوب لهذا العام يتضمن غير ما يكتبه في منشوراته شبه اليومية على منصات التواصل الاجتماعي، وتصريحاته التلقائية أمام الصحافيين والعدسات، وغيرها من الوسائل، بغية توصيل رسائله ونداءاته بأن «أميركا أولاً»، وبهدف تعميم شعاره «فلنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى» («ماغا» اختصاراً) على من يسعى إلى كسب وده وتجنب غضبه، وعواقب العقوبات السياسية أو العسكرية أو الاقتصادية أو المالية التي يمكن أن تفرضها الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى، على من يتجرأ على تحدي جبروتها.

أشخاص يحملون صوراً وقناديل أمام مقر الأمم المتحدة في نيويورك خلال مناسبة للأميركيين من أصول إيرانية ضد النظام الإيراني (رويترز)

ولترمب قصة طويلة وقديمة مع الأمم المتحدة. كان يطمح عندما كان مطوراً عقارياً في نيويورك إلى الفوز بعقد استثماري لتطوير مجمع المنظمة الدولية الواقع على بعد عشرات الأمتار فقط من «برج ترمب» الفاخر على الجادة الأولى أيضاً. غير أن مستثمراً آخر فاز بالعقد المجزي.

وعلى الرغم من أنه لم يتمكن من تحقيق غايته، لم تتلاشَ عزيمة ترمب لتحقيق هذا الهدف؛ بل صار أكثر تصميماً من ذي قبل، ولا سيما أنه ومنذ صار رئيساً يرى حالات الضعف والفشل والأعطاب التي أصابت الأمم المتحدة التي أنشئت على أنقاض «عصبة الأمم» في نهاية عام 1945، على أساس التوازنات التي أرساها المنتصرون في الحرب العالمية الثانية.

عظيمة كأميركا

وفي عالم شهد -ولا يزال يشهد- تحولات هائلة منذ ذلك الحين، يشبِّه البعض الإخفاقات الراهنة للأمم المتحدة بسنوات الفشل التي سبقت انهيار «عصبة الأمم». وتندَّر بعض الدبلوماسيين بأن الرئيس ترمب يريد أن يطلق شعاراً جديداً «فلنجعل الجمعية العامة للأمم المتحدة عظمية مرة أخرى» («مونغا» اختصاراً).

وفي دليل على جدية هذه التوجهات، يوزع المندوب الأميركي الدائم لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، قبعات «مونغا» على فريقه الدبلوماسي وحلفاء الولايات المتحدة في المنظمة الدولية.

ووصفت الناطقة باسم البيت الأبيض، آنا كيلي، السفير والتز لي بأنه «مبعوث رئيسي لجميع أولويات الرئيس» ترمب، الذي «يُقدِّر جهود السفير والتز في سبيل جعل الأمم المتحدة عظيمة مرة أخرى».

غير أن الدبلوماسيين الذين يتحدثون مع السفير والتز يعتقدون أن جعل الأمم المتحدة عظيمة حقاً، يستوجب عقد صفقة كبرى على غرار مؤتمر يالطا، الذي عُقد في مطلع عام 1945 بمشاركة الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت، ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، والزعيم السوفياتي جوزيف ستالين، سعياً إلى استعادة هيبتها المفقودة في وقف حربين تنخرط فيهما دولتان من الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن: الولايات المتحدة مع إيران، وروسيا مع أوكرانيا، بالإضافة إلى الحيلولة دون وقوع حرب جديدة يخشاها كثيرون بين الصين وتايوان.

واشنطن لا نيويورك

الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جينبينغ خلال اجتماع منظمة «بريكس» في نيودلهي بالهند (أ.ب)

ويعكس غياب كل من الرئيس الصيني شي جينبينغ، ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، عن «أونغا» هذا العام، استمرار عدم الرضا من زعيمَي دولتين كبريين على التوازنات الراهنة في الأمم المتحدة، علماً بأن الرئيس الصيني سيقوم -وقت انعقاد الجمعية العامة- بزيارة دولة بدعوة من ترمب لواشنطن العاصمة، من دون أن يعرِّج على نيويورك القريبة.

وبينما يحاول ترمب وشي رسم معالم العلاقة التنافسية بين الولايات المتحدة والصين، يخشى دبلوماسيون من تحوُّل هذه المنافسة إلى مجرد بداية لحرب باردة جديدة، عوض أن تكون فرصة لصفقة جديدة على غرار مؤتمر يالطا، الذي كان مقدمة لنشوء الأمم المتحدة بصيغتها الراهنة.

ووفقاً لبرنامج الكلمات الذي أُعد لليوم الأول من أسبوع الاجتماعات الرفيعة المستوى للجمعية العامة، سيعتلي المنصة أولاً رئيس الدورة الحالية للجمعية، وزير الخارجية البنغلاديشي السابق خليل الرحمن، ثم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، لإلقاء كلمتين افتتاحيتين، على أن تكون الكلمة الأولى للرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، وفقاً لتقليد تعتمده الجمعية العامة منذ نحو 7 عقود. ويليه الرئيس ترمب، بوصفه رئيس الدولة المضيفة للمنظمة الدولية.

وقبل أيام من هذه المناسبة، قال لولا دا سيلفا إنه سيطلب من ترمب «عدم التدخل في انتخابات البرازيل».

وظهرت التوترات بين الرئيس لولا دا سيلفا وإدارة ترمب عام 2025، حين طبَّقت الأخيرة موجة أولى من الرسوم الجمركية ضد البرازيل، رداً على محاكمة الرئيس البرازيلي السابق جايير بولسونارو، الذي يعد من حلفاء ترمب.

أصحاب الكلام

وسيتوالى على الكلام -الثلاثاء أيضاً- كل من: ملك الأردن عبد الله الثاني بن الحسين، والرئيس التركي رجب طيب إردوغان، وأمير قطر تميم بن حمد آل ثاني، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام، ورئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي، فضلاً عن نحو 20 آخرين من رؤساء الدول والحكومات.

وعلى الرغم من الإخفاقات المتكررة للأمم المتحدة، ولا سيما مجلس الأمن الذي يعتبر القوة الرئيسية المحركة لها، في «صون السلم والأمن الدوليين» طبقاً لما جاء في ميثاقها، يُتوقع أن يعرض الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (الذي تنتهي ولايته الثانية الأخيرة بعد مائة يوم فحسب) السنين العشر التي أمضاها في هذا المنصب، وكان خلالها شاهداً على تصدعات العالم ومصائبه.

لم يتمكن غوتيريش من فعل الكثير لوقف الحرب في سوريا، التي شهدت استخدام نظامها السابق الأسلحة الكيماوية ضد شعبه، بينما كانت الأمم المتحدة عاجزة عن اتخاذ إجراءات لمنع الإفلات من العقاب. وتواصلت الأزمة في ليبيا على الرغم من تغيُّر المبعوثين الأمميين. ووقعت حرب جديدة في السودان من دون أن تتمكن الأمم المتحدة من إيصال المساعدات إلى ملايين اللاجئين. وكذلك فشلت في وضع حد للأزمة اللبنانية، رغم وجود نحو 10 آلاف جندي ضمن القوة المؤقتة للأمم المتحدة في لبنان (اليونيفيل).

ورافق غوتيريش -على غرار جميع الأمناء العامِّين الذين سبقوه- الشلل المزمن لمجلس الأمن في إيجاد تسوية منصفة للشعب الفلسطيني، الواقع منذ نشأة المنظمة الدولية تحت الاحتلال الإسرائيلي؛ بل كان شاهداً على وقوع حرب غزة التي نفَّذتها إسرائيل ضد الفلسطينيين من دون أي محاسبة، وحرب أوكرانيا وروسيا منذ أكثر من 4 سنوات ونصف سنة، وشاهداً أيضاً على بدء الحرب التي أطلقتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران قبل نحو 7 أشهر.

ومع ذلك، لا يفقد غوتيريش الأمل في تعددية قطبية تبدو حتمية، إما على أساس التنافر، وإما على أساس التعايش تحت سقف القانون الدولي والأنظمة القائمة على القواعد.