زهران ممداني «اشتراكي نيويورك» الشاب أعاد خلط أوراق الحزب الديمقراطي الأميركي

فوزه يفتح نقاشاً عميقاً داخل الحزب بين الوسطيين واليساريين

حملته الحماسية التي ركّزت على أزمات السكن وتكاليف المعيشة سرعان ما وجدت صدى واسعاً لدى شرائح واسعة من الناخبين
حملته الحماسية التي ركّزت على أزمات السكن وتكاليف المعيشة سرعان ما وجدت صدى واسعاً لدى شرائح واسعة من الناخبين
TT

زهران ممداني «اشتراكي نيويورك» الشاب أعاد خلط أوراق الحزب الديمقراطي الأميركي

حملته الحماسية التي ركّزت على أزمات السكن وتكاليف المعيشة سرعان ما وجدت صدى واسعاً لدى شرائح واسعة من الناخبين
حملته الحماسية التي ركّزت على أزمات السكن وتكاليف المعيشة سرعان ما وجدت صدى واسعاً لدى شرائح واسعة من الناخبين

فوز زهران (يُكتب «ظهران» باللغة الأوردية) ممداني بمنصب عمدة مدينة نيويورك، يجعل منه أول مسلم يتولى هذا المنصب في تاريخ كبرى مدن الولايات المتحدة وعاصمتها الاقتصادية. ثم إنه يشكّل نقطة تحوّل لافتة في مسار الحزب الديمقراطي الأميركي. ذلك أن هذا المسلم اليساري ذا الأصول الهندية - الأوغندية، البالغ من العمر 34 سنة، تمكّن من إلحاق هزيمة مدوّية بمنافسيه الديمقراطيين التقليديين والجمهوريين على حد سواء، في لحظة سياسية يعاني معها حزبه من «أزمة هوية»، وذلك في أعقاب خسارته البيت الأبيض ومجلسي الشيوخ والنواب لصالح دونالد ترمب وحزبه الجمهوري في انتخابات عام 2024.

ولد زهران - أو ظهران - ممداني، وهو مسلم شيعي من الطائفة الاثني عشرية، في كمبالا عاصمة أوغندا عام 1991 لعائلة مثقفة من أصول هندية، وذلك بعدما عادت إليها من المنفى الذي فرضه نظام الرئيس الأوغندي السابق عيدي أمين في السبعينات على ذوي الأصول الآسيوية.

والده هو الأكاديمي المعروف الدكتور محمود ممداني، أستاذ العلوم السياسية في جامعة كولومبيا، وصاحب مؤلفات مؤثرة حول الاستعمار وما بعده في أفريقيا. ووالدته ميرا ناير، المخرجة العالمية ومنتجة الأفلام الوثائقية التي تتناول قضايا العدالة الاجتماعية والهوية. وهي هندوسية الديانة، لكنها - مثل زوجها - خريجة جامعة هارفارد العريقة.

ممداني الابن انتقل طفلاً إلى نيويورك، ولاحقاً، درس في كلية بودن، الجامعية الخاصة الراقية بولاية مين، حيث تخرج عام 2014 بدرجة البكالوريوس في الدراسات الأفريقية، ثم حصل على الجنسية الأميركية عام 2018.

في بودن، كان ممداني عضواً مؤسساً لفرع منظمة «طلاب من أجل العدالة في فلسطين»، قبل أن ينخرط في العمل السياسي منظّماً لحملات انتخابية لمرشحين اشتراكيين ديمقراطيين، فشلت كلها.

ولكن، عام 2019، قرّر الترشح نائباً في برلمان ولاية نيويورك ممثلاً عن منطقة أستوريا في مقاطعة كوينز (إحدى مقاطعات مدينة نيويورك الخمس)، على أساس إصلاح الإسكان والشرطة والسجون والملكية العامة للمرافق، حيث أيده «الاشتراكيون الديمقراطيون في أميركا». إلا أن إعلان فوزه في الانتخابات التمهيدية خلال يونيو (حزيران) 2020 استغرق قرابة شهر، وذلك بعدما تمكن من إلحاق الهزيمة بالنائبة الديمقراطية المخضرمة أرافيلّا سيموتاس، التي كانت تشغل المقعد منذ أربع ولايات متتالية، ليفوز في الانتخابات العامة دون معارضة جمهورية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020. ومن ثم، أعيد انتخابه أيضاً من دون أي معارضة في عامي 2022 و2024.

على صعيد آخر، تعرّف ممداني عام 2021 على راما دواجي، الرسامة السورية - الأميركية، عبر تطبيق المواعدة «هينج». وتمت الخطوبة في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، وتزوّجا في حفل مدني بمدينة نيويورك أوائل عام 2025، وأعقب ذلك حفل زفاف خاص في دبي، حيث أمضت راما معظم طفولتها، ولا تزال عائلتها تقيم هناك. أيضاً أقام العروسان الشابان لاحقاً حفل زفاف استمر ثلاثة أيام في منزل ممداني بأوغندا.

وللعلم، وُلدت راما دواجي في مدينة هيوستن، بولاية تكساس، عام 1997، لأبوين سوريين مسلمين، وانتقلت إلى دبي في سن التاسعة. ودرست فنون التواصل في جامعة فيرجينيا كومنولث بالولايات المتحدة، وحصلت لاحقاً على ماجستير في الفنون الجميلة بتخصص الرسم التوضيحي من كلية الفنون البصرية في مدينة نيويورك.

كان اسماً مغموراً

لم يكن اسم ممداني معروفاً على نطاق واسع عندما أعلن ترشحه لمنصب عمدة نيويورك في خريف 2024، إلا أن حملته الحماسية التي ركّزت على أزمات السكن وتكاليف المعيشة، سرعان ما وجدت صدى واسعاً لدى شرائح واسعة من الناخبين. ذلك أنه دعا إلى تجميد الإيجارات، وتوفير النقل العام بالحافلات مجاناً، وخفض تكاليف حضانات الأطفال، وإنشاء متاجر بقالة مملوكة للمدينة تبيع بأسعار الجملة، ورفع الحد الأدنى للأجور إلى 30 دولاراً في الساعة بحلول عام 2030.

برنامج يساري لمدينة رأسمالية

وحقاً، تحوّل ممداني، الذي يوصف بأنه «اشتراكي ديمقراطي»، إلى رمز جديد للجيل التقدّمي داخل الحزب، بعدما استطاع حشد أصوات الطبقة العاملة والشباب والمهاجرين في مدينة تُعدّ الأغلى معيشة في الولايات المتحدة. وجاء فوزه، بالأمس، ليمنح هذا الجناح اليساري زخماً سياسياً ومعنوياً كبيراً، ويفتح في المقابل نقاشاً حاداً داخل الحزب حول الوجه الذي يجب أن يقدّمه للناخبين خلال السنوات المقبلة.

إذ بينما يرى قادة الحزب «الوسطيون»، وفي مقدمهم زعيم الأقلية في مجلس النواب حكيم جيفريز، أن تقديم وجوه معتدلة مثل أبيغيل سبانبَرغر وميكي شيريل اللّتين فازتا بمنصبي حاكمتي ولايتي فيرجينيا ونيوجيرزي، هو الطريق الآمن والأمثل لاستعادة الناخبين المستقلين، يعتقد الجناح «التقدمي» (اليساري) أن تجربة ممداني تؤكد استمرار جاذبية الخطاب الاجتماعي الاقتصادي المناصر للطبقات الدنيا والمتوسطة، لا سيما في المدن الكبرى.

هذا، ومع أن نيويورك تُعد مركزاً مالياً عالمياً، قدّم ممداني بالفعل خطاباً يسارياً صارماً، ركّز فيه على ما وصفه بـ«حق الناس في العيش الكريم». فقد دعا إلى فرض ضرائب أعلى على الأثرياء والشركات الكبرى لتمويل التعليم العام والإسكان الميسّر، مع تشديد الضوابط على أسعار الإيجارات ووقف عمليات الإخلاء القسري.

وكذلك طرح أفكاراً لإصلاح جهاز الشرطة... وهو بعدما كان قد وصفه سابقاً بأنه «يعاني من عنصرية بنيوية»، حاول فيما بعد تبني خطاب أكثر توازناً تجاهه يؤكد التعاون مع الشرطة مع تعزيز الحلول الاجتماعية للحد من الجريمة.

استراتيجية رقمية

اعتمدت حملة ممداني على استراتيجية رقمية مبتكرة في التواصل مع الناخبين؛ إذ استخدم مقاطع فيديو قصيرة على «إنستغرام» و«تيك توك» و«يوتيوب» أظهرت تفاعله المباشر مع سكان المدينة.

وقدّم صورة شبابية قريبة من الناس، بعيدة عن النمط السياسي التقليدي. وكانت مشاهد التقاطه صور «سيلفي» في شوارع مانهاتن، ووجبات الإفطار الرمضانية في مترو الأنفاق جزءاً من هذه الصورة التي أكسبته ثقة جمهور متنوع عرقياً ودينياً وثقافياً.

خلفية دينية وعرقية... وتحفظات حزبية

من جهة أخرى، شكّلت خلفية ممداني الإسلامية والهندية - الأفريقية عاملاً إضافياً في جاذبيته، خصوصاً بين أكثر من مليون مسلم يعيشون في المدينة. ولقد حرص على جعل إيمانه جزءاً من هويته السياسية، من دون أن يحوّله إلى شعار ديني؛ إذ قال في أحد خطاباته: «أعلم أن تولّي منصب عام بوصفي مسلماً يعني التضحية بالسلامة الشخصية، لكنه أيضاً وسيلة لتأكيد أن هذه المدينة تتّسع للجميع».

ولعل هذا البُعد، المتعدد الثقافات، ساعده على بناء تحالف انتخابي واسع ضمّ شباناً، وأفارقة، وآسيويين، ولاتينيين، ومهاجرين جدداً، ما جعل منه مرشحاً عابراً للحدود التقليدية للسياسة المحلية.

أيضاً، في حين حظي ممداني بدعم شخصيات بارزة من الجناح «التقدّمي» مثل السيناتور بيرني ساندرز والنائبة ألكسندريا أوكازيو كورتيز، اللذين رأيا في فوزه «برهاناً على أن اليسار الأميركي ما زال يمتلك القدرة على الإقناع»، فإنه في المقابل، دفع عدداً من القادة الديمقراطيين «الوسطيين» للنأي بأنفسهم عنه. ومن هؤلاء السيناتور تشاك شومر، زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ، الذي تجنّب دعمه علناً. كذلك علّق أحد أساتذة السياسة في جامعة نيويورك قائلاً: «كثيرون من الديمقراطيين يعتبرون أن ممداني يطرح رسالة جيدة، لكن من خلال رسول سيئ». وطبعاً، لم يتأخر الرئيس دونالد ترمب في مهاجمته، واصفاً إياه بـ«الشيوعي الصغير» الذي يريد «هدر أموال دافعي الضرائب»، وأضاف أن الولايات المتحدة «فقدت شيئاً من سيادتها بانتخابه».

الموقف من إسرائيل وفلسطين

لا يُخفي ممداني دعمه العلني للقضية الفلسطينية وانتقاده الحاد لسياسات الحكومة الإسرائيلية. ففي عام 2023، قدّم مشروع قانون لإنهاء الإعفاءات الضريبية للجمعيات المرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية، كما عبّر عن تأييده لحملات مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها.

هذه المواقف أثارت جدلاً واسعاً داخل الحزب وخارجه، واستغلها عدد من الجمهوريين لاتهامه بالتطرف. لكنه ردّ بأن «انتقاد سياسات دولة لا يعني معاداة شعبها»، وبأنه «لا مكان لمعاداة السامية في نيويورك»، متعهداً بزيادة تمويل برامج مكافحة جرائم الكراهية.

نموذج غير قابل للتعميم

في أي حال، يرى العديد من المراقبين أن فوز ممداني في نيويورك لا يمكن تعميمه على مستوى الولايات المتحدة؛ إذ إن المدينة تُعد استثناءً سياسياً واجتماعياً، بحكم تنوعها السكاني وطابعها الليبرالي التاريخي.

دانيال شلوزمان، أستاذ العلوم السياسية في جامعة جونز هوبكنز، يرى أن «مسألة ممداني دليل على أن اليسار الأميركي ما زال يمتلك إمكانات، لكن نيويورك ليست نموذجاً يمكن تطبيقه في ولايات مثل أوهايو أو أريزونا». ويضيف: «التحدّي الحقيقي أمام الديمقراطيين هو ترجمة هذا النوع من الرسائل الاجتماعية التقدمية إلى لغة مفهومة للناخبين في الولايات المتأرجحة التي تحسم مصير الانتخابات الفيدرالية».

نحو إعادة تعريف الديمقراطيين لأنفسهم

من ناحية ثانية، فتح صعود ممداني النقاش مجدداً حول هوية الحزب الديمقراطي. فبينما يرى «الوسطيون» أن الطريق إلى استعادة البيت الأبيض يمرّ عبر الاعتدال والتقارب مع المستقلين، يعتقد «التقدميون» أن فوز ممداني يثبت أن خطاب العدالة الاجتماعية لا يزال قادراً على إلهام الناخبين، خصوصاً الشباب والطبقة العاملة.

هذا الجدل يزداد حدة مع استمرار تراجع شعبية الحزب؛ إذ أظهر استطلاع لـ«وول ستريت جورنال» خلال يوليو (تموز) الماضي، أن 63 في المائة من الأميركيين ينظرون إليه نظرة سلبية، وهي أدنى نسبة تأييد له منذ أكثر من ثلاثين سنة.

بالتالي، يمكن قراءة تجربة ممداني من زاويتين: الأولى، أنها أظهرت قدرة التيار التقدّمي على تعبئة الناخبين حول قضايا معيشية ملموسة؛ والثانية، أنها كشفت عن محدودية هذا الخطاب خارج المدن الكبرى.

ولئن كان فوز ممداني قد أنعش آمال الجناح اليساري في الحزب، فإنه في المقابل زاد من قلق المعتدلين الذين يخشون أن يؤدي تبنّي مثل هذه السياسات إلى خسائر انتخابية في الولايات المتأرجحة التي تُعدّ مفتاح الفوز بالرئاسة والكونغرس. وفعلاً، تواجه قيادة الحزب راهناً صعوبة في الموازنة بين الجناحين: فكيف يمكن الجمع بين الطموح الاجتماعي والاقتصادي للتيار «التقدّمي»، وبين واقعية الجناح «الوسطي» الضرورية لكسب أصوات المستقلين؟

قد يكون الحل، وفق خبراء، في تبنّي «مقاربة هجينة» تمزج بين الحسّ الاجتماعي والاقتصادي الذي عبّر عنه ممداني، وخطاب معتدل قادر على طمأنة الناخبين التقليديين. فالرسالة «التقدّمية» الصافية قد تنجح في المدن الكبرى، لكنها وحدها ليست كافية لضمان الانتصار في الولايات الحاسمة. ولإدارة هذا الانقسام الداخلي، قد يتوجب على القيادات «المعتدلة» و«التقدمية» فتح «غرفة حوار» داخلي لتحديد الأولويات الانتخابية المقبلة (الانتخابات النصفية 2026، والرئاسية 2028).

لا شك، يمثّل ممداني جيلاً جديداً من الساسة الأميركيين الذين يسعون إلى إعادة تعريف معنى «اليسار» في بلد رأسمالي حتى النخاع. وفوزه في نيويورك ليس مجرد انتصار محلي، بل اختبار لمستقبل الحزب الديمقراطي نفسه: هل سيتبنى روح التغيير الجريء التي يمثلها هذا الشاب، أم يعود إلى براغماتية الوسط التي كانت دائماً مصدر قوته الانتخابية؟

الجواب، كما يبدو، سيتحدّد خلال السنوات القليلة المقبلة، مع اقتراب المعركة الكبرى في انتخابات 2028.


مقالات ذات صلة

ترمب يخرج من «حرب إيران» باتفاق يختبر الحلفاء والخصوم

حصاد الأسبوع ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)

ترمب يخرج من «حرب إيران» باتفاق يختبر الحلفاء والخصوم

في أسواق النفط، كان المشهد أقرب إلى زفير جماعي بعد شهور من الاختناق. الشاشات التي لاحقت أخبار الألغام والناقلات والتهديد بإغلاق مضيق هرمز بدأت تقرأ الاتفاق

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة

عبد الرحمن عبد الله «عرو»... «انفصالي» متكئ على إسرائيل

كان باستطاعة عبد الرحمن محمد عبد الله «عرّو»، رئيس إقليم «أرض الصومال/صومالي لاند» الانفصالي، ذي الموقع الاستراتيجي في القرن الأفريقي، أن يدخل التاريخ من أوسع

محمد الريّس ( القاهرة)
حصاد الأسبوع "عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)

«أرض الصومال»... إقليم انفصالي مرشح للتحوّل إلى قاعدة إسرائيلية

35 سنة مرّت على إعلان إقليم «أرض الصومال» (صوماليلاند)، انفصاله عن الحكومة الصومالية الفيدرالية في مقديشو عام 1991، مروراً بالتطبيع مع إسرائيل في نهاية 2025،

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
حصاد الأسبوع كبكو فوجيموري، مرشحة اليمين تحيي مناصريها (أ ب)

البيرو: لا حسم حتى الآن في السباق الرئاسي بين اليمين واليسار

للمرة التاسعة في أقل من عشر سنوات ذهبت جمهورية البيرو، في أميركا الجنوبية، نهاية الأسبوع الأول من هذا الشهر لانتخاب رئيس جديد لها في أجواء من التوتر السياسي

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع البرتو فوجيموري (1938-2024) - (رويترز)

فوجيموري ... سلالة يابانية على عرش البيرو

في عام 1990 وصل إلى رئاسة البيرو ألبرتو فوجيموري، وهو مهندس زراعي مولود من أبوين يابانيين، قاد حملة واسعة من التغييرات الاقتصادية الليبرالية، التي تسببت بموجا


ترمب يخرج من «حرب إيران» باتفاق يختبر الحلفاء والخصوم

ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)
ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)
TT

ترمب يخرج من «حرب إيران» باتفاق يختبر الحلفاء والخصوم

ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)
ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)

في أسواق النفط، كان المشهد أقرب إلى زفير جماعي بعد شهور من الاختناق. الشاشات التي لاحقت أخبار الألغام والناقلات والتهديد بإغلاق مضيق هرمز بدأت تقرأ الاتفاق الأميركي - الإيراني بوصفه وعداً بعودة التدفق، لا مجرد خبر دبلوماسي. وفي عواصم الخليج، خصوصاً التي تعيش جغرافيتها الاقتصادية على رئة هرمز، بدا الارتياح مفهوماً: العراق والكويت وقطر والبحرين، ومعها بقية دول الخليج، لا تريد حرباً مفتوحة في الممرّ الذي يعبر منه جزء حيوي من طاقة العالم. بيد أن الصورة لم تكن وردية في كل مكان. ففي تل أبيب، كان الصمت أقرب إلى الغضب المكتوم. وفي «الكابيتول هيل»، لم يكن السؤال: هل انتهت الحرب بل بأي ثمن؟ ومن يضمن أن هدنة الستين يوماً لن تتحول إلى فخ تفاوضي جديد؟ هكذا دخلت «مذكرة التفاهم» بين واشنطن وطهران حيّز السياسة الفعلية: وقف عمليات، إعادة فتح هرمز، إعفاءات نفطية، بحث في الأصول المجمّدة، صندوق إعادة إعمار ضخم، ومفاوضات نووية مؤجلة إلى ستين يوماً قابلة للتمديد. ليست «وثيقة استسلام إيراني»، كما وعد ترمب في ذروة الحرب، ولا نصراً صافياً لطهران. بل الأدق أنها «طريق خروج» أميركي من حرب كادت تتحول إلى كارثة اقتصادية عالمية، وامتحان إيراني قاسٍ: هل تستطيع الجمهورية الإسلامية أن تبدأ التحول إلى «دولة طبيعية»، أم يعيد «الحرس الثوري» تدوير الاتفاق كهدنة تكتيكية؟

من واشنطن، تُروى القصة على طريقة ترمب: ضغط عسكري هائل، ضربات موجعة، حصار بحري، ثم اتفاق أعاد إيران إلى الطاولة من دون غرق أميركا في حرب شاملة.

هذه الرواية ليست بلا أساس. فالولايات المتحدة دمّرت حقاً أجزاء واسعة من القدرات العسكرية الإيرانية، وألحقت أضراراً بمنشآت دفاعية وصاروخية، وحوّلت الحشد العسكري الأكبر في المنطقة منذ عقود إلى رافعة تفاوضية. لكن المشكلة أن الهدف المعلن كان أكبر بكثير: «استسلام غير مشروط»، وتفكيك نووي وصاروخي كامل، وربما تغيير في بنية النظام... وما تحقق حتى الآن أقل من ذلك بكثير.

براعة... وخطورة

وفق محللين، هنا تكمن براعة الاتفاق وخطورته معاً.

براعة واشنطن أنها وجدت سُلّماً للنزول من حافة الحرب، بعدما اكتشف ترمب أن استمرار المواجهة قد يضرب الاقتصاد الأميركي والعالمي قبل انتخابات التجديد النصفي. وخطورته أن إيران خرجت من تحت الضربات، وقد أثبتت أن بإمكانها تحويل الفوضى الاقتصادية إلى سلاح ردع: إغلاق هرمز، واستهداف منشآت حساسة في الخليج، ورفع كلفة الحرب إلى مستوى لا تتحمله الأسواق طويلاً.

لذلك لا تبدو «مذكرة التفاهم» نصراً إيرانياً بقدر ما هي «بداية مساومة كبرى» على شكل إيران ومكانها. فقد تلقت طهران هزيمة عسكرية قاسية، لكنها لم تُسحق سياسياً. وواشنطن حققت وقفاً للنزيف، لكنها تنازلت عن جزء من الضغط الاقتصادي قبل أن تنتزع الاتفاق النووي النهائي.

وبين هذين الحدين تتشكل المعادلة: ترمب يريد بيع الاتفاق كإنجاز اقتصادي وانتخابي، وطهران تريد بيعه كدليل صمود بوجه القوة الأميركية.

من يربح رواية النصر؟

كل اتفاق مؤقّت يولد بروايتين.

في واشنطن، يقول ترمب إنه أمّن مضيق هرمز، وخفّض أسعار الطاقة، وجنّب العالم كساداً نفطياً، وأجبر إيران على التعهّد بألا تمتلك السلاح النووي. وأضاف أن أي أموال أو استثمارات لن تصل إلى طهران إلا مقابل «سلوك جيد». هذه لغة انتخابية بامتياز: فالنفط يتدفق، والأسواق تهدأ، والرئيس لا يظهر ضعيفاً لأنه يلوّح بالعودة إلى القصف إذا أخلفت إيران.

لكن في طهران، تُروى القصة بعكس ذلك. فإيران «صمدت أمام أقوى جيش في العالم»، وفرضت رفع الحصار، واستعادت القدرة على تصدير النفط، وفتحت الباب أمام أموال مجمّدة واستثمارات بمئات المليارات.

محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، وصف المذكرة بأنها «هزيمة للولايات المتحدة»، وهذا جزء من معركة داخلية لا تقل أهمية عن التفاوض مع الأميركيين. فالنظام يحتاج إلى إقناع جمهوره ونخبه بأن الضربات لم تكسر الجمهورية، بل دفعت واشنطن إلى الاعتراف بدور إيران الإقليمي وحقوقها السيادية في هرمز.

لكن بين الروايتين تقف حقيقة ثالثة هي: لا أحد ربح بعد. ترمب اشترى ستين يوماً من الهدوء، وإيران اشترت ستين يوماً من التنفّس الاقتصادي. أما النتيجة النهائية فستتحدد في الملف النووي، وفي لبنان، وفي طريقة إدارة هرمز بعد انتهاء فترة «المرور بلا رسوم».

لماذا غابت عُمان وصعدت باكستان؟

من التحوّلات اللافتة أن الوساطة لم تحمل الختم العُماني التقليدي.

لعقود، لعبت مسقط دور الممرّ الدبلوماسي الهادئ بين واشنطن وطهران. لكن هذه المرة تقدمت باكستان، بدعم إقليمي من الرياض والدوحة وأنقرة، بينما عادت عُمان من باب آخر: إدارة مستقبلية أو تقنية لحركة المرور في مضيق هرمز بالتفاهم مع إيران ودول الساحل.

هذا ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل تغيراً في ديناميكيات الوساطة الإقليمية. فباكستان تملك علاقة مركّبة مع إيران، وقنوات أمنية مع واشنطن والخليج، وقدرة على التكلّم بلغة «خفض التصعيد» من دون أن تظهر كجزء من «محور عربي» ضد طهران. أما دول الخليج، التي دفعت ثمن الشلل البحري، فوجدت في الوساطة فرصة لإعادة ضبط المنطقة بلا انهيار شامل في أمن الطاقة.

لكن غياب عُمان عن صدارة المشهد يطرح سؤالاً أعمق: هل نحن أمام دبلوماسية خليجية - إسلامية جديدة تتجاوز القنوات التقليدية، أم مجرد ترتيب اضطراري فرضته الحرب؟

الأرجح أن الجواب سيتوقف على بند هرمز. فإذا تحولت «إدارة المضيق» إلى نظام رسوم أو خدمات إيرانية، فستغدو الوساطة نفسها جزءاً من معركة السيادة البحرية.

«عقدة» تل أبيب... في لبنان

في المقابل، أخطر ما في الاتفاق أنه يتكلم عن وقف العمليات «على كل الجبهات، بما في ذلك لبنان»، بينما لا إسرائيل ولا «حزب الله» طرفان موقعان عليه.

هنا تبدو العقدة: إيران وباكستان تستطيعان القول إن الهدنة تشمل لبنان، لكن بنيامين نتنياهو يقول إن إسرائيل غير ملزمة بنص لم توقعه، وإن قواتها لن تنسحب من الجنوب قبل نزع سلاح «حزب الله» أو ضمان أمن الحدود.

بالنسبة لنتنياهو، الاتفاق ليس مجرد تفاهم أميركي - إيراني، بل إنه تهديد سياسي داخلي. فهو وعد الإسرائيليين بـ«نصر كامل» على إيران ومحورها، لكنه وجد نفسه أمام مذكرة تمنح طهران فرصة للتنفس، وتضغط عليه لوقف حملة يرى أنها ضرورية في لبنان. والأسوأ بالنسبة له أن ترمب، الحليف الذي كان يُفترض أن يكون أكثر رؤساء أميركا «تفهّماً لأولويات إسرائيل»، أخذ ينتقد علناً أساليبها في لبنان، قائلاً إن «إسقاط مسيّرتين في الصحراء لا يبرّر تدمير مبانٍ في بيروت».

لكن قدرة البيت الأبيض على الضغط لها حدود؛ فترمب يحتاج إلى رأس مال سياسي كبير كي يقول لنتنياهو: توقّف الآن!

هذا صعب في عام انتخابي إسرائيلي، وصعب أيضاً في واشنطن حيث يراقب «صقور» الكونغرس الاتفاق بعين الشك. ثم إن بعض الجمهوريين يطالبون بإحاطات سرّية ورقابة تشريعية، وآخرون يرون أن إعفاءات النفط وفتح الأموال المجمّدة يمنحان النظام الإيراني «طوق نجاة». وإذا واصلت إسرائيل عملياتها في لبنان أو غزة، فستتحوّل الهدنة من اتفاق إقليمي إلى اختبار يومي للانضباط الأميركي والإسرائيلي والإيراني معاً.

مصير اليورانيوم... تحت الركام

«الملف النووي» يظل قلب الاتفاق، لكنه أيضاً أكثر أجزائه غموضاً. و«مذكرة التفاهم» تعيد تأكيد أن إيران لن تطور أو تحوز سلاحاً نووياً، لكنها تترك التفاصيل الصعبة للمفاوضات النهائية: مصير المخزون المخصّب، ومستقبل التخصيب، ونظام التفتيش، والمنشآت المتضررة، وجدول رفع العقوبات. في «اتفاق 2015» استغرقت هذه التفاصيل مفاوضات طويلة ومعقّدة شاركت فيها القوى الكبرى. أما الآن، فيُطلب إنجاز ما هو أشدّ تعقيداً خلال ستين يوماً، وبعد حرب وضربات ومنشآت مدمّرة.

المعضلة التقنية ليست نظرية. فجزء من المخزون الإيراني من اليورانيوم العالي التخصيب موجود، بحسب التقديرات، في منشآت تحت الأرض تعرضت لأضرار. والاتفاق يتكلم عن «تخفيف» أو «مزج» المواد المخصبة داخل إيران، تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرّية، لكنه لا يفرض منذ البداية إخراج المخزون إلى الخارج.

هذا فارق جوهري عن تجربة 2015، حين أرسلت إيران قسماً هائلاً من مخزونها إلى روسيا. لذا يطرح خبراء الانتشار النووي في واشنطن سؤالاً مباشراً: كيف يمكن التحقّق من المواد تحت الركام؟ ومَن يضمن أن التفتيش لن يتحوّل إلى مفاوضة على كل باب ونفق وكاميرا؟

قد تلعب روسيا مجدّداً دور «المستودع البديل»، لكن إدخال موسكو إلى قلب الاتفاق سيخلق تعقيدات جيوسياسية إضافية في ظل توترها مع الغرب.

أيضاً، «الحرس الثوري»، الذي أشرف تاريخياً على أجزاء حسّاسة من البرنامج، قد يرى في الغموض فرصة للاحتفاظ بـ«عتبة» نووية. وهنا يكمن الرهان الأميركي الحقيقي: ليس فقط تعطيل القنبلة، بل دفع إيران إلى التخلي عن منطق «الاقتراب من السلاح من دون امتلاكه»؛ فالحرب أظهرت أن قدرة «العتبة» لم تردع الضربات، لكنها قد تدفع بعض المتشدّدين إلى استنتاج معاكس: أن النموذج الكوري الشمالي، لا النموذج الإيراني، هو ما يمنع القصف.

أيضاً، حصر الاختبار المقبل في مصير اليورانيوم وحده سيكون خطأً استراتيجياً. فواشنطن مطالبة بالموازنة بين الخطر النووي المتبقي، وتهديدات أخرى لا تقلّ حساسية: برنامج الصواريخ الباليستية، وتطوير الطائرات المسيّرة، وشبكة الأذرع. لذلك لا تبدو المفاوضات المقبلة نووية فقط، بل محاولة أوسع لإعادة تعريف «حدود» القوة الإيرانية في المنطقة. ومع ذلك، تدخل واشنطن هذه الجولة من موقع أكثر تماسكاً إذا نجحت الهدنة في إعادة الملاحة البحرية في الخليج إلى طبيعتها؛ فعودة السفن إلى هرمز لا تهدئ الأسواق فقط، بل تمنح واشنطن هامشاً أوسع للضغط من دون أن تبدو رهينة ابتزاز النفط والممرات البحرية.

وهنا، لا ينفصل الملف النووي عن معادلة هرمز؛ فالمضيق لم يعد مجرد ممر للطاقة، بل صار ورقة تفاوض على مستقبل إيران ودورها وحدود سيادتها الإقليمية.

هرمز مقابل الأصول

اقتصادياً، أعاد الاتفاق هرمز إلى قلب الجغرافيا السياسية العالمية. فالنص يمنح السفن التجارية مروراً آمناً «بلا رسوم» لمدة ستين يوماً فقط، ثم يفتح الباب أمام ترتيبات إيرانية - عُمانية لإدارة الحركة البحرية.

هذه العبارة الصغيرة قد تكون من أكثر بنود الاتفاق قابلية للانفجار. فقبل الحرب، كانت القاعدة الغربية واضحة: حرية مرور لا رسوم عليها. أما الآن، فتقول طهران إن المضيق «لن يعود إلى ما كان عليه»، وإن لها حقاً سيادياً في جباية رسوم مقابل خدمات.

وبالنسبة إلى الخليج، فالأولوية الآن هي عودة السفن لا الجدل القانوني. لكن على المدى الأبعد، أي نظام رسوم إيراني سيبدو تحويلاً لأزمة عسكرية إلى دخل سيادي دائم. وهذا ما يقلق لندن وباريس ودوائر التفكير في واشنطن التي ترى أن إيران اكتشفت قدرتها عبر الحرب على ابتزاز الاقتصاد العالمي، ليس بإغلاق المضيق فقط، بل بجعله أيضاً ممراً مشروطاً.

مع ذلك، حذّر علي لاريجاني - الذي قتل خلال الحرب - من أن طهران لا تستطيع استخدام ورقة هرمز سوى مرة واحدة، دفاعاً عن بقاء النظام. والغرب والعالم لن يبقيا مكتوفي الأيدي وسيقفان صفاً واحداً ضد إيران إذا كرّرت إغلاقه.

ثم تأتي الأموال... أصول مجمدة بمليارات الدولارات، وإعفاءات نفطية، و«صندوق إعادة إعمار» لا يقل عن 300 مليار دولار، تقول واشنطن إنها لن تموله مباشرة، بل عبر شركاء واستثمارات.

هذا البند يضع ترمب أمام مفارقة سياسية حادة؛ فهو هاجم لسنوات اتفاق أوباما؛ لأنه منح إيران أموالاً مقابل قيود نووية، لكنه الآن يقبل مبدأ الحوافز الاقتصادية قبل حسم التفاصيل النهائية. لهذا يندفع «صقور» مراكز الأبحاث، من «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات» إلى كتّاب الرأي المحافظين، إلى التحذير من أن واشنطن تتخلّى عن أقوى أوراقها قبل انتزاع التنازلات النووية.

«دولة طبيعية»... أم «قضية ثورية»؟

جوهر الاتفاق، حقاً، ليس في بنوده الـ14 فقط، بل في السؤال الذي يحاول البيت الأبيض دفع إيران إلى الإجابة عنه: هل تريد أن تكون دولة أم ثورة دائمة؟

نائب الرئيس جي دي فانس صاغ ذلك بوضوح بالقول: إذا تصرّفت إيران كدولة طبيعية، يمكن التعامل معها كدولة طبيعية وإدخالها إلى الاقتصاد العالمي. لكن هنا المجازفة الكبرى. فأنصار الاتفاق يرون أن الهزيمة العسكرية، والأزمة الاقتصادية، وتعب المجتمع، وتراجع قدرة المحور الإقليمي، كلها قد تدفع طهران إلى خيار «الدولة» على حساب «الحرس الثوري».

المشككون يردون بأن النظام، منذ 1979، استخدم كل انفراج اقتصادي لتقوية أدوات النفوذ لا لتطبيع سلوكه. وبين التفاؤل والتشاؤم توجد حقيقة صلبة: الـ60 يوماً المقبلة لن تختبر فقط نيات إيران، بل ستختبر أيضاً قدرة ترمب على إدارة التناقضات التي فتحها بنفسه.

بناءً عليه، لا تبدو مذكرة التفاهم نهاية للحرب بقدر ما تبدو بداية امتحان أصعب من الحرب نفسها؛ فإيران خرجت مكسورة عسكرياً لكنها لم تُهزم سياسياً، وترمب خرج منتصراً في الخطاب لكنه لم ينتزع بعد اتفاقاً نهائياً يمكن التحقّق منه. وبين هرمز واليورانيوم ولبنان والكونغرس، ستقرر الأسابيع الستة المقبلة ما إذا كان الاتفاق «بوابة» إلى «شرق أوسط جديد»، أم مجرد هدنة قصيرة تعيد الجميع، بعد انقضاء الوقت، إلى شفير الهاوية. بين روايتي واشنطن وطهران حقيقة ثالثة هي أنه لا أحد ربح النزاع بعد


عبد الرحمن عبد الله «عرو»... «انفصالي» متكئ على إسرائيل

كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة
كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة
TT

عبد الرحمن عبد الله «عرو»... «انفصالي» متكئ على إسرائيل

كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة
كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة

كان باستطاعة عبد الرحمن محمد عبد الله «عرّو»، رئيس إقليم «أرض الصومال/صومالي لاند» الانفصالي، ذي الموقع الاستراتيجي في القرن الأفريقي، أن يدخل التاريخ من أوسع أبوابه حال دخل في مفاوضات لالتئام الجسد الصومالي، وينال ترحيباً عربياً واسعاً، إلا أن الرجل سلك طريقاً آخر، فاقم به عواقب انفصاله، وجلب له الإدانات العربية والإسلامية المتوالية منذ تأسيسه العلاقات مع إسرائيل في ديسمبر (كانون الأول) 2025، وصولاً لزيارة تل أبيب في يونيو (حزيران) 2026 وفتحه سفارة مزعومة بالقدس المحتلة.

ولد عبد الرحمن عبد الله «عرّو» في مدينة هرجيسا، عاصمة الإقليم الانفصالي «أرض الصومال» (الصومال البريطاني إبان الحقبة الاستعمارية) وكبرى مدنه، يوم 29 أبريل (نيسان) 1955، في عائلة مكوّنة من 7 فتيات و3 أولاد، وبينما هو طفل في الخامسة من عمره تحرّرت بلاده من الاستعمار البريطاني. وحقّاً، طيلة شبابه وصعوده كان لسلطة الصومال المركزية في مقديشو فضل كبير عليه، إذ التحق بأروقتها الرسمية قبل أن يتحوّل إلى خصم لدود لها، ويفتح الأبواب لإسرائيل بترؤسه الإقليم الانفصالي طمعاً في اعتراف تعتبره دوائر عربية معارضة «عاراً».

البداية والمسيرة

بدأ عبد الرحمن عبد الله «عرّو» تعليمه الابتدائي في مدينة بربرة، ثاني كبرى مدن الإقليم -الواقع شمال الصومال- وأهم موانئه. وتابع تعليمه الثانوي في هرجيسا، منتقلاً إلى المدرسة الثانوية عام 1977، وبعد ذلك، انتقل إلى العاصمة الصومالية الفيدرالية مقديشو؛ حيث حصل على درجة البكالوريوس في المحاسبة. وتضم شهاداته أيضاً درجة الماجستير في إدارة الأعمال ودبلوماً في حل النزاعات.

بين عامي 1978 و1981، عمل «عرّو» في منظمة معنية بالتنمية الاجتماعية في مقديشو. وبين عامي 1981 و1988 شغل منصباً دبلوماسياً في وزارة الخارجية الصومالية بإدارة التعاون الاقتصادي، ومن مايو (أيار) 1988 إلى عام 1996، عمل مستشاراً للسفارة الصومالية في موسكو ثم نائب السفير والقائم بالأعمال.

ثم إنه إبّان وجوده في أروقة مقديشو الرسمية انفصل الإقليم الشمالي عن الجمهورية الصومالية عام 1991، ولم يتضّح على الفور ما إذا كان لـ«عرو» موقف معارض لهذه الخطوة أم لا.

لكن المعروف أن الرجل انتقل عام 1996 إلى فنلندا، التي كانت عائلته تُقيم فيها منذ سنوات عدة وحصل على جنسيتها، وظل مقيماً فيها حتى عام 1999. وخلال عامي 1997 و1998 كان مساعد المنظمة الدولية للهجرة في فنلندا، قبل أن يعود إلى إقليم «أرض الصومال» عام 1999.

أجندات مثيرة للجدل

لقد عاد «عرّو» إلى الإقليم الصومالي قادماً من الخارج، حاملاً رؤية سياسية أثارت لاحقاً انتقادات عربية وإسلامية، واختار منذ عودته الانخراط في صفوف المعارضة. وبعد أقل من عامين، أصبح أحد مؤسسي حزب «العدالة والتنمية (UCID)»، أحد أبرز أحزاب المعارضة، إلى جانب فيصل علي وارابي، وتولى حينها منصب نائب الأمين العام للحزب.

وشهد الإقليم الانفصالي انتخابات لمجلس النواب، المكوّن من 82 نائباً، في 29 سبتمبر (أيلول) 2005. وكانت تلك أول انتخابات برلمانية متعددة الأحزاب تُنظَّم في الإقليم منذ انفصاله عن جمهورية الصومال. وانتخب «عرّو» نائباً عن منطقة ساحل بربرة، ثم انتُخب لاحقاً رئيساً للبرلمان (مجلس النواب)، وإبّان فترة ولايته سُنّت معظم قوانين الإقليم وتشريعاته.

لكن، بعد نحو 6 سنوات، وإثر خلاف تفجّر مع وارابي، أسس «عرّو»، الذي يتكلم اللغات الإنجليزية والعربية والروسية، «الحزب الوطني»، أو حزب «وداني» (الوطني) المعارض.

ويوم 2 أغسطس (آب) 2017، استقال من رئاسة البرلمان بعدما شغل المنصب لمدة 12 سنة، وهي أطول فترة لرئيس برلمان في تاريخ الإقليم الانفصالي، معلناً أنه يتهيأ لدور أكثر أهمية بوصفه رئيساً لـ«أرض الصومال». غير أن آماله تحطمت على صخرة موسى بيحي عبدي، مرشح حزب «السلام والوحدة والتنمية» في المرة الأولى.

ولكنه حقق مراده لاحقاً، بعدما أعاد الكرَّة وترشح في الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي أجريت يوم 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، وحصل فيها على 63.92 في المائة من الأصوات، متغلباً على عبدي الذي حل ثانياً بـ34.81 في المائة.

انتخابات عام 2024 كانت الانتخابات المباشرة الرابعة منذ عام 2003، ومع فوز «عرّو» غدا الرئيس الرابع حسب الانتخابات الرئاسية المباشرة لفترة تمتد إلى 5 سنوات، وكذلك أصبح الرئيس السادس في المجمل منذ انفصال الإقليم 18 مايو 1991.

عهود السلطة الانفصالية

جدير بالذكر هنا، أنه عقب إعلان انفصال إقليم «أرض الصومال»، انتخب السفير عبد الرحمن أحمد علي، رئيس الحركة الوطنية بالبلاد حينها، ليكون أول رئيس للإقليم عبر انتخابات غير مباشرة. وعام 1993 انتخب السياسي محمد إبراهيم عقال رئيساً، وفي عام 1997 جدّد له لفترة ثانية.

وبعد وفاة عقال عام 2002، أثناء رحلة علاج في جنوب أفريقيا، انتُخب نائبه طاهر ريالي كاهن رئيساً للبلاد لتكملة الفترة الانتقالية. ثم في عام 2003، أجريت أول انتخابات رئاسية مباشرة في الإقليم، أسفرت عن فوز حزب «اتحاد الأمة» بقيادة الرئيس طاهر ريالي كاهن على السياسي أحمد محمد سيلانيو.

وفي يونيو (حزيران) 2010، أُجريت ثاني انتخابات رئاسية مباشرة، وتمكن سيلانيو من الفوز بالرئاسة لفترة 5 سنوات. وانتهت الانتخابات الثالثة التي أجريت في 13 نوفمبر 2017، بفوز موسى بيحي عبدي، الذي حصل على 55 في المائة من الأصوات.

وكان من المقرر أن تُجرى انتخابات الرئاسة الرابعة في الإقليم عام 2022، لكن لجنة الانتخابات الوطنية أجّلتها إلى 2023، ثم إلى نوفمبر 2024 بعد تمديد نيابي لولاية الرئيس عبدي الذي يتولّى الرئاسة منذ 2017. وأرجعت اللجنة التأجيلات إلى «قيود زمنية وتقنية ومالية»، وسط انتقادات من المعارضة، قبل أن يفوز «عرّو».

لقد كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز، وخرج بعد أشهر من وصوله إلى أعلى سلطة بالإقليم، وقال في مقابلة مع صحيفة «الغارديان» نهاية مايو 2025، إن الاعتراف بإدارته بات وشيكاً، معتبراً أن الأمر أصبح «مسألة وقت». وبالفعل، لم يمضِ 6 أشهر حتى فاجأت إسرائيل العالم باعترافها بالإقليم الانفصالي وسط ترحيب «عرّو»، واستنكار من الصومال، الذي قال رئيسه حسن شيخ محمود قبل أيام إنه رفض الاستجابة لطلبات من تل أبيب لإقامة علاقات دبلوماسية مع مقديشو.

لقد اختار «عرّو» المُضي في هذا الطريق الذي رسمته إسرائيل، وأغضب مقديشو ودولاً عربية وإسلامية، واستقبل في هرجيسا وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر يناير (كانون الثاني). وفي فبراير (شباط)، قال لـ«رويترز» إن المنطقة تأمل في تعاون عسكري مُستقبلي مع إسرائيل، لكن مسألة إنشاء قواعد عسكرية إسرائيلية لم تُناقش بعد.

ولم يكتفِ الرئيس الانفصالي بذلك، بل سمّى محمد حاجي سفيراً للإقليم الانفصالي لدى إسرائيل، في فبراير الماضي قبل أن يُعلن بعد شهرين تعيين مايكل لوتم أول سفير إسرائيلي بالإقليم، وسط كلام في مايو الماضي عن قرب تبادل افتتاح السفارات.

زيارة لإسرائيل وسط الإدانات العربية

وعلى الرغم من الإدانات العربية والإسلامية المتواصلة لذلك الموقف، اختار «عرّو» زيارة إسرائيل يوم 14 يونيو الحالي، وهناك التقى الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ، الأحد، في القدس قبل أن يفتتح سفارة للإقليم في القدس المحتلة، الاثنين.

وحسب بيان صادر عنه وقتها، قال إن بلاده «على مدى السنوات الـ35 الماضية، كانت تتواصل مع قادة العالم، وكان لديها مطلب واحد فقط: أن يرونا. دولة واحدة فقط رغبت في رؤيتنا والاعتراف بأرض الصومال، وهي حكومة إسرائيل وشعبها».

في المقابل، رأى هرتسوغ أن إسرائيل وأرض الصومال «تواجهان معاً تهديد التطرف المتشدد. ونسعى معاً إلى الأمن والاستقرار في المنطقة وفي القرن الأفريقي. وندرك معاً أهمية حماية حرية الملاحة البحرية».

وقال وزير الدفاع يسرائيل كاتس، الأربعاء، إن إسرائيل أجرت منذ سنوات سلسلة من الأنشطة «السرية» مع «أرض الصومال»، خلال استقباله الأربعاء رئيس الإقليم الانفصالي. وأضاف كاتس في بيان أصدره مكتبه: «نحن عازمون على الارتقاء بتعاوننا الأمني إلى آفاق جديدة، لما فيه مصلحة الشعبين واستقرار المنطقة».

احتمال القواعد العسكرية

أيضاً، أشار «عرّو»، الأربعاء، خلال مقابلة مع قناة «آي نيوز 24» الإسرائيلية إلى أنه لا يستطيع استبعاد احتمال وجود قاعدة عسكرية إسرائيلية على أراضي أرض الصومال في المستقبل، وذلك خلال إعلانه أن الرحلات المباشرة بين إسرائيل والعاصمة هرجيسا ستبدأ «قريباً جداً».

وفي تلك الزيارة التي جاءت بعد أشهر من توقيف «أرض الصومال» مواطنين رفعوا علم فلسطين، طوى «عرّو» خلف ظهره مطالب القضية الفلسطينية، وفي مقدمتها إقامة دولة مستقلة، ولم يلتفت للتحذيرات العربية من تغول إسرائيلي في منطقة القرن الأفريقي الهشة أمنياً وذات الأهمية الاستراتيجية الكبيرة على البحر الأحمر.


«أرض الصومال»... إقليم انفصالي مرشح للتحوّل إلى قاعدة إسرائيلية

"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)
"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)
TT

«أرض الصومال»... إقليم انفصالي مرشح للتحوّل إلى قاعدة إسرائيلية

"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)
"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)

35 سنة مرّت على إعلان إقليم «أرض الصومال» (صوماليلاند)، انفصاله عن الحكومة الصومالية الفيدرالية في مقديشو عام 1991، مروراً بالتطبيع مع إسرائيل في نهاية 2025، ووصولاً إلى زيارة رئيسه عبد الرحمن عبد الله «عرّو» لتل أبيب الأسبوع الماضي.

كان الإقليم إبان الحقبة الاستعمارية - أو فترة الحماية - يُعرف بـ«الصومال البريطاني» ويخضع لبريطانيا، بينما خضعت جمهورية الصومال الحالية في حينه للاستعمار الإيطالي وعرفت بـ«الصومال الإيطالي»، وجمهورية جيبوتي للاستعمار الفرنسي وعرفت بـ«الصومال الفرنسي».

من جهة ثانية، يتمتع الإقليم بمقوّمات كبيرة أغرت إسرائيل بأن تغدو أول دولة تعترف به. فهو يتمتع بساحل يبلغ طوله 740 كيلومتراً ويمتد على خليج عدن، وبموقع استراتيجي عند نقطة التقاء المحيط الهندي بالبحر الأحمر في منطقة القرن الأفريقي.

مدينة هرجيسا هي العاصمة وكبرى المدن، بينما تُعد بربرة الميناء الأكبر والأهم في إقليم «أرض الصومال»، الذي يحده كل من إثيوبيا من الجنوب والغرب وجيبوتي من الشمال الغربي و‌خليج عدن من الشمال ومن الشرق ولاية بونتلاند الصومالية. وبينما تبلغ مساحته نحو 177 كيلومتراً مربعاً، يصل عدد سكانه إلى 3.5 مليون وفق تقديرات لعام 2017، وأخرى حديثة بين 5.7 و6 ملايين نسمة ويتكلم سكانه اللغات الصومالية والعربية والإنجليزية.

على صعيد التقسيمات الإدارية الداخلية، يضم الإقليم 6 مناطق إدارية هي: ووكوي جالبيد وتجدير وسول وسناج وأودال والساحل. وبالنسبة لنظام الحكم فيه فإنه جمهوري، ولديه رئيس وحكومة وبرلمان (سلطة تشريعية) بمجلسين؛ هما مجلس نواب (الغرفة الأولى) ومجلس شيوخ (الغرفة الثانية) ويضم كلٌّ منهما 82 عضواً.

استقل الإقليم عن بريطانيا عام 1960 واندمج مع «الصومال الايطالي» ليكوّنا معاً جمهورية الصومال.

ويوم 18 مايو (أيار) 1991 أعلن الإقليم استقلاله عن جمهورية الصومال بعد نحو 3 أشهر من انهيار الحكم المركزي في الجمهورية عقب الإطاحة بالرئيس الصومالي السابق محمد سياد بري.

وفي أغسطس (آب) 2000، طرحت حكومة «الإقليم» نسخاً من دستور مقترح ينص على الانفصال النهائي عن الصومال، وأقر الانفصال في استفتاء يوم 31 مايو 2001، بعدما صوت لصالحه 97.1 في المائة، وعام 2016 احتُفل بمرور 25 سنة على تلك الخطوة.

لقد انخرطت سلطات مقديشو و«أرض الصومال» بمباحثات للعودة عن الانفصال بدأت في عام 2012، وتواصلت وكان أحدثها في 2020، وأواخر 2023 ولكن من دون اتفاق.

وفي مطلع 2024 سلّطت الأضواء على الإقليم لدى توقيعه «مذكرة تفاهم» مع إثيوبيا تتيح للأخيرة - التي لا تطل على البحر - باستئجار 20 كيلومتراً حول ميناء بربرة لمدة 50 سنة، ما يوفر لها إمكانية الوصول إلى البحر الأحمر ويؤمّن أغراضها البحرية والتجارية، مقابل الاعتراف باستقلال «أرض الصومال». ويومذاك رُفضت المذكّرة عربياً وتدخّلت تركيا بوساطة قادت لتجميد تنفيذ المذكرة حتى الآن.

ولكن في ديسمبر (كانون الأول) 2025، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف باستقلال «أرض الصومال»، بخلاف تسمية سفراء في أبريل (نيسان) الماضي. وعيّنت إسرائيل في الشهر نفسه مايكل لوتم أول سفير لها في الإقليم الانفصالي، وذلك بعدما أعلنت «أرض الصومال»، في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي سفيراً لها لدى إسرائيل.