كيف بنت «حماس» ترسانة أنفاقها في غزة؟

صمدت خلال حرب إسرائيل طوال سنتين

TT

كيف بنت «حماس» ترسانة أنفاقها في غزة؟

جنود إسرائيليون يسيرون عبر نفق حديدي صممته «حماس» في شمال قطاع غزة 15 ديسمبر 2023 (رويترز)
جنود إسرائيليون يسيرون عبر نفق حديدي صممته «حماس» في شمال قطاع غزة 15 ديسمبر 2023 (رويترز)

باتت أنفاق «حماس» في قطاع غزة تتصدر مشهد صورة اتفاق وقف إطلاق النار، في ظل العديد من العقبات التي تواجهه، سواء فيما يتعلق بقضية عناصر «كتائب القسام» الجناح المسلح للحركة المتواجدين في أنفاق رفح، أو في إصرار إسرائيل على تدميرها بالكامل.

وما فاجأ الكثيرين من المتابعين والمراقبين هي التصريحات التي أطلقها منذ نحو أسبوعين وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، الذي قال خلال حديث مع نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، إن 60 في المائة من أنفاق «حماس» لم تُدمَّر بعد، وإن هدمها أهم نقطة مشتركة من أجل تنفيذها. وهو أمر قد يكون صحيحاً نظراً لانتشال جثامين مختطفين إسرائيليين من بعض الأنفاق المتبقية رغم تدميرها الذي يبدو جزئياً وليس كاملاً.

وعاد كاتس للتغريد، الجمعة، عبر منصة «إكس»، بالقول: «أصدرت تعليماتي لجيش الدفاع الإسرائيلي بتدمير جميع الأنفاق. إذا لم تكن هناك أنفاق، فلن يكون هناك (حماس)».

جنديان إسرائيليان في المستشفى الأوروبي بخان يونس حيث قالت إسرائيل إنها اكتشفت نفقاً يُعتقد أن قائد «حماس» محمد السنوار قُتل فيه... 8 يونيو 2025 (د.ب.أ)

وخاضت إسرائيل حرباً شرسة استمرت عامين، الأمر الذي بات يفرض سؤالاً عن الدور الذي كان يقوم به الجيش الإسرائيلي طوال تلك الفترة، ما دام هناك مثل هذه القدرات من الأنفاق، وكيف نجحت «حماس» في بناء هذه الترسانة التي باتت تقلق إسرائيل أكثر.

 

بدايات الأنفاق

كثيرون يعتقدون أن فكرة الأنفاق ولدت عام 2006 من خلال عملية «الوهم المتبدد» كما أطلقت عليها «كتائب القسام» وأجنحة عسكرية أخرى شاركت في تلك العملية، التي أدت لمقتل وإصابة عدد من الجنود الإسرائيليين، وخطف الجندي جلعاد شاليط، لكن فكرتها ولدت قبل ذلك بسنوات، وتحديداً بعد عام واحد من اندلاع «انتفاضة الأقصى» الثانية، التي بدأت في الثامن والعشرين من سبتمبر (أيلول) عام 2000، فيما نفذت العملية الأولى حينها في السادس والعشرين من الشهر نفسه في عام 2001، بتفجير نفق بعبوات ناسفة كبيرة الحجم، في موقع «ترميد» العسكري في رفح، من خلال نفق زاد طوله على 150 متراً، ما أدى لمقتل وإصابة العديد من الجنود الإسرائيليين.

شكلت تلك العملية بدايةً لمعركة مختلفة ما بين «حماس» وإسرائيل، وتوسعت الحركة في فكرتها وتطويرها على مدار سنوات، خاصةً بعد حكمها لقطاع غزة وسيطرتها عليه في عام 2007، حتى باتت تشكّل مصدر قلق لإسرائيل من جانب، ومن جانب آخر تعتبرها الحركة الفلسطينية إنجازاً كبيراً لها يعتد به في معاركها التي تخوضها ضد الإسرائيليين، ونجحت فعلياً باستخدامها في العديد من العمليات المؤثرة التي تسببت في مقتل وإصابة العديد منهم.

وشكّل هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 مفاجأةً بالنسبة لإسرائيل التي كانت تعتقد أنها أصبحت أكثر أماناً بعدما قضت على إمكانية أن تسمح لعناصر «حماس» باختراق الحدود من تحتها في أعقاب بناء عائق أمني متطور يكشف عن أي أنفاق هجومية، كلفها أكثر من 50 مليون دولار، واستمر بناؤه سنوات وانتهى العمل منه نهاية عام 2021، لكن الحركة الفلسطينية كانت أذكى، وفعلياً لم تستعمل الأنفاق في هجومها، واكتفت بتنفيذه من فوق الأرض بتفجير العائق الجديد بكميات من المتفجرات، إلى جانب استخدام المظلات في عملية التسلل.

 

بناء الأنفاق

ترى مصادر متطابقة من «حماس» أن فكرة بناء الأنفاق وتطويرها يعود فيها الفضل للقيادي في «كتائب القسام» محمد السنوار، الذي كان يتابع هذا الملف باهتمام في بداياته حتى أصبح متطوراً، وباتت الأنفاق موجودة في كل أنحاء قطاع غزة وليس في رفح أو خان يونس التي كان السنوار مسؤولاً عنها لسنوات عدة.

فلسطينيون عند مدخل نفق في منطقة شمال خان يونس 28 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)

وتطورت الأنفاق من محدودة وصغيرة إلى كبيرة ومتفرعة في أكثر من منطقة، ومنها ما بات يطلق عليها «الهجومية»، وأخرى «الدفاعية»، وثالثة «اللوجيستية» أو التحكم والسيطرة والقيادة.

تقول المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن مَن أشرف على عملية البناء والتطوير بهذا الشكل «المدهش»، وفق وصفها، ليسوا مهندسين محترفين، إنما هم في غالبيتهم عمال وفنيون يمتلكون المهارات أكثر من المهندسين، واستطاعوا بناء أنفاق مختلفة وبأحجام ونوعيات وخرسانة مختلفة، وبتفرعات وعمق وطول البعض لا يتخيلها، كما تم صناعة أنفاق لعمق كبير تم أسفلها وضع مصنعيات لصناعة الصواريخ والمتفجرات وغيرها.

وتوضح المصادر أن أولئك الفنيين الذين يُطلَق عليهم لقب «المهندسين» بين عناصر «القسام»، كانوا يشرفون على تحديد أماكن التربة ونقاط الضعف والقوة في أرضية الأماكن التي يجب حفر الأنفاق فيها، ويحددون مساراتها، وهم يتولون أولى خطوات الحفر، ثم يتابعون العمل عن بعد.

وبيّنت أنه كان يتم تخصيص أماكن لصناعة الخرسانة الخاصة ببناء الأنفاق، ويتم تجهيزها أيضاً من فنيين، يضعون كميات وافية وكافية من الأسمنت لصنع تلك الخرسانات لتكون قوية وتستطيع تجاوز أي مشاكل هندسية أو فنية، وبما يسمح باستخدام تلك الأنفاق بسهولة بما لا يشكل خطراً على المقاومين.

 

عمليات الحفر

وبينت أن كل مجموعة كانت تتولى الحفر تتكون من 8 إلى 10 مسلحين من عناصر «القسام»، ويتمثّل عملهم في حفر ونقل وإخراج «الرمل» من عمق النفق، ومن ثم إجراء عملية «التبليط» باستخدام الخرسانة أو غيرها من المواد المتوفرة، وتعمل يومياً 3 مجموعات تتناوب على العمل في النفق المخصص لها.

عناصر «حماس» يحملون كيساً يحتوي على جثة تم انتشالها من نفق في خان يونس 28 أكتوبر 2025 (إ.ب.أ)

وأوضحت أن هناك أنفاقاً مركزية لصالح الألوية (مثل لواء غزة، خان يونس، الشمال) وغيرها، وهناك أنفاق تتبع لكل كتيبة داخل اللواء، وهناك أنفاق مخصصة لتخصصات عسكرية مختلفة، حيث يعمل نحو 100 عنصر في حفر الأنفاق المركزية التابعة لكل لواء.

وتختلف أنفاق الألوية عن أنفاق كل كتيبة أو سرية، حيث إن أنفاق الألوية مخصصة للقيادة والسيطرة والحماية أو لتخصصات معينة، ويتم وصلها في أنفاق بعض الكتائب لتكون ضمن عمل محدد لها.

 

ألوية وكتائب وسرايا

وتمتلك «كتائب القسام» منظومة عسكرية متكاملة إدارياً وتنظيمياً، تتشكل من 5 ألوية هي: لواء الشمال، ولواء غزة، والوسطى، وخان يونس، ورفح، وفي كل لواء كتائب عدة تتشكل من سرايا وفصائل وتشكيلات عسكرية، وتضم آلاف المقاتلين الذين يتدربون على أيدي مدربين بعضهم تلقى تدريبات عسكرية خارج القطاع، مثل لبنان وإيران ومن قبل في سوريا قبيل تدهور العلاقات بين الجانبين في أعقاب الأحداث الداخلية التي شهدتها البلاد بدءاً من عام 2011.

ويضم كل لواء هيئة لـ«القضاء العسكري»، وركن تصنيع، وهيئة رقابة، وركن أسلحة الدعم والقتال، وركن عمليات، وركن استخبارات، وركن الجبهة الداخلية، وركن القوى البشرية، وهيئة المعاهد والكليات.

ويقدر أن كل كتيبة كانت تعمد لتكليف 50 إلى 70 عنصراً منها للعمل في حفر الأنفاق الدفاعية، حيث كل كتيبة تمتلك عدة سرايا، وكل سرية لها خططها الدفاعية الخاصة.

ويشرف مسؤول العمليات في كل كتيبة على متابعة عمليات الحفر وتجهيز الأنفاق.

وقبيل الحرب، كان لدى «كتائب القسام» 24 كتيبة، منها 6 كتائب في الشمال، ومثلها في غزة، و4 في الوسطى، و4 في خان يونس، ومثلها في رفح، وتضم كل كتيبة، وفق المساحة الجغرافية للمناطق، ما بين 600 مقاتل حداً أدنى، و1200 حداً أقصى، وتضم كل كتيبة من 4 إلى 6 سرايا، وكل سرية تضم 3 أو 4 فصائل، وفق التوزيع الجغرافي، ويتكون الفصيل من 3 أو 5 تشكيلات، وكل تشكيل يضم ما بين 2 و3 عقد أو ما يسمى بـ«زمر»، ويضم كل فصيل نحو 50 فرداً، يضاف إليهم عدد آخر يعملون في مجال التخصصات المختلفة.

في حين كان يخصص جهد آخر للأنفاق الهجومية، ويشارك 40 عنصراً على مستوى اللواء، في عملية حفرها من دون أعداد الفنيين والمتخصصين الذين يتابعون العمل ويشرفون عليه باستمرار، حيث كان لها الدور الأبرز في تنفيذ هجمات ضد أهداف إسرائيلية، خاصةً أن بعضها اجتاز الحدود كما جرى في عام 2014، عندما استخدمتها «كتائب القسام» في مهاجمة المستوطنات والبلدات الإسرائيلية آنذاك.

تقول المصادر إن عملية بناء الأنفاق وتجهيزها بكل هذه القدرات سواء المخصصة للدفاع أو الهجوم أو السيطرة والتحكم، كان يتم تجهيزها وفق عمل هندسي يمكن وصفه بـ«المحترف»، وباستخدام آلات هندسية ومولدات كهربائية وتوصيل المياه والكهرباء، والقيام بأعمال الحدادة، والبناء، وكلها كانت على أيدي فنيين كان لهم دور بارز في صناعة هذه الأنفاق التي تؤرق إسرائيل حتى الآن، ولم تستطيع تدميرها بالكامل.

تضيف المصادر أن كثيراً ما كانت تواجه المقاومين في الميدان عقبات خلال عمليات بنائها وتجهيزها، وهناك كثير من الأرواح فُقدت خلال عمليات التجهيز والإعداد، وهناك من أصيبوا بشلل أو بغيرها من الظروف الصحية نتيجة انهيارات في التربة أو أحداث غير متوقعة، كما كانت هناك تحديات أمنية ومحاولات إسرائيلية لتجنيد بعض العملاء سواء من المقاومين أو غيرهم لرصد أماكن الحفر وتخريبها بعد الانتهاء منها، ولكن لم تكن لدى مخابرات الاحتلال معلومات كافية عن ذلك.


مقالات ذات صلة

رئيسة البرلمان الألماني تؤكد الطبيعة الفريدة لعلاقات بلادها مع إسرائيل

أوروبا علم ألمانيا (رويترز)

رئيسة البرلمان الألماني تؤكد الطبيعة الفريدة لعلاقات بلادها مع إسرائيل

قبيل بدء زيارتها الرسمية الأولى لإسرائيل، أكّدت رئيسة البرلمان الألماني يوليا كلوكنر على الطبيعة الفريدة للعلاقات الألمانية الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (القدس)
المشرق العربي خلال مسيرة فلسطينية في رام الله بالضفة الغربية (رويترز - أرشيفية)

نشر المسودة الأولى لدستور مؤقت لدولة فلسطينية

نشرت اللجنة المكلفة بصياغة دستور لدولة فلسطينية، الثلاثاء، المسودة الأولى لدستور مؤقت ليتسنى للجمهور الاطلاع عليها، وإبداء الملاحظات قبل الصياغة النهائية.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي أطفال يلعبون وسط أنقاض مبانٍ مدمّرة في مخيم جباليا شمال قطاع غزة أمس (أ.ف.ب)

مشعل: «حماس» ترفض إلقاء السلاح و«الحكم الأجنبي»

أكد رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» في الخارج خالد مشعل، رفض الحركة التخلي عن سلاحها وكذا قبول «حكم أجنبي» في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
العالم العربي أطفال فلسطينيون يقفون بالقرب من حفرة في مخيم البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

«مساومات إيران» تُحرّك مياه «اتفاق غزة» الراكدة

لقاء مرتقب بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الأربعاء، وسط توترات مع إيران وجمود في مسار «اتفاق غزة».

محمد محمود (القاهرة )
المشرق العربي خيام النازحين الفلسطينيين في مدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

«فتح» تتهم إسرائيل بعرقلة مباشرة اللجنة الوطنية مهامها في غزة

اتهمت حركة «فتح»، اليوم الأحد، إسرائيل بمواصلة عرقلة دخول اللجنة الوطنية المكلفة إدارة غزة، معتبرة أن ذلك يعكس رفض تل أبيب للمضي قدماً في اتفاق وقف النار.

«الشرق الأوسط» (رام الله)

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
TT

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)

نسبت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى مصادر مطلعة، الثلاثاء، أن مسودة خطة أميركية بشأن غزة تطالب حركة «حماس» بتسليم جميع الأسلحة القادرة على ضرب إسرائيل، لكنها ستسمح للحركة بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في البداية على الأقل.

وقالت الصحيفة إن من غير المرجح أن تسحب إسرائيل قواتها من القطاع قبل أن تُلقي «حماس» والفصائل الفلسطينية الأخرى أسلحتها.

وذكرت أن فريقاً بقيادة أميركية، يضم جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب، والمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، والمسؤول الأممي السابق نيكولاي ملادينوف، يعتزم عرض المسودة على «حماس» في غضون أسابيع.

وحذر المسؤولون الذين تحدثوا إلى الصحيفة الأميركية، ومن بينهم دبلوماسي من المنطقة، ومصادر مطلعة على الخطة، من أن التفاصيل قابلة للتغيير، وأن مسودات مختلفة قد تظهر لاحقاً.

وذكرت «نيويورك تايمز» أن المسودة تبدو مبنية على مبادئ نوقشت علناً من قبل؛ إذ قدم كوشنر الشهر الماضي عرضاً في دافوس بسويسرا تناول الخطوات التالية لنزع سلاح غزة، مشيراً إلى أن الأسلحة الثقيلة ستخرج من الخدمة، وستسجل الأسلحة الشخصية وتخرج من الخدمة مع تولي إدارة فلسطينية جديدة مسؤولية الأمن في القطاع.

وتشمل الخطوات التالية لخطة السلام نشر قوة استقرار دولية في غزة، وبدء إعادة إعمار واسعة النطاق، وتسليم إدارة القطاع إلى لجنة فلسطينية تكنوقراطية.


لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
TT

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

على حلبة ملاكمة مرتجلة أقيمت على الرمل بين خيام النازحين بجنوب قطاع غزة، تمارس فتيات تمارين الإحماء قبل توجيه لكمات قوية باتباع تعليمات مدربهن الذي يقول إن هذا يساعدهن على التفريغ النفسي بعد عامين من الحرب الشرسة.

قبل اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان أسامة أيوب يدير نادياً للملاكمة في مدينة غزة، لكن القصف الإسرائيلي دمره كما دمر منزله أسوة بالدمار الذي لحق بكل قطاع غزة ومرافقه من جراء الحرب الانتقامية التي تشنها إسرائيل منذ هجوم «حماس».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي (إ.ب.أ)

وبعد أن وجد نفسه وسط مآسي النازحين الذين تكدسوا في عشرات الآلاف من الخيام المهترئة في ظروف مزرية وسط رعب القصف والغارات التي لم يكونوا بمنأى منها، قرر أن يفعل شيئاً من أجلهم، ولم يجد أفضل من تسخير خبرته مدرباً رياضياً لمساعدتهم.

يقول أيوب: «بعدما فقدنا منزلنا وتهجَّرنا من غزة في الشمال إلى خان يونس في الجنوب، قررنا أن نعمل داخل المخيم. كبداية أردنا أن يكون ذلك نوعاً من التفريغ النفسي من جراء صدمات الحرب».

على الحلبة خلفه، يتواجه عدد من اللاعبات بحماسة وسط تشجيع زميلاتهن، في حين تتدرب أخريات على أكياس اللكم.

يقول أيوب إن الفتيات متأثرات كثيراً من جراء «القصف واستشهاد أفراد من عائلاتهن وأقربائهن وصديقاتهن. إنهن يشعرن بالألم ويحتجن إلى تفريغه، والملاكمة تساعدهن على التعبير عن مشاعرهن وانفعالاتهن».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يدرب فتيات صغيرات في خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

يوفر أيوب حصص تدريب مجانية لخمس وأربعين فتاة بين الثامنة والتاسعة عشرة من العمر، ثلاث مرات في الأسبوع.

وفي إشارة إلى نجاح المبادرة يقول إن هذه التدريبات وفرت «راحة كبيرة، حتى لدى أهالي الفتيات الذين يأتون لمشاهدتهن ويقومون بتشجيعهن».

ومن بين المتدربات، تأمل غزل رضوان البالغة من العمر 14 عاماً أن تصبح بطلة في الملاكمة يوماً ما. وتقول: «ألعب الملاكمة حتى أقوي شخصيتي وأفرغ الطاقة... أتدرب حتى أصبح في المستقبل بطلة وألعب مع فرق العالم الأخرى وأرفع علم فلسطين».

فتاة تتدرب على الملاكمة داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس في جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

نداء للمساعدة

يعاني قطاع غزة من النقص في كل شيء، من الماء والدواء والطعام وصولاً إلى مواد البناء، وهو ما اضطر المدرب أيوب إلى إقامة حلبة ملاكمة متواضعة بما توفر من مواد.

ويوضح أيوب: «أحضرنا الخشب وصنعنا حلبة ملاكمة مربعة، ولكن ليس لدينا حُصر ولا وسائل لتوفير السلامة».

في ظل الحصار الإسرائيلي الذي يسبب نقصاً حاداً في المواد الضرورية الأساسية، تأتي المعدات الرياضية في مرتبة متأخرة جداً ضمن قائمة المواد التي قد يُسمح بإدخالها إلى القطاع الفلسطيني المدمر.

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (في الوسط) يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس (إ.ب.أ)

وفي يناير (كانون الثاني)، أفادت «وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية» (وفا)، بأن إسرائيل لم تسمح بدخول شحنة من العشب الصناعي تبرعت بها الصين للمجلس الأعلى للشباب والرياضة في غزة.

ووجه المدرب نداء إلى «المجتمع الدولي للاهتمام بالملاكمات ودعمهن ونقلهن من غزة إلى معسكرات تدريب خارج البلاد لتعزيز ثقتهن بأنفسهن وتوفير المزيد من الراحة النفسية لهن».

وتفيد اللاعبة ريماس ابنة السادسة عشرة بأنها أصرت على مواصلة التدريب «رغم الحرب والقصف والدمار».

فتيات صغيرات يتدربن على الملاكمة داخل خيمة في المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

وتقول متوجهة إلى العالم: «نحن الفتيات الملاكمات، نأمل منكم مساعدتنا، وأن تحضروا لنا طاولات وقفازات وأحذية. نحن نتدرب على الرمل، ونحتاج إلى فرشات وإلى أكياس لكم».


«قوة استقرار غزة»... تحركات لتلافي ثغرات «الاتفاق» وتنفيذ المرحلة الثانية

فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«قوة استقرار غزة»... تحركات لتلافي ثغرات «الاتفاق» وتنفيذ المرحلة الثانية

فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

تتصاعد المطالب بسرعة نشر قوات الاستقرار في قطاع غزة التزاماً باستحقاقات اتفاق وقف إطلاق النار بالقطاع، بالتزامن مع إعلان إندونيسيا بدء تدريب عناصر من جيشها في هذا الصدد.

تلك التحركات والمطالب، يرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أنها ستكون دافعاً للتعجيل بالمرحلة الثانية التي لا تزال تراوح مكانها منذ إعلان بدئها منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، متوقعين حدوث ضغوط أميركية لإنجاز هذا الأمر، خاصة مع الاجتماع المقبل لمجلس السلام في 19 فبراير (شباط) الحالي ولقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وشدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال لقائه، الثلاثاء، رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية بدولة روسيا الاتحادية، سيرغي ناريشكين، على «محورية تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتنفيذ بنود المرحلة الثانية منه، لا سيما إدخال المساعدات، وسرعة البدء في عملية التعافي المبكر وإعادة الإعمار بالقطاع، وذلك لحفظ الأمن والاستقرار الدوليين».

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، الثلاثاء، أهمية سرعة نشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة وقف إطلاق النار، واستمرار تدفق المساعدات الإنسانية والإغاثية، والتمهيد لمرحلة التعافي المبكر وإعادة الإعمار، وذلك خلال اتصال هاتفي مع وزير خارجية البرازيل ماورو فييرا.

جاء ذلك غداة إعلان الجيش الإندونيسي بدء الاستعدادات لنشر محتمل لقواته في قطاع غزة، ضمن مهمة «مجلس السلام» الذي أعلن عنه في وقت سابق الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

الرئيس عبد الفتاح السيسي أكد خلال استقباله رئيس الاستخبارات الخارجية الروسي سيرغي ناريشكين محورية تثبيت وقف إطلاق النار بقطاع غزة (الرئاسة المصرية)

وقال رئيس أركان الجيش مارولي سيمانجونتاك، الاثنين، إن الجيش بدأ تدريب أفراد يمكن تكليفهم بمهمة حفظ السلام، حسب تصريحات نشرتها صحف محلية، مشيراً إلى أن عدد الأفراد الذين سيتم نشرهم لم يحدد بعد، الواحد يتألف عادة من 5 آلاف إلى 8 آلاف جندي.

وأضاف أن الجيش يركز حالياً على تجهيز الأفراد، بانتظار مزيد من التنسيق بشأن الوضع في القطاع المدمر.

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي اللواء سمير فرج، أن بدء تدريبات إندونيسيا يزيد الزخم لبدء عمل قوات الاستقرار الدولية قريباً، ويدفع بالمرحلة الثانية التي تقف في مرحلة جمود، مشيراً إلى أن هناك ترتيبات لم تتم حتى الآن لبدء نشر قوات الاستقرار الدولية، وهو ما يؤخر وصولها حتى الآن، والعقبة حتى الآن في عدم حسم انسحاب إسرائيل من قطاع أو نزع سلاح «حماس».

ويعتقد المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن هناك تحركات تضغط من أجل الدفع بهذه القوات الدولية للوجود على الأرض، لا سيما من مصر ودول عدة، لكن غير واضح أن هناك حسماً للأمر حتى الآن، مشيراً إلى أن هناك تخوفاً من الدول، لا سيما إندونيسيا، من الصدام مع الجانب الفلسطيني، وحذراً كبيراً وتردداً متكرراً، في ظل عدم حسم صلاحيات القوات بعد، مستدركاً: «لكن هي خطوة يعول عليها في الدفع بها خلال اجتماع مجلس السلام المقبل لبدء فعلي للمرحلة الثانية».

وقوات استقرار غزة، أحد أبرز البنود الرئيسية مع انطلاق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، منتصف الشهر الماضي، التي لم تر النور بعد رغم تشكل أجهزة تنفيذية عديدة مثل «مجلس السلام» الذي يشرف على القطاع برئاسة ترمب، و«لجنة إدارة قطاع غزة» الفلسطينية.

ويعقد «مجلس السلام» الذي دشن منتصف يناير الماضي، أول اجتماع له يوم 19 فبراير الحالي، وقدم ترمب دعوات في هذا الصدد لعدة دول، ومن المتوقع أن يدفع الاجتماع بالمرحلة الثانية من «اتفاق غزة»، وفق موقع «أكسيوس» الأميركي.

وقال مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في بيان، قبل أيام، إنه من المتوقع أن يجتمع مع ترمب، في واشنطن، الأربعاء، لبحث ملف المفاوضات مع إيران.

ويعتقد فرج أن ترمب سيضغط خلال الاجتماع الوشيك للمجلس أو مع نتنياهو لتنفيذ خطته بشأن غزة، سواء على إسرائيل أو «حماس»، حتى لا يبدو أن مجلسه فشل أو تعثر، وربما تكون قوات الاستقرار أحد البنود الرابحة من هذا الاجتماع.

ولا يراهن نزار نزال كثيراً على الاجتماع الوشيك أو لقاء نتنياهو بترمب، الأربعاء، موضحاً «أن هناك قضايا ذات أولوية لإسرائيل هي إيران الآن، وربما الرئيس الأميركي يضغط لحسم موقف القوات الدولية التي ترفض حكومة نتنياهو مشاركة تركيا فيها، وقد نرى انفراجة في ضوء تحركات واتصالات القاهرة ومواقف أخرى كاستعدادات إندونيسيا».