الانقسامات الداخلية... كيف تؤثر على مسار اتفاق غزة وحلم الدولة الفلسطينية؟

محللون يقولون لـ«الشرق الأوسط»: الأثر سيظهر في المرحلة الثانية من خطة ترمب

نازحان يحملان حطباً لاستخدامه وقوداً للطهي شرقي مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب)
نازحان يحملان حطباً لاستخدامه وقوداً للطهي شرقي مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب)
TT

الانقسامات الداخلية... كيف تؤثر على مسار اتفاق غزة وحلم الدولة الفلسطينية؟

نازحان يحملان حطباً لاستخدامه وقوداً للطهي شرقي مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب)
نازحان يحملان حطباً لاستخدامه وقوداً للطهي شرقي مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب)

يطل شبح الانقسامات الداخلية، على الساحتين الفلسطينية والإسرائيلية، تاركاً علامات استفهام بلا جواب أمام مسار التهدئة ومدى واقعية تحقيق حلم «حل الدولتين».

فمن جانب، لا يزال الانقسام الفلسطيني حاضراً حتى بعد حرب قتلت نحو 70 ألف فلسطيني في غزة، وحوّلت معظم القطاع إلى ركام، وخلَّفت آلاماً ومآسي لا تنتهي. وعلى الرغم مما تركته الحرب من زلزال سياسي بمنطقة الشرق الأوسط، وما رسمته من معادلات إقليمية معقدة، وما استدعته من تدخل أميركي ودولي وعربي من أجل وقفها ومحاولة إطلاق مسار سياسي يقود للدولة الفلسطينية، فإن كل ذلك لم يوحد الفلسطينيين.

ومُذ بدأت الحرب قبل أكثر من عامين، لم تُفضِ اللقاءات القليلة بين السلطة الفلسطينية وحركة «حماس» إلى اتفاق يُفترض أن الظروف كانت ستفرضه؛ إذ لم يعد الأمر متعلقاً بمن يدير قطاع غزة، بل بات مسألة وجودية تهدد السلطة والحركة معاً، أو تقود الجميع إلى دولة فلسطينية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في قمة شرم الشيخ بمصر يوم 13 أكتوبر 2025 (رويترز)

وكشف خلاف بين السلطة و«حماس» على رئاسة اللجنة الإدارية التي يُفترض أن تدير قطاع غزة عن فجوة كبيرة لا تزال قائمة حول كل شيء.

ففي حين أصرت السلطة وحركة «فتح» على تعيين وزير من الحكومة الفلسطينية رئيساً للجنة الإدارية في قطاع غزة، باعتبار أن السلطة الفلسطينية هي صاحبة الولاية السياسية والقانونية على القطاع، تجاهل بيان لحركة «حماس» وفصائل أخرى دور السلطة في هذه المسألة، واكتفى بقول إن الفصائل اتفقت على تسليم إدارة غزة للجنة مؤقتة من التكنوقراط من أبناء القطاع.

وأعاد هذا الخلاف إلى الأذهان مرحلة ما قبل الحرب، عندما فشل الطرفان في إخراج جملة من الاتفاقات إلى حيز التنفيذ بسبب عدم الاتفاق على الحكومة التي يجب أن تقود الضفة وغزة؛ طبيعتها وشكلها ومرجعيتها، ولا على الانضواء تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، أو مسألة تسليم السلاح.

وعملياً، فإن الخلافات نفسها ما زالت قائمة.

وكشف مصدران مسؤولان في منظمة التحرير لـ«الشرق الأوسط»، يوم الاثنين، عن إجراء مشاورات لعقد اجتماع في القاهرة لبعض الفصائل الفلسطينية هذا الأسبوع، إلا أن حركة «فتح» لن تشارك في اللقاء الذي سيناقش تشكيل لجنة إدارة غزة، بعد ما أثير حولها من خلافات في الآونة الأخيرة.

«ألغام» تحت السطح

ويقول المحلل السياسي مصطفى إبراهيم إن الخلافات قائمة، وإنها «ليست متعلقة باللجنة الإدارية؛ رئيسها أو استقلاليتها أو مرجعيتها، بل هذا جزء من خلافات أوسع».

ويضيف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «لا يوجد توافق وطني. لا يوجد اتفاق على شيء، والخلافات متفاقمة».

ويواصل: «الخلاف حول الحكم، وحول المنظمة، وحول السلاح، وحول كل شيء، قائم؛ والأمور معلَّقة. أشك أن يكون هناك تقدم على صعيد اتفاق بين (فتح) و(حماس)».

وتريد السلطة الفلسطينية حكم قطاع غزة وفق «سلطة واحدة وقانون واحد وسلاح واحد»، وهي مسألة تبدو بالغة التعقيد، إذ أقامت «حماس» فعلاً سلطة كاملة منفصلة في غزة، وأنشأت أجهزة أمنية، وأسست جيشاً تابعاً لـ«كتائب القسام»، ذراعها المسلحة، ولا تزال فعلياً تجند الشبان هناك.

كما أن مسألة تسليم السلاح تمثل لغماً ثانياً. ففي حين تطلب السلطة من الحركة تسليمها السلاح، تقول «حماس» إن ذلك لن يكون ممكناً إلا في حالة إقامة دولة فلسطينية.

لكن إقامة الدولة بحاجة أولاً إلى الاتفاق حول قطاع غزة.

«حلم الدولة»

تتعامل خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لإنهاء الحرب في غزة مع «حكم القطاع» وليس «إقامة الدولة»، لكنها تفتح الباب بعد إصلاح السلطة وإعادة تنمية غزة لمسار نحو «حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم».

فهل تعطل الخلافات مسار تلك الدولة؟

قدَّر إبراهيم ذلك، وقال إن هذه الخلافات -وإن لم توثر حالياً على الهدنة- فإن أثرها سيظهر في المرحلة الثانية.

وأوضح قائلاً: «في المرحلة الثانية، عندما يجب تسليم (حماس) الحكم والسلاح، ستكون هناك أزمة. (حماس) تفاوض إسرائيل حتى الآن عبر الوسطاء، لكن في مرحلة ما يجب عليها أن تُفاوض السلطة. أعتقد ستكون هناك أزمة».

وإضافةً إلى مسألتي الحكم والسلاح، يشكّل الانضمام لمنظمة التحرير لغماً آخر متفجراً.

فمنذ ما قبل الحرب، يشترط الرئيس الفلسطيني محمود عباس على «حماس» الاعتراف بالشرعية الدولية من أجل الالتحاق بمنظمة التحرير، وهو شرط قال يحيى السنوار، قائد «حماس» الذي اغتالته إسرائيل في الحرب، إنه لن يحدث أبداً.

وهذا الشرط لا يزال قائماً، بل سيكون ملزماً لأي مرشح ينوي المنافسة في الانتخابات الفلسطينية العامة.

وقال مصدر فلسطيني مطَّلع، إن السلطة بصدد إصدار إعلان دستوري يمنع الترشح في الانتخابات لمن لم يعترف بالتزامات منظمة التحرير والشرعية الدولية.

ويُفترض أن تجري انتخابات مجلس وطني جديد لمنظمة التحرير الفلسطينية قبل نهاية العام، ويُشترط على المرشح أن يلتزم ببرنامج المنظمة ويعمل وفقاً لتعهداتها وقرارات الشرعية الدولية.

فهل يُجبِر «حلم الدولة» الفلسطينيين على الالتقاء في مناطق وسطية، أم ستُلقي خلافاتهم بظلالها على مسار هذا الحلم؟

«الحبل الخفي» في الجانب الإسرائيلي

في إسرائيل، يدير رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الحكم كمن يمشي على حبل مشدود؛ فهو يبدو للرائي محافظاً على توازنه، لا يسقط على الحلبة؛ لكنه في الواقع ممسوك بحبل آخر خفي، يحميه من السقوط ويتحكم بحركاته ويضع حدوداً لشطحاته.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست بالقدس يوم 13 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)

الحبل الذي يسير عليه هو الحلبة السياسية الإسرائيلية. أما حبل النجاة غير المرئي فيمسك به الرئيس الأميركي.

ومع كثرة المَيَلان والتأرجح، يزداد تدخل ترمب، حتى إنه أوصى علناً نتنياهو وزعيم المعارضة البرلمانية يائير لابيد، بالاتفاق على تركيب حكومة مشتركة.

ليس هذا وحسب، بل إنه دعا الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أن يُصدر عفواً يُلغي محاكمة نتنياهو بتهم الفساد. وعاد ترمب ليكرر نفس الفكرة، الأحد الماضي، خلال مقابلة مطوَّلة مع برنامج «60 دقيقة» على شبكة «سي بي إس»، معبّراً عن اعتقاده أنه ليس من العدل إخضاع نتنياهو للمحاكمة بتُهم فساد.

وتصرف ترمب هذا جاء بغرض إنقاذ نتنياهو من محاولات إسقاطه، ولإضعاف اليمين المتطرف في حكومته؛ فهو يعرف أن الخلافات والصراعات الداخلية تترك أثرها، بل تحسم كثيراً من جوانب السياسة الخارجية.

وفي الوضع القائم، توجد لنتنياهو حكومة تستند إلى ائتلاف يضم 68 نائباً من مجموع 120. وهذا نظرياً ائتلاف ثابت. لكنَّ نظرة عميقة إلى دواخله تُبين أن هناك تناقضات جسيمة تهز أركانه.

فخوف نتنياهو من الحكم بالسجن يقض مضجعه، ويجعله يزداد تشبثاً برئاسة الحكومة.

فهذا المنصب يجعله أقوى أمام القضاة؛ ورفاقه في الائتلاف يساندون كل الإجراءات التي يقوم بها للانقلاب على منظومة الحكم وضرب مكانة جهاز القضاء.

إبقاء فتيل الحرب «مشتعلاً»

أحزاب اليمين المتطرف بقيادة وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، والأمن القومي إيتمار بن غفير، تساند نتنياهو بغرض تحقيق أجندتها السياسية. وهي تريد الاستمرار في الحرب ولا تتخلى عن هدف ترحيل أهل غزة وإعادة الاستيطان إلى القطاع وضم الضفة الغربية وإجهاض فكرة الدولة الفلسطينية.

وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير ووزير المالية اليميني بتسلئيل سموتريتش في الكنيست (رويترز - أرشيفية)

ومنح نتنياهو هذه الأحزاب مفتاح فرض الأمر الواقع على الأرض لفرض السيادة الإسرائيلية، فنصَّب سموتريتش وزيراً ثانياً في وزارة الدفاع، ومسؤولاً عن الضفة الغربية، إلى جانب توليه وزارة المالية.

أما الضلع الثالث في مثلث الحكم في إسرائيل فيتمثل في الأحزاب الدينية (الحريديم)، التي تريد إعفاء شبابها من الخدمة العسكرية وتوفير أموال حكومية لمدارسها ومؤسساتها التي تُشغّل عشرات الآلاف من النشطاء السياسيين. هذه الخلافات من جهة، والأداء السيئ في الحكم من جهة، خصوصاً الفشل في تحقيق أهداف الحرب على غزة، يقوِّضان مكانة الحكومة بين الجمهور.

وتشير الاستطلاعات إلى أن عدد مقاعدها حال إجراء الانتخابات في الوقت الراهن سيهبط من 68 إلى ما بين 49 و52 مقعداً. لذلك، لا يبدو نتنياهو متحمساً إلى التوجه إلى انتخابات مبكرة. وهناك مخاوف جدية من أن يلجأ إلى استئناف الحرب وفتح جبهات أخرى لكي يؤجل الانتخابات.

جنود إسرائيليون يحملون نعش ضابط قتلته «حماس» في تل أبيب يوم الثلاثاء (أ.ف.ب)

ومن الأمور الكثيرة التي تسهّل عليه هذه المهمة، ضعف معسكر المعارضة. فهي معارضة هشة، مشتتة، تشهد انقسامات داخلية جعلتها مؤلَّفة من ثمانية أحزاب لا تتفق على شخصية قيادية جامعة تواجه نتنياهو بقوة، ولا تتفق على برنامج سياسي واحد يكون بديلاً عن برنامج حكومة نتنياهو.

في بعض الأحيان تجدهم أكثر منه يمينية، مثل بيني غانتس الذي يطالب بشن حرب على لبنان، وأفيغدور ليبرمان الذي يطالب بضم الضفة الغربية، وجميع قادتها اتفقوا على موقف يحظر الشراكة مع أحزاب عربية.

هذا يجعل الجمهور الإسرائيلي، الذي يريد سقوط الحكومة، يرى أن نتنياهو ما زال أفضل شخصية سياسية ملائمة لمنصب رئيس الوزراء.

وتسربت إلى الصحافة معلومات تفيد بأن نتنياهو ينوي تغيير قانون الانتخابات البرلماني الحالي بحيث يصبح انتخاب رئيس الحكومة بالانتخاب المباشر.

فإن لم يفلح في هذه المهمة، فسيواصل التمسك بالحكم، عن طريق إبقاء فتيل الحرب مشتعلاً.


مقالات ذات صلة

السلطة تريد إدارة غزة كاملة بعد عامين

المشرق العربي آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك أمس في المناطق الممرة شمال قطاع غزة (رويترز)

السلطة تريد إدارة غزة كاملة بعد عامين

شدّد رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى على أن الترتيبات الجارية بشأن إدارة قطاع غزة «وضع مؤقت»، قائلاً إنه «في نهاية المطاف، وبعد نحو عامين، يجب أن تعود الأمور.

نجلاء حبريري (دافوس)
خاص رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى (الشرق الأوسط) play-circle

خاص محمد مصطفى لـ«الشرق الأوسط»: تأخير إعمار غزة يخدم مخططات الترحيل

يضع رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى، خريطة طريق للمرحلة المقبلة تبدأ من الأساسيات الإنسانية العاجلة ولا تنتهي عند إعادة الإعمار وتوحيد غزة والضفة الغربية.

نجلاء حبريري (دافوس)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان لدى لقائه الدكتور محمد مصطفى في دافوس الثلاثاء (الخارجية السعودية)

وزير الخارجية السعودي ورئيس الوزراء الفلسطيني يبحثان تطورات غزة

بحث الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، مع الدكتور محمد مصطفى رئيس مجلس الوزراء الفلسطيني، التطورات في قطاع غزة، والجهود المبذولة بشأنها.

«الشرق الأوسط» (دافوس)
شؤون إقليمية عباس يترأس اجتماعاً للجنة المركزية لحركة «فتح» في جلسة سابقة (أرشيفية من وفا)

قيادي كبير في «فتح» لعباس: تَدخّل لوقف الفساد... وإلا كشفت الأسماء

توفيق الطيرواي، عضو مركزية «فتح»، ينتقد عباس ويقول إن المفسدين في السلطة سيطروا على مفاصل مهمة، وهدد بفضح أسماء وملفات للرأي العام.

كفاح زبون (رام الله)
خاص محمود الهباش مستشار الرئيس الفسطيني (وكالة وفا) play-circle

خاص مستشار الرئيس الفلسطيني لـ«الشرق الأوسط»: مجالس وهيئات غزة «وضع مؤقت» لا نقبل استمراره

الهباش يقول إن الواقع في غزة هو أقل الشرور وإن السلطة الفلسطينية ليست راضية لكنها ليست غائبة ولن تستبدل احتلالاً باحتلال وستحكم القطاع بنهاية الفترة الانتقالية

كفاح زبون (رام الله)

إسرائيل تدرس بيع حصص بشركات أسلحة كبرى لتعويض تكاليف الحرب

عمّال يركّبون أسلحة لطائرات مقاتلة من إنتاج شركة «رافائيل لأنظمة الدفاع المتقدمة» (رويترز)
عمّال يركّبون أسلحة لطائرات مقاتلة من إنتاج شركة «رافائيل لأنظمة الدفاع المتقدمة» (رويترز)
TT

إسرائيل تدرس بيع حصص بشركات أسلحة كبرى لتعويض تكاليف الحرب

عمّال يركّبون أسلحة لطائرات مقاتلة من إنتاج شركة «رافائيل لأنظمة الدفاع المتقدمة» (رويترز)
عمّال يركّبون أسلحة لطائرات مقاتلة من إنتاج شركة «رافائيل لأنظمة الدفاع المتقدمة» (رويترز)

أفادت صحيفة «فاينانشال تايمز»، اليوم (الخميس)، نقلاً عن مسؤولين حكوميين كبار بأن إسرائيل تدرس بيع حصص في عدد من كبرى شركات تصنيع الأسلحة في مسعى لزيادة إيراداتها لتعويض الارتفاع الكبير في الإنفاق الدفاعي جراء الحرب التي استمرت عامين في قطاع غزة.

وقال المحاسب العام بوزارة المالية الإسرائيلية يالي روتنبرغ، في تصريحات لصحيفة «فاينانشال تايمز»، إن العمل قد بدأ بالفعل على خصخصة «شركة صناعات الفضاء الإسرائيلية».

وأوضح روتنبرغ أن الحكومة الإسرائيلية تدرس مبدئياً بيع حصة نسبتها 25 في المائة في «شركة صناعات الفضاء»، مضيفاً أن الحصة قد تصل إلى 49 في المائة.

وبحسب الصحيفة البريطانية، تدرس إسرائيل أيضاً إمكانية خصخصة شركة «رافائيل لأنظمة الدفاع المتقدمة».


منظمة حقوقية إسرائيلية تنشر تقريراً مفزعاً عن تعذيب الفلسطينيين

محمود أبو فول أسير فلسطيني سابق في مُعتقل «سدي تيمان» (الشرق الأوسط)
محمود أبو فول أسير فلسطيني سابق في مُعتقل «سدي تيمان» (الشرق الأوسط)
TT

منظمة حقوقية إسرائيلية تنشر تقريراً مفزعاً عن تعذيب الفلسطينيين

محمود أبو فول أسير فلسطيني سابق في مُعتقل «سدي تيمان» (الشرق الأوسط)
محمود أبو فول أسير فلسطيني سابق في مُعتقل «سدي تيمان» (الشرق الأوسط)

نشرت منظمة «بتسيلم» الإسرائيلية، التي تُعنى بحقوق الإنسان، تقريراً جديداً لها حول ما يحدث في السجون مع الأسرى الفلسطينيين المتهمين بقضايا أمنية، ويحتوي على شهادات مفزعة عن حجم العنف الذي يمارسه السجانون والجنود ورجال الشباك. ومن ضمن أمور أخرى، وردت في التقرير شكاوى عن عنف جنسي وتجويع وتنكيل وظروف معيشة قاسية وحرمان من العلاج.

ويتضمن التقرير، الذي يرتكز على مقابلات مع سجناء تم إطلاق سراحهم، شهادات لأربعة منهم عن تنكيل جنسي شديد من قبل السجانين والجنود.

إحراق بالسجائر

وقالت إدارة «بتسيلم»، إن هذه الشهادات وغيرها تؤكد أن هناك تدهوراً كبيراً في أوضاع الأسرى الفلسطينيين بالمقارنة مع ما كشفته في سلسلة شهادات وتقارير في السنتين الأخيرتين. وعرضت أمثلة على ذلك في إفادة الأسير المحرر محمد أبو طويلة (35 سنة) من غزة، الذي كشف أنه خلال التحقيق معه أطفأ الجنود السجائر في جسده، وصبوا عليه حامض الكلوريدريك وأحرقوا ظهره بالولاعة.

وقال سجين آخر سُجن في عوفر وكتسيعوت: «في التحقيق معي كانوا يأخذونني إلى غرفة تسمى غرفة الديسكو، وخلال ستة أيام سمحوا لي بشرب قنينة مياه واحدة في اليوم، وأكل خيارة واحدة، وقطعة من الخبز الفاسد الذي داس عليه الجندي قبل أن يعطيني إياها. أنا تعرضت للضرب الذي لا يتوقف، وبين حين وآخر تعرضت لضربات كهربائية. جلست على كرسي من الحديد من الصباح حتى المساء. خارج الغرفة كان يوجد مكبر صوت ضخم يطلق أغاني بالعبرية بصوت مرتفع لا يحتمل. طبلة أذني ثقبت وبدأت تنزف». وشهد أيضاً بأنه على ضوء غياب المراحيض في الغرفة، فقد اضطر إلى التبول في ثيابه.

ويشير التقرير إلى أنه يوجد في السجون التابعة لمصلحة السجون اليوم أكثر من 9 آلاف سجين أمني تقريباً، معظمهم لم يتم تقديمهم للمحاكمة، ينتمون إلى فئة من فئات، وهم على النحو التالي: معتقلون قبل المحاكمة، ومعتقلون اعتقالاً إدارياً، و«مقاتلون غير قانونيين»، وهو تعريف قانوني إسرائيلي غير مقبول في القضاء الدولي، استهدف كل من يشتبه فيهم من غزة بأنهم من النخبة الحمساوية من دون إعطائهم حقوق المعتقلين الجنائيين أو أسرى الحرب.

ومنذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 توفي منهم 84 سجيناً، بينهم قاصر، وتواصل إسرائيل احتجاز جثث 80 منهم. إضافة إلى ذلك، فإنه منذ بداية الحرب تُمنع طواقم الصليب الأحمر من زيارة السجون، والمحكمة العليا تمتنع حتى الآن عن إجبار إسرائيل على السماح بذلك.

وينتقد التقرير بشدة بشكل خاص قسم ركيفت في سجن الرملة، الذي تم إغلاقه في الثمانينات على خلفية ظروف السجن القاسية فيه، وأعيد فتحه في أعقاب تعليمات من وزير الأمن الوطني إيتمار بن غفير. هذا الجناح يوصف بأنه «الأسوأ في مصلحة السجون»، وذلك على ضوء مكانه، حيث يوجد تحت الأرض والسجناء لا يرون الضوء فيه أبداً.

تآكل الجلد وانتشار الجرب

ويقتبس التقرير بيانات نشرتها منظمة «أطباء من أجل حقوق الإنسان» تشير إلى أن 67 في المائة من بين الـ349 سجيناً الذين زارتهم المنظمة تعرضوا على الأقل لحادثة واحدة من العنف القاسي في منشأة الاعتقال. على سبيل المثال، تامر قرموط (41 سنة) من بيت لاهيا شهد على تكبيل مؤلم لفترة طويلة. وحسب قوله، فإن الأصفاد كانت مشدودة جداً، بحيث تآكل جلده ولحمه حتى العظام. «الألم كان شديداً ومتواصلاً. عندما تدهور وضعي أخذني الجنود إلى مكان فيه طبيبة قامت بعلاجي. خلال يوم كامل انشغلت في إخراج كمية كبيرة من الدماء الملوثة والجلطات الدموية».

صورة لأسرى فلسطينيين معصوبي الأعين في قاعدة «سدي تيمان» العسكرية نشرتها منظمة «كسر الصمت» الإسرائيلية (أ.ب)

وحسب التقرير، فإن ربع السجناء يعانون من مرض الجرب، وقال جبريل الصفدي (45 سنة)، المصاب بمرض السكري، وكان سجيناً في سدي تيمان، إنه في اليوم التالي لوصوله إلى السجن بدأ يشعر بألم شديد في قدمه. «فقدت القدرة على الوقوف بالتدريج، واستيقظت لأجد نفسي غارقاً في بركة دماء. أصبت بصدمة، ونظرت إلى قدمي فرأيت أنها مصابة وتنزف».

وحسب الصفدي، فإن الضرب الذي تلقاه على الكلى أدى إلى تفاقم حالته، الأمر الذي دفع الأطباء في النهاية إلى بتر ساقه اليمنى. وقال إنه رغم عملية البتر، فإنه ظل يتعرض لتحقيق قاس شمل التعذيب إلى أن تم إطلاق سراحه في نهاية المطاف في جزء من صفقة المخطوفين.

وروى إبراهيم فودة، من بيت لاهيا الذي كان معتقلاً في كتسيعوت، في شهادته: «لقد قطعوا المياه، وعندما أعادوها لم يستمر ذلك إلا لساعة واحدة. لم يكن أمامنا خيار إلا شرب المياه الملوثة. كنا نخزن المياه في طيات الخيمة أو بطانتها، وأحياناً كنا نُجبر على الشرب من المراحيض».

معسكرات تعذيب

وتقول يولي نوفيك، المديرة العامة لـ«بتسيلم»: «لقد تحولت مراكز الاحتجاز الإسرائيلية إلى شبكة من معسكرات التعذيب، وذلك في جزء من هجوم النظام الإسرائيلي المخطط له واسع النطاق ضد المجتمع الفلسطيني، الذي يهدف إلى تفكيك الفلسطينيين وتدميرهم. وتعد الإبادة الجماعية في قطاع غزة، والتطهير العرقي في الضفة الغربية من أشد مظاهر هذه السياسة تطرفاً».

محمود أبو فول أسير فلسطيني سابق في مُعتقل سدي تيمان الإسرائيلي فقد بصره بسبب التعذيب (الشرق الأوسط)

وقد ردت مصلحة السجون بالقول: «تعمل مصلحة السجون وفقاً للقانون، وبما يتوافق مع أحكامه وقرارات المحاكم، وتخضع لإشراف ومراقبة هيئات التفتيش الرسمية. ويُحتجز كل السجناء وفقاً للقانون، مع ضمان حقوقهم وحصولهم على العلاج اللازم، وتوفير ظروف معيشة مناسبة لهم، وفقاً لأحكام القانون».


طهران تعلن حصيلة رسمية للاحتجاجات... وتحذر واشنطن من صراع شامل

إيرانية تمر أمام فرع لبنك صادرات تضرر جراء حريق اندلع خلال الاحتجاجات (إ.ب.أ)
إيرانية تمر أمام فرع لبنك صادرات تضرر جراء حريق اندلع خلال الاحتجاجات (إ.ب.أ)
TT

طهران تعلن حصيلة رسمية للاحتجاجات... وتحذر واشنطن من صراع شامل

إيرانية تمر أمام فرع لبنك صادرات تضرر جراء حريق اندلع خلال الاحتجاجات (إ.ب.أ)
إيرانية تمر أمام فرع لبنك صادرات تضرر جراء حريق اندلع خلال الاحتجاجات (إ.ب.أ)

كشفت السلطات الإيرانية، للمرة الأولى، عن حصيلة رسمية لضحايا الاحتجاجات الأخيرة، معلنة أن عدد القتلى بلغ 3117 شخصاً، في وقت حذر فيه وزير الخارجية عباس عراقجي من مخاطر انزلاق المواجهة مع الولايات المتحدة إلى صراع شامل.

ويأتي هذا التحذير بالتزامن مع تصاعد التداعيات الداخلية لحملة القمع، واستمرار الاعتقالات وقطع الإنترنت، وتضارب الروايات بشأن أعداد الضحايا، وسط ضغوط دولية متنامية ومطالب حقوقية بالتحقيق والمساءلة.

وشدد عراقجي في تحذيره المباشر لواشنطن، مشدداً على أن إيران «سترد بكل ما لديها إذا تعرضت لهجوم جديد»، وأشار إلى أن «أي مواجهة مقبلة ستكون طويلة وواسعة النطاق، وستتجاوز حسابات الحرب المحدودة التي تتحدث عنها إسرائيل».

وقال عراقجي في مقال رأي نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، إن «المرحلة العنيفة من الاضطرابات الداخلية لم تستمر سوى أقل من اثنتين وسبعين ساعة»، محمّلاً مسؤولية العنف لما وصفهم بـ«المسلحين والمخربين»، لافتاً إلى أن الدولة «استعادت السيطرة».

وأشار الوزير إلى أن بلاده، وعلى عكس ما سماه بضبط النفس خلال حرب الـ12 يوماً مع إسرائيل في يونيو (حزيران)، لن تتردد في استخدام كامل قدراتها العسكرية إذا فُرضت عليها مواجهة جديدة، مضيفاً أن هذا ليس تهديداً، بل توصيفاً للواقع كما يراه.

وأوضح أن «أي صراع مقبل لن يقتصر على حدود إيران، بل سيمتد ليشمل المنطقة بأسرها، وسيؤثر على الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة وحركة الملاحة»، معتبراً أن تجاهل هذه المعطيات «يمثل مقامرة خطيرة» من قبل خصوم بلاده.

وفي الوقت نفسه، حاول عراقجي إبقاء نافذة الحوار مفتوحة، مشدداً على أن الدبلوماسية تظل خياراً ممكناً إذا ما تعاملت واشنطن مع طهران باحترام، في إشارة إلى ازدواجية الخطاب بين التهديد والتهدئة.

تأتي تصريحات عراقجي في سياق تصعيد متبادل مع الولايات المتحدة، بعدما رفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب لهجته مجدداً، ملوحاً بإمكانية التدخل العسكري، ومطالباً بتغيير القيادة في إيران، في تصريحات أثارت ردوداً غاضبة بين المسؤولين الإيرانيين.

رجلا دين إيرانيان يقفان في حوزة احترقت خلال الاحتجاجات في طهران (رويترز)

وتواصلت تداعيات الحملة الأمنية التي أنهت موجة احتجاجات انطلقت أواخر ديسمبر (كانون الأول) بسبب الأزمة الاقتصادية، قبل أن تتحول في يناير (كانون الثاني) إلى حراك سياسي واسع تحدى النظام علناً، وأدى إلى سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى.

«أول حصيلة رسمية»

وأعلن التلفزيون الإيراني أول حصيلة رسمية لقتلى الاحتجاجات الأخيرة قائلاً إنه بلغ 3117 قتيلاً.

ونقل التلفزيون عن بيان لمؤسسة «الشهداء وقدامى المقاتلين» أن 2427 من القتلى، وبينهم عناصر في قوات الامن، اعتبروا «شهداء» لأنهم كانوا ضحايا «أبرياء».

وقال علي أكبر بورجمشيديان، أمين لجنة الأمن في وزارة الداخلية الإيرانية، إن «690 شخصاً ممّن لم يتم عدّهم من الشهداء، يُصنَّفون ضمن الإرهابيين ومثيري الشغب وأولئك الذين هاجموا مواقع عسكرية».

يأتي ذلك بعدما نقلت «رويترز» عن مسؤول إيراني في المنطقة أن 5 آلاف قتلوا في الاحتجاجات، بينهم نحو 500 من أفراد الأمن. ولم يصدر نفي أو تأكيد من السلطات حينها.

من جانبها، ذكرت منظمة نشطاء حقوق الإنسان الإيرانيين (هرانا)، ومقرها الولايات المتحدة، أن عدد القتلى المؤكدين حتى مساء الثلاثاء بلغ 4519 شخصاً، بينما لا يزال أكثر من 9000 حالة وفاة قيد التحقيق، في حصيلة وصفت بأنها الأعلى منذ عقود.

وتشير «هرانا» إلى أن من بين القتلى 4251 متظاهراً و197 عنصراً من قوات الأمن، وأفادت باعتقال نحو 26500 شخص، مستندة إلى شبكة من النشطاء داخل إيران، في ظل غياب أي إحصاءات رسمية، واستمرار القيود على الوصول إلى المعلومات.

محتجون يغلقون طرقاً خلال مظاهرة طهران الخميس (أ.ب)

وسبق أن افادت «منظمة حقوق الإنسان في إيران» ومقرها أوسلو، بمقتل ما لا يقل عن 3428 متظاهرا، لكن الحصيلة الفعلية قد تكون تجاوزت عشرين الف قتيل.

وقال مدير المنظمة محمود أميري مقدم، إن عدد القتلى قد يتجاوز أعلى التقديرات الإعلامية التي تشير إلى 20 ألف قتيل، واصفاً ما جرى بأنه من «أكبر المجازر بحق المتظاهرين في العصر الحديث».

وترافقت هذه الأرقام مع مخاوف متزايدة بشأن مصير المعتقلين؛ إذ تشير «هرانا» إلى اعتقال ما يقارب ستة وعشرين ألف شخص، وسط تحذيرات من احتمال تنفيذ أحكام إعدام بحق بعضهم.

في هذا السياق، صدر بيان تحليلي عن أطباء ومتخصصين طبيين خارج إيران، استندت إليه «هرانا»، تحدث عن أدلة على استهداف محتجين جرحى في أثناء تلقيهم العلاج الطبي أو تركهم دون رعاية.

وأوضح البيان أن مراجعة صور ومقاطع فيديو أظهرت وجود قساطر وأنابيب تنفس ومعدات مراقبة طبية على جثث عثر عليها خارج مرافق العلاج، ما يرجح وفاة أو قتل مصابين بعد بدء العلاج، في انتهاك لمبدأ حياد الطب.

وأشار البيان كذلك إلى مشاهد لجرحى مصابين بطلقات نارية تركوا دون فرز طبي، وإلى شقوق جراحية غير مبررة، إضافة إلى مؤشرات على عنف جسدي شديد وتشويه ونقل جماعي للجثث.

وأكد معدو البيان أن هذه الاستنتاجات، رغم اعتمادها على أدلة بصرية عامة، تتسق مع أنماط انتهاكات ممنهجة، وتهدف إلى دعم أي تحقيقات مستقلة مستقبلية.

بالتوازي، أفاد مرصد «نت بلوكس» بأن انقطاع الإنترنت في إيران تجاوز ثلاثمائة ساعة، مشيراً إلى استخدام ما يعرف بالإنترنت الأبيض للتأثير على الرأي العام خارج البلاد، في وقت لا تزال فيه الاتصالات مقيدة منذ 12 من يناير.

«غير واقعية»

في المقابل، كثفت السلطات الإيرانية عرض روايتها الرسمية للأحداث، حيث شكك رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي في أرقام الضحايا، واصفاً إياها بـ«غير الواقعية»، ومتعهداً بالإعلان عن حصيلة دقيقة لاحقاً.

وقال إجئي إن «المتورطين في القتل والتخريب لم يرتكبوا مجرد إخلال بالنظام العام، بل أفعالاً تمس أمن الدولة»، معلناً عدم إبداء أي تساهل، ومطالباً بتشديد الإطار القانوني.

كما أعلن توجيه الجهات القانونية لإعداد مشاريع قوانين عاجلة إذا وُجدت ثغرات تشريعية، معتبراً أن «ما جرى امتداد لما وصفه بحرب الـ12 يوماً، وأن العدو لجأ إلى الشائعات بعد فشله».

ودعم هذه الرواية عدد من المسؤولين، بينهم رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان إبراهيم عزيزي، الذي دعا إلى إقرار قوانين أكثر فاعلية لدعم الشرطة، مشيداً بما قال إنه فصل ذكي بين المحتجين والمخربين.

بدوره، أعلن قائد الشرطة أحمد رضا رادان استمرار التعامل الحازم مع قادة الاضطرابات، مؤكداً مواصلة العمليات الأمنية في مختلف المحافظات.

صورة التقطت خلال جولة للوسائل الإعلامية الأجنبية في مستودع لحافلات محترقة خلال الاحتجاجات (أ.ف.ب)

وبث التلفزيون الرسمي تقارير موسعة عن الأضرار، شملت جولات ميدانية لصحافيين ودبلوماسيين أجانب، عرضت حافلات محترقة ومباني متضررة ومساجد تعرضت للتخريب. وقال التلفزيون إن 25 سفيراً أجنبياً شاركوا بالجولة بتنسيق مع وزارة الخارجية.

كما نقل التلفزيون الرسمي تصريحات لمسؤول في الطب الشرعي تحدث عن طبيعة إصابات وصفها بالمقصودة، مشدداً على أن بعض الجراح تشير إلى نية القتل، مشيراً إلى خروج نحو ربع سيارات الإسعاف من الخدمة في طهران بسبب الاضطرابات. وفي السياق نفسه، قال مسؤول في مغسلة مقبرة «بهشت زهرا» تحدث عن مشاهد صادمة للجثامين.

الحملة الأمنية

تستمر الاعتقالات عقب موجة الاحتجاجات في إيران، بحسب ما أفادت وسائل إعلام محلية ومنظمات حقوقية، وتواصل وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية نشر تقارير عن توقيف أشخاص تتهمهم بالمشاركة في «عملية إرهابية» حرضت عليها إسرائيل والولايات المتحدة، العدوين اللدودين لإيران.

في سياق متصل، أعلنت وزارة الاستخبارات توقيف وقتل عناصر قالت إنهم ينتمون إلى جماعات مسلحة في بلوشستان، وضبط أسلحة ومواد متفجرة، بينما تحدثت تقارير عن استمرار الاعتقالات في محافظات عدة بينها فارس وكرمان.

في إقليم كردستان، زعمت جماعة كردية إيرانية معارضة في العراق أن إيران استهدفت إحدى قواعدها بطائرات مسيرة وصواريخ، ما أسفر عن مقتل مقاتل، في تطور لم تعترف به طهران رسمياً.

من جهتها، أعلنت نقابة محامي السلطة القضائية رفع شكوى ضد الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومؤسسة بهلوي، متهمة إياهما بـ«دعم الإرهاب والتحريض على العنف».

في الأثناء، نشرت وسائل إعلام إيرانية صوراً للرئيس الأسبق حسن روحاني ووزير الخارجية الأسبق محمد جواد ظريف في مراسم عزاء، نافية تقارير تحدثت عن اعتقالهما أو تواصلهما مع معارضين في الخارج.

مشاهدات صحافيين

وقالت الصحافية إلهه محمدي التي اعتقلت في فترة احتجاجات مهسا أميني، في منشور على منصة «إكس»، إن طهران «تفوح برائحة الموت».

وقالت محمدي إن الوصول إلى الإنترنت بات متقطعاً للغاية، ولا يتجاوز نصف ساعة إلى ساعة يومياً، في محاولة لإبلاغ الخارج بأن الصحافيين «ما زالوا على قيد الحياة».

عازف شوارع يعزف على آلة موسيقية في البازار الكبير التاريخي في طهران (أ.ب)

وأضافت أنها لم تشهد في حياتها تساقط الثلوج في طهران من دون أن يقابله أي ابتسام، في إشارة إلى عمق الصدمة العامة. وأوضحت أن صحيفتها «هم ميهن» أُوقفت بعد ثلاث سنوات ونصف سنة من الصدور، مؤكدة أن فريقها حاول خلال الأيام الماضية توثيق ما أمكن من أسماء القتلى والجرحى في مختلف المناطق، ومن شهادات الأطباء والممرضين الذين رأوا الكارثة بأعينهم وبذلوا أقصى ما يستطيعون.

وأضافت أن البلاد «تعيش حالة حداد جماعي، وذهول واسع، وحزن مكبوت يطال الجميع».

كما كتب زميلها محسن صالحي خواه بصحيفة «هم ميهن» الموقوفة، رواية مختلفة الطابع، اتسمت بنبرة تساؤلية حادة حول مسؤوليات الدولة.

وكتب صالحي على منصة «إكس»، أنه بعد 13 يوماً من انقطاع الإنترنت، قصد مقر الصحيفة فقط لتوديع زملائه، مستفيداً من اتصال عابر بالشبكة لنشر موقفه. واستند صالحي‌خواه إلى الرواية الرسمية التي تصف المحتجين بـ«الإرهابيين»، وتنسب سقوط آلاف القتلى إلى «عناصر الموساد»، ليطرح احتمالين: إما فشلاً أمنياً واستخباراتياً جسيماً يستوجبان عزل ومحاكمة القيادات المعنية، وإما علماً مسبقاً بما يجري وترك الأحداث تتفاقم لتبرير قمع واسع النطاق.

وأضاف أن النتيجة، وفق الرواية الرسمية نفسها، تمثلت في ثاني أكبر فاجعة أمنية في تاريخ إيران، مقارنة بحرب الـ12 يوماً التي حصدت عدداً أقل من الضحايا. ونشر صورة لظرف رصاصة كلاشينكوف قال إنه وُجد ملقى في الشارع.

من جانبها، دعت مؤسسة «نرجس محمدي» الحائزة على جائزة نوبل للسلام في 2024، المجتمع الدولي إلى الضغط على إيران لوقف القتل، مطالبة بإلغاء أحكام الإعدام وإعادة الإنترنت وتشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة، محذرة من استمرار الانتهاكات.

وشددت الخارجية الأميركية على أن الاحتجاجات في إيران هي نتاج «سنوات من القمع وسوء الإدارة»، وليست نتيجة تدخل حكومات أجنبية، رافضة محاولات طهران تحميل الخارج مسؤولية ما يجري.

وقالت الصفحة الفارسية الرسمية للوزارة إن اتهام دول أخرى بالتورط في الاحتجاجات يمثل «محاولة مضحكة لإعادة كتابة الواقع»، معتبرة أن إنكار الأسباب الداخلية وإلقاء اللوم على أطراف خارجية لا يخدم سوى الدعاية السياسية ولا يقنع الرأي العام.

وفي موازاة ذلك، دعت الخارجية الأميركية السلطات الإيرانية إلى احترام الحقوق الأساسية للمواطنين، ووقف استخدام العنف ضد المحتجين، والإفراج عن المعتقلين على خلفية الاحتجاجات السلمية، مؤكدة أن تصعيد القمع، بما في ذلك التلويح بالإعدامات، يفاقم عزلة إيران ويعمّق الأزمة بدلاً من احتوائها.