السودان يخسر «بطلاً حقيقياً من أبطال الحرب»... أخبر العالم بما يحدث في الفاشر

هاربون من معارك الفاشر في مخيم للنازحين بمنطقة طويلة في إقليم دارفور (أ.ب)
هاربون من معارك الفاشر في مخيم للنازحين بمنطقة طويلة في إقليم دارفور (أ.ب)
TT

السودان يخسر «بطلاً حقيقياً من أبطال الحرب»... أخبر العالم بما يحدث في الفاشر

هاربون من معارك الفاشر في مخيم للنازحين بمنطقة طويلة في إقليم دارفور (أ.ب)
هاربون من معارك الفاشر في مخيم للنازحين بمنطقة طويلة في إقليم دارفور (أ.ب)

لأشهر، روى محمد خميس دودا قصصاً عن الحياة تحت الحصار. قُتل عندما سيطر مقاتلو «قوات الدعم السريع» أخيراً على إقليم دارفور، مما أثار مخاوف من مطاردة النشطاء وشخصيات المجتمع المدني.

في تقرير لصحيفة «الغارديان» البريطانية، سأل رجال الميليشيات في محيط الفاشر لأشهر، القلائل الذين تمكنوا من الفرار من المدينة السودانية المحاصرة عما إذا كان محمد خميس دودا لا يزال في الداخل. نشروا مقاطع فيديو تهدد بقتله، وقد وصلت، كما كانوا يأملون، إلى الناشط.

حتى مع الجوع والخوف من العيش تحت الحصار والقصف الذي دفعه إلى المغادرة، بقي دودا داخل الفاشر، يعمل باستمرار على إطلاع العالم الخارجي على ما يحدث للناس هناك. ثم، في يوم الأحد 26 أكتوبر (تشرين الأول)، اجتاحت «قوات الدعم السريع» المدينة، وكان الأوان قد فات. أكد أصدقاؤه وعائلته لصحيفة «الغارديان» مقتل دودا.

بصفته المتحدث الرسمي باسم مخيم زمزم للنازحين في إقليم دارفور بالسودان، وجد دودا نفسه في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم. أصيب خلال هجوم «قوات الدعم السريع» على المخيم في أبريل (نيسان)، التي قُتل فيها مئات المدنيين، فاضطر إلى الانتقال إلى مدينة الفاشر القريبة، حيث الأمان النسبي.

منذ ذلك الحين، ظل دودا على اتصال دائم بصحيفة «الغارديان»، واصفاً معاناته اليومية في مكان بدا لأشهر وكأنه محكوم عليه بالسقوط في قبضة «قوات الدعم السريع». في الفترة التي سبقت هجوم الأحد، ضيّقت «قوات الدعم السريع» الخناق على سكان الفاشر بخنق إمدادات الغذاء والماء والدواء، وبناء حواجز ترابية للسيطرة على من يدخل ويخرج.

بعض الروايات التي شاركها دودا مع «الغارديان»

أستيقظ كل صباح منهكاً من عناء اليوم السابق. معاناتنا الأولى هي الجوع الشديد، والثانية هي القصف المدفعي المستمر.

حتى وهج سيجارة يُنبّه الطائرات المسيّرة التي تحلّق فوق رؤوسنا؛ لذا ما إن ننتهي من وجباتنا لا يبقى لنا سوى الجلوس في صمت، نستمع إلى صوت الطائرة المسيّرة وأزيزها والانفجارات.

هذه هي حياتنا اليومية، نعيش على أمل أن ينتهي هذا الكابوس يوماً ما.

محمد خميس دودا الاثنين 4 أغسطس (آب)

قال دودا إنه شعر في الأشهر التي سبقت سقوط الفاشر وكأن طائرات مسيّرة تُلاحقه. قضى ليالي عديدة داخل ملجأ بدائي مصنوع من حاوية معدنية مدفونة في الأرض. قضى الليالي في صمت وظلام، خائفاً من الطائرات المسيّرة والانفجارات التي كان يسمعها من حوله.

كان كل يوم يبدأ بالبحث عن الطعام. كان الهدف دائماً محاولة العثور على بعض دقيق الدُخن أو الذرة الرفيعة، ولكن مع تناقص الطعام، اضطر حتماً إلى الاعتماد على «الأمباز»، وهي بقايا من طحن الفول السوداني لإنتاج الزيت. 

كان يُطعم عادةً للحيوانات، لكن في الفاشر، كان الناس يطحنونه ويغلونه ليُصبح «عصيدة» وهو الغذاء السوداني الأساسي المُصنع عادةً من حبوب مثل الذرة الرفيعة أو القمح. في النهاية، قال دودا إن الناس كانوا يأكلون جلود الماشية لأن حتى الأمباز (علف الحيوانات) قد نفد.

وازن دودا بين كفاحه من أجل البقاء ومحاولة دعم من حوله. ساعد مع أصدقائه في توصيل الطعام أو الماء، ووثّق انتهاكات حقوق الإنسان، ونظّم أيضاً مراسم دفن الموتى.

يعتقد أن هذا هو ما أثار غضب «قوات الدعم السريع»، عندما شارك معلومات عن مرتزقة كولومبيين يقاتلون على أطراف الفاشر.

 

استيقظت على أصوات انفجارات في الجزء الشمالي من المدينة، بالقرب من مخيم أبو شوك للنازحين. ثم سمعت هديراً من الجنوب الشرقي. رفعت رأسي فرأيت طائرتين مُسيّرتين.

هُرعت إلى المنازل المجاورة وطلبت منهم الاحتماء. قضينا اليوم في صمت، نسمع دوي القصف والرشاشات لأكثر من ست ساعات، قبل أن يأتينا الخبر السار بطرد «قوات الدعم السريع». هناك 60 شهيداً و100 جريح.

ذهبتُ مع صديقي أحمد لزيارة الجرحى، كان هناك عدد لا يُحصى من النساء والأطفال الذين أصيبوا برصاص طائش. ساعدنا الفرق التي تدعمهم في تنظيم مراسم دفن القتلى.

في طريق عودتنا إلى المنزل، اقترحتُ على صديقي مغادرة المدينة. التزم الصمت، ثم أراني مقاطع فيديو على هاتفه تُظهر شباباً يُعذبون على يد «قوات الدعم السريع» بين الفاشر ومنطقة الطويلة بعد محاولتهم مغادرة الفاشر. قلتُ: «إذن من الأفضل لنا البقاء هنا حتى النهاية».

محمد خميس دودا الاثنين 11 أغسطس

كان هاتف دودا غالباً ما يصمت لفترات طويلة، لكنه كان يعود في كل مرة بآخر المستجدات من المدينة. في سبتمبر (أيلول)، بدا أن الفاشر على وشك السقوط عندما شنت «قوات الدعم السريع» هجوماً عنيفاً على منطقتي أبو شوك ودرجة أولى، أسفر عن مقتل العشرات أثناء صلاتهم في أحد المساجد.

وعندما عاد دودا إلى الإنترنت، قال إن الناس لم يعودوا قادرين على الحركة وحاولوا قضاء أيامهم داخل ملاجئهم المؤقتة، لكن الحر الشديد جعل البقاء هناك صعباً.

لم أعد أستطيع مغادرة المنزل، حتى لشراء بعض الطعام، حتى أولئك الذين يديرون الخنادق والمطاعم لإطعام الناس، لا يستطيعون المغادرة أيضاً. كلما تحرك أحدهم، هاجمته الطائرات دون طيار.

أقضي كل وقتي أفكر في كيفية الهروب من المدينة، ولكن مهما حاولت، لا أجد طريقة. أسمع أن «قوات الدعم السريع» تحاول العثور عليّ لأني أتحدث ضدهم. عندما يجدون أشخاصاً يغادرون المدينة، يُظهرون لهم صورتي ويسألونهم إن كنت لا أزال هنا. كل يوم، تقترب «قوات الدعم السريع»، وهم مستعدون لقتل كل من في الفاشر. على العالم أن يتحرك بسرعة.

الأربعاء 24 سبتمبر

على الرغم من تحديثات دودا المنتظمة عبر «فيسبوك» ومباشرةً لوسائل الإعلام، لم يتغير شيء.

في غضون يوم من هجوم الأحد الماضي، بدأت أنباء عن اعتقالات، مثل اعتقال معمر إبراهيم من قناة «الجزيرة»، ومقتل سهام حسن، النائبة السابقة في البرلمان التي ساعدت في إطعام الناس من خلال مطابخ الفاشر المجتمعية.

أثارت حملة «آفاز» على الفور مخاوف من أن «قوات الدعم السريع» تطارد النشطاء وتفتش الهواتف بحثاً عن أي إشارة إلى تواصل مع وسائل الإعلام أو منظمات حقوق الإنسان.

تقول شاينا لويس، من منظمة منع وإنهاء الفظائع الجماعية: «إنها خسارة لجيل كامل من النشطاء السودانيين والشباب السوداني، الذين لم يكتفوا بقيادة ثورة 2019 وعاشوا قيم السلام والعدالة والحرية. يُباد هذا الجيل عمداً بتقارير عن قوائم أعضاء المجتمع المدني التي بحوزة (قوات الدعم السريع)»، وفق ما نقلت صحيفة «الغارديان».

تصف لويس دودا بالبطل الذي ضحّى بحياته لتسليط الضوء على الفظائع في زمزم والفاشر، قائلة: «لا أستطيع المبالغة في تقدير حجم الخسارة التي لحقت بالمجتمع المدني، وبالسودان كدولة، بفقدان أحد أبطال الحرب الحقيقيين».


مقالات ذات صلة

الأُبيِّض تحت ضغط المسيّرات... هل تواجه «عروس الرمال» مصير الفاشر؟

شمال افريقيا جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)

الأُبيِّض تحت ضغط المسيّرات... هل تواجه «عروس الرمال» مصير الفاشر؟

رغم الدعوات التي وجّهتها الأمم المتحدة ودول غربية لـ«قوات الدعم السريع» لوقف هجومها المزمع على مدينة الأبيض، غرقت المدينة في الظلام بسبب هجوم بالمسيرات.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا منظر عام لبنايات في القاهرة (رويترز)

«البترول» المصرية تنفي إبرام عقود إنشاء مناجم للذهب شمال السودان

نفت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية، مساء الجمعة، صحة تصريحات منسوبة إلى وزير البترول والثروة المعدنية، كريم بدوي، جرى تداولها عبر صفحات غير رسمية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جهود مصرية لتعزيز كفاءة وجاهزية المنشآت المائية الكبرى (رويترز)

مصر لتطوير قدرات «السد العالي» تحسباً لسيناريوهات مائية صيفية

تعزز مصر منظومة قدرات «السد العالي» جنوب البلاد للتعامل مع مختلف السيناريوهات المائية خلال فصل الصيف.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا عناصر من «قوات الدعم السريع» السودانية (أ.ف.ب)

الامم المتحدة تدعو «الدعم السريع» إلى وقف «هجوم وشيك» تعتزم شنه على الأبيّض

دعت الأمم المتحدة الخميس قوات الدعم السريع إلى وقف «هجوم وشيك» تعتزم شنّه على مدينة الأُبَيِّض السودانية الاستراتيجية في إقليم كردفان، محذّرةً من عواقب كارثية.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا فارس النور المستشار السياسي السابق لحميدتي (أرشيفية - متداولة)

فارس النور لـ«الشرق الأوسط»: أصطف مع دعاة «لا للحرب»

القيادي المستقيل من «حميدتي» فارس النور قال إن السودان لا يزال يمتلك فرصة حقيقية للمضي نحو إنهاء الحرب... ودعا لاستلهام الحكمة الخليجية

«الشرق الأوسط» (لندن)

انتشال جثث 16 مهاجراً كانوا على متن قارب انقلب قبالة سواحل ليبيا

أرشيفية لمهاجرين تم إنقاذهم بعد غرق قاربهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (ا.ب)
أرشيفية لمهاجرين تم إنقاذهم بعد غرق قاربهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (ا.ب)
TT

انتشال جثث 16 مهاجراً كانوا على متن قارب انقلب قبالة سواحل ليبيا

أرشيفية لمهاجرين تم إنقاذهم بعد غرق قاربهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (ا.ب)
أرشيفية لمهاجرين تم إنقاذهم بعد غرق قاربهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (ا.ب)

أعلنت جهات الإنقاذ البحري الليبية مساء الجمعة العثور على 16 جثة وإنقاذ 10 مهاجرين أحياء عقب غرق قارب هجرة غير نظامية كان يقل 61 شخصا قبالة الساحل الشرقي للبلاد، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا خلال الساعات المقبلة.

وقال مكتب الإنقاذ البحري بأمن السواحل طبرق ومؤسسة العابرين لمساعدة المهاجرين، بحسب وكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ)، إن عمليات البحث لا تزال مستمرة، محذرين من احتمال وصول المزيد من الجثث إلى المنطقة الساحلية الممتدة من شاطئ العقيلة شرقا إلى عين الغزالة شرق ليبيا نتيجة الحادث.

وفي حادث منفصل غرب البلاد، تمكنت فرق الإنقاذ من إنقاذ 15 مهاجرا بعد انقلاب قاربهم قبالة سواحل مدينة الخمس، في عملية استجابة سريعة شارك فيها صيادون محليون وخفر السواحل الليبي.

وبحسب المصادر، بادر الصيادون المتواجدون بالقرب من موقع الحادث إلى انتشال المهاجرين من المياه وتقديم المساعدة الأولية لهم قبل وصول وحدات خفر السواحل التي استكملت عملية الإنقاذ ونقلت الناجين إلى الشاطئ.

وأوضحت السلطات أن المهاجرين الذين تم إنقاذهم تلقوا الرعاية الطبية اللازمة، فيما يبرز الحادثان مجددا المخاطر الكبيرة التي تواجه المهاجرين غير النظاميين خلال رحلات العبور عبر البحر المتوسط انطلاقا من السواحل الليبية.


الأُبَيِّض مهددة بمصير الفاشر

جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)
جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)
TT

الأُبَيِّض مهددة بمصير الفاشر

جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)
جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)

لم تمض ساعات على الدعوات التي وجهتها الأمم المتحدة و29 دولة في جنيف يوم الخميس، إلى «قوات الدعم السريع» لوقف هجومها على مدينة الأُبَيِّض، حتى غرقت عاصمة ولاية شمال كردفان في الظلام بعد استهداف محطة الكهرباء الرئيسية بطائرة مسيّرة، في أحدث حلقات الهجمات التي تتعرض لها المدينة منذ أيام، أدت لقتل العشرات.

وتزداد المخاوف من تكرار سيناريو الفاشر التي سقطت في يد «قوات الدعم السريع» العام الماضي بعد أشهر من الحصار.

ودعت الأمم المتحدة، و29 دولة خلال اجتماع للجنة حقوق الإنسان بجنيف الخميس، «قوات الدعم السريع» إلى وقف «هجوم وشيك» تعتزم شنّه على المدينة، محذّرةً من عواقب كارثية على المدنيين. وأعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن «قلقه» إزاء التقارير عن نشر «قوات الدعم السريع» تعزيزات عسكرية كبيرة حول المدينة، «ما قد يشير إلى هجوم بري وشيك»، وفق ما أفاد المتحدث باسمه ستيفان دوجاريك.


الأُبيِّض تحت ضغط المسيّرات... هل تواجه «عروس الرمال» مصير الفاشر؟

جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)
جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)
TT

الأُبيِّض تحت ضغط المسيّرات... هل تواجه «عروس الرمال» مصير الفاشر؟

جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)
جانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في شمال كردفان (متداولة)

لم تمض ساعات على الدعوات التي وجّهتها الأمم المتحدة وعدد من الدول الغربية، لـ«قوات الدعم السريع» لوقف هجومها على مدينة الأبيض، حتى غرقت عاصمة ولاية شمال كردفان في الظلام بعد استهداف محطة الكهرباء الرئيسية بطائرة مسيرة، في أحدث حلقات الهجمات التي تتعرض لها المدينة منذ أيام.

وأفادت مصادر محلية بأن مسيرة استراتيجية تابعة لـ«قوات الدعم السريع»، قصفت المحطة التحويلية للكهرباء في وقت متأخر من ليل الخميس، ما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي بالكامل عن المدينة، قبل أن يتجدد القصف صباح الجمعة على مواقع أخرى داخل الأبيض.

وبالنسبة لسكان المدينة، المعروفة سودانياً باسم «عروس الرمال»، لم يكن انقطاع الكهرباء سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الضغوط التي تعيشها الأبيض منذ أسابيع، فخلال الأيام الماضية تعرضت لهجمات مكثفة بالطائرات المسيرة. أسفرت، بحسب مصادر محلية، عن مقتل أكثر من 40 مدنياً وإصابة العشرات، كما استهدفت محطات الوقود وشاحنات الإمداد ومواقع مدنية وعسكرية، ما أدى إلى حالة متزايدة من القلق والخوف بين السكان.

استهداف منازل في مدينة الأبيض (متداولة على منصات التواصل الاجتماعي)

وبحسب الشهود المحليين، لا تزال الطائرات المسيرة تحلق بصورة مستمرة في سماء المدينة، الأمر الذي جعل الترقب جزءاً من الحياة اليومية. ويقول مواطنون إنهم باتوا يتابعون حركة المسيرات وأصواتها أكثر من متابعتهم للأخبار في التلفزيون وشاشات الجوالات الذكية، فيما فضّل بعض السكان تقليص تحركاتهم أو البقاء داخل المنازل خشية التعرض لهجمات مفاجئة، خاصة بعد تكرار استهداف مواقع مدنية وخدمية خلال الأيام الأخيرة.

مخاوف من سيناريو الفاشر

وتزداد هذه المخاوف بسبب ما حدث في الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، التي سقطت في يد «قوات الدعم السريع» العام الماضي، بعد أشهر من الحصار والاستنزاف العسكري، ومنذ ذلك الوقت، بات اسم الفاشر حاضراً في كل نقاش يتعلق بمصير الأبيض، خاصة مع تصاعد الهجمات واستمرار الضغوط على المدينة.

وتقع الأبيض على بعد نحو 411 كيلومتراً من الخرطوم، وتشكل حلقة الوصل الرئيسية بين إقليم دارفور ووسط السودان، كما تضم مقر الفرقة الخامسة مشاة «الهجانة» (أخذت اسمها من كون الجنود كان يستخدمون الإبل أو الهجن في العمليات العسكرية)، وتعدّ إحدى أهم الوحدات العسكرية التابعة للجيش السوداني. غير أن أهمية الأبيض لا تنبع من موقعها العسكري فحسب، بل من مكانتها الاقتصادية والسياسية واللوجستية أيضاً، فالمدينة تقع في قلب السودان تقريباً، وتشكل نقطة التقاء بين أقاليم دارفور وكردفان ووسط البلاد، ما جعلها عبر عقود مركزاً رئيسياً للتجارة والنقل وحركة البضائع.

وتشتهر الأبيض بأنها تضم أكبر سوق للصمغ العربي في العالم، كما تعد أكبر سوق للحبوب الزيتية في السودان، الأمر الذي منحها ثقلاً اقتصادياً يتجاوز حدود ولاية شمال كردفان.

شابة وطفل أصيبا إثر هجوم بطائرة مسيّرة في مدينة الأُبيّض بشمال كردفان (رويترز)

كما ترتبط المدينة بشبكة طرق وسكة حديدية وخطوط إمداد حيوية تربط غرب البلاد بشرقها، ما يجعلها مركزاً مهماً لحركة التجارة والتموين والنقل. وإلى جانب ذلك، تمثل الأبيض مركزاً إدارياً وسياسياً بارزاً في إقليم كردفان، وتحتفظ برمزية تاريخية جعلتها واحدة من أكثر المدن تأثيراً في غرب السودان. وتفسر هذه الأهمية سبب تحول المدينة إلى هدف رئيسي في المعارك الدائرة بين الجيش و«قوات الدعم السريع». فبالنسبة للجيش، تمثل الأبيض قاعدة رئيسية لأي عمليات عسكرية حالية أو مستقبلية في كردفان ودارفور، كما تشكل خط الدفاع الأهم عن وسط السودان.

الأبيض لن تسقط

وفي هذا السياق، قال رئيس هيئة الأركان السابق للجيش السوداني، الفريق أول هاشم عبد المطلب، لـ«الشرق الأوسط» إن «قوات الدعم السريع» تسعى من خلال هجماتها إلى تعطيل الجيش ومنعه من التقدم نحو إقليم دارفور، لكنه يستبعد أن تنجح المسيرات في تحقيق هذا الهدف، مؤكداً أن «الأبيض لن تسقط».

ويذهب الجيش إلى أبعد من ذلك في نفي وجود خطر مباشر على المدينة، فالعقيد الباشا حكيم، قائد المدرعات بالفرقة الخامسة مشاة «الهجانة»، يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «قوات الدعم السريع» بعيدة عن تخوم الأبيض، وإن الحديث عن حصارها مجرد شائعات، ويؤكد أن الخطط العسكرية تسير وفق ما هو مرسوم لها، وأن القوات المهاجمة تكبدت خسائر كبيرة، مضيفاً أن الجيش والقوات المشتركة والقوات المساندة تعمل وفق تنسيق كامل، وأن السكان سيسمعون «أخباراً سارة» قريباً.

لكن هذه التطمينات لا تبدد جميع المخاوف، فالخبير العسكري صالح عبد الله يرى في إفادته «الشرق الأوسط» أن ما يجري في الأبيض يحمل أوجهاً من الشبه مع التكتيكات التي استخدمتها «قوات الدعم السريع» في الفاشر، المتمثلة في الضغط المستمر والاستنزاف وإضعاف الخدمات وفتح ممرات للراغبين في مغادرة المدينة.

ويعزز استهداف البنية التحتية هذه المخاوف، فقد تحولت محطات الوقود إلى أهداف متكررة للهجمات، كما تعرضت شاحنات الوقود على الطرق المؤدية إلى المدينة للاستهداف. الأمر الذي تسبب في أزمة مواصلات حادة خلال الأيام الماضية، وأثّر بصورة مباشرة على حركة المواطنين والخدمات.

صورة متداولة تبين الدمار الذي حل بمبنى التلفزيون في مدينة الأُبيّض بعد استهدافه بمسيرة

ويقول سكان إن الوقود أصبح جزءاً من المعركة الدائرة حول الأبيض، إذ أدّى تكرار استهدافه إلى إرباك حركة النقل وارتفاع تكلفة التنقل داخل المدينة.

ورغم ذلك، فإن الصورة داخل الأبيض ليست قاتمة بالكامل، فالصحافي زهير هاشم، المقيم في المدينة، يقول لـ«الشرق الأوسط» إن الحياة ما زالت تسير بصورة طبيعية في معظم الأحياء، مشيراً إلى أن أزمة المواصلات الأخيرة ارتبطت باستهداف 5 محطات وقود في يوم واحد، ما أدى إلى خروج بعضها عن الخدمة، أكثر من ارتباطها بانهيار شامل للخدمات أو الحياة العامة.

ويعتقد المحلل السياسي عثمان ميرغني، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الموقع العسكري للأبيض يجعل السيطرة عليها أكثر صعوبة مما يتصور كثيرون، ويشير إلى أن وجود الفرقة الخامسة مشاة وما تملكه من عتاد وقوات يمنحان المدينة قدرة دفاعية كبيرة، مستبعداً سقوطها أو اقتراب خطر السقوط منها في الوقت الراهن.

من استهداف سابق لشاحنات إغاثة في شمال كردفان (متداولة)

وبحسب ميرغني، فإن «قوات الدعم السريع» تدرك أهمية الأبيض باعتبارها أقوى خطوط دفاع الجيش غرب أم درمان، ولذلك تلجأ إلى استخدام الطائرات المسيّرة لإحداث ضغط نفسي على السكان، ودفع بعضهم إلى النزوح، أكثر من سعيها إلى حسم المعركة عسكرياً في الوقت الحالي.

ومع ذلك، فإن القلق لم يعد محلياً فقط، فقد دفعت التطورات الأخيرة الأمم المتحدة وعدداً من الدول الغربية إلى التحذير من التصعيد العسكري حول المدينة والدعوة إلى وقف الهجوم عليها، في مؤشر على تنامي المخاوف من تدهور الوضع الإنساني، إذا استمرت العمليات العسكرية بالوتيرة الحالية.

وبين تطمينات الجيش وتحذيرات المجتمع الدولي، ومخاوف السكان الذين يعيشون تحت أصوات المسيرات وانقطاع الخدمات، تبدو الأبيض اليوم واحدة من أكثر مدن السودان حساسية في هذه المرحلة من الحرب.

فإذا كانت الفاشر قد تحولت إلى نموذج يستحضره الجميع عند الحديث عن الحصار والسقوط، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في عروس الرمال هو ما إذا كانت المدينة قادرة على تفادي ذلك المصير، أم أن الحرب تدفعها تدريجياً إلى السيناريو نفسه، وإن اختلفت الأدوات والظروف.