«صنّارة»... مبادرة تمنح نساء لبنانيات خيطاً يشدّهن للحياة

المحامية آن ماري ماضي تُحوّل الألم الجماعي إلى ورشة قوة وتمكين وشفاء

كلّ قطعة صوف تحمل وقتاً وصبراً وحكاية نجاة (صور آن ماري ماضي)
كلّ قطعة صوف تحمل وقتاً وصبراً وحكاية نجاة (صور آن ماري ماضي)
TT

«صنّارة»... مبادرة تمنح نساء لبنانيات خيطاً يشدّهن للحياة

كلّ قطعة صوف تحمل وقتاً وصبراً وحكاية نجاة (صور آن ماري ماضي)
كلّ قطعة صوف تحمل وقتاً وصبراً وحكاية نجاة (صور آن ماري ماضي)

في خريف 2024، حين كان صوت القصف الإسرائيلي يهبط على لبنان، فتهتزّ البيوت وتهيم العائلات النازحة بحثاً عما يُهدّئ قسوة الليالي، وُلدت فكرة «صنّارة». كأنّ بذرةً صغيرةً أصرَّت أن تنبت في أرض تحترق، لتُعلن أنّ الخراب ليس الخاتمة. فاليد التي تحمي رأس طفل مذعور تستطيع أيضاً أن تُمسك بخيط وتحوك معنى جديداً.

آن ماري ماضي، مؤسِّسة جمعية «صنّارة»، محامية لبنانية تُمارس مهنتها منذ 25 عاماً، وجدت نفسها في قلب المشهد. كانت تقضي الصيف في الجبل، وتزور بصفتها عضواً في نادي «روتاري بيروت سيدرز» مراكز الإيواء لتفقُّد حاجات الناس.

ما يبدو بسيطاً للعين تختبئ خلفه إرادة كاملة (صور آن ماري ماضي)

بين صفوف المدارس الرسمية التي تحوَّلت إلى ملاجئ، رأت وجوهاً أنهكها الخوف، وملامح نساء طمرها الإحباط. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كان المشهد ثقيلاً. أمَّنت الجمعيات الطعام والفُّرش، لكنّ شيئاً أبعد من المساعدة المباشرة ظلَّ ناقصاً. رأيتُ نساء معزولات داخل الخوف ونظرات فقدت الأمل».

الصور لم تُغادرها. فكّرت في ما يمكن أن تُقدّمه خارج إطار اللوازم اليومية. شيءٌ يُخفّف التوتّر ويُعيد الحركة إلى الأصابع والروح. ببساطة، خطرت الفكرة: لماذا لا تتعلَّم النساء شغل الصوف؟ تلك الفكرة الصغيرة لمعت في رأسها مثل شرارة حياة. اشترت أكياس خيوط بتمويل من «الروتاري»، نسَّقت مع إدارات الملاجئ، وقسمت النساء إلى مجموعات. بدأت الورشة الأولى بشغف راح ينمو. بعضهنّ خِطْنَ ملابس للأطفال بخبرة متواضعة، فاشترتها منهنّ مع أعضاء من النادي، لتدور من هنا عجلة اقتصادية ولو بحجم قبضة يد. ثم واصلت آن ماري ماضي الطريق وحدها، مُمسِكة بالخيط لنَسْج المشروع بحزم وشغف.

«صنّارة» تُخاطب الجروح بالتروّي فيهدأ القلب وتُرمَّم الروح (صور آن ماري ماضي)

لكن ما حدث، كما تقول، تجاوز التوقُّع: «بعد وقف إطلاق النار وعودة النازحات إلى المنازل، بقيت صورهنّ في ذهني. الفرح الذي رأيته في عيونهنّ كان فريداً. شعرتُ أنَّ شيئاً فيهنّ تبدَّل. أصبحن أقلّ غضباً وأقلّ توتراً. بعضهنّ توقَّفن عن التدخين ورُحنَ ينتظرن موعد العمل كما ينتظر المرء نافذة هواء في غرفة مكتظّة». هنا فهمتْ أنّ المشروع هو بداية طريق. ليس لحظة عابرة ولا مبادرة ظرفية.

وربما، على نحو غير مُعلَن، كان ذلك أيضاً مشروعاً تعويضياً في حياة امرأة أغرقتها سنوات القانون والمؤسّسات والمُرافعات. فداخل المحامية التي تزن الكلمات بميزان العدالة، بقيت نار الفنّ تشتعل. آن ماري ماضي مُولعة بالثقافة وباللمسة الفنّية التي تُعيد للإنسان إحساسه بالوجود؛ تقول: «أحبُّ مهنتي، لكنّ الشغف شيءٌ آخر. الفنّ يُعيد لي ما أخذه منّي الزمن المهني الطويل».

هكذا حملت المبادرة اسم «صنّارة»، أي إبرة الصوف وصنّارة الصيد. اسمٌ يُشبه الفكرة: لا سمكة تُلتَهم وتنتهي، إنما أداة لتعلُّم الصيد وامتلاك الغد. تعاونت مع جمعية «مار منصور دي بول» في برج حمود، التي موَّلت تدريب 15 امرأة، ثم توسَّعت الرؤية. هذا المشروع أصبح جمعية تستمرّ وتتحوّل إلى شبكة دعم نفسي ومالي واجتماعي.

تُطفئ هذه الأيدي فتيل اليأس بخيط (صور آن ماري ماضي)

يُرافق مُدرّبٌ النساء في رحلة التعلُّم والإنتاج، فتقول: «السيدات يقبضن ثمن القطعة فوراً، وهذا حقّهن سواء استطعتُ بيعها أم لا. الفكرة أن يشعرن بالجدوى والقدرة، ويتحوَّل الجهد إلى قيمة». كثيرات من المُشاركات عُدن اليوم إلى بيوتهنّ ليعملن من هناك، تاركات المكان لأخريات. الدورة تتوسَّع والخيط يطول.

مع الوقت، صار المشروع مرّة أخرى مساحة علاج. التركيز على الغَرْز، اختيار الألوان، صَبْر اليد... كلُّ ذلك فعل شفاء. تشرح: «العمل اليدوي يفصل الإنسان عن الضوضاء. يُشغّل الخيال ويمنح سلاماً. حين بدأتُ، كان الهدف علاجاً نفسياً قبل أي شيء». في بلد أنهكته الأزمات، قد يكفي أن تستيقظ امرأة صباحاً، ترتدي ثياباً جميلة، وتخرج لتعمل، حتى تستعيد شيئاً من صوتها الداخلي.

في عين كلّ سيدة انتصار صغير (صور آن ماري ماضي)

لم يعد الأمر مادياً فحسب. صداقات تولد. أحاديث مُلهمة عن الإبداع بدل قصص الحرب والقلق. نساء يشعرن بأنفسهن من جديد، خصوصاً اللواتي لم يُكملن تعليمهن الجامعي. المشروع يمنح حرفةً وأيضاً مساراً جديداً للحياة، ومساواة في القدرة على الإنتاج وقيمة في الفعل نفسه.

ولا يتوقّف طُموح «صنّارة» عند حدود المَشغل. فآن ماري ماضي تعمل على فتح نافذة أخرى على الثقافة. زيارة للمتحف الوطني قيد التحضير، فتقول: «أريد أن أضعهنّ على تماس مع معرفة جديدة. أن ينقلن ذلك إلى أبنائهنّ. هذه خطوات لكَسْر دائرة قد تكون مُغلقة». وفي الأفق خطُّ ملابس صغير مُواكب للموضة، وموسم أعياد يَعِد بمعرض لبيع ما يُصنِّعنه.

في ورشة صغيرة أدركت نساء كثيرات أنّ الأمل يبدأ بغَرْزة (صور آن ماري ماضي)

الدعم لا يزال ضرورياً اليوم، من تبرّعات ومبادرات ومساحات مشاركة، لكن الهدف الواضح هو بلوغ استقلال اقتصادي خلال المرحلة المقبلة وتمويل ذاتي عبر الإنتاج. الحلم كبير والخطّة طَموحة: «في نهاية عام 2030، أطمح أن تكون معنا نحو 300 سيدة».

وما بين خيط وآخر، تغيَّرت آن ماري نفسها. تعترف بابتسامة: «جرّبتُ أن أُغيّر حياتهنّ، لكنّ حياتي أنا تغيَّرت. لا السفر ولا السهر ولا التسوُّق أعطاني هذه السعادة. ما أحبّه هو أن أرى إنساناً يُطوّر نفسه».

تبدو «صنّارة» فعلاً يواجه اليأس بالألوان، والفراغ بالعمل، والصدمة بإعادة حياكة الروح. مشروع صغير في حجمه، هائل في أثره، يقف ضدّ فكرة الاستسلام. يبدأ بخيط، ثم يصبح شبكة. يبدأ بغَرْزة، ثم يتحوَّل إلى حكاية. ومثل جميع الأشياء التي تُولد تحت النار ثم تنجو، يحمل هذا المشروع عناداً على شكل ضوء لا يُطفأ أبداً.


مقالات ذات صلة

العناق أكثر من شعور دافئ… فوائد صحية مذهلة

صحتك العناق يلعب دوراً مهماً في تعزيز العلاقة بين الآباء وأطفالهم (بيكسلز)

العناق أكثر من شعور دافئ… فوائد صحية مذهلة

يُعدّ العناق أحد أبسط أشكال التواصل الإنساني وأكثرها تأثيراً، رغم أنه لا يتطلب كلمات أو مجهوداً كبيراً؛ فهو يحمل في طياته بعداً عاطفياً وجسدياً مهماً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك الكورتيزول يُفرز استجابةً للتوتر والتحكم في الضغوط اليومية يُعد من أهم الطرق للحفاظ على مستوياته (بيكسلز)

5 مؤشرات تدل على ارتفاع هرمون التوتر في جسمك

من أبرز المؤشرات الحيوية المرتبطة بالتوتر هرمون «الكورتيزول»، الذي يلعب دوراً أساسياً في مساعدة الجسم على التكيّف مع الضغوط.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك الممارسات النفسية الإيجابية تنعكس في النهاية على صحة القلب (جامعة هارفارد)

تمارين ذهنية تقوي صحة القلب

أظهرت دراسة أميركية أن الممارسات النفسية الإيجابية يمكن أن تسهم في خفض عوامل خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية خلال أسابيع قليلة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
تكنولوجيا العديد من الأشخاص عانوا من أوهام بعد استخدام الذكاء الاصطناعي (رويترز) p-circle

من علاج السرطان إلى تهديدات القتل... قصص أشخاص عانوا «الوهم» بعد محادثات مع الذكاء الاصطناعي

كانت الساعة تقارب الثالثة فجراً، وكان آدم هوريكان جالساً على طاولة مطبخه، وأمامه سكين ومطرقة وهاتف. وكان ينتظر سيارة مليئة بأشخاص ظنّ أنهم قادمون لأخذه.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك الممثلة ديمي مور (رويترز)

ديمي مور تكشف أسرار الشيخوخة الصحية... 3 عادات بسيطة تصنع الفرق

كشفت الممثلة ديمي مور عن مجموعة من العادات التي تعتمدها للحفاظ على صحتها الجسدية، والنفسية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

مصر تتوسع في تنظيم معارض أثرية مؤقتة بالخارج

الآثار المصرية المغمورة بالمياه في الإسكندرية (وزارة السياحة والآثار)
الآثار المصرية المغمورة بالمياه في الإسكندرية (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر تتوسع في تنظيم معارض أثرية مؤقتة بالخارج

الآثار المصرية المغمورة بالمياه في الإسكندرية (وزارة السياحة والآثار)
الآثار المصرية المغمورة بالمياه في الإسكندرية (وزارة السياحة والآثار)

تتجه مصر للتوسع في إقامة المعارض الأثرية المؤقتة بالخارج، بعد الإعلان عن التحضير لإقامة معرض في الولايات المتحدة الأميركية للآثار المصرية المغمورة بالمياه، واستعراض أرقام الزوار لمعارض مصر الأثرية بالخارج خلال الشهور الماضية. وخلال اجتماع للمجلس الأعلى للآثار، برئاسة وزير السياحة والآثار المصري شريف فتحي، تناول الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار الدكتور هشام الليثي، ما حققته معارض الآثار الخارجية المؤقتة من إقبال منذ افتتاحها حتى الآن، موضحاً أن معرض «رمسيس وذهب الفراعنة» بالعاصمة البريطانية لندن استقبل نحو 68 ألف زائر منذ افتتاحه في فبراير (شباط) الماضي.

كما استقبل معرض «كنوز الفراعنة» بالعاصمة الإيطالية روما نحو 322 ألف زائر منذ افتتاحه في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في حين استقطب معرض «مصر القديمة تكشف عن أسرارها: كنوز من المتاحف المصرية» المقام في هونغ كونغ نحو 345 ألف زائر منذ افتتاحه في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، ما يعكس الإقبال الدولي الكبير على الحضارة المصرية القديمة، وفق بيان لوزارة السياحة والآثار.

معرض «رمسيس وذهب الفراعنة» تجول في 7 محطات (وزارة السياحة والآثار)

وخلال الاجتماع، وافق المجلس على عدد من قرارات لجنة المعارض الخارجية، من بينها استمرار جولة معرض «كنوز الفراعنة» لينتقل للعرض في عدد من المتاحف بالولايات المتحدة الأميركية، وتنظيم معرض خارجي جديد حول كنوز مصر المغمورة تحت الماء، والمقررة إقامته العام المقبل في أميركا.

وقال الخبير الآثاري والمتخصص في علم المصريات أحمد عامر إن «المعارض الخارجية أصبح لها دور بارز في التسويق للسياحة الثقافية، فهي بمنزلة دعاية غير مباشرة للمقاصد السياحية التاريخية بمصر، وتجلب مزيداً من السائحين، وكذلك التعريف بالحضارة المصرية القديمة، مع زيادة موارد الدولة من العملة الصعبة». وأضاف عامر لـ«الشرق الأوسط» أن «التوسع في إقامة معارض خارجية للآثار المصرية المغمورة بالمياه يعد عاملاً تشويقياً، نظراً لأن هذا النوع من المعارض لم يكن موجوداً من قبل في الخارج، وسوف يساعد على الترويج للآثار الغارقة وما تمثله من قيمة تاريخية كبيرة وفريدة من نوعها».

آثار مصر المغمورة بالمياه تحظى بإعجاب لافت (وزارة السياحة والآثار)

وأشار إلى أن المعارض الخارجية أثبتت نجاحها بشكل غير مسبوق في الفترات السابقة، حيث رأينا ذلك في معارض «رمسيس وذهب الفراعنة» وكذلك «كنوز الفراعنة» و«قمة الهرم» والتي أثبتت نجاحها في الترويج للحضارة المصرية القديمة بشكل فعال ومؤثر، وهو ما يعكس الوجود المؤثر للحضارة المصرية القديمة في أي مكان تذهب إليه.

وتراهن مصر على المعارض الأثرية المؤقتة بالخارج ومن بينها معرض «رمسيس وذهب الفراعنة» الذي يضم 180 قطعة أثرية من مقتنيات عدد من المتاحف المصرية تُبرز الخصائص المميزة للحضارة المصرية القديمة من عصر الدولة الوسطى وحتى العصر المتأخر، بمجموعة من التماثيل، والحلي، وأدوات التجميل، والكتل الحجرية المزينة بالنقوش، بالإضافة إلى بعض التوابيت الخشبية الملونة. وتنقل هذا المعرض في 6 محطات هي ولايتا كاليفورنيا وتكساس بأميركا، وباريس وسيدني وطوكيو، وكولون بألمانيا قبل أن يستقر في محطته السابعة حالياً في لندن.

جانب من القطع الأثرية في المعارض الخارجية (وزارة السياحة والآثار)

ويرى خبير الآثار المصرية مدير مؤسسة زاهي حواس للآثار والتراث علي أبو دشيش أن «مئات الآلاف من الزوار في لندن وروما وهونغ كونغ، لم يذهبوا لمجرد رؤية قطع أثرية، بل ذهبوا ليشاهدوا عظمة أمة علمت العالم الكتابة والبناء».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «الأرقام التي أعلنها المجلس الأعلى للآثار هي أكبر دليل على القيمة الكبيرة التي تتمتع بها حضارتنا؛ فمعرض (رمسيس وذهب الفراعنة) ومعرض (كنوز الفراعنة) هما الآن أفضل سفيرين لمصر في الخارج». وعدّ أبو دشيش «التوجه نحو السوق الأميركية العام المقبل عبر معارض للآثار الغارقة وكنوز الفراعنة خطوة استراتيجية في توقيت مثالي». وختم قائلاً: «نحن لا نعرض التاريخ فحسب، بل ندعو العالم لزيارة مصر، فكل زائر لهذه المعارض هو سائح محتمل في الأقصر وأسوان والقاهرة».


مغنّية أوبرا أخفت صممها 30 عاماً تُشيد بجراحة «غيَّرت حياتها»

حين عاد السمع... عاد العالم معه (هيئة الخدمات الصحية الوطنية)
حين عاد السمع... عاد العالم معه (هيئة الخدمات الصحية الوطنية)
TT

مغنّية أوبرا أخفت صممها 30 عاماً تُشيد بجراحة «غيَّرت حياتها»

حين عاد السمع... عاد العالم معه (هيئة الخدمات الصحية الوطنية)
حين عاد السمع... عاد العالم معه (هيئة الخدمات الصحية الوطنية)

أعلنت جانين روبوك، المُقيمة في لندن، أنها لم تعد تعدُّ نفسها صمّاء بعد خضوعها لعملية زراعة مزدوجة لقوقعة الأذن استعادت بفضلها حاسّة السمع.

ووفق «الغارديان»، وصفت مغنّية أوبرا أخفت فقدانها للسمع لأكثر من 3 عقود، الجراحة التي أُخضعت لها بأنها «نقطة تحوّل» في حياتها، وهي جراحة يُتوقَّع أن تصبح ممارسة اعتيادية لآلاف المرضى في هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS).

وأُخضعت روبوك (72 عاماً) لعملية زراعة قوقعة مزدوجة، وهي وسيلة تخضع حالياً لتجارب سريرية على مستوى البلاد لمعرفة مدى قدرتها على تغيير حياة آلاف الأشخاص الآخرين.

وبموجب الإرشادات الحالية الصادرة عن المعهد الوطني للصحة والرعاية المتميّزة (NICE)، لا يحقّ لغالبية البالغين المصابين بالصمم سوى الحصول على زراعة قوقعة واحدة فقط، استناداً إلى تحليلات تشير إلى أنّ تقديم زراعتين لا يُعدّ مُجدياً لجهة التكلفة لهيئة الخدمات الصحية، فضلاً عن نقص الأدلّة العلمية في هذا المجال.

ولمعالجة هذا القصور، يدعم المعهد الوطني لبحوث الصحة والرعاية (NIHR)، الذي يتلقّى تمويلاً حكومياً، دراسة حول فاعلية الزراعة المزدوجة للبالغين، بقيادة مستشفى أدنبروك وجامعة كامبريدج.

تعاني روبوك حالة وراثية تُعرف بـ«فقدان السمع الحسّ العصبي»، وهي مسؤولة عن نحو 70 في المائة من حالات فقدان السمع الوراثي، وقد انتقلت هذه الحالة عبر أجيال عائلتها.

وقد أُخضعت عام 2019 لجراحة زراعة القوقعة في أذن واحدة عبر هيئة الخدمات الصحية، وفقاً للوائح، لكنها قرَّرت تحمُّل تكلفة إجراء الأذن الأخرى في الوقت عينه.

وعلى مدار أكثر من 30 عاماً، أخفت روبوك تدهور حاسّة السمع لديها، رغم كونها مغنّية «ميزو-سوبرانو» قدَّمت عروضاً في دور الأوبرا والمسرحيات الغنائية، بما في ذلك دار الأوبرا الملكية في لندن، قبل اعتزالها لاحقاً.

وقالت: «الجراحة كانت أفضل قرار اتخذته في حياتي»، مضيفةً: «الفرق بين زراعة واحدة واثنتين يشبه المسافة بين الأرض والنجوم؛ فجودة الصوت أفضل بكثير، والأصوات تبدو ممتلئة وأكثر وضوحاً وطبيعية».

وأوضحت: «بات من السهل تحديد مصدر الصوت، خصوصاً في الأماكن المُزدحمة. فالوجود في مكان عام يجعل متابعة المتحدّثين أمراً شاقاً، وقد يجعل المشاركة في المحادثات شبه مستحيلة، ممّا يؤدّي في نهاية اليوم إلى إرهاق ذهني شديد ناتج عن محاولة التركيز».

وعن التغيير الجذري في حياتها، قالت: «مع الزراعة المزدوجة، لم أعد أعدُّ نفسي صمّاء. كسرت هذه الجراحة لعنة توارثتها الأجيال في عائلتي. فالعجز عن السمع قد يُسبّب عزلة شديدة واكتئاباً، لكنّ القوقعة تُعيد ربطك بالعالم وبالناس، وهو الأهم، فالتواصل هو المطلب الأسمى لكل قلب بشري».

وأشارت روبوك إلى أنّ والدها عانى الحالة نفسها و«تعامل معها بوقار وشجاعة»، كما عانى جدّها وأشقاؤه من الصعوبات ذاتها. وذكرت أن تفعيل الغرسات (أو تشغيلها) غمرها بالبهجة، وعلى مدار الأشهر الستة التالية اكتشفت أصواتاً جديدة.

وستشمل التجربة الجديدة 14 مستشفى وأكثر من 250 مشاركاً من البالغين، إذ سيُزوّدون بزراعة واحدة أو اثنتين لمقارنة النتائج، ويُشترط في المشاركين أن يكونوا قد أُصيبوا بالصمم في مرحلة متأخرة من حياتهم ولم يسبق لهم إجراء زراعة.

وقال جراح الأنف والأذن والحنجرة في مستشفى «أدنبروك»، ماثيو سميث: «نعلم من خلال تجاربنا مع الأطفال أنّ الزراعة المزدوجة لها تأثير جوهري في جودة حياتهم، ونأمل تقديم الفرصة ذاتها للبالغين من خلال هذه الدراسة».

من جانبها، قالت اختصاصية علوم السمع والنطق في جامعة كمبردج البروفسورة ديبي فيكرز: «يتلقى الأطفال روتينياً زراعة مزدوجة توفر لهم سمعاً ثلاثي البُعد، ويخبرنا البالغون -وأنا أتّفق معهم- أنه يجب منحهم الفرص ذاتها لتقليل العزلة الاجتماعية وتعزيز الصحة النفسية وتحسين جودة الحياة بصفة عامة».

وبمجرّد انتهاء التجربة، ستُرفع النتائج إلى المعهد الوطني للصحة والرعاية المتميّزة (NICE) للمراجعة.


ما الذي يحدث داخل الدماغ حين نتثاءب؟ دراسة تكشف عن مفاجأة

حتى التثاؤب يُخبّئ لغةً لا نسمعها (شاترستوك)
حتى التثاؤب يُخبّئ لغةً لا نسمعها (شاترستوك)
TT

ما الذي يحدث داخل الدماغ حين نتثاءب؟ دراسة تكشف عن مفاجأة

حتى التثاؤب يُخبّئ لغةً لا نسمعها (شاترستوك)
حتى التثاؤب يُخبّئ لغةً لا نسمعها (شاترستوك)

كشفت دراسة جديدة ورائدة عن أنّ للتثاؤب دوراً غفلت عنه البحوث سابقاً في تنظيم السوائل داخل الدماغ. كما سلطت الضوء على العمليات الحيوية التي تقع عندما يحاول الشخص كتم تثاؤبه.

كان الاعتقاد السائد سابقاً أن هذا السلوك تطوَّر أساساً لتنظيم مستويات الأكسجين، في حين اقترحت نظريات بديلة أنّ الهدف منه هو إرسال إشارات تشعر الآخرين بالتعب.

وإنما الدراسة الحديثة، التي استخدمت فحوصات الرنين المغناطيسي (MRI)، أظهرت أنّ التثاؤب يعمل على إعادة تنظيم تدفُّق السائل الدماغي النخاعي إلى خارج الدماغ. ومن المعروف أنّ هذا السائل يساعد في إزالة الفضلات ونقل المواد الكيميائية الحيوية، ممّا يحافظ على توازن الضغط ويدعم الصحة العامة للدماغ.

كما لاحظت الدراسة أنّ كل فرد يتثاءب بطريقة تختلف قليلاً عن الآخر.

وذكرت الدراسة، التي نقلتها «الإندبندنت» عن دورية «فيزيولوجيا الجهاز التنفسي والبيولوجيا العصبية»، أنّ «التثاؤب يبدو سلوكاً شديد التكيُّف، وقد يكون البحث المستفيض في أهميته الفسيولوجية مثمراً جداً».

ويتضمَّن التثاؤب حركة منسّقة للفك والرأس والرقبة وفق نمط ثابت وقابل للتكرار. وأشارت الدراسة إلى أنّ هذه التحركات تؤثّر في تدفق السائل الدماغي النخاعي حول الدماغ والحبل الشوكي.

وقد قيَّم الباحثون تأثير التثاؤب في مسارات تدفُّق السوائل بالقرب من جذع الدماغ وأعلى العمود الفقري لدى 22 مشاركاً من الأصحاء، ومقارنتها بحركات أخرى مثل التنفُّس الطبيعي والعميق، بالإضافة إلى «التثاؤب المكتوم».

ووجد الباحثون أنّ التثاؤب زاد من تدفُّق السائل الدماغي النخاعي مقارنة بالتنفُّس العادي، ممّا يشير إلى أن له «غرضاً فسيولوجياً وظيفياً» وليس إشارة اجتماعية تعبّر عن الإرهاق.

وبينما بدا أنّ الأنفاس العميقة تزيد أيضاً من تدفُّق السائل، ارتبط التثاؤب «بشكل متكرّر» بخروج السائل الدماغي النخاعي، فيما أظهر التنفُّس العميق تدفّقاً في الاتجاه المعاكس.

كما وجدت الدراسة أنّ التثاؤب «المُعدي» أدّى بدوره إلى تدفُّق ملحوظ للسائل خلال مرحلة الزفير، وهو أمر لم يكن ظاهراً خلال التنفُّس العميق أو الطبيعي.

وأكد الباحثون أنّ الحركات العضلية كانت مُتطابقة تقريباً في كلّ مرة يتثاءب فيها الشخص، ممّا يؤكد أنه حركة لا إرادية يسيطر عليها جذع الدماغ.

ومن المثير للاهتمام أنّ التثاؤب المكتوم استمر للمدّة نفسها تقريباً التي يستغرقها التثاؤب العادي، ممّا يعني أنّ الكتم لا يؤثّر في العملية الحيوية الكامنة وراءه.

وأوضح العلماء أنه «بمجرّد أن يبدأ التثاؤب، فإنه يستمر على هيئة متوالية منظمة يمكن إخفاؤها جزئياً، ولكن من الصعب وقفها بالكامل».

ويشير نمط التدفّق المرصود في الدراسة إلى تأثير التثاؤب على نقل المواد المذابة والتبادل الحراري في الدماغ؛ إذ ذكرت الدراسة أنّ «توافق تدفّق السائل الدماغي والدم الوريدي، مع زيادة تدفّق الدم إلى الشريان السباتي خلال التثاؤب، قد يعزّز التبادل الحراري، مما يُسهم في تبريد الدماغ».

وفي حال تأكدت هذه النتائج عبر دراسات أكثر تخصّصاً، فقد توفر رؤى جديدة حول الحالات المرتبطة بضعف تدفُّق السائل الدماغي النخاعي، ومن أبرزها الصداع النصفي.