«البديل من أجل ألمانيا» يواصل فرض برنامجه على أنقاض الائتلاف الحكومي

السوريون والأفغان في طليعة المهدَّدين بالترحيل

اللاجئون السوريون في المانيا... في طايعة المهددين بالترحيل (دويتشه فيله)
اللاجئون السوريون في المانيا... في طايعة المهددين بالترحيل (دويتشه فيله)
TT

«البديل من أجل ألمانيا» يواصل فرض برنامجه على أنقاض الائتلاف الحكومي

اللاجئون السوريون في المانيا... في طايعة المهددين بالترحيل (دويتشه فيله)
اللاجئون السوريون في المانيا... في طايعة المهددين بالترحيل (دويتشه فيله)

منذ أيام تخرج في ألمانيا مظاهرات ضد المستشار فريدريش ميرتس، وآلاف المتظاهرين في مختلف المدن الألمانية يخرجون مطالبيه بالاعتذار ومتهميه بالعنصرية وباعتماد خطاب شعبوي. ومن بين المشاركين كان سياسيون من حزب «الخضر» ولكن أيضاً من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) المشارك في الحكومة. للعلم، هذه ليست المرة الأولى التي تخرج فيها مظاهرات واسعة ضد ميرتس بعد إدلائه بتصريحات مثيرة للجدل، لكنها المرة الأولى التي تخرج وهو المستشار. هذه المرة كان السبب تلميحاته بأن المهاجرين هم المسؤولون بشكل أساسي عن زيادة نسبة الجرائم وانعدام الأمان في المدن الكبرى. فخلال مؤتمر صحافي، سُئل ميرتس عن خطط حكومته لمواجهة صعود حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليمين المتطرف، فكان رده أن حكومته «تصحح أخطاء الماضي» في سياسة الهجرة، وأنها بدأت تحقق نجاحات في ذلك. وتابع: «ولكن من دون شك لدينا مشكلة في مظهر المدن... ولهذا؛ فإن وزارة الداخلية تعمل الآن على تمكين تنفيذ عمليات ترحيل واسعة النطاق». وهكذا، في جملة واحدة جمع ميرتس بين المهاجرين وارتفاع نسبة الجريمة؛ إذ إن الداخلية تعمل على ترحيل المهاجرين المدانين بجرائم إلى دولهم، من بينها الدول المصنّفة بـ«غير الآمنة» مثل سوريا وأفغانستان. وما تبع كان جملة واسعة من الانتقادات وُجّهت للمستشار بسبب تعميمه بأن كل المهاجرين واللاجئين هم من المجرمين.

اعتاد المستشار الألماني المحافظ فريدريش ميرتس على إثارة الجدل في تصريحات تتعلق بالهجرة، وغالباً ما توصف بأنها «شعبوية». ففي مطلع عام 2023، عندما كان لا يزال حزبه في المعارضة، وصف طلاب المدارس من أصول عربية وتركية بأنهم «باشوات صغار». وكان ينتقد حينها ضعف نسبة اندماج المهاجرين في المجتمعات الألمانية.

بعدها بأشهر، وصف ميرتس بلدات ألمانية ريفية كان يجول فيها استعداداً للانتخابات، بأنها «هي مَن تمثل ألمانيا الحقيقية، وليست (منطقة) كرويتسبيرغ في برلين». وتعرف مقاطعة كرويتسبيرغ بأنها واحدة من أكثر المقاطعات في العاصمة تنوعاً عرقياً وثقافياً، وتضم جالية تركية كبيرة.

وقبل أسابيع من دخوله مقر المستشارية، وأيام قبل الانتخابات، تسبّب ميرتس بموجة مظاهرات واسعة بسبب تحالف حزبه داخل البرلمان مع حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف؛ لتمرير قانون يدعو إلى تشديد قوانين الهجرة على خلفية هجمات إرهابية متتالية ارتكبها لاجئون سوريون وأفغان.

يومذاك، وُجّهت اتهامات لميرتس بأنه «أسقط جدار» رفض التحالف مع اليمين المتطرف، وهو تعهّد تكرّره جميع الأحزاب الألمانية منعاً لوصول حزب متطرف للسلطة مرة جديدة بعد تجربة النازيين. وأمام الغضب الواسع، عاد ميرتس ليقول غير مرة إنه لن يتحالف مع «البديل من أجل ألمانيا»، لكنه لم يتراجع عن أي من تصريحاته الجدلية المتعلقة بالمهاجرين واللاجئين.

لا يحب «مظهر المدن»!

وعندما سُئل المستشار عن تصريحاته الأخيرة حول «مظهر المدن»، رفض التراجع عنها، وردّ على الصحافي الذي سأله إذا كان يريد التراجع عن تصريحاته، بالقول: «لا أدري إذا كان لديك أطفال وبنات من بينهم... اسألوا بناتكم، أعتقد أنكم ستحصلون على إجابة واضحة وصريحة. ليس لديّ ما أتراجع عنه، على العكس أريد أن أعيد التأكيد أننا في حاجة إلى تغيير شيء».

تصريحات ميرتس الجديدة تسببت بمظاهرات عفوية قادتها نساء خرجن أمام مقر حزبه في وسط برلين، رافعات لافتات بأن «خوف الفتيات ليس من المهاجرين، بل من الرجال بشكل عام». وتعرّض المستشار أيضاً لانتقادات حتى من داخل حزبه، على رأسهم عمدة برلين كاي فاغنير الذي حذّر من «التعميم». واتهمه آخرون من حزبه، الاتحاد الديمقراطي المسيحي، باعتماد خطاب أشبه بخطاب «البديل من أجل ألمانيا» الذي غالباً ما يحمّل المهاجرين واللاجئين مسؤولية ارتفاع نسبة الجرائم.

رغم كل هذا، لا تُعدُّ مواقف ميرتس من المهاجرين جديدة، وقد لا تكون تصريحاته شعبوية بقدر ما هي حقاً ما يؤمن به.

إذ إنه انتقد المستشارة السابقة أنجيلا ميركل لسماحها عام 2015 بدخول مئات آلاف السوريين وحمّلها مسؤولية صعود اليمين المتطرف. وقبل أن يصبح مستشاراً كان يروّج لوقف استقبال اللاجئين بشكل كامل، قبل أن يتراجع عن ذلك بعدما استنتج أن ذلك سيكون غير قانوني. مع ذلك، فإنه لا يزال يروّج - منذ تسلمه السلطة - لبدء عمليات ترحيل واسعة للأفغان والسوريين، وبشكل أساسي المجرمون منهم وثم الرجال.

السوريون والأفغان في الواجهة

وبالفعل، بدأت وزارة الداخلية الألمانية مفاوضات مع «طالبان» والحكومة السورية تسمح بالتوصل إلى اتفاق لترحيل مواطنيهم. وللعلم، تتفاوض برلين مع «طالبان» رغم أنها لا تعترف بها، ورغم استمرار تصنيف الخارجية الألمانية لأفغانستان بأنها «غير آمنة». والوضع مشابه مع سوريا، المصنفة بـ«غير الآمنة»، وبخاصة للأقليات، مع أن الحكومة الألمانية تقيم علاقات مع الحكومة السورية وتقدّم لها دعماً كبيراً.

بالمناسبة، ترحّل ألمانيا حالياً إلى أفغانستان أعداداً قليلة من المُدانين بجرائم وعبر وسطاء مثل قطر، لكنها تسعى إلى ترحيل أعداد أكبر وبشكل مباشر. أما بالنسبة للسوريين فيجري ترحيل أعداد قليلة منهم أيضاً إلى تركيا، ولكن فقط من هو مدان بجرائم.

هذا، ومنذ سقوط نظام الأسد، أوقفت ألمانيا البت بطلبات لجوء السوريين ريثما تتضح الصورة. وعادت قبل أشهر قليلة واستأنفت البت بها. وقال ناطق باسم وزارة الداخلية في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن دائرة الهجرة علّقت البت بطلبات لجوء السوريين بها منذ نهاية العام الماضي إثر سقوط نظام الأسد، ولكن في نهاية سبتمبر (أيلول) الماضي جرى تعديل التوجيهات لدائرة الهجرة. وبدأ البحث في طلبات الشبّان القادرين على العمل والذين وصلوا بمفردهم إلى ألمانيا، ثم وُسّع مفعول القرار ليشمل طلبات كل السوريين وإجراء مقابلات معهم «باستثناء مَن هم من الأقليات الدينية في سوريا». وأشار الناطق باسم الداخلية إلى أن البحث في طلبات «لمّ شمل العائلات» ما زال معلقاً. وتابع أن الحكومة الألمانية «مستمرة بمراقبة الوضع في سوريا وستوسّع البحث في الطلبات الأخرى المقدمة والتي ما زالت معلَّقة حسب ما يسمح الوضع هناك».

وبدأ منذ ذلك الحين عدد من السوريين يبلّغ عن تلقيهم رفض طلب لجوئهم مع الترحيل إلى سوريا للذين ليست لديهم بصمات في دول أوروبية أخرى.

اتفاقية دبلن للاجئين

حسب اتفاقية دبلن للاجئين، يتعين على طالبي اللجوء إلى الاتحاد الأوروبي أن يتقدموا بطلباتهم في أول دولة يصلون إليها. وعادة يصار إلى ترحيل مَن لديهم بصمات في دولة أوروبية أخرى إلى تلك الدولة، مثل بلغاريا التي غالباً ما تكون أول دولة أوروبية يدخلها الواصلون بشكل غير شرعي.

من الذين وصلهم رفض لجوء وطلب ترحيل إلى سوريا، حمزة إبراهيم، وهو شاب سوري في الرابعة والعشرين من العمر يتحدر من إدلب. ووصل حمزة إلى ألمانيا بعد 3 أيام على سقوط نظام الأسد في نهاية عام 2024 بعدما استغرقه الوصول براً 3 أشهر، حسب ما روى لـ«الشرق الأوسط».

لم يكن لدى حمزة بصمة في أي دولة أوروبية أخرى. ولكن بقي ملفه معلقاً قيد الدرس حتى وصله إشعار قبل أسبوعين برفض طلب لجوئه مع طلب ترحيل من ألمانيا خلال 30 يوماً. وأرسل موظفو الهجرة رفض الطلب مرفقاً بشرح مُسهب يتضمّن أسباب الرفض في 30 صفحة. وأفاد حمزة بأنها تضمنت حقيقة أنه لا ينتمي إلى الأقليات في سوريا، وإلى أن الوضع الاقتصادي بدأ يتحسّن بسبب المساعدات المالية الكبيرة المقدمة من الدول الغربية والتي ذكرها نص التفسير بأكملها.

وأضاف حمزة أن موظفي الهجرة برّروا الرفض كذلك بأنه صغير السن، وهذا يعني أنه قادر على العمل في سوريا والبداية من الصفر. هذا، واستأنف حمزة قرار الترحيل عبر محامٍ في ألمانيا متخصص بشؤون الهجرة، لكنه كان ما زال غير واثق ما إذا كان سيجري ترحيله عنوة أم لا؟

للعلم، تضمنت أوراق رفض اللجوء معلومات باللغة العربية عن برامج الحكومة للأشخاص الذين يقرّرون الرحيل طوعاً، والاستفادة من البرامج التي تقدمها الحكومة الألمانية لذلك، وتتضمن مبلغاً مالياً وتذكرة سفر. ويمكن الطعن بالقرار خلال أسبوعين أمام المحاكم التي تقرّر ما إذا كان يمكن إصدار قرار سماح بالبقاء للذين أصدرت دائرة الهجرة قرار ترحيل بحقهم.

أزمة البصمات...وفضية الترحيل

من جهة ثانية، رغم أن من لديهم بصمات في دول أوروبية أخرى، يجري ترحيلهم من ألمانيا إلى تلك الدول، فإن المعضلة تبقى للذين، مثل حمزة، ليست لديهم بصمات تسجل دخولهم إلى الاتحاد الأوروبي. ما يعني أن هؤلاء يفترض نظرياً ترحيلهم إلى سوريا. ولكن مع استمرار تصنيف الخارجية الألمانية لسوريا بـ«غير الآمنة»، فإن الذين تصدر بحقهم طلبات ترحيل غالباً ما يحصلون على سماح بالبقاء حتى إشعار آخر، حسب ما أكدت دائرة الهجرة لـ«الشرق الأوسط».

وذكر ناطق باسم الدائرة التي تصدر وتنفّذ أوامر الترحيل، أن «الترحيل إلى سوريا غير ممكن حالياً بسبب عدم وجود رحلات جوية إلى دمشق، وهذا يعني بأن هناك عوائق أمام تنفيذ عمليات الترحيل...». وأضاف أن السوريين الذين تصدر بحقهم طلبات ترحيل إلى سوريا يحصلون على «تأشيرة سماح بالبقاء حتى إشعار آخر».

لا تُعدُّ مواقف ميرتس من المهاجرين جديدة وقد لا تكون تصريحاته شعبوية بقدر ما هي حقاً

ما يؤمن به

أيضاً، حسب ناطق باسم الخارجية الألمانية، فإن تصنيف ألمانيا لدولة بأنها «غير آمنة» لا يعني قطعاً بأنه لا يمكن لدائرة الهجرة أن تصدر قرارات ترحيل إليها. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» إن «التصنيف القانوني لدولة بأنها غير آمنة ليس بحد ذاته شرطاً مسبقاً لعدم الترحيل إليها، وما إذا كان هناك حظر للترحيل إلى وجهة معينة، فهذا يعود إلى السلطات الأمنية المعنية في كل ولاية».

وراهناً، لا تصنف الخارجية الألمانية «دولاً آمنة» إلا دول الاتحاد الأوروبي و10 دول إضافية معظمها من دول البلقان وشرق أوروبا، التي بدأت منذ سنوات مفاوضات انضمام للتكتل الأوروبي، إضافة إلى السنغال وغانا. وتحدد الخارجية «الدول الآمنة» بتلك التي ليس فيها خطر ملاحقة للأشخاص الذين يطلبون الحماية.

من جانب آخر، إذا كانت عمليات الترحيل إلى سوريا وأفغانستان متوقفة الآن أو محدودة، فإن الوضع قد يتغيّر قريباً. فالحكومة الألمانية تبدو عازمة على التوصل إلى اتفاقات مع البلدين لإعادة مواطنيهما؛ كونها فتحت مشاورات مع «طالبان» رغم عدم اعترافها بها كسلطة في أفغانستان. لكن يختلف الوضع في سوريا التي أعلنت برلين دعمها للحكومة الجديدة فيها، وهي تقدم مساعدات مالية كبيرة لمساعدتها على النهوض اقتصادياً ما يسهل إعادة اللاجئين إليها، حتى من ألمانيا.

هذا، ورغم أن المستشار الألماني أوضح لاحقاً بأنه يقصد «اللاجئين غير المندمجين» والذين ليس لديهم إقامات شرعية عند كلامه عن عمليات ترحيل جماعية، فإن كلامه عن «مظهر المدن» يعكس قلقاً متزايداً في ألمانيا من تأثير الهجرة عليها... والتي باتت ظاهرة بشكل كبير في المدن الكبرى. وهذا يفسّر كذلك استمرار تنامي اليمين المتطرف الذي يبني خطابه على التحريض ضد المهاجرين.

ميرتز (آف ب)

ميرتس وحزبه يدركان أن الخطر الأكبر على الديمقراطيين المسيحيين يأتي من «حزب البديل لألمانيا»، ولقد كرر ميرتس مراراً بأن «هذه هي الفرصة الأخيرة» لمواجهة الحزب المتطرف، وأنه يعتقد بأن «اعتماد سياسة هجرة أكثر حزماً» هي الرد على ذلك.

في المقابل، لا يشارك الاشتراكيون - المشاركون في الحكومة - الديمقراطيين المسيحيين رؤيتهم. ولذا؛ بدأت انشقاقات تظهر داخل الحكومة بسبب هذه الخلافات. بل دفعت تصريحات ميرتس الاشتراكيين إلى طلب عقد قمة عاجلة لمناقشة المخاطر الأمنية في البلاد، التي يقول الحزب إنها غير مرتبطة بفئة معينة من السكان.

حرب العنصريين مستمرة على الهجرة والمهاجرين

في هذه الأثناء، يركز خطاب اليمين المتطرف على لوم المهاجرين في زيادة الجرائم مستغلاً تنفيذ عدد من طالبي اللجوء من أفغانستان وسوريا عمليات إجرامية وإرهابية متتالية في الأشهر الماضية.

ولا يبدو أن خطط ميرتس باعتماد خطاب شبيه بخطاب اليمين المتطرف، ستجدي نفعاً. إذ أظهرت آخر استطلاعات للرأي نُشرت قبل أيام وبعد كلام ميرتس عن «مظهر المدن» استمرار تقدم حزب «البديل من أجل ألمانيا» على الديمقراطيين المسيحيين. وحسب آخر استطلاع أجراه معهد «فورسا»، فإن «البديل من أجل ألمانيا» يحلّ أولاً بنسبة 25 في المائة من أصوات المستطلعة آراؤهم، بينما يحل الديمقراطيون المسيحيون في المركز الثاني بفارق بسيط جداً، ويأتي الاشتراكيون في المركز الثالث بـ13 في المائة فقط. وهذا يعني أن الائتلاف الحاكم خسر غالبيته الشعبية بعد أشهر قليلة على تشكيل الحكومة.

كذلك، أظهر استطلاع آخر أن نسبة قلة الرضا عن ميرتس مرتفعة، وأن واحداً فقط من 4 أشخاص مستطلعة آراؤهم يعتقدون بأنه يؤدي عملاً جيداً بينما الآخرون يعتقدون العكس.

بأي حال، يأمل ميرتس بأن خططه الأكثر تشدداً في ملف الهجرة واللجوء، قد تكسبه شعبية أكبر قبل الانتخابات القادمة، وتقضم من نصيب اليمين المتطرف.ذلك أن خططاً لا تشمل فقط التشدد مع اللاجئين، بل توسّعت لتطال المهاجرين القانونيين كذلك. إذ أدخلت حكومته تعديلات على قانون التجنيس وإلغاء مسار الحصول على الجنسية خلال 3 سنوات للمندمجين بشكل خاص، وهو ما كانت أدخلته الحكومة السابقة التي قادها الاشتراكيون بمشاركة حزب «الخضر».


مقالات ذات صلة

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

حصاد الأسبوع دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء

«الشرق الأوسط» (بيروت)
حصاد الأسبوع في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.

سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز معركة الفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ عن ولاين ماين، بأقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، أمام

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

لا يواجه جميع المعتدلين نسخة مطابقة لاختبار السيناتورة سوزان كولينز في ولاية ماين؛ إذ بعضهم يحاول النجاة في دوائر تميل إلى الحزب الآخر، وبعضهم الآخر يدافع عن

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
حصاد الأسبوع الرئيس لولا يسعى إلى ولاية جديدة (إ.ب.أ)

البرازيل... اليمين يهدد آخر معاقل اليسار في أميركا اللاتينية

أحرز اليمين المتطرف الذي يهبّ على أميركا اللاتينية كالإعصار، نصراً مفاجئاً ومفصلياً في البرازيل، يوم الأحد قبل الماضي، 4 أكتوبر، (تشرين الأول)؛ فقد حقَّق

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)

العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

«نحن في كتلة اليمين واليمين الوسط نشكل نحو 65 في المائة من جمهور الناخبين؛ لذلك، سنظل قادرين على تشكيل الحكومة في المستقبل أيضاً. واضح لي أنني سأفقد تأييداً،

نظير مجلي ( القدس)

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء وإعادة الإعمار ودعم النازحين. وفي حين أكد الحزب أنه «يعمل على برنامج خاص بهذا الملف متى توافرت الإمكانات المالية»، برزت في المقابل مواقف نيابية معارضة رأت في هذا الطرح إقراراً بعجز الحزب عن تحمّل الأعباء، وربطت أي معالجة مستدامة بإعادة الملف كاملاً إلى الدولة وحصر السلاح بيدها. يأتي هذا السجال في ظل استمرار معاناة متضررين ونازحين من الحرب، وفي وقت لم تتبلور فيه بعد آلية شاملة لتمويل إعادة الإعمار، وسط نقاش سياسي يتجاوز مسألة تأمين الأموال إلى تحديد المسؤوليات وشروط مساهمة الدولة والجهات المانحة.

النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله يغادر البرلمان اللبناني وسط بيروت 14 يونيو 2023 (رويترز)

تكشف أرقام جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» عن أن ملف إعادة الإعمار والإيواء في لبنان لا يرتبط بأضرار حرب 2026 وحدها، بل يأتي فوق خسائر حرب 2024 التي لم يكن لبنان قد انتهى من معالجتها. ففي عام 2024، بلغت الأضرار المادية المباشرة نحو 6.8 مليار دولار أميركي، بينها 4.6 مليار دولار في قطاع السكن، في حين قُدِّرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار، قبل أن تضيف الحرب الجديدة أضراراً واسعة إلى المباني والمساكن والبنى التحتية.

في الواقع، لا تتوافر حتى الآن حصيلة وطنية نهائية لتكلفة أضرار حرب 2026 أو احتياجات إعادة الإعمار، في ظل استمرار العمليات وتأخر اكتمال التقييمات. غير أن الأرقام المرحلية التي جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» تُظهِر أن الأضرار المباشرة في المباني تجاوزت، حتى شهر أبريل (نيسان) 2026، نحو 1.745 مليار دولار في جنوب لبنان وبيروت وجبل لبنان، بينها أكثر من 1.38 مليار دولار في الجنوب وحده، وأكثر من 365 مليون دولار في بيروت وجبل لبنان. وهذه أرقام جزئية لا تمثل التكلفة النهائية للحرب، ومن ثم، لا يمكن مقارنتها مباشرة بالتقييم الوطني الشامل لأضرار 2024.

أكثر من 21 ألف وحدة سكنية مُدمَّرة

تتبيّن خطورة الأزمة بصورة أوضح في القطاع السكني. إذ بلغ عدد المباني المدمّرة بالكامل 11 ألفاً و95 مبنى في المنطقة جنوبي نهر الليطاني، إضافة إلى 146 مبنى في بيروت وجبل لبنان. كذلك أظهرت التقييمات تدمير 17 ألفاً و891 وحدة سكنية بالكامل في جنوب لبنان، و3168 وحدة في بيروت وجبل لبنان، بما يزيد على 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن المناطق التي شملتها التقييمات حتى تلك المرحلة.

وتترافق هذه الخسائر مع كمّيات ضخمة من الرّكام، بلغت نحو 3.1 مليون متر مكعب في جنوب لبنان ونحو 649 ألف متر مكعب في بيروت وجبل لبنان. ويعني ذلك أن العودة لا ترتبط بإعادة بناء المنازل فحسب؛ إذ ستحتاج مناطق واسعة أولاً إلى إزالة الركام وتأهيل الطرق وشبكات المياه والكهرباء والخدمات الأساسية، قبل أن يصبح من الممكن إعادة السكان إليها بصورة مستقرة.

النزوح يوسّع أزمة الإيواء

ويتقاطع الدمار السكني هذا مع أزمة إيواء ونزوح واسعة. إذ وفق البيانات الدولية، نزح نحو مليون شخص داخلياً في بداية التصعيد، في حين عبر نحو 100 ألف شخص إلى سوريا. وحتى الأول من شهر سبتمبر (أيلول) 2026، بقي 329 ألفاً و240 شخصاً في حالة نزوح داخلي؛ الأمر الذي يعكس استمرار الحاجة إلى حلول إيواء مؤقتة ومتوسطة الأجل، ولا سيما للعائلات التي دمّرت منازلها أو باتت بلداتها تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العودة.

بلغ عدد المباني المُدمّرة بالكامل

11 ألفاً و95 مبنى

في المنطقة جنوبي نهر الليطاني

عودة إلى الأصل أي... الدولة

في هذا السياق، طرح الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم التزام الحزب بالمساهمة في تأمين الإيواء والإعمار للمتضرّرين في الجنوب، إلى جانب حثّ الدولة على القيام بدورها، وقال إن الحزب «سيعلن قريباً عن مساهمته في مشروع للإيواء».

إلا أن النائب إبراهيم منيمنة قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» معلّقاً إن «(حزب الله)، على مدى سنوات، كان يأخذ رصيد الحكومة ويجيّره لنفسه». وأشار إلى أنه «في عام 2006 كانت الدول العربية تؤمّن القسم الأكبر من التمويل، لكن (حزب الله) استغل بعض الثغرات في أداء الدولة وحاول أن يحوّل هذا الرصيد لنفسه». وأردف منيمنة: «أما الآن، فيعود إلى الأصل، وهو الدولة. الدولة هي التي ستقوم بإعادة الإعمار... وهذا اعتراف من الحزب بأنه لن يقدر على الاستغلال».

منيمنة، وهو من نواب بيروت، توقّف أيضاً عند كلام النائب حسن فضل الله - أحد نواب «حزب الله» ومنطقة الجنوب - عن أن الدولة لديها الأموال، فقال: «المفارقة عندما يقول (فضل الله) إن الدولة لديها المال، وكأنه يحاول أن يتّهم هذه الدولة بأنها لا تقوم بواجباتها في هذا الموضوع، فيما هو يعلم أن هذا الكلام ليس صحيحاً، وهم أي الحزب ممثلون في الحكومة، وبالتالي فإن كلام الحزب غير دقيق وشعبوي».

وتابع منيمنة: «مَن يريد اليوم أن يضع ملف إعادة الإعمار، فعليه أن يدخل أولاً إلى الحكومة ويناقشه فيها، وأن ينفّذ قرارات الحكومة، أو الدولة، المتعلّقة بحصر السلاح. هذه أول خطوة حتى تكون مدخلاً إلى إعادة الإعمار».

جدير بالذكر، أن النائب فضل الله، كان في وقت سابق قد شدّد على أنه «عندما يكون هناك حكومة في لبنان، فهي المسؤولة عن شعبها وعن كل مواطن على أرضها مهما كانت أسباب الحرب، سواء كنّا معها أو معارضة لها، علماً أن لديها الإمكانات والقدرات المالية والاقتصادية».

وأضاف: «وبدل أن تصرف هذه الإمكانات في مواضع في غير أماكنها، يمكنها أن تُسخّر جزءاً من الإمكانات لموضوع إعادة الإعمار والإيواء ولدعم النازحين. وهذه مسؤولية أساسية على الحكومة، ومهما كان الخلاف معها، سنحمّلها المسؤولية، ونحن نعمل من خلالها والمجلس النيابي، لتوفير ما أمكن من موارد مالية لأجل هذا الملف».

في المقابل، أوضح منيمنة أن «التردّد في إعادة الإعمار ليس لأن الدولة لا تقوم بواجباتها»، واستطرد: «أولاً، الدول المانحة التي ستساعد على الإعمار ليست مستعدة لأن تضع أموالاً ثم تحصل حرب جديدة. ومن ناحية ثانية، النقاش حول حصر السلاح لم ينتهِ ولم يُحسم هذا الموضوع... بالتالي، هذا الكلام، ولو أن فيه اعترافاً ضمنياً بدور الدولة، فهو في الدرجة الأساسية كلام منقوص»، موضحاً أن «هناك مسؤولية على (حزب الله) بأن يدخل فعلاً إلى الدولة من خلال ملف حصر السلاح».

وعن مسؤولية «حزب الله» تجاه تعويض المتضررين، قال منيمنة: «برأيي، هو أساساً في هذا المجال لم يفِ بوعوده، والناس في حالة تذمّر لأنه لا يوجد تمويل، حتى لأعمال الإيواء، خصوصاً للناس الذين ما زالوا مهجرين... وواضح أن (حزب الله) غير قادر اليوم على القيام بهذا الملف، وبما أنه لم يعد قادراً، فقد تخلّى عنه».

الحكومة مسؤولة عن شعبها

وفي موازاة ذلك، يتردد في أوساط داخل بيئة «حزب الله» أن الحزب يعد خلال الفترة القريبة المقبلة لتقديم مساعدة نقدية للمتضرّرين، تُطرح على أنها «هدية تعويض»، من دون أن يصدر حتى الآن إعلان رسمي يحدد قيمتها أو الفئات التي ستشملها أو موعد بدء توزيعها.

وكان واضحاً في تصريح نعيم قاسم الأخير أن الحزب «سيسهِم»؛ ما يعني أنه لن يكون المموّل، بل ينتظر الدولة التي قاله إنه لن يتوقّف عن حثّها على إعادة الإعمار.

في سياق متصل، يتقاطع موقف النائب مارك ضو، النائب عن جبل لبنان، مع قراءة منيمنة لانتقال الحزب إلى التعويل على الدولة؛ إذ قال لـ«الشرق الأوسط» إن تحميل «حزب الله» الحكومة مسؤولية ملف إعادة الإعمار «يشكّل تأكيداً على عجزه»، معتبراً أن انتقاله إلى التعويل الكامل على الدولة يعكس عجزه عن تحمّل تبعات ما حصل.

وأضاف ضو: «عندما يصبح كل الاتكال على الحكومة، ويقال إن الاعتماد الآن عليها، فهذا تأكيد واضح على العجز». وتابع: «هو (أي حزب الله) يطالب الدولة والحكومة بتحمّل مسؤولية إعادة الإعمار، في حين أنه لا يتعامل معهما على هذا الأساس في ممارسته السياسية... والنتيجة، أنه يريد من الدولة أن تتولّى إعادة إعمار ما نتج عن أخطائه وأفعاله».

مسارات أخرى قبل تحميل الخزينة التكلفة

بدوره، قال النائب أديب عبد المسيح لـ«الشرق الأوسط» إن «(حزب الله) يتنصّل من مسؤوليته في ملف إعادة الإعمار، ويحاول تحميل الدولة واللبنانيين تبعات حرب كان هو سببا أساسياً في اندلاعها»، معتبراً أن أمام الحزب أكثر من مسار لمعالجة هذا الملف بدلاً من مطالبة الدولة بتحمل التكلفة كاملة.

وقال عبد المسيح، وهو من نواب شمال لبنان: «(حزب الله) ممثل في الحكومة بوزيرين، فليتفضّل وزيراه ويطالبا بقرار حكومي لإعادة الإعمار، وليحاولا تأمين إجماع حكومي على هذا الموضوع. إذا كانا قادرين على ذلك، فليفعلا».

ثم أضاف: «إذا لم يتمكّن الحزب من تأمين إجماع الحكومة على إعادة الإعمار، فهناك مسارات أخرى. أولاً، عليه أن يتحمّل مسؤوليته؛ لأنه هو من ورّط لبنان وفتح النار على إسرائيل وتسبب بهذه الحرب. وثانياً، لديه الإيرانيون، ويمكن لوزير الخارجية أن يتحرّك للمطالبة بتعويضات من الدولة الإيرانية عن الأضرار، باعتبار أن (الحرس الثوري) الإيراني حاضر على الأراضي اللبنانية عبر دعمه للحزب».

وتابع عبد المسيح: «هناك أيضاً إسرائيل، وهي المسبّب المباشر للدمار. يمكن اللجوء إلى المسارات والمحاكم الدولية للمطالبة بالحقوق والتعويضات، وعند تحصيلها تُستخدم في إعادة إعمار الجنوب. هذه حلول عملية يمكن العمل عليها».

وشدّد النائب عبد المسيح على رفضه أن تتحمّل الخزينة اللبنانية وحدها تكلفة إعادة الإعمار، قائلاً: «أما أن تتحمّل الدولة اللبنانية المسؤولية في النهاية، وأن تأخذ الضرائب من الناس، فأنا أدفع وأنت لإعادة إعمار الجنوب، فهذا لن يحدث أبداً».

ورأى أن الحزب «يتنصّل» من مسؤوليته؛ إذ «يبدأ اليوم بالمطالبات والتحركات، وقد تتحول غداً تحركات في الشارع ضد الحكومة أو ضد الجيش، بحيث يحاول، بدلاً من أن يتحمل المسؤولية، أن يحملها لغيره... هذا أمر واضح مائة في المائة. يبدأ الأمر بهذه المطالبات، ثم يجري تنظيم التحرّكات على الموجة نفسها، في محاولة للظهور كجزء من المعارضة والمطالبة بحقوق شبيهة بحقوق موظفي الدولة أو سائر اللبنانيين، في حين كان الحزب أساسياً في هذه الحرب، وليس مجرد طرف عادي فيها».

الحرب تقوّض الاقتصاد اللبناني

ختاماً، يأتي اتساع حاجات الإيواء والإعمار في وقت تراجعت قدرة الاقتصاد اللبناني والدولة على تحمل أعباء إضافية. إذ تشير الأرقام إلى توقع انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 6.4 في المائة خلال 2026، في حين تضاف احتياجات الحرب الحالية إلى فاتورة إعادة إعمار 2024 المقدرة أصلاً بنحو 11 مليار دولار.بناءً عليه؛ لم يعد الملف مقتصراً على تعويض أصحاب المنازل المتضررة، بل صار يشمل تأمين الإيواء للنازحين، وإزالة ملايين الأمتار المكعبة من الركام، وإعادة تأهيل الخدمات والبنى التحتية، ثم إعادة بناء آلاف المباني وأكثر من 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن نطاق التقييمات المُنجزة حتى الآن.


سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
TT

سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز معركة الفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ عن ولاين ماين، بأقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، أمام منافسها الديمقراطي تروي جاكسون. بعد نحو ثلاثة عقود في المجلس، تدافع كولينز (73 سنة) عن سجل طويل من الخدمات والتسويات، في حين يتساءل ناخبون اعتادوا تأييدها إن كان إخراج الجمهوريين من قيادة المجلس الطريق الأجدى لتقييد الرئيس دونالد ترمب؟ وبين الحسابين، تتجاوز المعركة مستقبلها الشخصي لتطرح سؤالاً أوسع: هل تكفي الثقة بالسياسي حين يفقد الناخب ثقته بالحزب الذي ينتمي إليه؟

كولينز المولودة في السابع من ديسمبر (كانون الأول) 1952 في كاريبو، أقصى شمال ماين، واحدة من ستة أبناء لعائلة ارتبط اسمها بتجارة الأخشاب والخدمة العامة. تولّى والدها ووالدتها رئاسة بلدية المدينة، وخدم الأب في المجلس التشريعي للولاية. هناك، قرب الحدود الكندية، تشكلت صلتها بمجتمع صغير يعرف ممثليه بأسمائهم ويحاسبهم على ما يقدمونه لحياته اليومية. لكن هذه الصلة تواجه اليوم اختباراً صعباً، مع تحول مقعدها ساحة صراع على الأغلبية، وعلى مكان الوسطيين في سياسة أميركية قد تصبح فيها هوية الحزب أهم من شخصية ممثله.

من بلدة كاريبو ...إلى واشنطن

تخرجت كولينز في جامعة سانت لورانس الصغيرة الراقية بريف ولاية نيويورك عام 1975، وبدأت العمل مع النائب الجمهوري وليام كوهين (وزير الدفاع فيما بعد)، ثم انتقلت معه إلى مجلس الشيوخ.

ولاحقاً، تولت كولينز مسؤولية التنظيم المهني والمالي في حكومة ماين، ثم إدارة المكتب الإقليمي لوكالة المشاريع الصغيرة بتعيين من الرئيس جورج بوش الأب. ثم عام 1996، انتُخبت لخلافة كوهين في مجلس الشيوخ، لتبدأ مسيرة جُددت أربع مرات. وهي متزوجة من توماس دافرون، وتقيم في مدينة بانغور بولاية ماين.

بيد أن هذه التفاصيل ليست مجرد محطات في سيرة ذاتية؛ إذ تكونت سياسياً داخل «التيار التقليدي» في الحزب الجمهوري، الذي يعوّل على الخبرة التشريعية واحترام المؤسسات والتفاوض مع الديمقراطيين لإنجاز التسويات. ولم تبنِ حضورها على الخطب الصاخبة أو «التعبئة» ضد واشنطن، بل على معرفة طرقها: كيف تُكتب التشريعات، وتُجمع الأصوات، وتُنتزع المخصّصات لولاية صغيرة.

وحقاً، تلخص كولينز خلال لقاء مع الـ«واشنطن بوست»، هذه النظرة بقولها: «هناك من يعملون، وهناك من يستعرضون»، واضعة نفسها في الفئة الأولى. ثم تقول إن خطاباً نارياً يرفع شعبية صاحبه على وسائل التواصل الاجتماعي لا يغير بالضرورة النتيجة. وهذه حجة شخصية عامة مخضرمة في زمن يكافئ المواجهة العلنية، وأحياناً يعتبر التفاوض والمساومة بعيداً عن الكاميرات ضعفاً.

غير أن تداخل الأسرة والمهنة والمؤسسة، الذي منحها جذوراً وثباتاً، يسمح لخصومها أيضاً بتصويرها ممثلة لطبقة سياسية استقرت طويلاً في السلطة. فالأقدمية في حملتها رصيد يحمي مصالح ولايتها، لكنها في حملة منافسها جاكسون تطرح سؤالاً عمّا إذا كانت الخبرة ما زالت تنتج تغييراً يشعر به الناس.

استقلالية قيد المحاكمة

والواقع، أنه يصعب اعتبار كولينز «تابعاً» لترمب؛ إذ تقول حملتها إنها لم تصوّت له قط، بل كانت ضمن الجمهوريين الذين أيّدوا محاولة عزله الثانية عام 2021. كذلك خالفت إدارته في تصويتات مهمة، بينها رفض تعيين بيت هيغسيث وزيراً للحرب، ورفض النسخة النهائية من تشريع الضرائب والإنفاق الكبير عام 2025. ولها أيضاً سجلٌ يتجاوز الاعتراض؛ فقد قادت مع السيناتور جو مانشين - الذي كان آنذاك من أبرز الديمقراطيين اليمينيين قبل مغادرته الحزب -، مساراً مشتركاً لتعديل قانون فرز الأصوات الانتخابية. وأقرّ التعديل عام 2022 لمعالجة ثغرات كشفت عنها أزمة انتقال السلطة، إثر رفض ترمب الإقرار بهزيمته أمام جو بايدن وترويجه ادعاءات بتزوير انتخابات 2020. وهذه وظيفة مؤسساتية للوسط: تحويل الخلاف إلى قواعد يمكن أن يقبلها الطرفان.

لكن منتقديها يميّزون بين مخالفة الرئيس ومنعه. ووفق تحليل في الـ«نيويورك تايمز»، فإنها تعارض سياساته في التصويت أكثر من سائر الجمهوريين، لكن معارضتها نادراً ما تبدّل النتيجة. وهنا تنتقل المحاكمة من النيات إلى الفعل... فما معنى الاستقلالية إذا بقيت الإدارة قادرة على تنفيذ ما تعترض عليه؟

وتظل قضية الإجهاض الجرح الأعمق في تقييمها. فكولينز تؤيد حقوق الإجهاض، لكنها دعمت تثبيت القاضي المحافظ بريت كافانو عام 2018، قبل أن يشارك في قرار المحكمة العليا الذي ألغى الحماية الدستورية الفيدرالية لهذا الحق عام 2022. ودفاعها المستمر عن ذلك التصويت يعيد فتح مسألة الثقة لدى ناخبين يرون أن تطميناتها لم تصمد أمام النتائج.

مع ذلك، ليس كل تصويت خاسر مسرحية سياسية، كما أن ليس كل اعتراض دليلاً كافياً على المقاومة. فالشيخ لا يملك منفرداً غالبية المجلس. أما السؤال المشروع، فهو ما إذا كانت كولينز تستخدم كامل نفوذها لفرض حدود على الإدارة، أم تكتفي بمسافة محسوبة تسمح لها بالبقاء داخل ائتلافها؟ حسب المنتقدين.

ترمب على مائدة الناخب

وبالفعل، تبدو هذه المناقشة أقل تجريداً في ماين، حيث تتقاطع السياسات الرئاسية مع فواتير التدفئة والتجارة والسياحة عبر الحدود. فالحرب مع إيران رفعت تكلفة الوقود، في حين وضعت الرسوم على كندا مصالح محلية أمام ضغوط إضافية. وباتت كولينز مطالبة بمعالجة أزمات تخلقها الإدارة التي ينتمي حزبها إليها.

وفي حين ضغطت لتسريع مساعدات التدفئة للأسر محدودة الدخل، وسعت إلى استثناء الملح الذي يُرش على الطرق في فصل الشتاء من الرسوم الجمركية، حوّل منافسها جاكسون، الحطّاب والرئيس السابق لمجلس شيوخ الولاية، إنجازها إلى عبارة هجومية مؤداها أن «سكان ماين لا يستطيعون أكل ملح الطرق»، في حرصه على نقل النقاش من الاستثناءات التي تنتزعها إلى السياسات التي تجعلها ضرورية.

وفي مناظرتهما الثالثة مساء الثلاثاء، برز مجدداً ملف الهجرة بعد مقتل مهاجر برصاص أحد عناصر إنفاذ قوانين الهجرة (أيس) في بلدة بيدفورد خلال يوليو (تموز). وأقرّت كولينز بأن الإدارة نشرت أعداداً كبيرة من العناصر من دون تدقيق مناسب في اختيارهم، في حين حمّلها جاكسون مسؤولية سياسية عن التمويل.

وفي ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها مسافة عن إدارته. لكن انتقالها من تأييد الحرب في البداية إلى دعم تقييد صلاحياته العسكرية يمنح خصمها فرصة للسؤال عن توقيت الاعتراض، لا عن وجوده وحده.

في المقابل، تهاجم كولينز سجلّ جاكسون التشريعي وتحمّله مسؤولية سياسات تقول إنها رفعت تكاليف الطاقة والسكن. وبالتالي، ما عادت المواجهة بين مرشحة بلا إنجازات وخصم بلا سجل، بل بين تفسيرين للغلاء وللجهة الأقدر على تخفيفه: نفوذ جمهوري داخل الإدارة، أم غالبية ديمقراطية تراقبها وتواجهها.

غالبية أم جسر؟

عام 2020، فازت كولينز بفارق نحو 9 نقاط مئوية، في حين خسر ترمب ولاية ماين بفارق مماثل. يومها استطاع الناخب أن يرفض الرئيس ويحتفظ بالسيناتورة على ورقة الاقتراع نفسها. أما الآن، فلا انتخابات رئاسية تتيح الفصل ذاته، بل أصبح مقعدها إحدى الأدوات المباشرة لمعاقبة البيت الأبيض.

وفي تحقيقات للـ«نيويورك تايمز» والـ«واشنطن بوست»، تلتقط شهادات الناخبين هذه النقلة، حيث لا ينكرون خدماتها ولا يشككون في كفاءتها، لكنهم يريدون ببساطة مجلساً يضع قيوداً على ترمب. في المقابل، لا يزال ديمقراطيون ومستقلون يعدّونها ممثلة موثوقة، ويرفضون التضحية بها لمجرد انتمائها الحزبي. من هنا، يرى البعض أن خسارتها قد تبدو ربحاً واضحاً للديمقراطيين في حساب المقاعد، لكنها تحمل احتمال خسارة شريكة تفاوض داخل الحزب الآخر. ولا تناقض حتمياً بين الأمرين: يستطيع الديمقراطي أن يقدّر دورها، ثم يرى أن تغيير الأغلبية أرجح كفة من الاحتفاظ بذلك الدور.

وبالمثل، لن يكون فوزها هزيمة صافية لترمب؛ فهو يحتفظ للجمهوريين بمقعد بالغ الأهمية، وربما يساعدهم على حماية الغالبية. لكنه سيبرهن أيضاً على أن الفوز في بعض الولايات يتطلب الابتعاد عن الرئيس، وأن الصيغة الجمهورية القابلة للتسويق وطنياً ليست بالضرورة الصيغة الأكثر ولاءً له.

وتزداد المفارقة مع رئاسة كولينز لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ. فهي تطلب من الناخب حماية نفوذ يصعب تعويضه سريعاً، في حين يردّ خصومها بأن النفوذ يقاس بما يمنعه أيضاً. وإذا استطاعت الإدارة تعطيل إنفاق أقره الكونغرس أو الالتفاف على أولوياته، تغدو قدرة كولينز على حماية صلاحيات الكونغرس في إقرار الإنفاق جزءاً من تقييم نفوذها نفسه.

بل حتى الطرفان اللذان يريدان حسم المعركة يجدان نفسيهما أمام حسابات متعارضة: فالجمهوريون يحتاجون إلى أصوات ناخبين ينفرون من زعيمهم، والديمقراطيون يحتاجون إلى إقناع ناخبين بأن إعجابهم بسيناتورة جمهورية لا ينبغي أن يتقدّم على تغيير اتجاه الحكم.

الوسط يبحث عن جدواه

بالتالي، لا تعني هذه المعركة أن الساحة خلت تماماً من الوسطيين، ولا أن الشعبوية احتكرت الحزبين بالقدر نفسه. كما أن الوسطية ليست مرادفاً دائماً للانتماء إلى المؤسسة. فقد يكون السياسي المخضرم شديد الحزبية، وقد يكون جديداً وقادراً على بناء تسويات. وجاكسون - نفسه الذي ينافس كولينز - يعقّد الثنائية المبسطة. فهو تقدمي طبقي، لكنه صاحب خبرة في قيادة مؤسسة تشريعية. ولذلك؛ لا يكفي وضعه في خانة الشعبوية ثم اعتبار هزيمة كولينز إذا حصلت، دليلاً تلقائياً على انتصار التطرف. فالاختبار الأهم هو ما سيقدمه الفائز من سياسات، وكيف سيتعامل مع حدود السلطة وخصومه.

مع ذلك، تكشف كولينز عن أزمة حقيقية في نموذج الوساطة القديم. فحين يُطالب الناخب بمنع قرار يمس حقوقه أو معيشته، لا تكفيه الإشارة إلى حوار مستمر مع صانعيه. بل يحتاج المعتدل إلى شرح الرابط بين قدرته على الوصول إلى المسؤولين وقدرته على تغيير ما يفعلونه، وإلّا بدت التسوية امتيازاً لأهل السياسة لا منفعة للمواطنين.

وفي صورة ساخرة من الحملة، وصل خطأً إعلان يهاجم جاكسون، موَّلته مجموعة جمهورية، إلى مدينة بورتلاند بولاية أوريغون بدلاً من مدينة بورتلاند في ماين. ثم صحح الخطأ وأعيدت الأموال، لكنه أتاح لخصوم كولينز التشكيك في اتصال حلفائها بالولاية. وهذه واقعة صغيرة في سباق يختبر صدقية القرب من الناس.

الأرجح، أن انتخابات ماين لن تحسم مصير الاعتدال الأميركي، لكنها ستكشف عن الشروط الجديدة لبقائه. فنجاة كولينز ستعني أن الرصيد الشخصي والخدمات والاستقلال النسبي ما زالت قادرة على مقاومة الاستقطاب. وخسارتها ستشير إلى أن ناخبين باتوا يفضّلون تغيير ميزان السلطة على الاحتفاظ بوسيط داخلها.


وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
TT

وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

لا يواجه جميع المعتدلين نسخة مطابقة لاختبار السيناتورة سوزان كولينز في ولاية ماين؛ إذ بعضهم يحاول النجاة في دوائر تميل إلى الحزب الآخر، وبعضهم الآخر يدافع عن استقلاليته أمام قاعدته. ومن أبرز هؤلاء من دون افتراض أن فرصهم الانتخابية ومواقفهم متساوية، الساسة التالية أسماؤهم:

• النائب الجمهوري براين فيتزباتريك في بنسلفانيا، الذي يمثل الدائرة الأولى ويواجه الديمقراطي بوب هارفي، المفوض في مقاطعة باكس والمدرّس السابق. يبني العضو السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي صورته على العمل عبر الحزبين ومخالفة ترمب في ملفات محددة. لكن خصمه يسعى إلى تحويل الاقتراع من تقييم لشخص النائب إلى حكم على الغالبية الجمهورية. ومع ذلك، لا يصح افتراض أن مجرد تشابه مأزقه مع كولينز يجعل حظوظهما متطابقة.

• النائب الجمهوري مايك لولر في نيويورك، يخوض مواجهة مع الديمقراطية كيت كونلي، صاحبة الخبرة العسكرية والأمنية، في الدائرة السابعة عشرة التي فازت فيها كامالا هاريس عام 2024. لولر يقدم نفسه جمهورياً براغماتياً قادراً على العمل مع الديمقراطيين، لكنه يحتاج إلى الاحتفاظ بالقاعدة الجمهورية أيضاً. امتحانه هو إقناع الناخب بأن استقلاله يترك أثراً ملموساً، في حين تسعى منافسته إلى جعل العلاقة بترمب محور الاختبار.

• النائبة الديمقراطية ماري غلوسنكامب بيريز في ولاية واشنطن، التي تواجه الجمهوري جون براون في الدائرة الثالثة، وتقدم نموذجاً معكوساً لكولينز؛ فهي ديمقراطية تحاول الاحتفاظ بدائرة أيدت ترمب، وتستند إلى خطاب محلي واهتمام بالمهن والتكاليف اليومية، وتخالف حزبها في بعض القضايا. لكن استمالة المحافظين لا تضمن رضا الديمقراطيين، وقد وثّقت الإذاعة العامة المحلية استياء ناخبين من خيارات السباق. ويكشف اختبارها أن بناء ائتلاف عابر للحزبين يحتاج إلى بقاء قاعدة متحمسة، لا مجرد الوصول إلى الطرف الآخر.

• النائب الديمقراطي دون ديفيس في نورث كارولينا، يواجه الجمهورية لوري باكهاوت في الدائرة الأولى، بعدما جعلت إعادة ترسيم الخريطة الانتخابية التي فرضها الجمهوريون، الفوز فيها أكثر صعوبة على الديمقراطيين. ديفيس يروّج لوسطيته، لكن الخريطة تضع حدوداً لما تستطيع السمعة الشخصية تحقيقه.

توضح هذه الحالات أن بقاء الوسط لا يعتمد فقط على اعتدال الناخبين، بل هو يتأثر بحدود الدوائر، وصورة الرئيس، وتعبئة القواعد، وقدرة المرشح على تحويل المخالفة الحزبية إلى منفعة مفهومة... ثم إن فوز معتدل من حزب قد يعني هزيمة معتدل من الآخر، لا انتصاراً تلقائياً على التطرف. لذلك قد يكون الاختبار الأعمق بعد الانتخابات: هل يملك الناجون استعداداً ونفوذاً لبناء تشريعات مشتركة، أو تفرض معركة الغالبية عليهم العودة إلى الاصطفاف الذي وعدوا ناخبيهم بتجاوزه؟