ترمب يثير قلقاً نووياً ويتوصل إلى هدنة تجارية لمدة عام بين أميركا والصين

الرئيس الأميركي: اجتماع «عظيم حقاً» مع شي يقتضي خفض الرسوم الجمركية ورفع القيود المتبادلة

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ مع فريقيهما خلال القمة في مطار جيمهاي بكوريا الجنوبية (أ.ب)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ مع فريقيهما خلال القمة في مطار جيمهاي بكوريا الجنوبية (أ.ب)
TT

ترمب يثير قلقاً نووياً ويتوصل إلى هدنة تجارية لمدة عام بين أميركا والصين

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ مع فريقيهما خلال القمة في مطار جيمهاي بكوريا الجنوبية (أ.ب)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ مع فريقيهما خلال القمة في مطار جيمهاي بكوريا الجنوبية (أ.ب)

نجح الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ الخميس في التوصل إلى هدنة تجارية لما لا يقل عن عام واحد بين أكبر اقتصادين في العالم. غير أن الأول أطلق عنان المخاوف من العودة إلى سباق التسلح بعدما أعلن أن الولايات المتحدة ستستأنف فوراً التجارب النووية بعد أكثر من ثلاثة عقود على وقفها.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يهمس في أذن نظيره الصيني شي جينبينغ خلال القمة بينهما في كوريا الجنوبية (رويترز)

وبعد اجتماع استمر نحو مائة دقيقة مع نظيره الصيني على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ «أبيك» بمدينة بوسان في كوريا الجنوبية، أعلن الرئيس ترمب أنهما خففا إلى حد كبير حدة المواجهة التجارية بين بلديهما بما يشمل إلغاء التدابير الانتقامية، مضيفاً أنه سيخفض الرسوم الجمركية على الواردات من الصين، مقابل موافقتها على معاودة شراء فول الصويا وتأجيل قيودها على استيراد الولايات المتحدة للمعادن النادرة. وأوضح أن الواردات الصينية ستخضع الآن لرسوم جمركية بنسبة 47 في المائة، بانخفاض 10 نقاط مئوية عن متوسط ​​المعدل قبل الاجتماع، مضيفاً أنه في المقابل، وافق شي على استئناف شراء فول الصويا وتأجيل القيود المفروضة على المعادن الأرضية النادرة لمدة عام، ما يمنح الولايات المتحدة إعفاء من الضوابط التي يمكن أن تعرّض للخطر سلاسل توريد الجوالات والطائرات المقاتلة والعديد من المنتجات الأخرى. وكذلك ستوسع بكين نطاق التعاون لوقف تدفق المواد الكيماوية المستخدمة في سلائف الفانتانيل إلى الولايات المتحدة - التي اتهم ترمب الصين بتسهيلها - وستعزز التجارة الزراعية.

التجارب النووية

وكذلك أفاد ترمب بأن الصين وافقت على بدء عملية شراء مصادر الطاقة من الولايات المتحدة، بدءاً بالنفط والغاز من ألاسكا، مضيفاً أن وزير الطاقة كريس رايت ووزير الداخلية دوغ بورغوم وفريق الطاقة في الإدارة سيجتمعون قريباً مع نظرائهم الصينيين لمناقشة صفقة محتملة. وأشار ترمب إلى أن الصين تشتري النفط من روسيا منذ فترة طويلة، لكنه أضاف أنهما لم يناقشا الموضوع بجدية.

ورغم هيمنة المواضيع المتعلقة بالتجارة على جولة ترمب الآسيوية التي شملت ماليزيا واليابان وكوريا الجنوبية، فإنه استبق اجتماعه مع شي بإعلان مفاجئ. فقبل دقائق من هبوطه في بوسان، للقاء شي، أعلن ترمب عبر «تروث سوشيال» أن الولايات المتحدة ستستأنف فوراً تجارب الأسلحة النووية بعد توقف دام 33 عاماً.

دونالد ترمب وشي جينبينغ بعد محادثات القمة الأميركية الصينية في مطار جيمهاي الدولي في بوسان بكوريا الجنوبية (أ.ب)

وجاء إعلان ترمب في ظل تقدم الصين المطرد على المستوى النووي، وبعدما أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده اختبرت بنجاح صاروخاً يعمل بالطاقة النووية، وقادراً على حمل رؤوس نووية، ثم اختبرت، بشكل منفصل، مسيرة نووية بحرية قادرة على إحداث موجات مد عاتية «تسونامي». وكذلك يشرف الرئيس الصيني على واحدة من أسرع عمليات بناء الترسانة النووية على وجه الأرض.

وعندما سُئل عما إذا كان يعتقد أن توجيهه سيخلق بيئة نووية أكثر خطورة، قلل ترمب من شأن ذلك قائلاً: «أعتقد أننا حسمنا الأمر تماماً». وأضاف أن الولايات المتحدة تُجري بالفعل محادثات مع روسيا حول نزع السلاح النووي، وأن «الصين ستنضم إلى هذه المحادثات».

اجتماع «عظيم»

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ لدى مغادرتهما الاجتماع في مطار جيمهاي بكوريا الجنوبية (أ.ف.ب)

ولدى مغادرته عائداً إلى واشنطن، قال ترمب على متن طائرة «إير فورس وان» الرئاسية الأميركية: «على مقياس من 1 إلى 10، حيث 10 هو الأفضل، أعتقد أن الاجتماع كان 12». وفي منشور على منصته «تروث سوشيال» للتواصل الاجتماع، شكر ترمب شي على الاجتماع «العظيم حقاً».

ووفقاً لبيان رسمي صيني، أكد الرئيس شي على أهمية الاستقرار، واصفاً التجارة بأنها «ثقل ومحرك» للعلاقات الصينية - الأميركية، مضيفاً أن لبلديهما تعاوناً في قضايا مثل الأمراض المعدية والذكاء الاصطناعي والهجرة غير الشرعية. وقال: «ينبغي للجانبين التركيز على الصورة الكبرى والفوائد الطويلة الأجل للتعاون، بدلاً من الوقوع في حلقة مفرغة من الانتقام المتبادل».

وأعلن ناطق باسم وزارة التجارة الصينية أنه بالإضافة إلى خفض الرسوم الجمركية، ستعلق واشنطن لمدة عام تحقيقاً في قطاع بناء السفن الصيني، وقاعدة كانت ستوسع نطاق تطبيق ضوابط التصدير لتشمل فروع الشركات.

ويعتقد محللون أن الاتفاق بين ترمب وشي يثبت من نواح عدة ثقة الرئيس الصيني التي عبر عنها قبل الاجتماع، وسعيه الحثيث إلى كسب النفوذ في المعارك التجارية، بما في ذلك مقاطعة التجارة مع المزارعين الأميركيين، وفرض ضوابط شاملة على المعادن النادرة بما يهدد الاقتصاد العالمي. وقال ترمب إن الدولتين ستتمكنان من إتمام الاتفاق التجاري «قريباً جداً». ولكنه أقر بأنه سيتعين تجديد الاتفاق سنوياً. وأضاف: «سنعيد التفاوض على الاتفاق كل عام، لكنني أعتقد أنه سيستمر لفترة طويلة، تتجاوز العام بكثير».

ويُعدّ معدل التعريفة الجمركية الجديد الذي أعلنه ترمب أقل بكثير من ذروة الحرب التجارية هذا العام، عندما رفعت الإدارة المعدل الشامل إلى 145 في المائة. لكن المعدل لا يزال أعلى بكثير من متوسط ​​الرسوم الجمركية على السلع قبل ولاية ترمب الثانية، علماً أن المستوردين الأميركيين يدفعون الرسوم الجمركية، وغالباً ما تحمل هذه التكاليف الشركات والمستهلكين الذين يشترونها. ونتيجة لذلك، يعدّها الكثيرون ضرائب على المستخدمين النهائيين.

لقاء «ودي»

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ مع فريقيهما خلال القمة في مطار جيمهاي بكوريا الجنوبية (أ.ب)

وفي مستهل الاجتماع الذي عقد في قاعدة جيمهاي الجوية الكورية الجنوبية، قال شي، عبر مترجمين، إنه شعر «بالود» لرؤية ترمب مجدداً بعد «سنوات عديدة» من لقائهما الأخير عام 2019، مذكّراً بأنهما تحادثا هاتفياً ثلاث مرات وتبادلا الرسائل منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض في يناير (كانون الثاني) الماضي. وأشار إلى حماسة ترمب للمساعدة في تسوية «مختلف القضايا الإقليمية الساخنة» حول العالم، معبراً عن اعتقاده أن البلدين يمكنهما مساعدة بعضهما بعضاً على النجاح. وقال: «لا نتفق دائماً في وجهات النظر، ومن الطبيعي أن تحدث خلافات بين القوتين الاقتصاديتين الرائدتين في العالم من حين لآخر». وأضاف: «أومن دائماً بأن تنمية الصين تتماشى مع رؤيتكم لجعل أميركا عظيمة مجدداً».

وجاء في البيان الصيني أن ترمب «يتطلع إلى زيارة الصين مطلع العام المقبل»، وهو ما دعا الرئيس شي لزيارة الولايات المتحدة. وأعلن ترمب أنه سيزور الصين في أبريل (نيسان)، وأن الزعيم الصيني سيزوره في واشنطن أو بالم بيتش بولاية فلوريدا، موطن نادي مارالاغو الخاص به.

أرشيفية لاختبارات نووية في صحراء نيفادا عام 1953 (أ.ب)

وأكد أن الصين وافقت على شراء «كميات هائلة» من فول الصويا بعدما قاطعت سابقاً منتجات المزارعين الأميركيين رداً على الرسوم الجمركية. وأضاف أن تقدماً أحرز أيضاً في شأن الفانتانيل. وفي الأسابيع الأولى من إدارته، برر ترمب الرسوم الجمركية باتهام بكين بتسهيل التجارة العالمية للدواء والمواد الكيماوية المستخدمة في تصنيعه. في المقابل، خفض ترمب الرسوم الجمركية المرتبطة بالفانتانيل من 20 إلى 10 في المائة. وقال ترمب: «اتفقنا على أن شي سيبذل قصارى جهده لوقف تدفقه».

لكن بعض القضايا الرئيسية التي تواجه البلدين لا تزال دون حل. وأفاد ترمب وكبار مسؤولي التجارة في إدارته بأن النقاش شمل مبيعات أشباه الموصلات، لكن الخطوة التالية ستكون أن تتفاوض بكين مباشرة مع شركة «إنفيديا»، أكبر مصنع للرقائق في الولايات المتحدة.

اختبارات نووية في صحراء نيفادا تعود لعام 1955(أ.ب)

وقال الممثل التجاري الأميركي، جايمسون غرير: «ستتحدث إنفيديا مع الصين وترى ما هو ممكن»، مضيفاً أن شي وترمب لم يناقشا رقائق «بلاكويل» المتقدمة التي تنتجها الشركة. ولم يصرح ترمب بما إذا كان أحرز هو وشي تقدماً في صفقة بيع «تيك توك» لاتحاد يضم مستثمرين أميركيين في الغالب، وهي مسألة كان صرح بأنها ستكون على جدول أعمال القمة. ووافقت الصين على «حل القضايا المتعلقة بتيك توك بشكل سليم»، وفقاً لناطق باسم وزارة التجارة الصينية.

بدا أن الاجتماع ركّز بشكل كبير على المواضيع المتعلقة بالتجارة، حتى بعد أن كتب ترمب على وسائل التواصل الاجتماعي أنه وجّه البنتاغون لبدء اختبار الأسلحة النووية مجدداً في أثناء توجهه للقاء شي. ومن شأن مثل هذه الاختبارات أن تُغيّر مسار عقود من السياسة النووية الأميركية، وقد تُؤدّي إلى توتر العلاقات مع الحلفاء.


مقالات ذات صلة

الكونغرس الجديد يختبر سلطة ترمب ووحدة الجمهوريين

تحليل إخباري الأغلبية الجديدة في الكونغرس غير كافية لكسر «الفيتو» الرئاسي (رويترز)

الكونغرس الجديد يختبر سلطة ترمب ووحدة الجمهوريين

أمام الجمهوريين شهران لاستغلال أغلبيتهم قبل تسلّم الكونغرس الجديد مهامه وتمرير ما أمكن من أجندتهم التشريعية.

رنا أبتر (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

عدّه «ابتزازاً»... ترمب يطلب التحقيق في تلويح الديمقراطيين بعزل مسؤولين بإدارته

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب السبت إنه طلب من وزارة العدل التحقيق في تهديد الديمقراطيين باستغلال سيطرتهم على الكونغرس، لعزل مسؤولين في إدارته.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية ترمب مع نائبه جي دي فانس في واشنطن يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب) p-circle

واشنطن بين استئناف التفاوض وتشديد الضغوط على إيران

تتأرجح المواجهة بين واشنطن وطهران بين مساعٍ دبلوماسية لاستئناف المفاوضات واحتواء التصعيد، وضغوط أميركية متواصلة لتقييد قدرات إيران وإمداداتها العسكرية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - لندن - طهران)
الولايات المتحدة​ الرئيس ترمب في البيت الأبيض بعد نتائج الانتخابات النصفية يوم 5 نوفمبر 2026 (أ.ب) p-circle

هل يغلق الكونغرس باب الحرب أمام ترمب؟

تتزايد الضغوط السياسية على الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنهاء الحرب مع إيران، مع اقتراب انتقال السيطرة على الكونغرس إلى الديمقراطيين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ دونالد ترمب ودانا وايت في البيت الأبيض (أ.ف.ب)

ترمب يعرض على رئيس منظمة فنون قتالية منصب المتحدث باسم البيت الأبيض

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، السبت، إنه عرض منصب المتحدث باسم البيت الأبيض على دانا وايت، رئيس إحدى بطولات الفنون القتالية المختلطة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الكونغرس الجديد يختبر سلطة ترمب ووحدة الجمهوريين

الرئيس ترمب في البيت الأبيض بعد نتائج الانتخابات النصفية يوم 5 نوفمبر 2026 (أ.ب)
الرئيس ترمب في البيت الأبيض بعد نتائج الانتخابات النصفية يوم 5 نوفمبر 2026 (أ.ب)
TT

الكونغرس الجديد يختبر سلطة ترمب ووحدة الجمهوريين

الرئيس ترمب في البيت الأبيض بعد نتائج الانتخابات النصفية يوم 5 نوفمبر 2026 (أ.ب)
الرئيس ترمب في البيت الأبيض بعد نتائج الانتخابات النصفية يوم 5 نوفمبر 2026 (أ.ب)

بعد انقشاع غبار الزلزال الانتخابي الذي أحدثته الانتخابات النصفية الأميركية، تتجه الأنظار إلى الكونغرس بتركيبته الجديدة ووجوهه المتنوعة. فالديمقراطيون، الذين أغدقوا الوعود على الناخبين، يواجهون اختبار ترجمتها إلى سياسات وتشريعات، في حين يسعى الجمهوريون، بعد هزيمتهم المدوّية، إلى التكيّف مع انتقالهم إلى صفوف الأقلية. غير أن شهرين يفصلان الكونغرس الجديد عن تسلّم مهامه مطلع العام المقبل، وهي فترة قد يسعى الجمهوريون خلالها إلى استغلال ما تبقّى من أغلبيتهم لتمرير أكبر قدر ممكن من أولوياتهم التشريعية وأجندة الرئيس دونالد ترمب.

ويستعرض برنامج تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وشبكة «الشرق»، حدود قدرة الكونغرس الجديد على كبح سياسات ترمب، واحتمالات تمرّد الجمهوريين عليه بعد الهزيمة الانتخابية، فضلاً عن أبرز الملفات المطروحة على جدول أعمال الكونغرس خلال فترة «البطة العرجاء».

أغلبية لا تكفي لمواجهة ترمب

رغم سيطرتهم على مجلسَي الكونغرس، لن يتمكن الديمقراطيون من تمرير أجندتهم التشريعية من دون تعاون الجمهوريين. فمعظم التشريعات الخاضعة لقاعدة إنهاء النقاش في مجلس الشيوخ تحتاج إلى موافقة ستين عضواً، في حين يتطلب تجاوز «الفيتو» الرئاسي أغلبية الثلثين في المجلسين.

ويوضح نائب رئيس معهد بليموث في مؤسسة «أميركان فريدوم» المحافظة، ريتشارد ستيرن، أن الديمقراطيين «سيحظون بأغلبية كبيرة جداً، لكنهم لن يصلوا إلى العدد المطلوب البالغ ستين صوتاً». ويضيف: «لذا سيتعين إجراء بعض المفاوضات بين الديمقراطيين والجمهوريين في الكونغرس بشأن أي إجراء يتخذونه، ناهيك بحقيقة أنهم لن يمتلكوا ثلثَي الأصوات اللازمة لإلغاء (الفيتو) الرئاسي. لذلك أعتقد أننا سنشهد إغلاقاً حكوميًّا محتملاً بسبب المفاوضات حول الأنشطة العسكرية التي سيتم تمويلها».

الأغلبية الجديدة في الكونغرس غير كافية لكسر «الفيتو» الرئاسي (رويترز)

ومع ذلك، تمنح السيطرة على الكونغرس الديمقراطيين أدوات رقابية وسياسية واسعة لمواجهة ترمب، أبرزها رئاسة اللجان وسلطة استدعاء مسؤولي الإدارة وإجراء التحقيقات، إضافة إلى التحكم في التشريعات المتعلقة بالإنفاق الحكومي والمصادقة على التعيينات في مجلس الشيوخ.

ويتوقع الصحافي الاستقصائي مارك ألبرت أن يطلق الديمقراطيون موجة واسعة من التحقيقات في قضايا الفساد وتضارب المصالح، مشيراً إلى أن الناخبين طالبوا بمحاسبة الإدارة، ما سيجعل المساءلة في صدارة أولويات الكونغرس الجديد.

أما المسؤول السابق في لجنة الحملة الانتخابية الديمقراطية للكونغرس، إيان راسل، فيرجّح أن تفضي هذه التحقيقات إلى تغييرات في صفوف الإدارة، قائلاً: «أعتقد أن أيام وزير الحرب بيت هيغسيث أصبحت معدودة»، ومتوقعاً تعديلات وزارية أخرى، مع التشديد على ضرورة محاسبة المسؤولين بصرف النظر عن انتماءاتهم الحزبية.

وتبرز حرب إيران بوصفها أحد أكثر الملفات تعقيداً في المواجهة المرتقبة بين الكونغرس والبيت الأبيض. فبينما يحتفظ الرئيس بصلاحيات واسعة في إدارة العمليات العسكرية، يمتلك الكونغرس سلطة إقرار التمويل، ما يمنح الديمقراطيين ورقة ضغط لمحاولة تقييد الإنفاق على الحرب. ويقر راسل بصعوبة استخدام هذه الورقة مع اقتراب مناقشة الموازنة الدفاعية، في ظل حساسية أي قرار قد ينعكس على القوات الأميركية المنتشرة في المنطقة.

هل ينقلب الجمهوريون على ترمب؟

قد تأتي أبرز التحديات التي تواجه ترمب من داخل صفوف حزبه نفسه. فقد أثارت تصريحات نائبه جي دي فانس، الذي حمّل الحرب مع إيران مسؤولية الخسارة الانتخابية، تساؤلات بشأن احتمال تصدّع العلاقة بين الرجلين. ويرى راسل أن فانس «يحاول إيجاد طريقة لخلق مسافة بينه وبين الرئيس»، تمهيداً لاستحقاق الانتخابات الرئاسية المقبلة.

ترمب مع نائبه جي دي فانس في واشنطن يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

أما ستيرن، فيعتبر أن نائب الرئيس يسعى إلى النأي بنفسه عن قرارات شارك في صنعها، لكنه يحمّل ترمب نفسه مسؤولية تآكل ثقة الأميركيين بإدارته. ويقول ستيرن إن الرئيس، بعد سياساته الجمركية ومواجهاته مع خصومه، قد «كسر تلك الثقة» عندما طلب من الأميركيين تأييد الحرب مع إيران. وقد يكون وزير الحرب بيت هيغسيث من أوائل ضحايا التصدّعات داخل الحزب الجمهوري. فقد تعهّد النائب الجمهوري توماس ماسي بتقديم قرار لعزله خلال دورة الكونغرس الحالية، وسط توقعات بأن يحظى بدعم من الحزبين. ويشير راسل إلى توتر علاقة ترمب بعدد من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين الذين خسروا الانتخابات التمهيدية بسبب تدخّله ضدهم، مرجّحاً أن يدعموا عزل هيغسيث، الذي قد يتحوّل إلى «كبش فداء سهل»، على حد تعبيره.

رئيس مجلس النواب المنتهية ولايته مايك جونسون في الكونغرس يوم 30 أبريل 2024 (أ.ب)

ويتوقع ستيرن أن يتزايد عدد الجمهوريين المستعدين لتحدّي الرئيس علناً، لكنه يستبعد تمرّداً جماعياً عليه، في ظل حسابات السباق الرئاسي لعام 2028، التي قد تدفع كثيرين إلى التريّث.

وفي خضمّ مساعي الحزب لإعادة ترتيب صفوفه، يرى ستيرن أن الهزيمة قد تتيح للجمهوريين فرصة لإعادة تعريف هويتهم السياسية، متحدثاً عن إمكانية بروز «ريغان جديد»، على حد تعبيره. ويرجّح أن يكون ماركو روبيو من أبرز المتنافسين على ترشيح الحزب للرئاسة عام 2028، إلى جانب فانس وشخصيات أخرى قد تبرز خلال العامين المقبلين.

فرصة أخيرة أم مواجهة مبكرة؟

قبل تسلّم الديمقراطيين زمام السلطة التشريعية مطلع العام المقبل، يحتفظ الجمهوريون بأغلبيتهم في مجلسَي الكونغرس حتى انتهاء ولايته الحالية، ما يمنحهم فرصة أخيرة لتمرير تشريعات والمصادقة على تعيينات قد يصعب إقرارها بعد انتقالهم إلى صفوف الأقلية.

ومن بين السيناريوهات المطروحة استبدال وزير الحرب بيت هيغسيث، والمصادقة على تعيين خلف له قبل يناير (كانون الثاني)، وإن كان ستيرن يرى أن الحديث عن هذا الاحتمال لا يزال سابقاً لأوانه.

وزير الحرب بيت هيغسيث في واشنطن يوم 5 نوفمبر 2026 (رويترز)

أما الاختبار الأكثر إلحاحاً فيتعلق بأزمة التمويل الحكومي، مع انتهاء التمويل الحالي في 11 ديسمبر (كانون الأول). ويطرح ألبرت احتمالين: إقرار تمويل مؤقت يجنّب البلاد الإغلاق الحكومي حتى انعقاد الكونغرس الجديد، أو الدخول في مواجهة سياسية يسعى خلالها الديمقراطيون إلى انتزاع تنازلات مقابل دعمهم. ويقول إن الديمقراطيين «سيطلبون ثمناً باهظاً للغاية مقابل منح أصواتهم»، لافتاً إلى أن إقرار قانون تفويض الدفاع الوطني يشكّل بدوره أولوية تشريعية خلال هذه الفترة. غير أن التصعيد ليس حتمياً؛ إذ يرى ألبرت مجالاً للتوافق بين الحزبين في عدد من الملفات، بينها إصلاح نظام التراخيص والرسوم الجمركية، وربما تقييد صلاحيات الرئيس في شن الحروب. وفي نهاية المطاف، قد يتوقف مسار العلاقة بين الكونغرس والبيت الأبيض على حسابات ترمب نفسه. ويتساءل ألبرت: «هل يريد أن يغادر البيت الأبيض باعتباره رئيساً يستخدم (الفيتو) باستمرار، أو يفضّل تحقيق إنجازات تشريعية مشتركة تعزز إرثه السياسي؟».

اختبار وعود الديمقراطيين

في المقابل، يواجه الديمقراطيون اختباراً لا يقل صعوبة عن معركة انتزاع الأغلبية، يتمثّل في الوفاء بوعودهم الانتخابية. فزعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، تعهّد بخفض تكاليف المعيشة ومكافحة الفساد، لكن ستيرن يشكك في أن يكون فوز الحزب تفويضاً شعبياً لتطبيق أجندته.

زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر في واشنطن يوم 5 نوفمبر 2026 (أ.ب)

ويقول: «الديمقراطيون لم يفوزوا فعلياً في هذه الانتخابات، بل إن الجمهوريين هم من خسروها»، معتبراً أن تصويت الناخبين كان أقرب إلى معاقبة ترمب على سياساته منه إلى تبنّي برنامج الديمقراطيين.

في المقابل، يختلف راسل مع هذا التوصيف، مؤكداً أن الديمقراطيين خاضوا حملة انتخابية منضبطة جعلت خفض تكاليف المعيشة في صدارة أولوياتها. لكنه يقرّ بأن الانتقال من الوعود إلى التشريع لن يكون سهلاً، في ظل تباينات داخل الحزب بشأن سبل تنفيذ أجندته، خصوصاً مع تنامي نفوذ الجناح التقدمي، وبدء التنافس المبكر على الانتخابات الرئاسية المقبلة.


ترمب يعزّز قبضته على البيت الأبيض

ميلر يحيي الصحافيين وهو يغادر البيت الأبيض برفقة وزير الخارجية ماركو روبيو ومساعدة الرئيس ناتالي هارب يوم 6 نوفمبر (إ.ب.أ)
ميلر يحيي الصحافيين وهو يغادر البيت الأبيض برفقة وزير الخارجية ماركو روبيو ومساعدة الرئيس ناتالي هارب يوم 6 نوفمبر (إ.ب.أ)
TT

ترمب يعزّز قبضته على البيت الأبيض

ميلر يحيي الصحافيين وهو يغادر البيت الأبيض برفقة وزير الخارجية ماركو روبيو ومساعدة الرئيس ناتالي هارب يوم 6 نوفمبر (إ.ب.أ)
ميلر يحيي الصحافيين وهو يغادر البيت الأبيض برفقة وزير الخارجية ماركو روبيو ومساعدة الرئيس ناتالي هارب يوم 6 نوفمبر (إ.ب.أ)

عزّز الرئيس الأميركي دونالد ترمب قبضته على البيت الأبيض، بتعيين مستشاره المقرّب ستيفن ميلر كبيراً لموظفيه، خلفاً لسوزي وايلز، في أول تعديل كبير بإدارته بعد الهزيمة المدوّية للجمهوريين في الانتخابات النصفية. ويعكس التعيين، بحسب منتقدي الرئيس، تمسّكه بنهج المواجهة مع الديمقراطيين الذين انتزعوا الأغلبية في مجلسَي الكونغرس. وعزّز ترمب هذه الرسالة بنشر صورة لنفسه تحمل عبارة «السيد فيتو»، في إشارة إلى استعداده لاستخدام صلاحياته لعرقلة أجندة الأغلبية الجديدة.

ويأتي القرار وسط تصاعد الانقسامات داخل الحزب الجمهوري بشأن مستقبل ترمب السياسي. ورغم سيطرتهم على الكونغرس، فإن الديمقراطيين سيجدون صعوبة في تمرير تشريعاتهم، وتجاوز «الفيتو» الرئاسي، لكن أغلبيتهم تمنحهم أدوات لفتح تحقيقات مع الإدارة وتقييد الإنفاق الحكومي.


عدّه «ابتزازاً»... ترمب يطلب التحقيق في تلويح الديمقراطيين بعزل مسؤولين بإدارته

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

عدّه «ابتزازاً»... ترمب يطلب التحقيق في تلويح الديمقراطيين بعزل مسؤولين بإدارته

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب السبت إنه طلب من وزارة العدل التحقيق في تهديد الديمقراطيين باستغلال سيطرتهم على الكونغرس، لعزل مسؤولين في إدارته، متهما إياهم بممارسة "الابتزاز.

وبات ترمب أمام مشهد سياسي مغاير تماما، بعدما نجح الديمقراطيون في السيطرة على مجلسَي الشيوخ والنواب في الانتخابات النصفية الثلاثاء، وتعهدهم فتح تحقيقات تطال مسؤولي إدارته الجمهورية، بمن فيهم وزير العدل تود بلانش ووزير الدفاع بيت هيغسيث.

وقال ترمب في منشور على منصته تروث سوشال "يدأب الديمقراطيين على تهديد العديد من الأشخاص".

وأضاف أن هذه الممارسات "ترقى إلى أعلى مستويات الابتزاز، ويجب محاسبتهم"، مشيرا إلى أن مسؤولي إدارته الجمهورية لم يرتكبوا أي ممارسات تستوجب العزل، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأشار الى أنه أصدر تعليماته الى وزارة العدل لـ"التحقيق في هذا الفعل الإجرامي"، مضيفا أن "السجن ينبغي أن يكون مصير هؤلاء المبتزين".

ومع سيطرتهم على اللجان في كلا المجلسين، بات بإمكان الديمقراطيين استدعاء المسؤولين ومطالبتهم بتقديم وثائق وعقد جلسات استماع عامة، وبالتالي تشديد الرقابة على ترمب وكبار مساعديه.

ومن المرجح أن تشمل التحقيقات المزعومة صفقات تجارية أبرمها ترمب وأفراد من عائلته، وأنشطته المتعلقة بالعملات المشفرة، والعقود الحكومية المرتبطة بالملياردير إيلون ماسك، والاقتطاعات من الوكالات الفدرالية وإجراءات إنفاذ قوانين الهجرة، فضلا عن إدارة الحرب في إيران وقضية جيفري إبستين.

ويهدد رفض الإدارة الأميركية تقديم الإفادات أو الوثائق بإثارة معارك قضائية.

ويمكن للديموقراطيين أن يطلقوا، للمرة الثالثة، إجراءات لعزل ترمب، على الرغم من أن قادة الحزب لم يلتزموا بذلك بعد.

وفي حين يتطلب توجيه اتهام بالعزل أغلبية بسيطة في مجلس النواب، إلا أن إقالة الرئيس تتطلب تصويت ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ، وهو عدد يفوق بكثير حصة الديمقراطيين من المقاعد فيه.