شانتال ديلسول تهاجم فلسفة ما بعد الحداثة

ضربت عرض الحائط بكل القيم والموازين والمعايير

شانتال ديلسول
شانتال ديلسول
TT

شانتال ديلسول تهاجم فلسفة ما بعد الحداثة

شانتال ديلسول
شانتال ديلسول

أعترف بأني كنت أبحث منذ زمن طويل عن الوجه الآخر لفرنسا، عن الوجه الآخر المشرق والمحترم للفكر الفرنسي دون أن أجده حتى وقعت مؤخراً على مؤلفات الفيلسوفة شانتال ديلسول. وكم كانت فرحتي عارمة بالتعرف على إنجازاتها وتوجهاتها. وتأسفت كثيراً لأني تأخرت في اكتشافها إلى اليوم. كان ينبغي أن أطلع عليها وعلى أفكارها منذ زمن طويل. ولكن كما يقول المثل الفرنسي: «أن تصل متأخراً خيرٌ من ألا تصل أبداً». ولكن هناك سبب آخر لهذا التأخر أو التقصير. في الواقع كنت مبهوراً بفلاسفة ما بعد الحداثة من أمثال ميشيل فوكو وجاك دريدا وجيل ديلوز، وحتى تلامذتهم من أمثال لوك فيري وأندريه كونت سبنوفيل، وهذا الشيطان الرجيم ميشيل أونفري... إلخ. هذا لا يعني أني أنكرهم كلياً أو أني لم أستفد من أفكارهم وإضاءاتهم العديدة. أبداً لا. لكني أخطأت إذ اعتبرتهم الوجه الوحيد للفكر الفرنسي المعاصر أو التيار الوحيد. لا ريب في أنهم يسيطرون على الساحة الباريسية لأن الموضة الدارجة هي هكذا. الريح تمشي في اتجاههم. ودائماً الموضة أو الصرعات الدارجة تخفي عن أنظارنا بقية الصورة.

أولاً دعونا نطرح هذا السؤال: من هي شانتال ديلسول التي لم يسمع بها أحدٌ في العالم العربي على ما أعتقد؟ إنها أستاذة جامعية سوربونية ومشرفة على «مركز الدراسات الأوروبية» في فرنسا. كما أنها عضوة في أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية منذ عام 2007، بل وأصبحت رئيستها عام 2015. وهي أكاديمية عليا تضم كبار الشخصيات الفرنسية والأجنبية. وقد أصدرت كتاباً مهماً بعنوان «نهاية الحضارة المسيحية». وهي تفرق منذ البداية بين المسيحية ديناً والمسيحية حضارةً. فالمسيحية كدين لم تمت ولا يمكن أن تموت ولكنها كحضارة تنظم شؤون المجتمع وتصوغ تقاليده وقيمه وأخلاقه العامة انتهت مؤخراً في فرنسا.

ثم تقول لنا المؤلفة إن الحضارة المسيحية هيمنت على الغرب طيلة 16 قرناً من الزمن بعد اعتناق الإمبراطور الروماني قسطنطين لها واعتبارها دين الدولة. وبعدئذ راحت تصوغ شخصية الغرب وكل قيمه الأخلاقية ومعاييره. لكنها الآن انحسرت للأسف الشديد وحلت محلها فلسفة ما بعد الحداثة المادية الإلحادية الإباحية بشكل مطلق. وهذا الانحسار حديث العهد جداً ولا يعود إلا إلى عشر سنوات أو حتى عشرين سنة خلت على أكثر تقدير (أي منذ مطلع القرن - 2000 أو 2010). قبلها كانت فلسفة ما بعد الحداثة مجرد تيار صاعد من جملة تيارات أخرى. ثم تقول لنا المؤلفة إن فلسفة ما بعد الحداثة قلبت جميع القيم الأخلاقية عاليها سافلها. كيف حصل ذلك؟ على النحو التالي: كانت المسيحية عندما هيمنت على الغرب قبل 1600 سنة قد ألغت معظم القيم الرومانية السابقة عليها. بهذا المعنى كانت المسيحية انقلاباً كاملاً على الحضارة الوثنية للرومان. ينبغي ألا ننسى ذلك. والدليل على ذلك أن الحضارة الوثنية الرومانية كانت تقر بحق الطلاق، وحق الإجهاض، وحق الانتحار. والأخطر من كل ذلك أنها كانت تقر بحق الشذوذ الجنسي أو ما يدعونه الآن بالمثلية. كانت تعتبره شيئاً طبيعياً وعادياً تماماً. ثم جاءت المسيحية وألغت كل ذلك وشطبت عليه بجرة قلم وحرمته شرعاً. لقد قلبت كل القيم الموروثة عن الحضارة الرومانية التي كانت سائدة قبلها. والآن تجيء فلسفة ما بعد الحداثة لكي تقوم بالانقلاب على الانقلاب. بمعنى أنها ألغت القيم الأخلاقية المسيحية وعادت إلى القيم الرومانية. بمعنى آخر فإن أوروبا الغربية لم تعد مسيحية إنما أصبحت وثنية.

ثم تردف المؤلفة قائلة ما معناه: في الماضي وطيلة هيمنة الحضارة المسيحية على الغرب كان الشذوذ الجنسي ممنوعاً منعاً باتاً ومحرماً دينياً. لكنه أصبح الآن في عصر الحداثة (أو ما بعد الحداثة بالأحرى) ليس فقط محللاً ومشروعاً، وإنما محبذ وممجد. لقد أصبح يمثل أعلى درجات الحضارة وأرقاها. صدقوا أو لا تصدقوا أنتم أحرار. أعجبنا هذا الكلام أم لم يعجبنا سيان. اضرب رأسك أيها الكاتب الجاهل في الجدار إذا شئت. أنت مجرد شخص قديم متخلف عن ركب الحضارة والعصر. أنت عاجز عن مسايرة التقدم والتطور... إلى الجحيم أيها المثقف الرجعي المنقرض أو المرشح للانقراض.

والسؤال المطروح الآن هو التالي: كيف حصل ذلك؟ كيف وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم من تدهور حضاري مريع في أرقى مجتمعات العالم وأكثرها تقدماً؟ كيف أصبح زواج الرجال بالرجال مفخرة المفاخر في أوروبا؟ شيء مذهل. شيء يدوخ العقول. هذا إذا بقيت عقول. (بين قوسين في أوروبا الغربية فقط لا الوسطى ولا الشرقية التي ظلت لحسن الحظ مسيحية تحترم القيم الإنجيلية الأخلاقية والمثالية العليا). ولكن هذا الانحطاط المريع لا ينتهك القيم الدينية فقط إنما ينتهك أيضاً القيم العلمانية الكانطية التي تحترم الفطرة السليمة والحس الصائب. ومعلوم أن كانط (أكبر فيلسوف في الغرب) كان قد أدان الشذوذ إدانة قاطعة مانعة واعتبره فضيحة كبرى أو «عاراً وشناراً»، حسب تعبيره الحرفي. ثم نشرت الفيلسوفة شانتال ديلسول مقالاً صاعقاً في جريدة «ألفيغارو» بعنوان: «لا للزواج المثلي الشذوذي». لا وألف لا لأنه يهدد العائلة الفرنسية بل والمجتمع الفرنسي كله في الصميم. وكان ذلك يمثل شجاعة خارقة لأن كل التيار الجارف في فرنسا كان مع هذا الزواج الذي صوّت عليه البرلمان شرعاً. بالتالي فمن يقف ضده كان يخاطر بنفسه. أقصد تيار النخب الإعلامية والأضواء التلفزيونية وليس الشعب الفرنسي العميق الذي نزل بالملايين احتجاجاً على هذا القانون الجنوني. هل تعلمون أن كبار فلاسفة فرنسا كانوا يزايدون على بعضهم بعضاً بخصوص هذه المسألة. كل واحد كان يريد أن يثبت أنه مؤيد للزواج المثلي الشذوذي أكثر من سواه حتى ولو لم يكن هو ذاته مثلياً شذوذياً... هذا ما فعله للأسف لوك فيري وأندريه كونت سبونفيل وبالطبع ميشيل أونفري. وهذا الأخير ألف كتاباً ضخماً عن «الانحطاط» الفرنسي دون أن يقول كلمة واحدة عن الشذوذ الجنسي الذي لا يعتبره علامة على الانحطاط أبداً. بل يعتبره قمة القمم الأخلاقية والحضارية. لكنه بالمقابل شن حملة شعواء على المسيحية وفككها تفكيكاً ودمرها تدميراً حتى لكأن فرنسا تعاني من الأصولية القروسطية الظلامية، حتى لكأن فرنسا هي أفغانستان الطالبانية... نقول ذلك ونحن نعلم أن المسيحية لم يعد لها أي وجود قمعي أو إكراهي في فرنسا. بل ولم تعد موجودة تقريباً. وهي خائفة حتى من ظلها. وفي كل يوم يستهزئون بها وبشخصياتها وعقائدها على شاشات التلفزيون. لم يعد للأصولية المسيحية التكفيرية أي وجود بعد انتصار التنوير في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ومع ذلك فإن هذا العبقري ميشيل أونفري لا يجد عدواً له إلا المسيحية دين آبائه وأجداده. لماذا تثقب أبواباً مفتوحة يا رجل؟ لماذا تتعب نفسك بمشكلة حلها فولتير قبلك منذ 250 سنة على الأقل؟

أخيراً تقول لنا السيدة شانتال ديلسول ما فحواه: نعم للحداثة التنويرية التي أنقذتنا من براثن الأصولية التكفيرية والإكراه في الدين ومحاكم التفتيش. لكن لا وألف لا لفلسفة ما بعد الحداثة المتطرفة الهوجاء التي ضربت عرض الحائط بكل القيم والموازين والمعايير. وهي فلسفة عدمية تساوي كل شيء بكل شيء: الأبيض والأسود سيان، الجنس الطبيعي والجنس الشذوذي المثلي سيان... إلخ. بل وحتى العائلة الطبيعية المؤلفة من أب وأم وأطفال وحنان أصبحت معتبرة رجعية متخلفة في عصر ما بعد الحداثة. ما هي العائلة التقدمية إذًا؟ إنها العائلة المشكلة من رجلين متعاشرين أو متباضعين وبينهما مجموعة أطفال مشترين بالفلوس عن طريق استئجار بطون النساء الحوامل مقابل 60 ألف دولار لكل طفل (وهذا هو معنى: الحَبَل من أجل الآخرين). ثم يسحبونه من تحتها ما إن ينزل من بطنها لكيلا تتعلق به. جريمة حقيقية. احتقار رأسمالي متغطرس وقح لأجمل عاطفة وأنبل عاطفة وأقدس عاطفة على وجه الأرض: عاطفة الأمومة. هذه هي العائلة الشذوذية الرائعة (عائلة ما بعد الحداثة) التي حلت محل العائلة الرجعية التقليدية السابقة التي عفا عليها الزمن. لاحظوا ما أجمل هذه العائلة. لاحظوا ما أرقاها. لاحظوا ما أحلاها. هذا آخر ما توصلت إليه عبقرية هذه الفلسفة الشوهاء المشوهة المدعوة بفلسفة ما بعد الحداثة.


مقالات ذات صلة

كتاب ومفكرون وسينمائيون: سالي روني كاتبة وليست إرهابية

ثقافة وفنون كتاب ومفكرون وسينمائيون: سالي روني كاتبة وليست إرهابية

كتاب ومفكرون وسينمائيون: سالي روني كاتبة وليست إرهابية

تعدّ الروائية الآيرلندية سالي روني، البالغة 35 عاماً، من أبرز ظواهر النشر الأدبي في العقد الأخير.

ندى حطيط (لندن)
ثقافة وفنون «الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

«الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

في المفارقة التي ينطوي عليها عنوان رواية «الأمل مرضي المفضل» للروائي المصري مينا ناجي، يتحدد أحد توتراتها الأساسية

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»

الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»

صدر أخيراً في القاهرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ديوان «مرآتان لوجه واحد» للشاعر العراقي عدنان الصائغ، ضمن إصدارات سلسلة «الإبداع العربي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «في أُنس الأشياء»... الشعر في مرمى الذاكرة والنسيان

«في أُنس الأشياء»... الشعر في مرمى الذاكرة والنسيان

عن الولع بالشعر والشغف به كحياة أخري متخيلة أكثر عدلاً وأماناً، وسط عالم لا يكف عن العبث والحروب تدور أجواء ديوان «في أُنس الأشياء» للشاعرة السورية فاطما خضر.

جمال القصاص
ثقافة وفنون «جائزة باسكال» الأدبية للأعمال المكتوبة بمساعدة الذكاء الاصطناعي

«جائزة باسكال» الأدبية للأعمال المكتوبة بمساعدة الذكاء الاصطناعي

في خطوة مفاجئة، تم الإعلان عن «جائزة باسكال»، وهي الأولى من نوعها في فرنسا التي تُمنح لعمل أدبي تم تأليفه بالاشتراك بين بشري وذكاء اصطناعي.

سوسن الأبطح

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟
TT

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

هل يعيد الكتاب الصوتي رسم مستقبل القراءة؟

لم يعد الكتاب الصوتي يقف على هامش عالم النشر، بوصفه نسخة أخرى من كتاب سبق أن اكتملت حياته على الورق. ففي معرض فرانكفورت للكتاب، الذي أقيم بين السابع والحادي عشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2026، احتلّ موقعاً بارزاً، لا بوصفه ابتكاراً في وسائل الإتاحة فحسب، بل بوصفه تجربة ثقافية تعيد طرح أسئلة القراءة نفسها: كيف نتلقّى الأدب حين نسمعه؟ وماذا يضيف صوت الراوي إلى النص؟ وهل تستطيع الحكاية، حين تغادر الصفحة إلى الأذن، أن تبلغ قرّاء لم تكن تصل إليهم من قبل؟

اللافت، أن المعرض منح هذا التحوّل حيّزاً أوسع ضمن «فرانكفورت أوديو»، فجمع بين مركز جديد للقاء الناشرين والمنتجين والمنصّات، ومساحات تتيح للجمهور اكتشاف الأعمال المسموعة والاقتراب من أصحابها. ولم يقتصر البرنامج على مناقشة الأسواق ووسائل الإنتاج؛ بل شمل لقاءات بين الكتّاب والرواة، وفضاءً للاستماع إلى أدب الفانتازيا.

حين يصبح الصوت جزءاً من الكتاب

ليس الكتاب الصوتي نصًّا مطبوعاً أضيف إليه تسجيل فحسب. ففي المسافة بين الكلمة المكتوبة والكلمة المنطوقة، ينشأ عمل آخر يشتغل على المعنى: نبرة تكشف التردّد، ووقفة تمنح الصمت ثقله، وإيقاع يقرّب الشخصيات أو يباعد بينها. لا يكتب الراوي الحكاية من جديد، لكنه يقترح سبيلاً إلى سماعها، ويصبح أداؤه ضرباً من التأويل؛ فقد يلتقط المستمع في جملة مألوفة سخرية خفيّة أو حزناً لم ينتبه إليه على الصفحة.

وتزداد هذه العلاقة خصوصية حين يقرأ الكاتب سيرته بنفسه. ففي النسخة المسموعة من «وأصبحت» لميشيل أوباما، التي أدّتها بصوتها، يغدو الاستماع لقاءً بين رواية الحياة والصوت الذي يستعيدها. وكانت دار «بنغوين راندوم هاوس» قد وصفت النسخة المسموعة من مذكراتها بأنها الأسرع مبيعاً بين كتبها الصوتية آنذاك.

أما الأعمال الروائية التي ارتبط بها القرّاء طويلاً، فتفتح النسخة المسموعة باباً آخر للعودة إليها. ومن الأمثلة الدالّة اهتمام «فرانكفورت» بعالم «هاري بوتر»؛ إذ تضمّن برنامجه لقاءً مع الأصوات التي أدّت الكتب بالألمانية. هنا لا يأتي الجمهور لاكتشاف الحكاية وحدها، بل للتعرّف إلى من منح شخصياتها حضورها المسموع؛ كأنّ للرواية ذاكرة صوتية تضاف إلى ذاكرتها المكتوبة.

على أن خصوصية هذه التجربة لا تجعل الاستماع أعلى منزلة من القراءة البصرية أو أدنى منها. فقارئ الورق يضبط سرعته، ويتوقّف عند عبارة، ويعود بعينه إلى صفحة سابقة، في حين يختبر المستمع زمناً يصوغه الأداء، وإن استطاع إيقافه أو استعادته. إنهما علاقتان مختلفتان بالنص، ليست امتحاناً لإثبات أفضلية أحدهما على الآخر. وتكمن جاذبية الكتاب الصوتي أيضاً في أنه يوسّع الأوقات التي يمكن للأدب أن يجد فيها مكاناً: في الطريق، وأثناء المشي، وبين الأعمال اليومية.

جمهور يتّسع... ومبيعات يصعب حصرها

تقدّم فرنسا صورة دالّة على اتّساع هذه الصلة. فحسب بارومتر «صوفيا» والنقابة الوطنية للنشر وجمعية أهل الأدب لاستخدامات الكتاب الرقمي والكتاب الصوتي، الذي أنجزه معهد «ميديامتري» ونُشر في 2026، استمع نحو 10.1 مليون شخص، أي 17 في المائة من السكان بين 6 و80 عاماً، إلى كتاب صوتي رقمي خلال الاثني عشر شهراً الماضية. وتكشف الدراسة أيضاً عن أن جمهور هذا النوع من الكتب أصغر سنًّا، في المتوسط، من جمهور الكتاب المطبوع. والأهم ثقافيًّا ليس الرقم وحده، بل ما يفتحه من سؤال: هل يصبح الصوت مدخلاً إلى الأدب لدى فئات لا تجعل القراءة الورقية عادة ثابتة؟

رأت لور ساجيه، المديرة العامة لدار «أوديوليب»، في اتّساع العرض فرصة لتجديد الجمهور. وقالت لصحيفة «لوموند»، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إن هذا التطوّر «سيجعل جمهور الكتاب الصوتي أصغر سنًّا، ويوسّع انتشاره». وربطت ذلك بإمكان تجربة مؤلّفين وأجناس مختلفة، بدلاً من حصر الاختيار منذ البداية في عنوان واحد. بهذا المعنى، قد تقود عتبة الاستماع السهلة إلى مغامرة أدبية: قصّة قصيرة لم يكن المتلقّي ليشتريها منفردة، أو كتاب للأطفال، أو كاتب يلتقيه للمرة الأولى.

غير أن عدد المستمعين لا يساوي عدد المشترين، ولا يكفي وحده لقياس مكانة الكتاب الصوتي في اقتصاد النشر. ففي مقالها «سبوتيفاي يربك عالم الكتاب الصوتي» المنشور في 26 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، أوضحت «لوموند» أن السوق الفرنسية لا تُقاس بدقّة، بسبب امتناع منصّات رئيسية عن نشر بياناتها، وقدّرتها آنذاك بنحو اثنين في المائة من قطاع النشر. وفي المقابل، تُظهر بيانات جمعية ناشري الكتب الصوتية الأميركية استمرار نموّ الإيرادات في الولايات المتحدة خلال 2025؛ إذ ارتفعت 9 في المائة لتبلغ 2.43 مليار دولار، بما يؤكّد أن الكتاب الصوتي لم يعد تجربة عابرة في أسواق النشر الكبرى. لكنّ نجاحه الثقافي يظلّ أوسع من حصيلته التجارية.

مَن يتحكّم في بوابة الاستماع؟

خلف الألفة التي يصنعها صوت الراوي، تقف وساطة أخرى أقلّ ظهوراً: المنصّة التي يكتشف عبرها المستمع كتابه. في فرنسا، رسّخت «أوديبل»، التابعة لـ«أمازون»، موقعاً مهيمناً في هذا المجال. وقدّرت صحيفة «لو فيغارو»، في مقالها «سبوتيفاي يستثمر مليون يورو لإنتاج كتب صوتية في أوروبا»، المنشور في 11 أبريل (نيسان) 2025، حصّتها آنذاك بنحو ثلثي السوق الفرنسية. وتناول المقال نفسه استثماراً أعلنت عنه «سبوتيفاي» لدعم الإنتاج في أسواق من بينها فرنسا وهولندا. وفي حديثها إلى «لوموند»، وصفت لور ساجيه عرضَي «أوديبل» و«سبوتيفاي» بأنهما «عرضان متكاملان»، يتيحان بيع كتب مختلفة. وأوضحت أن الاضطرار إلى مفاضلة حاسمة قد يدفع إلى اختيار الكتب الأشهر أو الأطول، في حين يشجّع إمكان التجربة على التنقّل بين مؤلّفين وأجناس أدبية قبل الاستقرار على عمل بعينه.

الناشرون بين توسيع الجمهور وحماية القيمة

لا يقف الناشرون خارج هذا التحوّل؛ فهم من يصنع مادّته الأدبية ويختار الأصوات التي تحملها. وفي فرنسا، تعمل دور متخصّصة، من بينها «أوديوليب» المرتبطة بهاشيت وألبان ميشيل، و«ليزي» التابعة لإديتيس، إلى جانب نشاط مجموعة «مادريغال»، على توسيع حضور الكتاب الصوتي. وقد ربط مسؤولو هذه الجهات وصول منصّات جديدة بإمكان تنويع الجمهور وإعادة تحريك أعمال من رصيدهم المنشور، لا بالاكتفاء بمرافقة الإصدارات الحديثة.

وفي هذا السياق، قال إريك ماربو، مدير المبيعات الرقمية في مجموعة «مادريغال»، لصحيفة «لوموند» إن العرض الجديد يتيح «استقطاب مستمعين عرضيّين جدد»، ولاحظ «تنوّعاً جميلاً في الأعمال المستمع إليها»، مرحّباً خصوصاً بالتفات الجمهور إلى عناوين أقدم في فهارس المجموعة. وهذه نقطة جوهرية في الرهان الثقافي: أن يمنح الصوت الكتاب حياة إضافية، وأن يعيده إلى التداول بعدما يكون قد ابتعد عن واجهات المكتبات.

وقد أعادت الكتب الصوتية إلى بعض روائع الأدب الكلاسيكي قرّاءً جدداً؛ فاستعادت «البؤساء» لفيكتور هوغو و«الكونت دي مونت كريستو» لألكسندر دوما حضورها بين المستمعين، كما سهّلت التسجيلات الصوتية الاقتراب من «البحث عن الزمن المفقود» لمارسيل بروست. وشهدت «كبرياء وهوى» لجين أوستن ارتفاعاً ملحوظاً في الاستماع، بما يثبت أن الصوت قادر على إحياء النصوص القديمة وإعادة الشباب إليها.

وبعيداً عن التفاؤل التجاري الذي يحمله هذا القول، فإن جمهور الكتاب الصوتي ليس كتلة واحدة؛ فتعدّد منافذ الوصول يمكن أن يتيح طرائق متباينة للقاء الأدب، بشرط أن يصاحبه تعدّد حقيقي في الأعمال المعروضة. ومن هنا يتّصل السؤال الثقافي بالتجاري: كيف تصل رواية أقلّ شهرة إلى الأذن التي قد تحبّها؟ وما الذي يضمن بقاء مكان للقصّة القصيرة، وللأعمال التي تحتاج إلى إصغاء صبور، حين يصبح الإقبال معياراً حاسماً في الاختيار؟ إن زيادة المعروض فرصة، لكنها لا تكفي وحدها لصون التنوّع. فليست قيمة الكتاب في قدرته على جمع ساعات الاستماع فحسب، بل في التجربة التي يتركها، ولو لدى جمهور محدود.


«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي
TT

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

«صبرا وشاتيلا»... من منظور روائي

يوثِّق كتاب «كتابة المذبحة... أشكال تناول صبرا وشاتيلا»، الصادر عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة، للباحثة سمية ممدوح الشامي، الكثير من وقائعها، كما يأتي مواكباً للذكرى الرابعة والأربعين لحدث اختلط فيه السياسي بالإنساني بالثقافي، وتعددت بشأنه السرديات والشهادات، لكن المؤكد أنه يظل وصمة عار على جبين كل حر، حتى لو لم يعاصر وقائع إبادة المخيمين اللذين كانا يضمان لاجئين فلسطينيين في بيروت بين يومي 16 و18 سبتمبر (أيلول) 1982.

وحسب تقارير الأمم المتحدة، دخل مسلحون من «القوات اللبنانية»، الجناح العسكري لـ«حزب الكتائب»، إلى صبرا وشاتيلا، واستمرت عمليات القتل الجماعي نحو 43 ساعة لتخلف أعداداً غير مسبوقة من الضحايا، بينهم جثامين أطفال ونساء، لكن الكتاب الذي كان في الأصل آخر رسالة علمية بالإنجليزية ناقشتها الكاتبة والأكاديمية الراحلة رضوى عاشور قبل أسابيع من رحيلها في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، يعيد تفكيك سردية المذبحة من منظور ثقافي ليرصد تجلياتها في التحليل الغربي والرواية العربية، على حد سواء.

يتوقف الكتاب، الذي ترجمته نسمة محمد دياب وياسمين أسامة الشيمي وراجعه عمرو زكريا عبد الله، بشكل خاص، عند تجارب ثلاثة مثقفين غربيين اختاروا أن ينظروا إلى المأساة الفلسطينية من خارج القوالب الجاهزة، وأن يستندوا إلى ما شاهدوه وقرأوه وعايشوه، بدلاً من الاكتفاء بإعادة إنتاج الخطاب الإعلامي السائد آنذاك.

على رأس هؤلاء يأتي الكاتب الفرنسي جان جينيه، لا سيما مقاله «أربع ساعات في شاتيلا» الذي يصف فيه، بلغة مشحونة بالألم، تفاصيل الصدمة التي خلفتها المشاهد التي رآها، كما توقف مطولاً عند إشكالية اللغة التي استخدمها الخطاب السياسي في وصف الفلسطينيين، وكيف يمكن لكلمة أو توصيف مختزل أن يحجب إنسانية الضحية ويطمس هويتها، كما ذهب إلى أن الواقعة تحولت من منظوره إلى مواجهة أوسع مع الاستبداد، بعد أن بات «يشتم رائحة الموت تنبعث من جسده»، وفق تعبيره.

وفيما يتعلق بالصحافي البريطاني روبرت فيسك، فقد اقترب من مأساة المخيم بأدوات التحقيق الصحافي الميداني، إذ توجه إلى المكان وعاين آثار المذبحة وطرح أسئلة مباشرة حول الروايات التي قُدمت لتفسير ما حدث، ومن بين ما لفت انتباهه الطريقة التي جرى بها استخدام اللغة، مثل استبدال تعبير فضفاض هو «أحداث» بكلمة «مذبحة»، أو حذف كلمة «فلسطيني» من بعض الصياغات، بما يسهم في طمس حقيقة ما جرى.

أما المفكر الأميركي نعوم تشومسكي، فيركز على الروايات الرسمية والحجج التي قُدمت حول المذبحة، محاولاً تفكيك ما اعتبره «تناقضات داخل بنيتها»، عبر أدوات التحليل والسخرية للكشف عن الفجوات بين ما قيل وما حدث على الأرض. كما توقف كذلك عند الطريقة التي يمكن أن يتحول بها الجدل السياسي إلى وسيلة لإغلاق النقاش، من خلال وضع «منتقدي الصهيونية» تلقائياً في مواجهة اتهامات بـ«معاداة السامية»، بما يصرف الانتباه عن مناقشة الظروف السياسية التي أحاطت بالمذبحة، على حد تعبيره.

في المقابل، تتوقف الباحثة عند ثلاث روايات عربية، هي: «الحب في المنفى» لبهاء طاهر، و«الطنطورية» لرضوى عاشور، و«باب الشمس» لإلياس خوري، إذ تتناول تلك النصوص المأساة من زوايا مختلفة، وتقدم سردية أدبية إبداعية لما حدث بالفعل، من خلال منظور فني يستند إلى سردية الواقع.

تضع «الحب في المنفى» الواقعة في سياق إنساني يتجاوز حدود فلسطين ولبنان، فالرواية تربط بين ما يواجهه المعارضون في العالم العربي وبين مآسٍ شهدتها شعوب أخرى، من تشيلي وغينيا إلى إسبانيا، لتصبح «صبرا وشاتيلا» واحدة من صور القمع التي يتعرض لها الإنسان عندما يتم إخضاع الآخرين وسلب حقوقهم بالقهر. وتقدم «الطنطورية» معالجة مختلفة، إذ تمتد أحداث الرواية زمنياً من نكبة 1948 إلى تحرير الجنوب اللبناني عام 2000، عبر حكايات الشخصيات وذكرياتها وما عاشته من تهجير وفقد، عبر سردية تمتزج فيها التفاصيل التاريخية مع جوانب من الحياة اليومية والتراث الشعبي الفلسطيني، مما يمنح الأحداث بعداً إنسانياً لافتاً. وتعيد «باب الشمس» بناء جانب واسع من تاريخ النكبة من خلال قصص الفلسطينيين وذاكرتهم، مثل سقوط قرى: عين الزيتون والبروة والشعب خلال عام 1948، فالكاتب هنا لا يتوقف فقط عند الأحداث الكبرى المحفورة في الوجدان العام، إنما يهتم أيضاً بالتفاصيل الصغيرة التي حفظها أصحابها، من أسماء الأماكن إلى حكايات العائلات وتجارب النزوح.


الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني
TT

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

الشرق وتحولاته بعيون رحالة بريطاني

تحت عنوان «الصراع حول أفريقيا»، صدر عن المركز القومي للترجمة في القاهرة الجزء الأول من كتاب «يوميات ويلفريد بلنت - سردية شخصية للأحداث من 1888 حتى 1914»، من تأليف الرحالة والشاعر والدبلوماسي البريطاني ويلفريد سكاون بلنت، ترجمة أسامة الغزولي.

يعد الكتاب سجلاً تاريخياً واجتماعياً يلتقي فيه الخاص بالعام، والسفر بالتأمل السياسي، عبر مفارقة نادرة لرجل انحاز للشرق وتعاطف معه ضد سياسات بلاده الاستعمارية، كما يكتسب أهمية خاصة للقارئ العربي لأنه يقدم شهادة شخصية مباشرة على مرحلة شديدة الاضطراب من تاريخ المنطقة، تمتد في الأصل إلى الفترة من 1888 إلى 1914.

عاش بلنت في الفترة من 1840 حتى 1922، وعمل في السلك الدبلوماسي البريطاني بين عامي 1858 و1869، ثم اتجه لاحقاً إلى السفر والكتابة، وارتبط اهتمامه بالشرق بعلاقته بزوجته الليدي آن بلنت، حفيدة الشاعر الإنجليزي لورد بايرون، إذ جاب الزوجان مناطق واسعة من الشرق الأوسط، وأسسا لاحقاً مزرعة لتربية الخيول العربية.

ورغم ذلك، لم يكن اهتمامه بالشرق مجرد شغف بالرحلات أو بالحياة البدوية، فقد تطور تدريجياً إلى موقف سياسي ناقد للإمبريالية البريطانية، بالتزامن مع موقف أقرب إلى الانبهار بالثقافة العربية.

وتكمن قيمة الكتاب في أن مؤلفه لم يكن مؤرخاً يكتب بعد عقود من وقوع الأحداث، وإنما رجل تحرك داخل دوائر سياسية واجتماعية متعددة، وشاهد شخصيات وأحداثاً وصراعات كانت لا تزال في طور التشكل، ولذلك تبدو اليوميات أقرب إلى كاميرا تتحرك بين لندن والقاهرة ومناطق الشرق، فتسجل الانطباعات والمحادثات والأخبار والقرارات، ثم تربطها بسياق سياسي أكبر.

ينتقل المؤلف إلى تونس وليبيا، في خطوة من شأنها توسيع زاوية النظر من مصر إلى شمال أفريقيا في الوقت الذي كانت فيه القوى الأوروبية تتنافس على المنطقة، كما أولى شبه الجزيرة العربية اهتماماً خاصاً، في إطاراهتمامه بالخيول العربية والمجتمعات البدوية، إذ انتقد النظرة الغربية المنحازة سلفاً ضد المجتمعات المحلية.

يتسع المشهد ليشمل السودان أيضاً، من خلال فصل «أم درمان وفاشودة»، حيث تدخل اليوميات في قلب التنافس البريطاني الفرنسي في أفريقيا، ضمن محطات التوتر بين القوتين في نهاية القرن التاسع عشر، مع تحول موقف المؤلف من «الاستشراق الرومانسي» في شبابه إلى بلورة موقف نقدي أكثر تماسكاً للسياسة الاستعمارية.

ولأنه شاعر في الأساس، لا يمكن فصل الحس الأدبي عن طريقة كتابة اليوميات لدى ويلفريد بلنت فحتى عندما يتناول الشأن السياسي المباشر لا يكتفي بتسجيل أسماء المسؤولين أو القرارات، إنما يهتم بالشخصيات وطباعها وعلاقاتها بما وراء التصريحات الرسمية، عبر لغة تجمع بين الصورة الأدبية ودقة المؤرخ والحس التوثيقي.

على هذه الخلفية، يصعب التعامل مع الكتاب بوصفه وثيقة محايدة فيما يتعلق بتناول الشأن المصري تحديداً، فالمؤلف نفسه شخصية سياسية ذات مواقف واضحة، فقد عاش خصماً للسياسة الإمبراطورية البريطانية، ومناصراً لثورة الزعيم الوطني أحمد عرابي، وهو ما يعني أن اختياراته لما يسجله وطريقته في وصف الشخصيات والأحداث تأثرت برؤيته الفكرية كناقد للإمبريالية ومتعاطف مع الحركة الوطنية المصرية.

من هنا تكتسب المواجهة بين بلنت واللورد كرومر، المندوب السامي البريطاني في القاهرة، أهمية خاصة لأنها تكاد تكون مواجهة بين رؤيتين متناقضتين لمصر بعيون إنجليزية، فالثاني يمثل الإدارة الاستعمارية ويدافع عن تجربتها في مستعمرات الشرق، بينما كان بلنت يرى أن الوجود البريطاني تحول إلى سيطرة سياسية تتعارض مع حق المصريين في تقرير مستقبلهم.

اللافت أن هذه اليوميات تجعل التاريخ أقل تجريداً وحيادية كما تمنحه بعداً شخصياً ملموساً، فبدلاً من أن نقرأ الاحتلال البريطاني للبلدان العربية في صورة تواريخ ومعاهدات وأسماء حكام، نراه من خلال رجل يتحرك بين لندن والشرق، ويتابع العلاقات بين القوى السياسية، ويراقب المجتمع والناس، ويكتب عن صراع الإمبراطوريات وهي تتوسع، على نحو يثبت أن الاستعمار لم يكن مجرد احتلال عسكري، وإنما شبكة من النفوذ المالي والإداري والسياسي والثقافي.