بوكروفيسك مدينة تعاند السقوط: عقدة الميدان والرمز بين كييف وموسكو

بوتين يراهن على حسم عسكري وترتيبات أمنية «طويلة الأمد» على الجبهات

قوات أوكرانية تضرب باتجاه مواقع روسية في بوكروفيسك (رويترز)
قوات أوكرانية تضرب باتجاه مواقع روسية في بوكروفيسك (رويترز)
TT

بوكروفيسك مدينة تعاند السقوط: عقدة الميدان والرمز بين كييف وموسكو

قوات أوكرانية تضرب باتجاه مواقع روسية في بوكروفيسك (رويترز)
قوات أوكرانية تضرب باتجاه مواقع روسية في بوكروفيسك (رويترز)

في قلب إقليم دونيتسك المشتعل، تقف بوكروفيسك كمدينةٍ تتحدى السقوط منذ أكثر من عام، لتتحول من مجرد موقع ميداني إلى رمز لمعركة الإرادة بين موسكو وكييف. هناك، تتقاطع الخرائط العسكرية مع الرسائل السياسية في حرب تُعيد رسم ملامح الصراع في أوكرانيا. بالنسبة إلى كييف هي عنوان للمقاومة، ولروسيا هي هدف لإثبات نصر ميداني ملموس بعد سلسلة معارك مكلفة. وتحولت إلى ورقة سياسية حساسة في الحرب الدائرة منذ فبراير (شباط) 2022. فبالنسبة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي يواجه ضغوطاً داخلية لعرض نتائج ملموسة بعد سنوات القتال، فإن السيطرة على المدينة ستكون نصراً رمزياً يعيد الزخم لحملته ويُقنع الرأي العام بجدوى استمرار الحرب. أما كييف، فتعدّها رمزاً وطنياً للصمود يوازي ماريوبول وخاركيف في المراحل الأولى من الحرب. صمود المدينة يشكل دليلاً على فشل موسكو في تحقيق «تحرير دونيتسك»، فيما خسارتها قد تفتح الباب لمفاوضات تُفرض على وقع الهزيمة.

صورة من فيديو وزّعه الكرملين لزيارة بوتين مقرّاً عسكرياً غير محدّد يوم 26 أكتوبر (إ.ب.أ)

بدا الرئيس الروسي واثقاً، الأربعاء، بقدرة قواته على تحقيق حسم عسكري قوي يعزز مواقعها على طاولة المفاوضات في حال استُأنفت جهود التسوية السياسية. وفي أول ظهور مرتبط بالوضع في أوكرانيا، بعد فشل جهود عقد قمة روسية - أميركية، وفرض واشنطن رزمة عقوبات جديدة على موسكو، تعمَّد بوتين القيام بجولة على مصابي الجيش الروسي في مستشفى عسكري بالقرب من موسكو تستقبل جرحى القتال في محاور (شرق - شمال)، تحدث خلالها عن اقتراب بلاده من حسم الوضع على عدد من الجبهات المشتعلة مع الجانب الأوكراني.

وبرز ارتباط بين تعثر العملية السياسية، والتصريحات القوية التي أطلقها بوتين حول «التقدم العسكري الواسع للقوات (الروسية) على كل الجبهات». وبدا أن هذه رسالة سعى الرئيس الروسي إلى توجيهها إلى الجانب الأوكراني والغرب عامةً، خصوصاً أنه كان أكد في وقت سابق أن «التغييرات الميدانية لن تكون في صالح الأوكرانيين في حال فشلت جهود التسوية».

مبانٍ متضررة جراء ضربة روسية في بلدة بيلوزيرسكي الأوكرانية (رويترز)

وتحدث بوتين عن «نجاحات واسعة يحققها الجيش في منطقتي كوبيانسك وكراسنوارميسك (محيط خاركيف)»، مشيراً إلى نجاح القوات الروسية في شن هجوم قوي في المنطقة العسكرية الشمالية وتطويق القوات الأوكرانية بشكل كامل. وزاد أن «الوضع العام في منطقة العمليات الخاصة تطوَّر تطوراً إيجابياً (...) العدو محاصَر في كوبيانسك وكراسنوارميسك». ودعا القيادة السياسية الأوكرانية إلى «اتخاذ قرارات بشأن مصير مواطنيها المحاصرين».

بوكروفيسك... مفتاح الدفاع الأوكراني في الشرق

تُعد بوكروفيسك آخر الحصون التي تفصل الروس عن السيطرة الكاملة على دونيتسك، الإقليم الذي تعدّه موسكو شرطاً لأي اتفاق لوقف النار. فالمدينة تقع على عقدة مواصلات رئيسية تربط خطوط الإمداد بين كراماتورسك وكوستيانتينيفكا، وتشرف على شبكة سكك حديدية ومحاور طرق حيوية، تجعلها مفتاح الدفاع الأوكراني في الشرق.

بالنسبة إلى روسيا، السيطرة على بوكروفيسك ستكون أكبر إنجاز ميداني منذ باخموت عام 2023، وتفتح الطريق نحو المدن الكبرى المتبقية تحت سيطرة كييف. أما بالنسبة إلى الأوكرانيين، فخسارتها تعني اختراق الجدار الشرقي الذي يحمي دنيبرو وبقية المناطق الوسطى.

بدأت موسكو محاولتها للسيطرة عليها منذ صيف 2024، إدراكاً لأهميتها اللوجيستية والعسكرية، إذ تتصل المدينة بشبكة من الطرق والمدن التي تُعد العمود الفقري للخطوط الدفاعية الأوكرانية.

واختارت روسيا في الهجوم الحالي، عدم اقتحام المدينة مباشرةً لتجنب الخسائر الكبيرة في المعارك، واتجهت بدلاً من ذلك إلى تطويقها وقطع طرق الإمداد عنها، خصوصاً من الجنوب باتجاه منطقة دنيبروبيتروفيسك المجاورة.

رجال إطفاء يعملون في موقع منشأة لتوليد الطاقة تعرضت لضربات بمسيّرات روسية في منطقة كييف (رويترز)

وقالت تقارير إعلامية إنه بعد أكثر من عام من القتال المستمر في محيط المدينة، فإن خسارتها ستكون ضربة نفسية ومعنوية قاسية لكييف، وتعيد تشكيل موازين القوى في الشرق الأوكراني.

ونقلت وسائل إعلام غربية عن المدون العسكري الأوكراني قسطنطين ماشوفيتس، أن «الخطر الأعظم يتمثل في المجموعات الروسية التي تتقدم نحو الضواحي الغربية»، لكنه أشار إلى أنه لا توجد حتى الآن دلائل على أن القوات الأوكرانية في بوكروفيسك وبلدة ميرنوغراد المجاورة قد حوصرت فعلياً، رغم أن «التهديد حقيقي للغاية».

وانعكست أهمية معركة بوكروفيسك في تصريحات بوتين الذي أكد أن «ما تقوم به القوات المسلحة الروسية هو أهم مهمة تضطلع بها البلاد. الجميع في منطقة خط المواجهة يتصرفون ببسالة».

وصف ضباط أوكرانيون الوضع داخل المدينة بأنه حالة من «الفوضى المستقرة»، حسب تقرير لـ«بزنس إنسايدر»؛ فبعد التقدم الروسي إلى مشارفها قبل عام، انتقل القتال إلى الأحياء السكنية، حيث تدور معارك شوارع ضارية، وعمليات تسلل وقصف متبادل. وقال أحد القادة الأوكرانيين إن نحو 250 جندياً روسياً تسللوا أخيراً إلى جنوب المدينة، مما حوَّل المعركة إلى حرب عصابات حضرية يصعب فيها تحديد خطوط الجبهة.

سكان يتجمّعون في منطقة سكنية بينما تشتعل النيران بمبنى بعد ضربات روسية على كييف 25 أكتوبر 2025 (إ.ب.أ)

وأكدت القوات الأوكرانية أنها تستخدم وحدات الطائرات المسيّرة بكثافة في محاولة لصدّ محاولات الجيش الروسي «التمركز في المناطق السكنية»، ووصفت الوضع بأنه «صعب للغاية». وأقرّ الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بأن القوات الروسية تتفوق عددياً بنسبة ثمانية إلى واحد داخل بوكروفيسك، مؤكداً أن المدينة تشهد «معارك شرسة» على أكثر من محور.

من جانبه، أبلغ رئيس الأركان الروسي فاليري غيراسيموف، الرئيس الروسي، بأن القوات الروسية حاصرت نحو 5500 جندي أوكراني داخل المدينة، وهو أمر نفى زيلينسكي صحته. ورغم ذلك، شدد زيلينسكي على أن «الاهتمام يتركز بشكل خاص على بوكروفيسك»، مضيفاً أن روسيا حشدت «قوتها الضاربة الرئيسية» لتحقيق اختراق في تلك الجبهة. وتُعدّ بوكروفيسك واحدة من أكثر المدن تحصيناً في شرق أوكرانيا، وتشكل عقدة دفاع رئيسية في جبهة دونيتسك.

جندي أوكراني يطلق طائرة استطلاع مسيّرة بالقرب من بلدة بوكروفيسك على الجبهة الأمامية بمنطقة دونيتسك 6 أكتوبر 2025 (رويترز)

الرئيس زيلينسكي شدد على أن «كل محاولة روسية للتقدم تُرصد وتُدمر»، مؤكداً أن موسكو تعدّ بوكروفيسك هدفها العسكري الأول، وتسحب قوات من جبهات أخرى لحسم المعركة. في المقابل، أعلن رئيس الأركان الروسي فاليري غيراسيموف أن قواته تحاصر آلاف الجنود الأوكرانيين، لكنّ معهد دراسة الحرب في واشنطن يشكك في ذلك، مؤكداً أن الخطوط «مائعة ومتداخلة» وأن التقدم محدود من الطرفين.

في موازاة المعركة المفتوحة، تتبنى القوات الروسية تكتيك التسلل بالمجموعات الصغيرة المدعومة بطائرات مسيّرة، حيث تعمل وحدات لا يتجاوز عدد أفرادها خمسة أو ستة على اختراق الخطوط وزرع الألغام أو احتلال نقاط أمامية قبل وصول الإمداد. هذه الفرق تُقاد من بُعد عبر كاميرات المسيّرات، وتنفّذ عمليات دقيقة ذات أثر نفسي وتكتيكي كبير، أجبرت أوكرانيا على تخصيص وحدات إضافية لملاحقة المتسللين. ورغم أن خسائر الروس في هذه العمليات كبيرة، فإن موسكو تراها مقبولة مقابل اختراقات تراكمية صغيرة تستنزف القوات الأوكرانية وتربك دفاعاتها.

جانب من اجتماع «تحالف الراغبين» في لندن يوم 24 أكتوبر (إ.ب.أ)

بعد نحو أربع سنوات من الحرب، تعيش بوكروفيسك واقعاً مريراً: مدينة مدمّرة جزئياً، وخطوط الإمداد عبر الطائرات المسيّرة، والإخلاء يتم ليلاً. ومع ذلك، تواصل القوات الأوكرانية الدفاع «من شارع إلى شارع»، بينما تعلن موسكو مراراً اقترابها من الحسم من دون دليل ميداني واضح.

مهما كانت نتيجة المعركة، فإن بوكروفيسك أصبحت اختباراً لإرادة الطرفين، ونموذجاً لتحول الحرب إلى صراع مديني طويل الأمد تُستخدم فيه التكنولوجيا الصغيرة والطائرات المسيّرة بدلاً من الجيوش الجرارة. إنها مرآة لحربٍ باتت تدور حول سؤالٍ واحد: من يملك صبراً أطول في مواجهة استنزاف لا نهاية قريبة له؟

وأعلن بوتين أن القوات المسلحة الروسية مستعدة للسماح لوسائل الإعلام، بما في ذلك وسائل الإعلام الأوكرانية والأجنبية، بالوصول إلى مناطق تطويق العدو؛ وقد يتوقف القتال خلال هذه الفترة. ورغم لهجته الواثقة قال الرئيس الروسي إن «مصدر القلق الوحيد هو محاولة الجانب الأوكراني تنفيذ استفزازات»، ووفقاً له فإن «القوات المسلحة الروسية تتقدم وتتحرك بشكل استباقي في جميع مناطق المنطقة العسكرية الشمالية». وفي إشارة لافتة قال إن «روسيا تضمن أمنها على المدى الطويل في المنطقة العسكرية الشمالية»، في إشارة إلى إنشاء منطقة عازلة في عمق الأراضي الأوكرانية على طول الخط الحدودي مع خاركيف ومحيطها.

بوتين كان قد اقترح على الجانب الأميركي خلال الحديث عن إعداد قمة تجمعه مع الرئيس دونالد ترمب، أن تضغط واشنطن على الأوكرانيين للانسحاب نهائياً من كل مناطق دونيتسك في مقابل تراجع موسكو جزئياً عن مناطق تقع تحت سيطرتها في شرق البلاد.

اختبارات أسلحة متطورة

في غضون ذلك، شكَّل إعلان بوتين عن اختبار طوربيد نووي حديث، خطوةً إضافية في إطار تلويحه قبل أيام بالكشف عن قدرات عسكرية جديدة، قال إنه «لا مثيل لها لدى الغرب». وبعد مرور يومين على إعلانه اكتمال اختبارات صاروخ «بوريفيستنيك» المجنح غير محدود المدى المزود بمحطة طاقة نووية، ووصفه بأنه منتج فريد من نوعه، أعلن بوتين، الأربعاء، أنه تم اختبار غواصة نووية صغيرة من طراز «بوسيدون» تعمل بنظام دفع نووي، وزاد أنه «لأول مرة، أُطلق نظام الدفع النووي بنجاح، وعملت المركبة لفترة زمنية محددة».

وقال الرئيس الروسي إن «اعتراض المركبة مستحيل». وأكد أن «سرعتها وعمقها لا مثيل لهما في العالم. علاوة على ذلك، تتجاوز قوة بوسيدون بشكل كبير قوة صاروخ (سارمات) العابر للقارات، الذي سيدخل الخدمة القتالية قريباً». ووفقاً لبوتين فقد تم اختبار المركبة، الثلاثاء، وشكَّلت نتائج الاختبار «نجاحاً باهراً للقوات ومؤسسات التصنيع العسكري». ووفقاً لمصادر مفتوحة، فإن «بوسيدون» هي مركبة روسية غير مأهولة تحت الماء مزوَّدة بنظام دفع نووي، وتعد عملياً طوربيداً نووياً قادراً على التسبب في تسونامي عند استخدامه قبالة سواحل الخصم. ويبلغ طول «بوسيدون» 20 متراً، وقُطره 1.8 متر، ووزنه 100 طن.


مقالات ذات صلة

مجموعة السبع تسعى إلى موقف مشترك مع واشنطن لإنهاء حرب إيران

العالم أعلام دول مجموعة السبع في يوم اجتماع وزراء خارجية المجموعة بالقرب من باريس - 26 مارس 2026 (رويترز)

مجموعة السبع تسعى إلى موقف مشترك مع واشنطن لإنهاء حرب إيران

تسعى مجموعة السبع المجتمعة في باريس إلى بلورة موقف مشترك مع الولايات المتحدة لإنهاء حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الولايات المتحدة​ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث إلى الصحافيين قبل صعوده على متن طائرة بقاعدة أندروز المشتركة بولاية ماريلاند الأميركية 26 مارس 2026 (أ.ف.ب)

روبيو: روسيا تركّز بشكل أساسي على حربها مع أوكرانيا بدل دعم إيران

قال ​وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الخميس، إنه ‌يعتقد ‌أن ​روسيا ‌تركّز بالدرجة الأولى ​على حربها مع أوكرانيا وليس على مساعدة إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية بدأت أوكرانيا سلسلة هجمات على سفن تابعة لأسطول الظل الروسي في البحر الأسود أواخر نوفمبر الماضي ما دفع تركيا إلى تحذير الجانبين (أ.ف.ب)

تركيا تؤكد متابعة الوضع في البحر الأسود بعد هجوم على ناقلة نفط

أكدت تركيا أنها تتابع من كثب المخاطر التي تشكلها المركبات البحرية غير المأهولة والطائرات المسيرة المستخدمة في البحر الأسود خلال الحرب بين روسيا وأوكرانيا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة )
العالم صورة بثتها وكالة الأنباء الكورية المركزية للزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون بالقرب من صاروخ باليستي عابر للقارات (أ.ب) p-circle

خبراء يسجلون ازدياداً «مقلقاً» للأسلحة النووية في العالم

كشف تقرير لمنظمة غير حكومية أن عدد الأسلحة النووية المنتشرة والجاهزة للاستخدام ازداد بشكل ملحوظ العام الماضي في «تطور مقلق» بسياق تصاعد حدة النزاعات.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
العالم كايا كالاس مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي تصل إلى اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في سيرناي لا فيل خارج باريس 26 مارس 2026 (أ.ب)

كالاس: روسيا تزوّد إيران بمعلومات استخبارية «لقتل أميركيين»

اتهمت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس روسيا بتزويد إيران بمعلومات استخبارية «لقتل أميركيين» خلال الحرب في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (باريس)

حرب إيران على طاولة محادثات وزراء خارجية مجموعة السبع

كايا كالاس وجون نويل بارو في مقر اجتماع السبع ببلدة فوـ دوـ سيرني (رويترز)
كايا كالاس وجون نويل بارو في مقر اجتماع السبع ببلدة فوـ دوـ سيرني (رويترز)
TT

حرب إيران على طاولة محادثات وزراء خارجية مجموعة السبع

كايا كالاس وجون نويل بارو في مقر اجتماع السبع ببلدة فوـ دوـ سيرني (رويترز)
كايا كالاس وجون نويل بارو في مقر اجتماع السبع ببلدة فوـ دوـ سيرني (رويترز)

بينما كان وزراء خارجية السبع يتوافدون على بلدة فوـ دوـ سيرني، اتّهمت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، روسيا بتزويد إيران معلومات استخبارية «لقتل أميركيين» في إطار الحرب في الشرق الأوسط.

وقالت كالاس، الخميس: «لاحظنا أن روسيا تساعد إيران على المستوى الاستخباري لاستهداف أميركيين، لقتل أميركيين، وروسيا تزوّد أيضاً إيران بمسيَّرات لتتمكن من مهاجمة الدول المجاورة، إضافة إلى القواعد الأميركية». وأضافت: «إذا أرادت الولايات المتحدة أن تتوقف الحرب في الشرق الأوسط (...) فعليها أيضاً الضغط على روسيا لئلا تتمكن من مساعدة (إيران) في هذا المجال».

وجاءت هذه التصريحات لتعيد تسليط الضوء على تخوّف الأوروبيين من تداعيات حرب إيران على الأولويات الأميركية، مع تراجع الاهتمام بملف أوكرانيا في مقابل خطر تفاقم الصراع في الشرق الأوسط وتداعياته الاقتصادية الوخيمة.

وزير الخارجية الفرنسي يستقبل نظيره الهندي في فوـ دوـ سيرني (أ.ب)

وبدا كأن التاريخ يعيد نفسه، باجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع (الولايات المتحدة، وفرنسا، وبريطانيا، وألمانيا، وإيطاليا، واليابان وكندا) في دير سابق يقع في بلدة فوـ دوـ سيرني التي تبعد عن قصر رامبويه 15 كلم. فقبل خمسين عاماً، دعا فاليري جيسكار ديستان، الرئيس الفرنسي وقتها، قادة الدول الصناعية - باستثناء كندا- لقمة في قصر رامبويه التاريخي الشهير لمناقشة «الأزمة الاقتصادية الناتجة من صدمة النفط» التي نشبت بعد حرب أكتوبر (تشرين الأول) بين مصر وسوريا من جهة وإسرائيل من جهة أخرى في عام 1973. حينها، وُلدت «مجموعة الست لتصبح لاحقاً مجموعة السبع بانضمام كندا إليها، ثم الثمانية، بانضمام روسيا التي طلب الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما إخراجها عام 2014 من المجموعة بسبب حرب أوكرانيا الأولى.

حرب إيران في الواجهة

ينصبّ الاهتمام الأول لوزراء خارجية المجموعة، الذين سينضم إليهم نظيرهم الأميركي ماركو روبيو صباح الجمعة، ونظراؤهم الأربعة الذين دعتهم الرئاسة الفرنسية من كل من السعودية، والهند، والبرازيل وكوريا الجنوبية، على تطورات حرب الشرق الأوسط وتداعياتها. ومنذ صباح الخميس، كان هذا الملف محوراً للاجتماعات الثنائية التي جرت على هامش الحدث الأساسي، كما أن جلسة العمل الخامسة التي ستحصل بعد ظهر الجمعة ستلتئم تحت عنوان: «الوضع في إيران وتبعاته على المنطقة».

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو مستقبلاً نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان لدى وصوله إلى مقر الاجتماع في فوـ دوـ سيرني (أ.ب)

كذلك، فإن باريس خطّطت لجلسة سادسة محورها «السلام والأمن» في العالم؛ ما سيسمح، وفق بيان أصدرته وزارة الخارجية بعد ظهر الخميس، بالتشاور حول أزمات إضافية، أبرزها الحرب في أوكرانيا وأوضاع غزة والسودان. ودُعي وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها للمشاركة في الاجتماع المخصص لبلاده المتخوفة من انعكاسات حرب الشرق الأوسط على الاهتمام الغربي، والأميركي بشكل خاص، بالحرب الدائرة بينها وبين روسيا منذ أكثر من أربع سنوات.

وتريد باريس خلال ترؤسها مجموعة السبع هذا العام التأكيد على ثلاثة مبادئ رئيسية: التضامن بين الدول، والاستقرار الاقتصادي، والمسؤولية الجماعية. ويتمثل الهدف في تنسيق المواقف والمبادرات من أجل العمل المشترك لصالح السلام والأمن، لا سيما في الشرقين الأدنى والأوسط.

انطلاقاً من هذه المبادئ، فإن اجتماعات فوـ دوـ سيرني، وفق ما صدر عن الخارجية الفرنسية، تدور حول ثلاثة محاور رئيسية. أولها البحث عن تسويات للأزمات الكبرى: أوكرانيا، إيران، السودان، غزة، هايتي، فنزويلا، كوبا، ومنطقة الهندي-الهادئ. كما سيكون لبنان حاضراً بقوة في هذه الاجتماعات وفي اللقاءات الثنائية الكثيرة بفضل التركيز الفرنسي على البحث عن سبل لوقف التصعيد بين إسرائيل و«حزب الله». وأفادت بيانات الخارجية بأن الاجتماعات الثنائية المتلاحقة التي عقدها جان نويل بارو، وزير الخارجية الفرنسي مع نظرائه وخصوصاً مع نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان، صباح الخميس، والبريطانية إيفيت كوبر، والكندية أنيتا أناند، ركزت في جانب منها على الملف اللبناني.

وتسعى باريس للترويج لـ«ورقتها» الداعية إلى مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، وإلى وقف الحرب. وسيكون اجتماع بارو - روبيو، الجمعة، أساسياً ليس فقط بالنسبة للبنان، بل أيضاً للتعرف على الخطط الأميركية الخاصة بإيران، حيث المعلومات الواردة من واشنطن غالباً ما تكون متضاربة.

شكاوى زيلينسكي

يتمثل المحور الثاني بإصلاح الحوكمة العالمية وإعادة الإعمار. وقالت الخارجية الفرنسية إن الهدف من المحور المذكور إطلاق أعمال ملموسة في مجال سلاسل الإمداد الإنسانية وإصلاح عمليات حفظ السلام». ومن المرتقب مشاركة رئيسة البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، في أعمال المحور المذكور الذي سيتناول أيضاً إعادة ترميم غلاف مفاعل تشرنوبيل الذي تضرر مؤخراً بسبب القصف.

زيلينسكي يتحدّث عبر الفيديو في اجتماع للمجلس الأوروبي 19 مارس الحالي (إ.ب.أ)

وأخيراً، فإن المحور الثالث يدور حول مكافحة التهديدات العابرة؛ أكان ذلك تهريب المخدرات أو الجريمة المنظمة، أو قضايا الأمن البحري والموانئ، والهجرة.

وشكا الرئيس فولوديمير زيلينسكي، في مقابلة مع صحيفة «لوموند» من تضارب الرؤى بين كييف وواشنطن إزاء النوايا الروسية ورغبة موسكو في التوصل إلى اتفاق سلام. وأكد مجدداً أن الضغوط الدولية وحدها يمكن أن تدفع الرئيس بوتين للبحث عن السلام. وسبق له أن أشار إلى أن الإدارة الأميركية تربط الضمانات الأمنية التي قد تقدمها لأوكرانيا بتنازلها عن منطقة الدونباس الشرقية لصالح روسيا، التي تجعل من الحصول عليها شرطاً رئيسياً لتوقف الحرب. بيد أن كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي ورئيسة وزراء أستونيا السابقة، عبَّرت، عقب اجتماعها بوزير خارجية فرنسا، عن «قلقها» إزاء الضغوط الممارسة على كييف. وقالت إنها تمثل «نهجاً خاطئاً بكل ⁠وضوح. إنها بالطبع ‌استراتيجية ‌التفاوض ​الروسية؛ إذ يطالبون بما لم ‌يكن لهم يوماً. ولهذا السبب؛ نحذر أيضاً من ‌الوقوع في هذا الفخ».

انتظار وزير الخارجية الأميركي

غير أن الهمّ الرئيسي لوزراء المجموعة عنوانه القلق من السياسات الأميركية ومن مستقبل إمدادات الطاقة والوضع في مضيق هرمز.

وقال مصدر دبلوماسي أوروبي في باريس إن المشكلة الأساسية تتمثّل في «انعدام الرؤية الواضحة بالنسبة لما ينوي الرئيس ترمب القيام به بسبب تصريحاته المتغيرة بين ليلة وضحاها، وانعكاس كل ذلك على الوضعين السياسي والاقتصادي، ليس في منطقة الخليج وحدها، بل على الصعيد العالمي». فشركاء واشنطن لم يتم التشاور معهم قبل اندلاع حرب إيران بالتنسيق والتنفيذ بين واشنطن وتل أبيب.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى جانب الرئيس دونالد ترمب خلال اجتماع الخميس في البيت الأبيض (إ.ب.آ)

من هنا، التعويل على حضور ماركو روبيو الذي تُعلَّق عليه الآمال لتوفير مقاربة عقلانية ومقنعة لما تريد بلاده القيام به بعد نحو الشهر من سقوط أول الصواريخ والقنابل على إيران. كذلك، يريد ممثلو الدول السبع أن يتعرفوا على الخطط الأميركية لإتاحة الملاحة الحرة في مضيق هرمز. وبكلام آخر، فإن الوزراء الحاضرين يريدون التعرف على مصير الحرب على إيران، وصورة اليوم التالي، ومستقبل إمدادات الطاقة، والدور المطلوب منهم؛ لأن غالبيتهم أعلنت الاستعداد للمساهمة في تأمين الملاحة في المضيق المذكور.

ونقلت «رويترز» عن كريستوف غومار، الجنرال السابق في الجيش الفرنسي ومسؤول المخابرات العسكرية فيه، قوله إن «موقف الولايات المتحدة يُعدّ عنصراً مزعزعاً لاستقرار النظام الدولي لجميع الأطراف، ليس فقط لأعضاء مجموعة السبع، بل أيضاً للصين وللكثير من دول العالم».

لم تنس مجموعة السبع الصعوبات التي تواكب عادة بلورة بيان مشترك عقب اجتماعاتها، خصوصاً عندما تكون إدارة ترمب طرفاً فيها. لذا؛ ولتحاشي الإشكالات والجدل، فإنه من غير المقرر أن يصدر عن اجتماع فوـ دوـ سيرني الذي يعدُّ تحضيراً لقمة السبع المقررة في مدينة إيفيان الفرنسية بين 17 و19 يونيو (حزيران). وقبلها، سوف تستضيف فرنسا اجتماعاً مماثلاً يوم 30 مارس (آذار) لوزراء المالية في المجموعة.


حلفاء أميركا في «الناتو» زادوا إنفاقهم العسكري 20 % في 2025

الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال مؤتمر صحافي في بروكسل (أ.ف.ب)
الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال مؤتمر صحافي في بروكسل (أ.ف.ب)
TT

حلفاء أميركا في «الناتو» زادوا إنفاقهم العسكري 20 % في 2025

الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال مؤتمر صحافي في بروكسل (أ.ف.ب)
الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال مؤتمر صحافي في بروكسل (أ.ف.ب)

ارتفع الإنفاق العسكري لكندا والدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) بنسبة 20 في المائة على أساس سنوي ليبلغ 574 مليار دولار في عام 2025، على ما أظهرت بيانات جديدة، الخميس.

ويطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب دول الحلف البالغ عددها 32 بزيادة إنفاقها الدفاعي، داعياً أوروبا إلى تحمل المسؤولية الأساسية عن أمنها، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

وأشار تقرير لـ«الناتو» إلى أن كل الدول الأوروبية الأعضاء وكندا تجاوزت الآن الهدف المحدد بتخصيص ما لا يقل عن 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق العسكري، وهو هدف تم تحديده في عام 2014 بغرض تحقيقه في مهلة أقصاها 2024. ومنذ ذلك الحين، وتحت ضغط ترمب، حدد الناتو هدفاً جديداً هو 5 في المائة بحلول 2035.

ولدى عرضه التقرير قال الأمين العام للحلف مارك روته: «أتوقع من أعضاء الحلف في قمة (الناتو) المقبلة في أنقرة أن يُظهروا أنهم يسيرون على طريق واضح وموثوق نحو تحقيق نسبة 5 في المائة».

وحققت ثلاث دول فقط هدف 3.5 في المائة العام الماضي، وهي بولندا ولاتفيا وليتوانيا. وزادت كل الدول إنفاقها العسكري العام الماضي، لكن ثلاثاً منها سجلت انخفاضاً طفيفاً في نسبة الإنفاق مقارنةً بناتجها المحلي الإجمالي.

في المقابل، تراجعت النسبة للولايات المتحدة من 3.30 في المائة عام 2024 إلى 3.19 في المائة، وفي جمهورية التشيك من 2.07 في المائة إلى 2.01 في المائة، وفي المجر من 2.21 في المائة إلى 2.07 في المائة.


تهديدات ترمب تضع قادة أوروبا أمام معادلة صعبة

الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة يوم 23 مارس (نيويورك تايمز)
الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة يوم 23 مارس (نيويورك تايمز)
TT

تهديدات ترمب تضع قادة أوروبا أمام معادلة صعبة

الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة يوم 23 مارس (نيويورك تايمز)
الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى قاعدة أندروز المشتركة يوم 23 مارس (نيويورك تايمز)

وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في أحدث هجوم له على أوروبا، انتقادات لاذعة لقادة القارة لرفضهم المساعدة في إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً. وقال على وسائل التواصل الاجتماعي الأسبوع الماضي: «إنهم يشتكون من ارتفاع أسعار النفط التي يُجبرون على دفعها»، لكنهم يرفضون «مناورة عسكرية بسيطة هي السبب الوحيد لارتفاع أسعار النفط».

ومهما بدت تصريحاته اندفاعية، فإنها تسلط الضوء على حقيقة أعمق؛ وهي أن ترمب وضع قادة أوروبا أمام معادلة مزدوجة. فالإغلاق الفعلي للممر المائي الاستراتيجي من جانب إيران أشعل أزمة طاقة شاملة في أنحاء القارة. ومع الارتفاع الحاد في أسعار النفط والغاز، الذي يثير غضب الناخبين في مختلف أنحاء أوروبا، تزداد الضغوط على القادة لاتخاذ إجراءات أكثر حزماً لإعادة فتح خطوط الشحن.

شبح حرب العراق

لكن في الوقت نفسه، تتّجه الرياح السياسية في أوروبا بشكل كبير ضد الحرب، ما يرفع تكلفة مشاركة أوروبا فيها. فالحملة العسكرية تتعرّض لانتقادات من كثير من الأوروبيين، خصوصاً على اليسار، الذين يرون أنها غير مبررة وغير قانونية، وأنها تهدد النمو الهش في أوروبا. كما لا يزال القادة يستحضرون حرب العراق، التي دعمتها بريطانيا، وندمت عليها لاحقاً. وقال جيرار أرو، السفير الفرنسي السابق لدى إسرائيل والولايات المتحدة: «نحن منقسمون كعادتنا. الأوروبيون يُظهرون ضعفهم على عدة مستويات. نحن في حالة صدمة كاملة مما يحدث».

ورغم المخاطر السياسية، هناك أسباب قوية تدفع أوروبا لضمان عدم إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة. ففي ألمانيا، تجاوز سعر البنزين 2 يورو للتر، أي ما يعادل 9.48 دولار للغالون، ما أجبر برلين ودولاً أخرى على اتخاذ إجراءات مكلفة، مثل بحث خفض الضرائب ووضع سقوف للأسعار للتخفيف من الصدمة.

وقال بيتر ويستماكوت، السفير البريطاني السابق لدى فرنسا والولايات المتحدة: «لدى الأوروبيين مصلحة كبيرة في فتح المضيق أمام ناقلات النفط والتجارة الأخرى، وفي إظهار أنهم حلفاء موثوقون للدول الخليجية».

ورغم الضغوط التي يمارسها ترمب على أوروبا، فإنه لم يُسهّل على قادتها دعمه. إذ لم تُشاور الولايات المتحدة حلفاءها بشأن العملية المشتركة مع إسرائيل ضد إيران، بل لم تُخطر غالبيتهم مسبقاً. وجاء غياب التنسيق بعد فترة متوترة صعّد فيها ترمب تهديداته بالسيطرة على غرينلاند، وتقلّب في دعمه لأوكرانيا.

ومنذ ذلك الحين، وجّه ترمب إهانات إلى القادة الأوروبيين، ولا سيما رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الذي بذل جهوداً كبيرة لكسب وده. وقال إنه «ليس ونستون تشرشل»، قبل أن يروّج لمقطع ساخر يُظهر رئيس الوزراء وهو يرتجف قبل مكالمة هاتفية مع الرئيس.

انتقاد الحلفاء

وحتى عندما دعا الأوروبيين إلى زيادة مساهمتهم، لم يخلُ حديث ترمب من الانتقاص منهم، إذ قال إن الولايات المتحدة لا تحتاج فعلياً إلى قدراتهم العسكرية. ويرى دبلوماسيون ومسؤولون عسكريون أن ذلك يكشف دافعه الحقيقي: دفع أوروبا لتحمل المخاطر السياسية للانضمام إلى الحملة العسكرية.

ويشير محللون إلى أن أوروبا يمكن أن تسهم في عملية عسكرية في المضيق، عبر نشر كاسحات ألغام أو سفن حربية لمرافقة الناقلات، لكنهم يرون أن قيمة مشاركتها السياسية تفوق أهميتها العسكرية. وقال ميشال ياكوفليف، الجنرال الفرنسي المتقاعد والمخطط السابق في «الناتو»: «قد يكون من المفيد وجود مزيد من السفن، لكن هذا ليس طرح ترمب». وأضاف: «لو كان مستعداً للقول إن حجم المشكلة يتطلب موارد إضافية، لكان الحساب مختلفاً». وتابع: «لكن بما أنه قلّل من قيمة المساهمة العسكرية الأوروبية، فهذا يعني أن المسألة سياسية». وأشار إلى أن القادة الأوروبيين مُحقّون في عدم منح ترمب غطاءً سياسياً، لأنه لم يوضح أهدافه الاستراتيجية أو يطرح مساراً للخروج من الحرب. وكان الرئيس قد قال إن «محادثات جيدة جداً» جارية لإنهاء القتال، وهو ما سارعت إيران إلى نفيه.

وأضاف ياكوفليف أن تشكيل تحالف لتأمين المضيق يتطلب اتفاقاً على نطاق العملية ومساهمات كل طرف وسلسلة القيادة وقواعد الاشتباك، وهي عملية قد تستغرق شهرين على الأقل.

وفي الأسبوع الماضي، خفّف قادة أوروبيون، إلى جانب نظرائهم من آسيا والخليج، من معارضتهم للمشاركة في مثل هذه العملية، لكن بيانهم جاء حذراً، إذ قال: «نُعرب عن استعدادنا للمساهمة في الجهود المناسبة لضمان المرور الآمن عبر المضيق».

تحالف ما بعد الحرب

ويعمل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلف الكواليس للحصول على تفويض من الأمم المتحدة لعملية تضمن بقاء المضيق مفتوحاً بعد انتهاء النزاع، فيما طرح مسؤولون في الاتحاد الأوروبي فكرة توسيع مهام بعثات الحماية البحرية القائمة في المنطقة.

وقال أرو إن أوروبا، بالنظر إلى تاريخها في التفاوض مع إيران بشأن برنامجها النووي، يمكن أن تلعب دوراً دبلوماسياً أكثر فاعلية في إنهاء النزاع. لكنه أضاف أن أوروبا مكبّلة بثلاثة عوامل مترابطة: عدم ثقة ترمب ببروكسل خصوصاً بعد رفضها دعم الحرب؛ ومخاوفها من أن يؤدي استعداؤه إلى الإضرار بأوكرانيا؛ وشكوك إيران فيها نظراً للتردد الأوروبي في مواجهة واشنطن بشكل أكثر وضوحاً. وختم قائلاً: «يمكننا أن نؤدي دور الوسيط، لكن ترمب يفضل الباكستانيين»، مضيفاً أن «الإيرانيين لا يثقون بنا أيضاً؛ فهم يعتقدون أننا ندعم الأميركيين».

*خدمة صحيفة «نيويورك تايمز»