تخريب وتسميم وقتل... عملاء المخابرات الروسية يُرهبون أوروبا

سيرغي في سكريبال العقيد السابق في المخابرات العسكرية الروسية الذي أُدين عام 2006 ببيع أسرار للمخابرات البريطانية (نيويورك تايمز)
سيرغي في سكريبال العقيد السابق في المخابرات العسكرية الروسية الذي أُدين عام 2006 ببيع أسرار للمخابرات البريطانية (نيويورك تايمز)
TT

تخريب وتسميم وقتل... عملاء المخابرات الروسية يُرهبون أوروبا

سيرغي في سكريبال العقيد السابق في المخابرات العسكرية الروسية الذي أُدين عام 2006 ببيع أسرار للمخابرات البريطانية (نيويورك تايمز)
سيرغي في سكريبال العقيد السابق في المخابرات العسكرية الروسية الذي أُدين عام 2006 ببيع أسرار للمخابرات البريطانية (نيويورك تايمز)

تنشط أجهزة المخابرات الروسية في الكثير من الدول الأوروبية، خصوصاً جهاز المخابرات العسكري الروسي المعروف بالاختصار «جي آر يو» (GRU)، مركزة على تنفيذ الكثير من العمليات التي تندرج تحت بند التخريب إلى جانب عمليات التجسس والاختراق.

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، بقيت الاستخبارات أولوية لدى الكرملين، لا سيما منذ وصول فلاديمير بوتين إلى السلطة، رجل وكالة الاستخبارات السوفياتية (كي جي بي) الذي كان مركزه في ألمانيا الشرقية في ثمانينات القرن العشرين.

وكثّفت الاستخبارات الروسية نشاطها في أوروبا عبر توسيع شبكة عملائها وتصعيد حدّة «الحرب الإعلامية» منذ بداية الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022، وشهدت السنة الأولى من النزاع في أوكرانيا «حملات طرد جماعي» لجواسيس روس كانوا يعملون تحت غطاء دبلوماسي في أوروبا، ويقدّر عددهم بالمئات. وقال الصحافي الاستقصائي، أندريه سولداتوف، مؤسس موقع «أغينتورا. رو» (Agentura.ru) إنه «كان لذلك تأثير على العمليات» الروسية.

وقال أندريه سولداتوف إنهم «تمكنوا مع ذلك من تصحيح وضعهم، وأصبحنا نشهد مزيداً ومزيداً من العمليات، التي يتم تنفيذها في أوروبا، للتضليل ولعمليات تصفية أو تسلل لعملاء وتجسس»، مشيراً إلى أنه «جهد كبير جداً من جانبهم».

ويقول مركز الأبحاث «رويال يونايتد سرفيسز إنستيتيوت» (RUSI)، ومقره لندن، إن الاستخبارات العسكرية الروسية أصلحت إدارة عملياتها لتحسين دقة المعلومات وتقييمها. وتجند وجوهاً جديدة أحياناً عبر شركات وهمية. وتفيد هذه الدراسة بأنه حسب تقليد المخبرين «غير الشرعيين»، لا علاقة لهؤلاء المجندين بالمنظمات الرسمية، مما يجعل من الصعب اكتشاف أمرهم من مكافحة التجسس الغربي. ويتم تجنيد البعض حتى من الطلاب الأجانب، من البلقان أو أفريقيا أو حتى أميركا اللاتينية. وفيما يلي مجموعة من أبرز عمليات أجهزة المخابرات الروسية في أوروبا خلال السنوات الأخيرة:

«القتل بمادة مشعة»

توفي ضابط الاستخبارات السابق ألكسندر ليتفينينكو، وهو من منتقدي الكرملين، عن 43 عاماً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2006 بعد أسابيع من شربه شاياً أخضر ملوثاً بمادة «البولونيوم - 210» وهي نظير مشع نادر، في فندق ميلينيوم الراقي بلندن، في هجوم تُحمِّل بريطانيا موسكو المسؤولية عنه منذ فترة طويلة.

الجاسوس الروسي السابق ألكسندر ليتفينينكو (أرشيفية - رويترز)

وطُرد ليتفينينكو، العميل السابق في جهاز الاستخبارات السوفياتية (كي جي بي)، ثم في جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (إف إس بي)، من أجهزة الأمن الروسية بعدما كشف محاولات لوضع مخطط لقتل رجل أعمال ثري. ومنحته المملكة المتحدة اللجوء عام 2001، فندَّد من هناك بـ«الفساد» في روسيا، وفضح وجود روابط بين أجهزة الاستخبارات الروسية وأوساط الجريمة المنظمة.

وتناول ليتفينينكو، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2006، الشاي مع أندريي لوغوفوي عميل الاستخبارات الروسية، ورجل الأعمال ديمتري كوفتون، في أحد فنادق لندن. وفي رسالة كتبها من على فراش الموت، اتَّهم الرئيس فلاديمير بوتين بأنه من أمر بقتله، لكنَّ الكرملين نفى هذه التهمة.

ودائماً ما تنفي روسيا ضلوعها بأي شكل من الأشكال في وفاة ليتفينينكو التي هوت بالعلاقات البريطانية - الروسية إلى أدنى مستوياتها بعد الحرب الباردة. وخلص تحقيق بريطاني مطوَّل في 2016 إلى أن بوتين، ربما أقر عملية للمخابرات الروسية لقتل ليتفينينكو. واتهم التحقيق البريطاني الروسيين ديمتري كوفتون وأندري لوغوفوي بتنفيذ عملية القتل، غير أن موسكو رفضت تسليمهما.

وقالت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، في سبتمبر (أيلول) 2021، إن روسيا مسؤولة عن مقتل ضابط الاستخبارات السابق ليتفينينكو.

«مواد سامة»

في الرابع من مارس (آذار) 2018، استُهدف الجاسوس المزدوج الروسي السابق سيرغي سكريبال في سالزبيري جنوب غربي إنجلترا وابنته يوليا بسمّ الأعصاب السوفياتي الصنع «نوفيتشوك». وعُثر على سكريبال، وهو ضابط سابق بالمخابرات الروسية، وابنته يوليا، فاقدَين للوعي بمدينة سالزبيري.

الجاسوس المزدوج السابق سيرغي سكريبال (أرشيفية)

وأوضحت بريطانيا أنهما تعرضا للتسميم بغاز الأعصاب «نوفيتشوك»، الذي صُنع خلال حقبة الاتحاد السوفياتي، واتهمت رجلين تقول إنهما ضابطان بالمخابرات العسكرية الروسية بتنفيذ الهجوم.

وقد تعافى سيرغي ويوليا بعد بقائهما في المستشفى أسابيع عدة في حالة حرجة.

واتهمت لندن موسكو بأنها مسؤولة عن محاولة التسميم، وأعلنت تجميد العلاقات الثنائية وطرد 23 دبلوماسياً روسياً. ورداً على ذلك، أمر الكرملين بطرد دبلوماسيين بريطانيين ووقف عمل المجلس الثقافي البريطاني في روسيا.

ووجهت التهمة إلى سيرغي فيدوتوف، المعروف أيضاً باسم دينيس سيرغييف بالتآمر بهدف قتل سيرغي سكريبال، وبمحاولة قتل سكريبال وابنته يوليا والشرطي نيك بايلي الذي أُصيب لدى تدخله في موقع عملية التسميم، وبحيازة واستخدام سلاح كيميائي. وتوفيت امرأة بريطانية بعدما استخدمت زجاجة عطر رماها منفذو محاولة قتل سكريبال، وكانت تحوي مادة «نوفيتشوك» السامة.

وفي 14 سبتمبر (أيلول) 2018 أدخل بيوتر فيرزيلوف، الناشط المعارض للكرملين والمرتبط بفرقة موسيقى البانك الروسية «بوسي رايوت»، إلى المستشفى إثر أعراض تسمم على ما يبدو من أدوية. ونُقل جواً على وجه السرعة إلى ألمانيا، حيث قال الأطباء إنه من «المعقول جداً» أن يكون قد تعرض للتسميم.

وتقول زوجته المنفصلة عنه، العضوة في فرقة «بوسي رايوت»، ناديا تولوكونيكوفا، إن التسميم المفترض كان «على الأرجح محاولة اغتيال أو على الأقل ترهيباً». وبعد خروجه من المستشفى، قال فيرزيلوف إنه «على اقتناع» بأنه تعرض للتسميم على أيدي جهاز الاستخبارات الروسي.

وفي سبتمبر (أيلول) 2004 أُصيب مرشح المعارضة الأوكرانية وبطل الثورة البرتقالية فيكتور يوتشنكو، بأعراض مرض خطيرة. وأظهرت نتائج فحوص أُجريت في عيادة نمساوية أنه تناول كمية كبيرة من الديوكسين. وقد نجا يوتشنكو من التسمم وفاز بالانتخابات، لكن وجهه بقي متورماً وعليه آثار ندوب، ويتهم مؤيدوه جهاز الاستخبارات الروسي بالضلوع في الواقعة.

«تخريب»

في أبريل (نيسان) 2021 اتهمت التشيك «جهاز الاستخبارات العسكرية الروسي» بقصف مستودع أسلحة في البلاد.

وفي واقعة أخرى، اتهم المدعي العام في ليتوانيا الدولة الواقعة على بحر البلطيق، في مارس (آذار) 2025، جهاز الاستخبارات العسكرية الروسية بأنه كان وراء حريق متعمد في متجر «إيكيا» في فيلنيوس عام 2024.

وأكد المدعي العام أن المجموعة التي تقف وراء حريق «إيكيا» المتعمد في فيلنيوس كانت أيضاً وراء إحراق مراكز تسوق في بولندا.

وأشار إلى أن الأشخاص التسعة الذين أُلقي القبض عليهم في بولندا بتهمة إحراق مركز تسوق كانوا تحت إشراف نفس الأشخاص الذين خططوا لإشعال الحريق المتعمد «إيكيا» في فيلنيوس.

وقال المدعي العام في ليتوانيا إن السلطات في بلاده تواصل التحقيق مع منظمي الحريق المتعمد الذين يزيد عددهم على 20 شخصاً، مضيفاً أنه «صدرت أوامر اعتقال دولية بحق بعض المنظمين».

وألقت بولندا، العام الماضي، القبض على تسعة أفراد بتهمة إشعال حرائق عمداً في مدينة فروتسواف بأوامر من روسيا.

الروسيان المطلوبان في بريطانيا ألكسندر بيتروف ورسلان بوشيروف (أ.ب)

وفي مايو (أيار) 2025، كشفت ألمانيا خططاً مزعومة لشن هجمات على نقل البضائع في ألمانيا. وتم القبض على 3 أوكرانيين في ألمانيا وسويسرا، وتتهمهم النيابة العامة الاتحادية بممارسة أنشطة استخباراتية بغرض التخريب. وهناك شكوك في أن السلطات الحكومية في روسيا تقف وراء هذا الأمر، وفق وكالة الأنباء الألمانية.

زعزعة الاستقرار لوقف الدعم

تحدث تقرير، في فبراير (شباط) 2024، عن جهود روسيا في إعادة هيكلة وتعزيز شبكة الاستخبارات العسكرية الروسية «GRU»، بهدف تقويض استقرار الحكومات الداعمة لكييف عبر أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط، وذلك عبر استخدام خدماتها السرية «بشكل عدواني» لتغيير الأنظمة وزعزعة الاستقرار في هذه المناطق، وفق صحيفة «فاينانشال تايمز».

وحسب التقرير، تتزامن هذه الجهود مع إعادة هيكلة ناتجة عن غزو روسيا لأوكرانيا، حيث تسعى «GRU» لإعادة بناء شبكتها الأوروبية باستخدام وكلاء غير شرعيين وشبه شرعيين، بهدف زعزعة الاستقرار وتحقيق تأثير سلبي باستخدام تكتيكات مألوفة من عهد الحرب الباردة.

والهدف هو زعزعة الحكومات المعادية لموسكو وتعطيل الدعم الغربي لأوكرانيا، إذ يستخدمون أساليب تشمل التضليل واستهداف الطبقة الحاكمة واستخدام العنف، وفقاً للتقرير الذي نشرته مؤسسة المعهد الملكي للخدمات المتحدة، في لندن.

وحذرت المؤسسة الفكرية الغربية في تقريرها من أن هذه الجهود الروسية تستهدف زعزعة الحكومات المعادية لموسكو، وتعطيل الدعم الغربي لأوكرانيا، مستخدمةً تكتيكات تشمل التضليل واستهداف الطبقة الحاكمة واستخدام العنف.

وتتضمن الإصلاحات التي قامت بها «GRU» إنشاء وحدة جديدة تُعرف بـ«خدمة الأنشطة الخاصة»، التي تشمل وحدة 29155 المسؤولة عن الاغتيالات الخارجية. ويُشير التقرير إلى أن هذه الإصلاحات تأتي بعد سلسلة من المحاولات الفاشلة التي قادها عملاء «GRU» في أوكرانيا والجبل الأسود ومولدوفا.


مقالات ذات صلة

انتخابات تشريعية حاسمة لحكم أوربان في المجر

أوروبا رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان لدى الإدلاء بصوته في بودابست الأحد (أ.ف.ب)

انتخابات تشريعية حاسمة لحكم أوربان في المجر

توجّه الناخبون المجريون بكثافة إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في انتخابات قد تضع حداً لحكم رئيس الوزراء فيكتور أوربان الذي يتولى السلطة منذ 16 عاماً.

«الشرق الأوسط» (بودابست - لندن)
شمال افريقيا خلال عملية نقل مخلفات حربية في ليبيا (البعثة الأممية)

إزالة 4 آلاف لغم وذخيرة من مقر ميليشياوي في العاصمة الليبية

تحت شعار «استثمروا في السلام... استثمروا في الأعمال المتعلقة بإزالة الألغام»، انتهت جهود شركاء للأمم المتحدة إلى إزالة آلاف الألغام من مناطق ليبية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان خلال استقباله كايا كالاس في الرياض (واس)

مباحثات سعودية إقليمية ودولية ترحب بجهود تحقيق الأمن والاستقرار

ناقش الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي وكايا كالاس الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية، الأربعاء، مستجدات الأوضاع في المنطقة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مسافرون مصطفّون في حالة انتظار داخل مطار بروكسل (أرشيفية-رويترز)

الاتحاد الأوروبي يناقش تأثير أزمة الطاقة على المطارات

صرحت آنا كايسا إيتكونن، المتحدثة باسم المفوضية الأوروبية، بأن الاتحاد الأوروبي سيناقش، هذا الأسبوع، تأثير أزمة الطاقة في الشرق الأوسط على المطارات.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد مشروع «يامال للغاز الطبيعي المسال» (نوفاتك)

روسيا ترسل أول شحنة غاز إلى الصين من مشروع «يامال» منذ نوفمبر

أرسلت روسيا أول شحنة غاز مسال من مشروع «يامال» إلى الصين منذ نوفمبر (تشرين الأول) الماضي، وذلك قبل أسابيع من بدء تطبيق الحظر الأوروبي على واردات الغاز الروسي.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

هزيمة أوربان «المؤلمة» ضربة موجعة لليمين الشعبوي

مرشح المعارضة بيتر ماغيار يلوّح بالعَلم المجري خلال الاحتفال بالفوز الانتخابي في بودابست فجر الاثنين (د.ب.أ)
مرشح المعارضة بيتر ماغيار يلوّح بالعَلم المجري خلال الاحتفال بالفوز الانتخابي في بودابست فجر الاثنين (د.ب.أ)
TT

هزيمة أوربان «المؤلمة» ضربة موجعة لليمين الشعبوي

مرشح المعارضة بيتر ماغيار يلوّح بالعَلم المجري خلال الاحتفال بالفوز الانتخابي في بودابست فجر الاثنين (د.ب.أ)
مرشح المعارضة بيتر ماغيار يلوّح بالعَلم المجري خلال الاحتفال بالفوز الانتخابي في بودابست فجر الاثنين (د.ب.أ)

منذ سنوات لم يسمع الأوروبيون، الخائفون من اليمين الشعبوي والحريصون على مؤسسات اتحادهم، خبراً مفرحاً كالذي جاءهم ليل الأحد - الاثنين من بودابست، عندما أظهرت النتائج التي أسفرت عنها الانتخابات العامة في المجر أن مرشح المعارضة، بيتر ماغيار، قد حقق انتصاراً كاسحاً على رئيس الوزراء، فيكتور أوربان، الذي مضى عليه 16 عاماً متواصلة في الحكم، تحوّل خلالها كابوساً لمؤسسات الاتحاد الأوروبي؛ بسبب علاقته الوثيقة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ولجوئه المستمر إلى استخدام الفيتو داخل المجلس الأوروبي منعاً لاتخاذ قرارات تتعارض مع مصالح موسكو.

معظم العواصم الأوروبية الكبرى تنفست الصعداء عندما تأكد سقوط «الطابور الخامس» الذي زرعه الكرملين في قلب الاتحاد، والذي أصبح مؤخراً النموذج الرائد للقوى اليمينية المتطرفة، التي تواصل صعودها إلى السلطة في أوروبا، ورأس حربة المشروع الذي تقوده الإدارة الأميركية الحالية لتغيير مسار الاتحاد الأوروبي، الذي ترى واشنطن أنها في حرب ثقافية معه تدور حول القواعد الديموقراطية والقيم الليبرالية.

أنصار المعارضة يحتفلون بعد الفوز الانتخابي في بودابست فجر الاثنين (د.ب.أ)

التباشير الأولى لهزيمة أوربان بدأت تظهر بعد أن بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات رقماً قياسياً لم تعرفه منذ سقوط النظام الشيوعي، متجاوزة 77 في المائة من الناخبين؛ الأمر الذي كانت المعارضة تعقد عليه كبير الأمل، ليس فحسب لتحقيق فوز مبين على أوربان، بل أيضاً للحصول على الأغلبية البرلمانية التي تمكّنها من إلغاء جميع القوانين التي قيّدت الحريات الأساسية، وأبطلت مفاعيل المؤسسات القضائية وأجهزة الرقابة على الأداء الحكومي ومكافحة الفساد.

وعندما بلغت نسبة الفرز 60 في المائة من الأصوات كان ماغيار قد حصد 136 مقعداً من أصل 199 في البرلمان، فسارع أوربان إلى الاتصال به لتهنئته بالفوز، ثم أطلّ على أنصاره ليعترف بما وصفه بالهزيمة «المؤلمة»، مؤكداً أنه لن يستسلم أبداً. وعندما اقتربت عملية الفرز من نهايتها قبيل منتصف الليل، كان ماغيار قد ضمن 137 مقعداً، ومعها أكثرية الثلثين التي تمنحه السيطرة الكاملة على البرلمان.

رئيس الوزراء فيكتور أوربان محاطاً بمساعديه يلقي كلمة أمام أنصاره مُقرّاً بالهزيمة المؤلمة في بودابست ليل الأحد (د.ب.أ)

لا شك في أن نتيجة الانتخابات المجرية، التي ألحقت هزيمة مدوّية بأقوى رموز الشعوبية الأوروبية، تنذر بانعطاف يتبلور منذ فترة في المشهد اليميني المتطرف على امتداد الاتحاد، خاصة بعد فوز المرشح الاشتراكي في انتخابات الرئاسة البرتغالية، والهزيمة التي أصابت رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجا ميلوني، وائتلافها الحاكم منذ أسبوع في الاستفتاء الشعبي لتعديل بعض مواد الدستور والحد من استقلالية السلطة القضائية.

وهي أيضاً انتكاسة واضحة للجهود التي تبذلها إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، لتعزيز مواقع حلفائها في أوروبا ومساعدتهم للوصول إلى الحكم، وهي جهود أوكلها ترمب لنائبه جي دي فانس، الذي انتقل الأسبوع الماضي إلى بودابست لدعم أوربان بعد أن كان الرئيس الأميركي وعد المجر بمساعدات اقتصادية واستثمارات سخية في حال فوز صديقه «فيكتور».

لكن الرهان على فوز أوربان لم يقتصر فحسب على واشنطن وموسكو والقوى الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا والعالم؛ إذ إن بكين أيضاً سبق أن راهنت عليه عندما قرر الرئيس الصيني، شي جينبينغ، إدراج بودابست محطةً رئيسية في جولته الأوروبية عام 2024، وأعلن عن حزمة ضخمة من الاستثمارات في معظم القطاعات الإنتاجية المجرية.

شابان مجريان يحتفلان بالفوز الانتخابي للمعارضة في بودابست ليل الأحد (د.ب.أ)

أوكرانيا من جهتها، أعربت أيضاً عن ارتياحها لسقوط أوربان، الذي استخدم الفيتو في المجلس الأوروبي لحرمانها من الحصول على المساعدات التي أقرّتها المفوضية بقيمة 90 مليار يورو، بعد أن كان تعهد في القمة الأوروبية نهاية العام الماضي بالموافقة عليها. وكان أوربان قد جعل من أوكرانيا عنواناً رئيسياً في حملته الانتخابية، واتهمها بقطع إمدادات الطاقة عن بلاده.

هزيمة أوربان الصاعقة هي انتكاسة شديدة للأممية اليمينية المتطرفة التي كانت تراه قدوةً تحتذى. وهي أيضاً مدخل واسع إلى مرحلة سياسية جديدة في الاتحاد الأوروبي الذي يعيش منذ سنوات مسكوناً بهاجس الصعود المطرد للقوى الشعبوية المتطرفة واقترابها من الحكم في غير دولة. ولا شك في أن هذا السقوط المدوّي لرئيس الوزراء المجري، الذي نسف استراتيجية الاتحاد لمساعدة أوكرانيا، ليس خبراً ساراً لليمين الفرنسي المتطرف الذي يعقد آمالاً كبيرة على انتخابات العام المقبل الرئاسية.

أنصار المعارضة يحتفلون بعد الفوز الانتخابي في بودابست فجر الاثنين (أ.ف.ب)

بيتر ماغيار

بيتر ماغيار كان من أشدّ المعجبين بفيكتور أوربان، الذي علّق صورة كبيرة له على جدار غرفته في المدينة الجامعية عندما كان يافعاً. وفي الحزب الذي أسسه أوربان نهل أفكاره السياسية والاجتماعية. لكن منذ عامين فقط، قرر ماغيار الانشقاق عن الحزب، فراح ينشر أسرار قياداته وما كانت ترتكبه من تجاوزات، وبدأ صعوده السياسي كالشهب، إلى أن دمّر الأحد الهيكل الذي بناه زعيمه السابق طيلة ستة عشر عاماً.

ينتمي ماغيار (45 عاماً) إلى عائلة تُعدّ من النخبة المجرية. كان والده محامياً مشهوراً، وتولت والدته مناصب رفيعة المستوى في المحكمة العليا. كما أن جدته كانت شقيقة الرئيس الأسبق فيرين مادل، وجدّه كان مذيعاً تلفزيونياً معروفاً يقدم برامج استشارات قانونية.

خلال دراسته الجامعية في ألمانيا، أقام صداقة وطيدة مع غرغلي غولياس، الذي يدير حالياً مكتب رئيس الوزراء. زوجته جوديت فارغا كانت نائبة في البرلمان الأوروبي عن حزب أوربان، بينما كان هو موظفاً في بعثة المجر الدائمة لدى المؤسسات الأوروبية في بروكسل.

مرشح المعارضة بيتر ماغيار يلقي كلمة أمام أنصاره في بودابست ليل الأحد (رويترز)

في عام 2018 عيّن أوربان زوجة ماغيار وزيرة للشؤون الأوروبية، ثم وزيرة للعدل حتى عام 2023 عندما تمّ تعيين والدة ماغيار نائبة لرئيس السلطة القضائية.

لا شك في أن المعلومات الواسعة التي يملكها عن حزب أوربان، ومعرفته باستراتيجيته السياسية ومواطن الضعف لدى قياداته، ساعدته على وضع برنامج انتخابي يقوم على فكرة تجديد حزب أوربان وتطهيره من العيوب الكثيرة التي راكمها على مر السنين، بعد أن كان قرر تأسيس حزبه الخاص، رافضاً أن يلتحق بأحزاب المعارضة التقليدية التي أدركت ضعفها فانسحبت تدريجياً من السباق الانتخابي ومهدّت طريق الفوز أمام ماغيار.

Tisza هو اسم الحزب الذي أسسه ماغيار منذ عامين (حزب الحرية والاحترام) وهو أيضاً اسم ثاني أهم الأنهر في المجر. واللافت أن الفائز في انتخابات المجر، يختلف في كل شيء تقريباً عن أحزاب المعارضة التقليدية التي انهزمت مراراً أمام أوربان، كما أنه رفع الشعارات المحافظة نفسها التي كان هذا الأخير يحتكرها، مثل العَلم الوطني، والنشيد الوطني، وشعار: «الله، الوطن، العائلة»، علماً أن كنيته تعني «المجري».

يقول الذين يعرفونه جيداً إن من المستبعد أن ينهج سياسة تتعارض كلياً مع تلك التي اتبعها أوربان طوال فترة حكمه بالنسبة لملفات حساسة، مثل حقوق الأقليات الجنسية، والهجرة. وهو ليس مناهضاً لأوكرانيا، لكنه لن يكون مبادراً في تأييدها، ولن يقطع العلاقات المميزة لبلاده مع موسكو.

11 في المائة من أنصاره يقولون إنهم محافظون، بينما ينتمي 43 في المائة منهم إلى المعسكر الليبرالي، و23 في المائة إلى اليسار وحزب الخضر. والغريب، أن كثيرين من الذين صوّتوا له يوم الأحد، لا يستسيغون شخصيته، وماضيه السياسي، ولا ذكوريته العنيفة التي اتهمته بها زوجته السابقة، ولا سيطرته المحكمة على الحزب، أو ردود فعله إزاء النقد. لكن يعترف هؤلاء بأن هذه هي الصفات التي كان لا بد من التحلّي بها للفوز على أوربان.


أستراليا تدعو إلى بقاء مضيق هرمز مفتوحاً للجميع

رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيز (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيز (أ.ف.ب)
TT

أستراليا تدعو إلى بقاء مضيق هرمز مفتوحاً للجميع

رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيز (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيز (أ.ف.ب)

دعا رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيز إلى إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً، وقال إن الولايات المتحدة لم تطلب مساعدة أستراليا لفرض حصار عليه.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد صرح بأن البحرية الأمريكية ستبدأ سريعاً حصاراً للسفن الداخلة إلى مضيق هرمز أو المغادرة منه، بعد أن انتهت محادثات وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران في باكستان دون التوصل إلى اتفاق.

وقال ألبانيز لتلفزيون «ناين نيتورك» اليوم الاثنين: «لم نتلق أي طلبات، وقد أصدروا هذا الإعلان خلال الليل وفعلوا ذلك بطريقة أحادية الجانب. ولم يطلب منا المشاركة».

وأضاف ألبانيز: «ما نريد رؤيته هو استمرار المفاوضات واستئنافها. نريد أن نرى نهاية لهذا الصراع .ونريد أن نرى مضيق هرمز مفتوحا للجميع. ونريد أن نرى حرية الملاحة كما يقتضي القانون الدولي أيضاً».


رئيس الوزراء المجري أوربان يقر بهزيمة «مؤلمة» في الانتخابات

رئيس الوزراء المجري المنتهية ولايته فيكتور أوربان خلال كلمته إلى أنصاره عقب اعترافه بالهزيمة في الانتخابات التشريعية (أ.ب)
رئيس الوزراء المجري المنتهية ولايته فيكتور أوربان خلال كلمته إلى أنصاره عقب اعترافه بالهزيمة في الانتخابات التشريعية (أ.ب)
TT

رئيس الوزراء المجري أوربان يقر بهزيمة «مؤلمة» في الانتخابات

رئيس الوزراء المجري المنتهية ولايته فيكتور أوربان خلال كلمته إلى أنصاره عقب اعترافه بالهزيمة في الانتخابات التشريعية (أ.ب)
رئيس الوزراء المجري المنتهية ولايته فيكتور أوربان خلال كلمته إلى أنصاره عقب اعترافه بالهزيمة في الانتخابات التشريعية (أ.ب)

أقر رئيس الوزراء المجري المنتهية ولايته فيكتور أوربان بالهزيمة في الانتخابات التشريعية التي جرت الأحد، وذلك خلال خطاب مقتضب ألقاه في مقر حملته الانتخابية.

وقال الزعيم القومي إن «نتائج الانتخابات، وإن لم تكن نهائية بعد، واضحة بالنسبة لنا، هي مؤلمة لكنها لا لبس فيها. لم تُمنح لنا المسؤولية أو الفرصة للحكم»، مضيفا أنه «هنأ الحزب الفائز».

وكان الناخبون المجريون توجهوا بكثافةٍ إلى صناديق الاقتراع، الأحد، للإدلاء بأصواتهم في انتخابات تشريعية قد تضع حداً لحكم رئيس الوزراء فيكتور أوربان الذي يتولى السلطة منذ 16 عاماً، في استحقاق تستحوذ نتائجه على متابعة مكثفة من المجتمع الدولي، خصوصاً من الولايات المتحدة وروسيا والبلدان الأوروبية.

وأشار محللون إلى أن نسبة المشاركة مرتفعة، خصوصاً في المدن متوسطة الحجم، وبين الناخبين الشباب، الأكثر ميلاً لدعم مرشح المعارضة بيتر ماغيار. وتحدث هؤلاء المحللون قبل الانتخابات عن نسبة مشاركة قياسية قد تصل إلى 75 في المائة.

وحظي أوربان قبل الانتخابات بدعم قوي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وتمثّلَ هذا الدعم بزيارة لنائبه جاي دي فانس إلى بودابست، الأسبوع الحالي، امتدح خلالها مزايا فيكتور أوربان وانتقد تدخُّل «بيروقراطيي بروكسل»، حيث مقر الاتحاد الأوروبي. أما ترمب نفسه، فاتخذ الجمعة مواقف عدة داعمة لأوربان، إذ تعهد بتسخير «كامل القوة الاقتصادية» الأميركية لمساعدة المجر إذا دعم الناخبون حليفه الذي يراه مجسداً لمعركة مكافحة الهجرة والدفاع عن «الحضارة الغربية».