الشرع: السعودية مفتاح سوريا استثمارياً... ورهاني على شعبي الذي انتصر

أكد تدفق 28 مليار دولار استثمارات خارجية بعد سقوط النظام

TT

الشرع: السعودية مفتاح سوريا استثمارياً... ورهاني على شعبي الذي انتصر

الرئيس أحمد الشرع يتحدث بحضور الأمير محمد بن سلمان في مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» (أ.ف.ب)
الرئيس أحمد الشرع يتحدث بحضور الأمير محمد بن سلمان في مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار» (أ.ف.ب)

أكد الرئيس السوري أحمد الشرع، الذي راهن على شعبه في بناء سوريا الجديدة، أن الدعم السعودي كان مفتاح بلاده للاستثمار، والانفتاح على العالم، بفضل جهود جبارة، قادها الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، أسفرت عن جذب استثمارات تجاوز حجمها 28 مليار دولار خلال 6 أشهر فقط، مشيراً إلى أن بلاده فتحت صفحة جديدة من تاريخها الحديث.

وقال الشرع، بحضور الأمير محمد بن سلمان، في جلسة خاصة ضمن فعاليات مؤتمر «مبادرة مستقبل الاستثمار»، بالرياض، الأربعاء، إن الرؤية السعودية 2030 بمثابة بوصلة لاقتصادات المنطقة، مؤكداً عزمه - بسند شعبه - على إعادة إعمار سوريا لتصبح نموذجاً للتعاون، بسرعة تمكن بلاده من الاندماج في العالم، مبيناً أنه لمس حرصاً سعودياً قوياً للسير قدماً بلا تراجع.

وأضاف الشرع من العاصمة السعودية، التي شهدت ميلاده في اليوم نفسه، الذي انطلق فيه صوته مساء الأربعاء: «يصادف اليوم وأنا أتحدث من الرياض في جلسة من جلسات مبادرة مستقبل الاستثمار، تاريخ ميلادي في الرياض، حيث إنني ولدت في مثل هذا اليوم عام 1980، وأنا اليوم في ضيافة ولي العهد فهي مصادفة فأل حسن».

وأكد أن السعودية تُشكِّل أهمية كبرى للشرق الأوسط، حيث إنها بوصلة لاقتصادات المنطقة، مضيفاً أن المملكة بوصفها بلداً مزدهراً، «مفتاحنا للاستثمار»، فالرؤية السعودية 2030، التي يقودها الأمير محمد بن سلمان، أمان للاستقرار، فهي رؤية تشمل المنطقة بأكملها.

وأضاف: «وعندما جئنا لدمشق سارعنا للسعودية بوصفها أول قبلة لنا، والتي بفضل جهودها عادت سوريا، فهي بوابة الشرق وبلد حضارة وقوى بشرية وأهم ركيزة رئيسية لبناء سوريا».

ارتباط الاقتصاد والأمن

أكد الشرع، أن سوريا قادمة بقوة وبعزيمة قوية على عدة مستويات، وستكون منطقة لوجيستية اقتصادية متوازنة، بخطط ستمكنها من الوجود في مصاف الاقتصادات الكبرى خلال السنوات القليلة المقبلة، في ظل توافر الموانئ والسواحل البحرية والموقع الاستراتيجي، ومواردها الزراعية والطبيعية والبشرية.

وسرد الرئيس السوري بعض واقع بلاده، مبيناً أن أكثر ما أصابها ما لحق بها من ضرر خلال 60 عاماً من القمع والانغلاق والتراجع الاقتصادي والأمني، فخرجت عن النظام العام، ولحق بها الدمار، وأصبحت بؤرة لتجارة المخدرات وطاردة للشعب الذي هاجر، ما جعله يقوم بأول زيارة له من تسلمه مهام سوريا الجديدة نحو السعودية لتلافي ما لحق ببلاده وبشعبه من ضرر، إذ برأيه أن الأمن والاقتصاد يرتبط بعضهما ببعض.

وأقرّ الشرع بأن هناك مخاطر استراتيجية ارتبطت بالفترة السابقة تسببت في خلق حالة من الاضطراب والقلق لبعض دول العالم، مع أنها (سوريا) تعد بوابة الشرق وثرية بموارد بشرية و طبيعة غنية متنوعة واقتصاد متنوع، مشيراً إلى أن بلاده بدأت صفحة جديدة في عشرة شهور لتعود للعالم بفضل الأصدقاء، في مقدمتهم الأمير محمد بن سلمان، لتنطلق كممر تجاري مهم ونقطة لقاء سلاسل التوريد والطاقة والغاز.

وتطلع الرئيس السوري إلى استقطاب حجم كبير من الاستثمارات لإعادة الإعمار في بلاده، بعيداً عن المساعدات والمعونات والهبات، لتنهض بلاده، التي لطالما كانت غنية بمواردها، مؤكداً أنهم بدأوا بالفعل في بناء سوريا الجديدة، والعمل يمضي على قدم ساق، والاستثمارات والفرص تتدفق، ويضيف: «كل حجر سنعيد إعماره من جديد».

فرص استثمارية

أوضح الشرع أن الحكومة عكفت على إصلاح بيئة الاستثمار ومعالجة المعوقات التي صنعها النظام السابق، حيث تم إطلاق قانون الاستثمار الأفضل من بين 10 قوانين استثمارية في العالم، مشيراً إلى أن قانون الاستثمار الحالي اطلعت عليه جهات عديدة من السعودية وخبراء اقتصاديون، والفرص الحقيقية غنية بها سوريا، فضلاً عن تميزها بموقع مهم واستراتيجي، مؤكداً أن إعادة الإعمار ستكون من خلال الاستثمار.

ولفت الرئيس السوري إلى أن بلاده شهدت أعمال لعدد من الشركات الكبرى من السعودية، باستثمارات تُقدَّر قيمتها بـ7 مليارات دولار، إلى جانب شركات أخرى في الطاقة والفندقية والعقارية ومدن سكنية جديدة، مشيراً إلى أن هناك دولاً أخرى شاركت بالاستثمارات، من بينها قطر والإمارات والكويت والبحرين والأردن وتركيا.

الأمير محمد بن سلمان شهد الجلسة الحوارية للرئيس أحمد الشرع في مؤتمر «مستقبل الاستثمار» (واس)

وقادت السعودية جهوداً دبلوماسية نشطة لدعوة الأطراف الدولية لرفع العقوبات المفروضة على سوريا، وتكللت جهودها بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب رفع العقوبات الأميركية على سوريا، تلبيةً لطلب الأمير محمد بن سلمان.

ويأتي تخصيص «المنتدى» جلسة خاصة بالاقتصاد السوري واستضافة الرئيس أحمد الشرع متحدثاً رئيساً، تأكيداً على التزام السعودية الراسخ بدعم الاقتصاد السوري وتوفير منصة مثالية تمكنه من فتح قنوات التواصل مع أبرز رجال الأعمال والمستثمرين الدوليين، بالإضافة إلى الجهود التي تبذلها الرياض مع الشركاء الإقليميين والدوليين لتعزيز جهود التصدي لما تواجهه الحكومة السورية من تحديات اقتصادية.

الرئيس السوري لدى تحدثه في مؤتمر «مستقبل الاستثمار» مع الإعلامي السعودي عبد الله المديفر (رويترز)

كما جاءت امتداداً لمبادرات السعودية التي شملت دعم الرواتب، والمساهمة في سداد متأخرات سوريا لدى مجموعة البنك الدولي، البالغة نحو 15 مليون دولار، وكذلك الدعم المقدم من المملكة لقطاع الطاقة السوري، البالغ مليوناً و650 ألف برميل من النفط الخام لسوريا.


مقالات ذات صلة

​الشرع يؤدي صلاة الأضحى في حلب... والسوريون يزورون قبور أحبتهم

المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع ومسؤولون سوريون يؤدون صلاة العيد في جامع عبد الله بن عباس بمدينة حلب (حساب الرئاسة)

​الشرع يؤدي صلاة الأضحى في حلب... والسوريون يزورون قبور أحبتهم

أدى الرئيس أحمد الشرع صلاة العيد صباح اليوم في جامع «عبد الله بن عباس» بمدينة حلب وهي المرة الأولى التي يؤديها بمدينة غير العاصمة دمشق منذ توليه الرئاسة

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شؤون إقليمية صورة موزعة من المخابرات التركية للإرهابي عمر دينيز دوندار عقب القبض عليه في سوريا وإحضاره إلى تركيا (إعلام تركي)

مخابرات تركيا تضبط 10 من عناصر «داعش» وتعيدهم من سوريا

ألقت المخابرات التركية القبض على 10 مطلوبين أتراك من أعضاء تنظيم «داعش» الإرهابي بالتنسيق مع نظيرتها السورية وأعادتهم إلى البلاد للبدء في محاكمتهم.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع خلال كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك في سبتمبر (أ.ف.ب)

مصادر: الشرع سيحضر قمة مجموعة السبع في فرنسا

قالت ثلاثة مصادر مطلعة إن سوريا ستشارك في قمة مجموعة السبع في ​فرنسا الشهر المقبل بصفة ضيف، وسيمثلها الرئيس أحمد الشرع، وهي أول مشاركة لسوريا في قمة للمجموعة

«الشرق الأوسط» (دمشق)
الولايات المتحدة​ الرئيس ترمب مستقبلاً الرئيس أحمد الشرع في البيت الأبيض نوفمبر الماضي (الرئاسة السورية) p-circle

ترمب يهدي الشرع زجاجتي عطر تحملان علامته التجارية

كشف الرئيس السوري أحمد الشرع أن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أرسل إليه زجاجتي عطر تحملان علامته التجارية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي حسين الشرع (أرشيفية)

الرئيس السوري يعتذر لأهالي دير الزور بعد تصريحات لوالده

قدم الرئيس السوري أحمد الشرع اعتذاراً إلى أهالي محافظة دير الزور شرقي سوريا، عقب تصريحات أدلى بها والده وأثارت موجة غضب على مواقع التواصل.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

ملامح العيد في منى... بهجة التمام تلتقي بروح العيد في صعيد واحد

يحل عيد الأضحى على الحجاج وهم في منى لاستكمال مناسكهم (تصوير: بشير صالح)
يحل عيد الأضحى على الحجاج وهم في منى لاستكمال مناسكهم (تصوير: بشير صالح)
TT

ملامح العيد في منى... بهجة التمام تلتقي بروح العيد في صعيد واحد

يحل عيد الأضحى على الحجاج وهم في منى لاستكمال مناسكهم (تصوير: بشير صالح)
يحل عيد الأضحى على الحجاج وهم في منى لاستكمال مناسكهم (تصوير: بشير صالح)

ما إن أشرقت شمس يوم العاشر من ذي الحجة، وفي البقعة التي شهدت لتوّها تدفق ملايين الحناجر بالتلبية والدعاء، تتغير الملامح تماماً؛ يخلع الحجاج ملابس الإحرام البيضاء بعد التحلل الأصغر، ليرتدوا بدلاً منها أثواب البهجة والامتنان، محتفلين بتمام الجزء الأكبر من مناسكهم، وبحلول عيد الأضحى المبارك.

ومنذ الساعات الأولى للصباح، تحولت ممرات المخيمات إلى ساحات للاحتفاء بنهار العيد؛ حيث استقبلت الحملات حجاجها بعبارات التهنئة، وتوزيع حلوى العيد، وتقديم القهوة السعودية الساخنة كرمز للضيافة والترحيب.

الحجاج احتفوا بتمام الجزء الأكبر من مناسكهم (تصوير: بشير صالح)

وحرص العديد من الحملات على تنظيم مأدبات غداء احتفالية تضم أطباقاً من مختلف الثقافات، وسط أجواء من التكبير والتهليل التي تملأ الأركان، ما أضفى طابعاً روحانياً ومبهجاً خفف عن الحجاج عناء الأيام الماضية.

وتزينت مخيمات منى في صباح العيد، بما يشبه لوحة فسيفسائية ملونة، يتنقل فيها الحجاج، بعضهم بين بعض، لتبادل التهاني، والتقاط الصور التذكارية التي توثق لحظات غير تقليدية في حياتهم.

ارتدى الحجاج أثواب البهجة والامتنان محتفلين بتمام الجزء الأكبر من مناسكهم وبعيد الأضحى المبارك (تصوير: بشير صالح)

يخلع الحجاج ملابس الإحرام البيضاء بعد التحلل الأصغر (تصوير: بشير صالح)

مشهد من تقارب الثقافات

وفي مشهد لا يتكرر في أي بقعة أخرى على وجه الأرض، تحولت ممرات منى ومخيمات الحجاج إلى مهرجان ثقافي مفتوح، وبعد التحلل من الإحرام، سارع الحجاج من مختلف الجنسيات إلى إظهار هوياتهم الثقافية وتقاليدهم الوطنية عبر أزيائهم التقليدية.

ومن القفطان والجلابيات المغاربية بألوانها الزاهية وتطريزاتها الدقيقة، إلى العمائم والأثواب السودانية والباكستانية البيضاء الناصعة التي تعكس وقار المناسبة، والساري والملابس الآسيوية المزينة بألوان تعبر عن الفرح والسرور، تلتقي مجتمعة في مشهدٍ يفيض بالبهجة والتنوع.

وقال الحاج المصري مصطفى أحمد، الذي ارتدى الجلباب البلدي الأبيض والعمّة المصرية، فيما الابتسامة لا تفارق وجهه، إنه يتمتع بنهار العيد لأول مرة في منى، وسط ملايين المسلمين من بقاع الأرض المختلفة، مشيراً إلى أن لباسه التقليدي كان مشجعاً لكثير من الحجاج للاستفسار عن تفاصيله.

واحتفى الحاج الإندونيسي سوسيلو بثقافته المحلية، من خلال ارتدائه قميص «الباتيك» الشهير بنقوشه الملونة المميزة، ويعلو رأسه «البيسي» أو القلنسوة السوداء التقليدية.

وقال الحاج الإندونيسي: «(منى) اليوم تبدو كمعرض عالمي للسلام؛ نرى الزي الأفريقي، والجنوب آسيوي، والعربي، والتركي، والإندونيسي... كلهم يتلقون ويتحدثون معاً، والاحتفاء بتراثنا في هذا المكان الطاهر يجعلنا نشعر أن تنوعنا هو مصدر قوتنا وجمال أمتنا الإسلامية».


الحجاج يرمون جمرة «العقبة» ويتحللون... ويستقبلون أول أيام التشريق

حجاج بيت الله الحرام يرمون جمرة العقبة الكبرى في أول أيام عيد الأضحى (تصوير: علي خمج)
حجاج بيت الله الحرام يرمون جمرة العقبة الكبرى في أول أيام عيد الأضحى (تصوير: علي خمج)
TT

الحجاج يرمون جمرة «العقبة» ويتحللون... ويستقبلون أول أيام التشريق

حجاج بيت الله الحرام يرمون جمرة العقبة الكبرى في أول أيام عيد الأضحى (تصوير: علي خمج)
حجاج بيت الله الحرام يرمون جمرة العقبة الكبرى في أول أيام عيد الأضحى (تصوير: علي خمج)

بدأ حجاج بيت الله الحرام مع ساعات الصباح الأولى، الأربعاء، رمي جمرة العقبة الكبرى في أول أيام عيد الأضحى، الذي يحتفل به ملايين المسلمين في العالم، وسط تنظيم محكم في إدارة تفويج الحجاج بانسيابية ومرونة إلى منشأة الجمرات، ومنها إلى الحرم المكي لأداء طواف الإفاضة.

ويستقبل الحجاج، الخميس «الموافق الحادي عشر من شهر ذي الحجة)، أول أيام التشريق (ثاني أيام عيد الأضحى)، مستبشرين شاكرين الله على ما أنعم عليهم به من أداء مناسك الحج، بعد أن وصلوا، فجر الأربعاء، إلى مشعر منى قادمين من مزدلفة، ورموا جمرة العقبة، وحلقوا رؤوسهم وتحللوا من الإحرام.

حجاج بيت الله الحرام في طريقهم إلى جمرة العقبة الكبرى في أول أيام عيد الأضحى (تصوير: علي خمج)

رمي جمرة العقبة وطواف الإفاضة

ويأتي رمي جمرة العقبة الكبرى اقتداءً بسنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، حيث يؤدي الحجاج هذا النسك بعد الوقوف بعرفة وأداء الركن الأعظم والمبيت بمزدلفة، قبل أن يواصلوا بقية مناسك يوم النحر، التي تشمل الهدي والحلق أو التقصير وطواف الإفاضة.

وأدى ضيوف الرحمن طواف الإفاضة في أجواء إيمانية وروحانية مفعمة بالأمن والإيمان، وسط منظومة خدمات متميزة ومتكاملة، حيث هُيئت مسارات مخصصة لدخولهم المسجد الحرام بخطط وإجراءات وآليات ممنهجة لإدارة الحشود، وُضعت مسبقاً لضمان سلامتهم وأمنهم وراحتهم، وذلك بالتنسيق والتواصل الفعال والدائم مع جميع الجهات المعنية.

وشهدت منشأة الجمرات انسيابية عالية في حركة الحشود، بفضل المتابعة الأمنية الميدانية المباشرة بالتكامل والتناغم مع مختلف الجهات ذات العلاقة، التي عملت على تنظيم مسارات المشاة وتفويج الحجاج وفق خطط تشغيلية دقيقة تراعي الكثافات البشرية، وتضمن سلامة التنقل بين المشاعر المقدسة.

رجل أمن يقوم بتلطيف الأجواء على الحجاج برش المياه الباردة وسط امتنان ضيوف الرحمن (تصوير: بشير صالح)

وتفقّد الأمير عبد العزيز بن سعود بن نايف، وزير الداخلية، الأربعاء، قوات الأمن الخاصة المشارِكة في حج هذا العام، والتقى في مقرها بمكة المكرمة، قياداتها، واستمع لشرح عن استعداداتها لتنفيذ المهام المناطة بها.

وأكد الأمير عبد العزيز بن سعود بن نايف أن ما تشهده منظومة الحج من تكامل أمني وتنظيمي وخدمي، وما تملكه من تجهيزات متقدمة يُجسِّد مستوى العناية بالحجاج، ويعزز من كفاءة تنفيذ الخطط الأمنية والتنظيمية، بما يضمن أمنهم وسلامتهم وتمكينهم من أداء مناسكهم بكل يسر وطمأنينة.

احتفاء بعيد الأضحى

واحتفى ضيوف الرحمن بأول أيام عيد الأضحى المبارك، حيث تحولت ممرات المخيمات في منى إلى ساحات نابضة بالحياة والفرح، بعد أن خلع الحجاج ملابس الإحرام البيضاء، تزامناً مع التحلل الأصغر، ليرتدوا بدلاً منها أثواب البهجة والامتنان، محتفلين بتمام الجزء الأكبر من مناسكهم.

ومضي يوم العيد الأول في منى، مع ارتفاع التكبيرات من الخيام، حاملة معها قصصاً لا تُنسى لحجاج سينقلون هذه اللوحات الإنسانية المشرقة إلى ديارهم، كأجمل ذكريات العمر.

انسيابية ومرونة في تدفق الحجاج لأداء نسك رمي جمرة العقبة الكبرى (تصوير: بشير صالح)

وعادت طلائع حجاج بيت الله الحرام القادمين من مزدلفة إلى مشعر منى مع بزوغ فجر يوم الأربعاء، وذلك وسط منظومة متكاملة من الخدمات الأمنية والتنظيمية والصحية التي سخرتها الجهات المعنية لخدمة ضيوف الرحمن، وتيسير أداء مناسكهم في أجواء من الطمأنينة والسكينة.

وبيّنت الخطوط الحديدية السعودية «سار» أن عدد الركاب المنقولين خلال الحركة الرابعة لقطار المشاعر من مشعر مزدلفة إلى منى تجاوز 357 ألف حاج، ليصل إجمالي عدد المنقولين عبر قطار المشاعر في الحركات الأربع المنتهية إلى أكثر من 961 ألف راكب.

ويستقرّ ضيوف الرحمن في أيام التشريق بمنى، يذكرون الله كثيراً ويشكرونه أنْ مَنَّ عليهم بالحج، ويكملون رمي الجمرات الثلاث، مبتدئين بالجمرة الصغرى، فالوسطى، ثم جمرة العقبة، كل منها بسبع حصيات. وينعمون خلال وجودهم في المشعر بأجواء إيمانية وسكينة وأمان، تشملهم بالرعاية والخدمة منظومة عمل تشاركية من مختلف الجهات الحكومية والأهلية المعنية بالحج.

تدفق الحجاج إلى منشأة الجمرات بانسيابية ومرونة وفق خطط تفويج محكمة (تصوير: علي خمج)

خدمات متنوعة

وقادت وزارة الصحة السعودية خطة استباقية وتوسعية غير مسبوقة، مرتكزة على قوة بشرية ضخمة تتجاوز 52 ألف ممارس صحي، وسعة استيعابية تفوق 20 ألف سرير تنويم عبر منشآتها في العاصمة المقدسة والمشاعر المقدسة وفعّلت الوزارة 30 وحدة صحية جديدة، منها 26 وحدة في مشعر مزدلفة و4 وحدات على طول امتداد الجمرات والمسجد الحرام لتعزيز سرعة الوصول.

كما فعلت هيئة الهلال الأحمر السعودي، أكثر من 70 نقطة إسعافية في نطاق العاصمة المقدسة، بما يضمن سرعة الوصول للحالات وتعزيز كفاءة الاستجابة الميدانية.

وشاركت إدارة الإخلاء الطبي الجوي، التابعة للإدارة العامة للخدمات الصحية بوزارة الدفاع، في موسم حج هذا العام بـ4 طائرات مجهزة؛ لتقديم خدمات إسعافية فائقة الجودة لضيوف الرحمن، ودعم عمليات نقل الحالات المرضية من مراكز الحرم والمشاعر المقدسة إلى المنشآت الصحية الملائمة، وفق خطة عمل شاملة ومتكاملة تمتد على مدار الساعة.

تعليمات السلامة

وشدّدت وزارة الصحة على الحجاج ضرورة الالتزام بكل التعليمات والنصائح الصحية، والابتعاد عن الخروج والتعرض لأشعة الشمس، لا سيما في وقت الذروة من الساعة 11 صباحاً إلى الساعة 4 مساءً في أثناء أداء مناسكهم بمشعر منى، أو خلال رمي الجمرات، للوقاية من الإصابة بضربات الشمس والإجهاد الحراري.

بدورها، دعت «مديرية الدفاع المدني» ضيوف الرحمن إلى التقيد بإرشادات السلامة في أثناء صعودهم ونزولهم من قطار المشاعر، وتجنب التزاحم، وعدم حمل الأمتعة، والالتزام بالمواعيد المحددة للحملات، واتباع اللوحات الإرشادية وتعليمات رجال الأمن؛ لضمان سلامتهم، وأداء فريضتهم بيسر وطمأنينة.

حجاج بيت الله الحرام يؤدون نسك رمي جمرة العقبة الكبرى بعد نفرتهم من مزدلفة إلى منى (تصوير: علي خمج)

مدينة الخيام الأكبر عالمياً

ويعدّ مشروع خيام منى المطورة، أحد أكبر المشروعات التي نفذتها حكومة السعودية في المشاعر المقدسة، وذلك ضمن الجهود والخدمات المقدمة للحجاج، حيث أُنشئت الخيام وفق أعلى معايير الأمن والسلامة.

ويُعد مشعر منى أكبر مدينة خيام في العالم، ونفذت شركة «كدانة» الذراع التنفيذية للهيئة الملكية لتطوير مكة المكرمة والمشاعر المقدسة مؤخراً مشروعات تطويرية حيوية وتنموية.

ويقع وادي منى داخل حدود الحرم بين مكة المكرمة ومزدلفة، ولا يُسكن إلا في فترة الحج ويقضي فيه الحجاج يوم التروية (8 ذي الحجة)، وأيام التشريق (11 و12 و13 ذي الحجة) لرمي الجمرات الثلاث.


نجمة رفاعي... أفنت عمرها في الحقول لتجني «حجة» الثمانين

الحاجة اللبنانية نجمة رفاعي حمود مع ابنتها منى عطا الله الحسين في المشاعر المقدسة (تصوير: عدنان مهدلي)
الحاجة اللبنانية نجمة رفاعي حمود مع ابنتها منى عطا الله الحسين في المشاعر المقدسة (تصوير: عدنان مهدلي)
TT

نجمة رفاعي... أفنت عمرها في الحقول لتجني «حجة» الثمانين

الحاجة اللبنانية نجمة رفاعي حمود مع ابنتها منى عطا الله الحسين في المشاعر المقدسة (تصوير: عدنان مهدلي)
الحاجة اللبنانية نجمة رفاعي حمود مع ابنتها منى عطا الله الحسين في المشاعر المقدسة (تصوير: عدنان مهدلي)

بين سنابل البقاع الغربي ومراعيه، أمضت الحاجة اللبنانية نجمة رفاعي حمود جلّ حياتها كادحة ومحتسبة لتقف اليوم وهي تشارف على الثمانين من عمرها ممتلئة بدموع الفرح ولهفة القرب من إتمام مناسك الحج، لتروي حكاية صبر واحتساب تجلت في رحلتها للحج بعد عقود قَضتْ جُلَّها بين السنابل وعروق الأرض الخصبة ورعي الأغنام.

لم تكن رحلة نجمة حمود إلى مكة المكرمة مجرد رحلة عادية، بل كانت تتويجاً لرحلة كفاح دامت عقوداً، خطّت تفاصيلها سواعدُ أتعبتها الفلاحة، وجبهة سمَّرتها شمس الحقول، لم تمنعها رغم اقترابها من عقدها الثامن ولا مشقة الفلاحة من تحقيق حلم العمر، لتعود إلى قريتها البقاعية قريباً، بقلبٍ غسلته الطمأنينة، وحكاية فخر ترويها لأبنائها وأحفادها عن رحلة العمر إلى أقدس بقاع الأرض.

وتقول الحاجة البالغة من العمر 76 عاماً إنها لطالما حلمت بالحج منذ عشرات السنين، لكن الظروف لم تكن ميسّرة، مضيفة أنها كانت تتمنى الحج قبل سنوات طويلة، إلا أن مرض زوجها حال دون ذلك حتى توفي، لتعاود المحاولة من جديد، لتأتي البشرى هذا العام بقبولها لأداء الفريضة.

وتصف الحاجة نجمة حمود لحظة قبول طلبها في حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «بكيت... بكيت لأن رب العالمين أكرمنا»، وتشير إلى أن قدومها للمشاعر المقدسة كان برفقة ابنها الأكبر، وابنتها منى عطا الله الحسين، التي عبّرت بدورها عن فرحتها الكبيرة بتلقي خبر القبول للحج من بعثة بلدها، موجهة الشكر للسعودية على ما وصفته بالتيسير الكبير والخدمات المقدمة لضيوف الرحمن.

الحاجة القادمة من قرية زراعية في البقاع الغربي أوضحت أن حياتهم كانت بسيطة وتعتمد على الزراعة ورعي الأغنام في الماضي، مؤكدة أن رحلة الحج ظلت حلماً يرافقها لسنوات طويلة حتى تحقق أخيراً.

ومنذ صباها، لم تعرف الحاجة اللبنانية الراحة؛ فمنذ الفجر كانت تخرج إلى حقول البقاع الغربي، تزرع وتحصد، وعينها دائماً تتطلع نحو الأفق، حيث بيت الله الحرام، في رحلة كفاح طويلة طال بها العمر والتعب، لكن اليقين في قلبها لم يهتز يوماً بأنها ستلبي النداء.

الحاجة اللبنانية نجمة حمود قضت جُلَّ عمرها بين السنابل وعروق الأرض الخصبة ورعي الأغنام (تصوير: عدنان مهدلي)

وبمجرد أن وطئت قدماها أرض السعودية، حدث تحولٌ مذهل لافت للأنظار؛ فملامح وجهها التي امتلأت بالتجاعيد العميقة، الشاهدة على شقاء العمل وعقود التعب في الحقول، تحولت فجأة إلى نضارة وسرور، وبدا وجهها كأنه يشع بنور الإيمان، وتدثرت بملامح الطمأنينة والسكينة التي أنستها وعثاء السنين ومشقة الطريق.

ورغم تقدمها في العمر، تؤكد الحاجة نجمة حمود أن الرحلة كانت ميسّرة في كل الجوانب بفضل ما سخّرته المملكة لضيوف الرحمن من خدمات كبيرة وجليلة لأداء مناسكهم بكل يسر وطمأنينة، متحدثة بتأثر عن مشاهد التنظيم والنظافة وحسن الاستقبال منذ لحظة وصولها إلى مطار جدة وحتى انتقالها إلى مقر إقامتها.

ولم تخفِ الحاجة القادمة من البقاع الغربي بلبنان إعجابها الشديد بما وجدته من رعاية، حيث تابعت حديثها بامتنان للتنظيم العظيم والخدمات الجليلة التي تقدمها السعودية للحجاج، مؤكدة أن المشاعر التي عاشتها «لا توصف». مضيفة بلغتها البسيطة: «هاي البلاد... هاي العيشة... النظافة والترتيب والجمال والتيسير الجميع يسهر على خدمتنا وراحتنا بلا منّ ولا أذى، بل بابتسامة تثلج الصدر... الله ييسر لهم ويحفظهم».