موسكو تجدد دعم طهران في إيجاد حلول لأزمة برنامجها النووي

السفير الروسي لدى إيران: التعاون وصل إلى مستوى غير مسبوق

عراقجی یسقتبل المبعوث الرئاسي الروسي إلى سوريا ألكسندر لافرنتييف في طهران الأسبوع الماضي (الرئاسة الإيرانية)
عراقجی یسقتبل المبعوث الرئاسي الروسي إلى سوريا ألكسندر لافرنتييف في طهران الأسبوع الماضي (الرئاسة الإيرانية)
TT

موسكو تجدد دعم طهران في إيجاد حلول لأزمة برنامجها النووي

عراقجی یسقتبل المبعوث الرئاسي الروسي إلى سوريا ألكسندر لافرنتييف في طهران الأسبوع الماضي (الرئاسة الإيرانية)
عراقجی یسقتبل المبعوث الرئاسي الروسي إلى سوريا ألكسندر لافرنتييف في طهران الأسبوع الماضي (الرئاسة الإيرانية)

قال السفير الروسي في طهران، أليكسي ديدوف، إن روسيا تواصل دعم إيران في البحث عن حلول لتسوية الأزمة المحيطة ببرنامجها النووي، مشدداً على أن موسكو تجري مشاورات مستمرة مع طهران على مستويات متعددة.

وتتمتع موسكو بعلاقات وثيقة مع طهران، ونددت بالضربات الأميركية والإسرائيلية على المواقع النووية الإيرانية في وقت سابق من هذا العام، التي كان هدفها المعلن منع طهران من امتلاك قنبلة نووية.

وأوضح ديدوف في مقابلة نشرتها وكالة «تاس»، اليوم الثلاثاء، أن «روسيا وإيران في اتصال مستمر بهدف معالجة الوضع الذي نشأ حول البرنامج النووي الإيراني نتيجة سياسات الدول الغربية»، وأضاف: «سنواصل تقديم دعم شامل لطهران من أجل التوصل إلى حل سياسي ودبلوماسي طويل الأمد للأزمة الحالية».

وأضاف ديدوف: «كل ما يمكن القيام به يجري من أجل التوصل إلى حل دبلوماسي فعال»، لافتاً إلى أن موسكو تعدّ الخطوات التي اتخذتها فرنسا وبريطانيا وألمانيا، بهدف إعادة فرض عقوبات مجلس الأمن الدولي على إيران «باطلة من الناحية القانونية والإجرائية»، مضيفاً أن «محاولات الضغط على إيران لا تُشكل أي التزامات قانونية على الأطراف الملتزمة بالقانون الدولي».

ورفض مجلس الأمن في 26 سبتمبر (أيلول) مشروع قرار قدمته روسيا والصين لتجديد سريان القرار 2231 الداعم للاتفاق النووي الإيراني لمدة ستة أشهر إضافية. وفي 28 سبتمبر، دخلت العقوبات الأممية الجديدة على إيران حيز التنفيذ.

تعاون متعدد الأوجه

وأوضح ديدوف أن مستوى التعاون بين روسيا وإيران شهد تطوراً نوعياً خلال الأعوام الأخيرة، مع توسّع التبادل التجاري وبدء تنفيذ عدد من المشاريع الكبرى في مجالات متعددة. وقال: «في السنوات الأخيرة وصلت العلاقات إلى مستوى غير مسبوق، وقد تُوّج ذلك بتوقيع معاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين الدولتين، التي وقعها رئيسا البلدين في 17 يناير (كانون الثاني) 2025 خلال الزيارة التاريخية للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى موسكو».

أمين مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاریجاني يصافح السفير الروسي لدى طهران أليكسي ديدوف على هامش لقائه مع المبعوث الرئاسي الروسي إلى سوريا ألكسندر لافرنتييف في طهران (جماران)

وأشار السفير إلى وجود «حوار شامل يقوم على الثقة وتوافق في معظم القضايا الثنائية والإقليمية والدولية» بين موسكو وطهران. وأضاف أن السنوات الثلاث الماضية شهدت نمواً واضحاً في حجم التبادل التجاري، وتزايد الاهتمام من قبل الأوساط الاقتصادية والثقافية في كلا البلدين بتوسيع التعاون، إلى جانب انطلاق مشاريع كبرى مشتركة في مجالات البنوك والنقل والطاقة والتقنيات النووية.

وذكر ديدوف من بين هذه المشاريع: استمرار دمج منظومتي المدفوعات الوطنيتين «مير» الروسية و«شتاب» الإيرانية و إنشاء خط السكك الحديدية رشت – آستارا ضمن مشروع ممر الشمال – الجنوب الدولي، و بناء الوحدتين الثانية والثالثة من محطة بوشهر النووية.

محطات طاقة

وأفاد ديدوف بأن العمل جارٍ على مشروع محطة الطاقة النووية «هرمز» في إيران، حيث تم تحديد مفهوم المشروع والاتفاق على خريطة طريق للتعاقد، فيما يجري التحضير لتوقيع أول عقد.

وقال ديدوف: «في إطار مشروع محطة كبيرة القدرة، بدأ تنفيذ أعمال عملية بالفعل: تم الاتفاق على مفهوم المشروع، وأُعدت خريطة طريق للتعاقد وتم التوافق عليها بين الجانبين، ويجري حالياً إعداد أول عقد يتعلق بالوثائق الهندسية للمشروع».

وأضاف السفير أن موسكو وطهران تعملان بالتوازي على مشروع محطات طاقة نووية صغيرة القدرة، في إطار مذكرة التفاهم والتعاون الموقّعة لإنشاء تلك المحطات في إيران. وأوضح: «هناك مشاورات جارية حالياً لاستكمال بروتوكول التعاون الحكومي حول إنشاء محطات الطاقة النووية الصغيرة على الأراضي الإيرانية، وسيشكّل التوقيع على هذه الوثيقة نقطة الانطلاق للبدء بالمرحلة التنفيذية النشطة للمشروع».

وكانت شركة «روس آتوم» قد أعلنت في 24 سبتمبر (أيلول) أن وفداً روسياً وآخر إيرانياً وقّعا مذكرة تفاهم حول التعاون في بناء محطات نووية صغيرة القدرة داخل إيران، وتتضمن الوثيقة خطوات عملية لتنفيذ هذا المشروع الاستراتيجي.

وقال ديدوف، إن التعاون بين موسكو وطهران ما يزال يملك إمكانات كبيرة غير مستغلة في مجالات السياحة والثقافة والتعليم، موضحاً أنه يمكن تعزيز تدفق السياح عبر فتح خطوط جوية جديدة وزيادة عدد الرحلات، إضافة إلى تفعيل التبادلات الثقافية والفنية. وأشار إلى أن الاعتراف المتبادل بالشهادات ما زال يشكّل عقبة أمام التعاون الأكاديمي، رغم وجود أكثر من 9 آلاف طالب إيراني في الجامعات الروسية، مؤكداً استمرار الجهود لحل الحواجز الإدارية والعقوبات التي تعطل التعاون الاقتصادي بين الجانبين.

وفي السياق الثقافي، كشف ديدوف عن أن روسيا وإيران تعملان على اتفاق للإنتاج السينمائي المشترك، لافتاً إلى أن المسلسل الروسي «من الصعب أن تكون إلهاً» صُوّر جزء منه في إيران هذا العام، وأن أفلاماً إيرانية ستشارك في جائزة السينما الأوراسية المفتوحة «الفراشة الماسية» التي سيقام حفلها الأول في موسكو. وأكد أن الاتفاق السينمائي قيد الدراسة لدى طهران وسيُسهم في إطلاق مرحلة أوسع من التعاون الثقافي بين البلدين.

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصلان لحضور حفل توقيع بعد محادثاتهما بموسكو في 17 يناير (أ.ب)

انتقادات إيرانية لموسكو

وتأتي تأكيدات السفير الروسي على مواصلة التعاون، بعد ثلاثة أيام من انتقادات وجهها رئيس البرلمان السابق محمد باقر قاليباف إلى الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف، متهماً إياهما بالإضرار بالعلاقات الاستراتيجية بين طهران وموسكو.

وبعد ذلك بأيام تبادل مسؤولون روس وإيرانيون كبار الزيارات، لبحث مسار اتفاق التعاون الاستراتيجي الموقع بين البلدين في يناير (كانون الثاني) الماضي. ووجّه روحاني وظريف في الأسابيع الأخيرة انتقادات لمواقف روسيا في المفاوضات، وكذلك العقوبات على البرنامج النووي الإيراني. وانتقد روحاني مؤخراً التعويل على الصين وروسيا، مشيراً إلى أنهما لم تعارضا ستة قرارات أممية فرضت عقوبات على إيران.

وحمّل لافروف، ظريف، مسؤولية إدارة آلية «سناب باك» في الاتفاق النووي، ووصفها بـ«الفخ القانوني الواضح». ومن جانبه، اتهم ظريف روسيا بإجبار إيران للدفع لآلية «سناب باك» التي أعيد بموجبها العقوبات على طهران، وذلك بعدما طرح نظيراه الفرنسي والروسي مشروعاً آخر خلال مفاوضات 2015 للتصويت على الاتفاق النووي في مجلس الأمن كل ستة أشهر.

وجدد ظريف الشهر الماضي، انتقادات سابقة لروسيا، بسبب «استدراج» قاسم سليماني، مسؤول العمليات الخارجية في «الحرس الثوري» لزيارة موسكو، بهدف عرقلة الاتفاق النووي، ومسار تحسين العلاقات بين طهران والقوى الغربية. وألقى باللوم على الروس في كشف الزيارة. كما شملت انتقادات بيع الطائرات المسيّرة لروسيا.

ويعد ظريف من بين أبرز المسؤولين الذين يوجهون انتقادات إلى موسكو، ويصر في خطابات على توصية المسؤولين بتوخي الحذر في التعامل مع روسيا. وتربط ظريف وروحاني صلات وثيقة بأطراف معادية لروسيا، الذين يتهمون مسؤولين آخرين بالولاء الشديد إلى موسكو وحماية مصالحها في إيران، وتطلق عليهم وسائل الإعلام الإصلاحية تسمية «روسوفيلية».

ماذا يقول المحللون الإيرانيون؟

وقال المحلل الإيراني والدبلوماسي السابق، عبد الرضا فرجي راد، إن «انتقادات قاليباف لروحاني وظريف كانت رسالة من النظام إلى روسيا»، حسبما أورد موقع «رويداد 24» الإخباري المحلي.

وأوضح فرجي راد أن روحاني وظريف «شخصيتان بارزتان على الساحة الدولية، وتصريحاتهما تتابع خارج البلاد. والنظام، في الظرف الراهن، لا يريد أن تُثار أي شكوك حول متانة تحالفه مع روسيا؛ لذلك فإن موقف قاليباف تجاه روحاني وظريف لم يكن حديثاً ارتجالياً أو رأياً شخصياً، بل جاء منسقاً مع الجهات الحاكمة».

ووصف فرجي راد ما تلاه قاليباف في جلسة صباح الأحد بأنه «رسالة سياسية منسقة» موجّهة إلى روسيا والصين، للتأكيد على أن «الجمهورية الإسلامية ما زالت شريكاً استراتيجياً لهما، وأن ما يصدر عن مسؤولين سابقين لا يُعبّر عن الموقف الرسمي للدولة».

ومن جهته، قال النائب الأسبق، حشمت الله فلاحت بيشه، لموقع «نامه نيوز» التحليلي إن «روسيا لا تتعامل مع إيران كشريك استراتيجي». مضيفاً أن «الروس تصرفوا بذكاء جعل خيارات إيران في السياسة الخارجية تتقلص إلى الحد الأدنى، وقد عاد ملف إيران في مجلس الأمن الدولي تحت الفصل السابع، في وضع فرضت فيه موسكو رؤية أحادية على طهران».

وكان فلاحت بيشه رئيساً للجنة الأمن القومي خلال المفاوضات النووية لعام 2015، وتحول في السنوات الأخيرة إلى أبرز منتقدي روسيا وحلفائها في إيران.

وقال فلاحت بيشه الذي يعرف بانتقاداته الحادة لروسيا إنه «حتى في الفترات التي كانت فيها لإيران خيارات متعددة ولم تكن منهمكة في الحرب، لم تنظر روسيا قط إلى العلاقة معها بوصفها علاقة استراتيجية، إذ لم تقدّم لطهران أسلحة استراتيجية في أي وقت، وظلت تترك إيران وحيدة في الحرب والسياسة على حد سواء».


مقالات ذات صلة

طهران تُطلع دولاً إقليمية على مستجدات مفاوضات مسقط

شؤون إقليمية فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)

طهران تُطلع دولاً إقليمية على مستجدات مفاوضات مسقط

أجرى وزير الخارجية عباس عراقجي اتصالات هاتفية منفصلة مع وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا، أطلعهم خلالها على أحدث التطورات المتعلقة بالمفاوضات غير المباشرة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)

فانس: ترمب وحده يحدد «الخطوط الحمراء» في مفاوضات إيران

قال نائب الرئيس الأميركي إن قرار تحديد «الخطوط الحمراء» في أي مفاوضات مع إيران بيد الرئيس دونالد ترمب حصراً، في وقت تصاعد الجدل حول مسار التعامل مع ملف إيران.

هبة القدسي ( واشنطن)
الولايات المتحدة​ الولايات المتحدة تصدر إرشادات جديدة للسفن التجارية التي تعبر مضيق هرمز (رويترز)

أميركا تصدر إرشادات جديدة للسفن العابرة لمضيق هرمز

أصدرت الولايات المتحدة اليوم الاثنين إرشادات جديدة للسفن التجارية التي تعبر مضيق هرمز مع تزايد التوتر بين واشنطن وطهران بشأن برنامج إيران النووي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يلتقط صورة تذكارية مع أعضاء اللجنة المركزية لجبهة الإصلاحات وتقف إلى جانبه آذر منصوري ويبدو شكوري راد وخلفه العلم الإيراني بحضور مسؤولين وناشطين آخرين نوفمبر 2024 (الرئاسة الإيرانية)

توسع نطاق الاعتقالات في صفوف الناشطين الإصلاحيين في إيران

وسعت السلطات الإيرانية خلال الأيام الأخيرة حملة الاعتقالات بحق شخصيات وناشطين من التيار الإصلاحي شملت قيادات حزبية وبرلمانيين سابقين.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)

خامنئي يحذر من حرب إقليمية ويدعو للتماسك الداخلي

دعا المرشد الإيراني علي خامنئي، يوم الاثنين، الإيرانيين إلى إظهار التماسك الداخلي في ذكرى انتصار ثورة 1979، معتبراً أن التهديدات الأميركية بالحرب «ليست جديدة».

«الشرق الأوسط» (لندن-طهران)

خامنئي: الاحتجاجات محاولة انقلابية من تدبير أميركا وإسرائيل

خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
TT

خامنئي: الاحتجاجات محاولة انقلابية من تدبير أميركا وإسرائيل

خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)

قال المرشد الإيراني علي خامنئي إن الاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها البلاد كانت محاولة انقلابية من تدبير الولايات المتحدة وإسرائيل.

وأضاف خامنئي، في خطاب تلفزيوني، أن ما جرى «لم يكن احتجاجات عفوية، بل مخطط أميركي - صهيوني»، معتبراً أن الهدف كان استهداف مفاصل حساسة في إدارة البلاد.

وتزامن خطاب خامنئي مع حملة اعتقالات طالت شخصيات إصلاحية بارزة، ضمنها آذر منصوري، رئيسة «جبهة الإصلاحات»، وبرلمانيون ومسؤولون سابقون، على خلفية مواقفهم من احتجاجات يناير (كانون الثاني).

وفي يريفان عاصمة أرمينيا، قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن الرئيس دونالد ترمب هو «الجهة الوحيدة» التي ستحدد «الخطوط الحمراء» في أي مفاوضات مع إيران.


طهران تُطلع دولاً إقليمية على مستجدات مفاوضات مسقط

فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
TT

طهران تُطلع دولاً إقليمية على مستجدات مفاوضات مسقط

فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)

أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اتصالات هاتفية منفصلة مع وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا، أطلعهم خلالها على أحدث التطورات المتعلقة بالمفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة التي استضافتها مسقط.

وأفادت وزارة الخارجية الإيرانية، في بيان، بأن عراقجي وصف محادثات مسقط بأنها «بداية جيدة»، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة معالجة حالة انعدام الثقة حيال نيات وأهداف الجانب الأميركي.

وبحسب البيان، رحّب وزراء خارجية الدول الثلاث بانطلاق المفاوضات، مؤكدين أهمية استمرارها للتوصل إلى حل سياسي ودبلوماسي، وتجنب أي تصعيد، ومشيرين إلى أن نجاح هذه المحادثات يمثل عاملاً مهماً لاستقرار وأمن المنطقة.

في سياق متصل، قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في مقابلة متلفزة، الاثنين، إنه لا يبدو أن هناك تهديداً وشيكاً بالحرب بين الولايات المتحدة وإيران، معتبراً أن الباب قد «فُتح قليلاً» أمام إمكانية التوصل إلى اتفاق.

ونقلت وكالة أنباء «الأناضول» عن الوزير قوله رداً على سؤال عما إذا كان يعتقد أن أياً من الطرفين يحاول كسب الوقت: «كلاهما، هذا جزء من الاستراتيجية». وأضاف فيدان: «عند الدخول في مثل هذا النوع من المحادثات، يكون هناك استعداد وتحضير للسيناريو الآخر»، مشيراً إلى أن إيران لديها تجربة؛ فقد تعرضت للهجوم سابقاً أثناء إجرائها محادثات، في إشارة إلى الضربة التي وجهتها الولايات المتحدة لإيران في يونيو (حزيران) الماضي، والتي استهدفت المواقع النووية الإيرانية. لكن الوزير التركي قال إن الشيء الإيجابي بشأن المفاوضات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران قبل عدة أيام هو أن الأطراف أبدت إرادة للاستمرار في التفاوض.

وتابع: «كان قرار بدء (المفاوضات) من الملف النووي قراراً مهماً؛ فالملف النووي هو (القضية الأهم)»، محذّراً من أن المنطقة لا تحتمل اندلاع حرب جديدة، وقال فيدان: «نريد استخدام جميع الإمكانات لمنع أي حرب محتملة».

واستضافت العاصمة العُمانية مسقط يوم الجمعة جولة مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، واتفق الطرفان على استئناف المحادثات، على أن يتم تحديد الموعد والمكان في وقت لاحق.


فانس: ترمب وحده يحدد «الخطوط الحمراء» في مفاوضات إيران

نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
TT

فانس: ترمب وحده يحدد «الخطوط الحمراء» في مفاوضات إيران

نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)

قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن قرار تحديد «الخطوط الحمراء» في أي مفاوضات مع إيران يعود حصراً إلى الرئيس دونالد ترمب، في وقت تتصاعد فيه التصريحات الأميركية بشأن اقتراب طهران من امتلاك قدرات نووية، ما يعيد الجدل داخل واشنطن حول مسار التعامل مع الملف الإيراني.

وكان ترمب قد قال، مساء الأحد، إن إيران كانت على وشك امتلاك سلاح نووي «في غضون شهر» قبل الضربة الأميركية التي استهدفت منشآتها النووية في يونيو (حزيران) الماضي، وهو ما أعاد إثارة النقاش حول كيفية إدارة هذا الملف، الذي يُعد أحد أبرز التحديات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.

وحين سُئل فانس عمّا إذا كانت الولايات المتحدة ستقبل بأي مستوى محدود من تخصيب اليورانيوم الإيراني في إطار المفاوضات، أم أن ذلك يُعد «خطاً أحمر»، قال: «أعتقد أن الرئيس سيتخذ القرار النهائي بشأن تحديد الخطوط الحمراء في المفاوضات». وأضاف، في تصريحات للصحافيين خلال زيارته أرمينيا يوم الاثنين: «سأترك للرئيس أن يوضح بدقة النقطة التي سيحددها كخط فاصل في المفاوضات».

وينقسم الفريق داخل البيت الأبيض إلى معسكرين رئيسيين: «الصقور» الذين يدعون إلى توجيه ضربات عسكرية حاسمة لتقويض القدرات النووية والصاروخية لطهران، و«الحمائم» الذين يفضلون مسار التفاوض الدبلوماسي للتوصل إلى اتفاق يمنع التصعيد الإقليمي.

ويضاف إلى هذا الانقسام ضغط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يدفع باتجاه شروط صارمة، ملوّحاً بضربات أحادية إذا لم تلبِّ المفاوضات مطالبه.

قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) المسؤولة عن العمليات في الشرق الأوسط الأدميرال براد كوبر إلى جانب المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر صهر ومستشار الرئيس الأميركي على متن حاملة طائرات «أبراهام لينكولن» (البحرية الأميركية_أ.ف.ب)

ومع اقتراب لقاء ترمب ونتنياهو في واشنطن، الأربعاء المقبل، يترقب مراقبون الاتجاه الذي قد يسلكه «رجل الصفقات»، في ظل تحذيرات محللين أميركيين بارزين من مخاطر التصعيد، مقابل دعوات أخرى لتغليب المسار الدبلوماسي.

فريق الصقور

يتكون فريق دعاة الضربات العسكرية من معسكر «الصقور» داخل الإدارة الأميركية والجناح الأكثر تشدداً، الذين يعدون الضغط العسكري السبيل الوحيد لكبح جماح إيران. ويتصدر هذا التيار وزير الدفاع بيت هيغسيث، الذي أكد في تصريحات حديثة أن البنتاغون «مستعد تماماً» للتحرك إذا رفضت طهران المفاوضات، مشيراً إلى خيارات عسكرية تشمل ضرب قوات الأمن والقيادة، ومنشآت الصواريخ الباليستية، أو برنامج التخصيب النووي.

وينضم إليه مستشارون متشددون في القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، قدموا للرئيس ترمب خيارات «حاسمة» تتضمن ضربات وقائية وأهدافاً من شأنها شل القدرات الصاروخية الإيرانية. كما يشاركهم هذا التوجه وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي يشكك في جدوى أي مفاوضات لا تتناول ملف الصواريخ والوكلاء الإقليميين، معتبراً أن الضغط العسكري أداة أساسية. ويؤكد هذا الفريق أن الدبلوماسية وحدها قد تفضي إلى «شرعنة» النظام الإيراني، لا سيما في أعقاب قمع الاحتجاجات الذي أودى بحياة أكثر من 6400 متظاهر منذ ديسمبر (كانون الأول) 2025.

سيناريوهات للضربات

وضع فريق «الصقور» في الإدارة الأميركية سيناريوهات متعددة للضربات، تقوم أساساً على توجيه هجمات من مجموعة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن»، إضافة إلى قاذفات قنابل استراتيجية تنطلق من قواعدها أو من قواعد أوروبية. وتشمل حزم الضربات الأميركية استخدام طائرات شبحية وذخائر موجهة بدقة، إلى جانب قصف منسّق يهدف إلى إرباك الدفاعات الجوية الإيرانية مع تقليص خسائر الطائرات الأميركية إلى أدنى حد.

ويقول مسؤولون في البنتاغون إن التطورات التكنولوجية في الأسلحة فرط الصوتية، إلى جانب التقدم في مجالات الحرب الإلكترونية والسيبرانية، من شأنها أن تمنح الولايات المتحدة مزايا كبيرة. ومع ذلك، يعتقد هؤلاء المسؤولون أن إيران استعدت لمثل هذا السيناريو عبر تحصين وتوزيع أصولها الحيوية، وبناء هياكل قيادة احتياطية، وتطوير منشآت واسعة تحت الأرض قادرة على الصمود أمام الضربات الأولية.

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية في منطقة عمليات القيادة المركزية الأميركية (أ.ف.ب)

فريق الحمائم

في المقابل، يدافع فريق «الحمائم» عن مسار دبلوماسي يقوم على مبدأ «السلام من خلال القوة»، مستخدمين التهديدات العسكرية أداةَ ضغط لا خياراً أولياً. ويقود هذا التوجه المبعوث الخاص ستيف ويتكوف، الذي وصف جولة المفاوضات غير المباشرة في مسقط، يوم الجمعة الماضي، بأنها «بداية جيدة».

وانضم جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترمب، إلى ويتكوف في زيارة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» في بحر العرب، في رسالة تؤكد أن المفاوضات تُدار تحت مظلة القوة العسكرية، مع تركيزها على التوصل إلى اتفاق يقتصر على الملف النووي. كما يدعم نائب الرئيس جي دي فانس هذا النهج، محذّراً من أن الضربات المتسرعة قد تفضي إلى نتائج عكسية.

ويؤكد فريق «الحمائم» أن المطالب الأميركية تشمل وقف التخصيب، والحد من برنامج الصواريخ، وإنهاء دعم الحلفاء الإقليميين، في حين تصرّ إيران على أن الصواريخ والقضايا الإقليمية «غير قابلة للتفاوض».

ويحذّر الفريق من أن توجيه ضربات عسكرية قد يدفع إيران إلى استخدام إحدى أقوى أوراقها، وهو إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 21 مليون برميل من النفط يومياً، أي ما يقارب 21 في المائة من الإمدادات العالمية، وهو ما قد ينعكس بارتفاع حاد في أسعار النفط إلى مستويات قد تبلغ 200 دولار أو أكثر للبرميل، بما يخلّف أضراراً اقتصادية جسيمة. ورغم إيمان «الحمائم» بتفوّق القدرات العسكرية الأميركية وعدم قدرة إيران على تحقيق نصر عسكري، فإنهم يشيرون إلى قدرة طهران على جعل أي انتصار أميركي مكلفاً للغاية.

وتنقل مصادر في البيت الأبيض أن فريق ويتكوف يشدّد على إمكانية اتخاذ قرارات عقلانية عبر المفاوضات، ويرى أن إيران لن تخاطر بتعطيل الملاحة في مضيق هرمز لما ينطوي عليه ذلك من أضرار بالغة بالاقتصاد الإيراني تفوق الأضرار التي قد تلحق باقتصادات خصومها. كما عرض ويتكوف مقترحات طرحها دبلوماسيون كبار من مصر وتركيا وقطر، تقضي بأن توقف إيران تخصيب اليورانيوم لمدة ثلاث سنوات، وتنقل مخزونها المخصّب إلى خارج البلاد، وتتعهد «بعدم البدء» باستخدام الصواريخ الباليستية.

وفي السياق نفسه، شكّكت صحيفة «نيويورك تايمز» في صبر ترمب على خوض مفاوضات طويلة، لكنها أشارت إلى حاجته لوقت من أجل تعزيز القوات الأميركية في المنطقة والاستعداد لمختلف سيناريوهات الرد الإيراني، مرجّحة منحه فرصة للدبلوماسية، وإن كانت مع شكوك حول مدتها.

جدوى المفاوضات

أشار الجنرال جاك كين، المحلل في شؤون الأمن القومي لدى شبكة «فوكس نيوز»، صباح الاثنين، إلى أن فتح باب المفاوضات مع إيران مرحلة تكررت سابقاً قبل بدء عملية «مطرقة منتصف الليل»، معرباً عن تشككه في جدواها. وقال: «أعتقد أن دوافع إيران في هذا المسار مزدوجة؛ أولاً إطالة أمد المفاوضات قدر الإمكان لتأجيل أي عملية عسكرية أميركية، بما يتيح لطهران الاستعداد بشكل أفضل للدفاع، وثانياً السعي إلى إبرام نوع من الاتفاق مع الأميركيين يمنحها تخفيفاً للعقوبات، وهو هدفها الواضح، لأن اقتصادها في حالة يرثى لها، ولا أمل في تعافيه».

صورة مجمعة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)

وشدّد الجنرال السابق، الذي شغل منصب رئيس أركان الجيش الأميركي بين عامي 1999 و2003، على أن الخيار المفضّل هو الخيار العسكري، معتبراً أنه حتى في حال التوصل إلى اتفاق مع الإيرانيين «فإنهم سيغشّون ولن يتوقفوا عن زعزعة استقرار الشرق الأوسط»، وأن تمديد عمر النظام لسنوات أخرى «أمر غير منطقي».

وأضاف أن الخيار الأفضل، من وجهة نظره، هو تهيئة الظروف لانهيار النظام الإيراني، مرجّحاً تنفيذ عملية مشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة، مع الاستمرار في نقل الموارد العسكرية إلى المنطقة تحسباً لأي ردّ انتقامي إيراني، والتأكد من أن العملية العسكرية لن تكون محدودة أو قصيرة الأمد، بل حملة شاملة ذات هدف معلن يتمثل في تهيئة ظروف انهيار النظام الإيراني بكل مكوّناته وداعميه، وتدمير قدراته العسكرية، ولا سيما الصاروخية.