كبير أساقفة الجزائر يدعو فرنسا إلى «اعتراف كامل بجرائم الاستعمار»

شدَّد على «صُلح الذاكرتين» وسط مؤشرات انفراج سياسي وقضائي

رئيس أساقفة الجزائر مع الرئيس الجزائري (الحكومة الجزائرية)
رئيس أساقفة الجزائر مع الرئيس الجزائري (الحكومة الجزائرية)
TT

كبير أساقفة الجزائر يدعو فرنسا إلى «اعتراف كامل بجرائم الاستعمار»

رئيس أساقفة الجزائر مع الرئيس الجزائري (الحكومة الجزائرية)
رئيس أساقفة الجزائر مع الرئيس الجزائري (الحكومة الجزائرية)

اقترح رئيس أساقفة الجزائر، الكاردينال جان بول فاسكو، على السلطات الفرنسية، إعلان «اعتراف كامل بجرائم الاستعمار في الجزائر»، بوصفه مدخلاً لعودة العلاقات بين البلدين إلى طبيعتها، ولإزالة التوترات الدبلوماسية الحادة التي تشهدها حالياً؛ بينما توقّع مراقبون إمكانية تخفيف عقوبة السجن بحق صحافي فرنسي متهم بالإرهاب، على خلفية ما وصفوه بمؤشرات إيجابية تدل على انفراج محتمل في الأزمة.

وصرَّح رجل الدين المسيحي الكاثوليكي لصحيفة «آفاق» الحكومية الجزائرية التي تصدر باللغة الفرنسية، بأن سبب المشكلات التي تحول دون علاقات عادية بين فرنسا ومستعمرتها القديمة «يتمثل في عدم اعتراف الفرنسيين بماضيهم الاستعماري في الجزائر»، في إشارة إلى إنكار جريمة الاحتلال الذي دام 132 سنة، ورفض تحمُّل مسؤولية الجرائم التي ارتُكبت.

وأكد فاسكو أن «كل استعمار هو عنف، هو اغتصاب لشعب. والمأساة تكمن في أن هذا العنف لم يُعترف به بالكامل. هذا الصمت هو ما يُبقي التوترات بين الجزائر وفرنسا حية حتى اليوم». وقال: «يجب أن نجرؤ على تحقيق مصالحة الذاكرتين، ليس من أجل الاتهام؛ بل لتحرير الأجيال القادمة».

الرئيسان الجزائري والفرنسي على هامش قمة «السبعة الكبار» بإيطاليا يوم 14 يونيو 2024 (الرئاسة الجزائرية)

عقبات في طريق «مصالحة الذاكرتين»

وطُرحت فكرة «مصالحة الذاكرتين» أو «سلام الذاكرتين»، في 2017، إثر وصول إيمانويل ماكرون إلى الرئاسة في فرنسا. وتم تداولها عندما زار الجزائر مرشحاً للرئاسة عشية الانتخابات، ثم رئيساً في 2022؛ حيث أكد أنه لا يجد أي حرج في كسر التابوهات (المحظورات) المرتبطة بالاستعمار ورواسبه، بعكس الرؤساء الذين سبقوه، على أساس أنه لا ينتمي إلى الجيل الذي له صلة بهذه القضية. ولكنه مع الوقت واجه صعوبات في تخطي عقبات كثيرة، من بينها إصرار الجزائريين على أن يُعلن إدانة صريحة للاستعمار الفرنسي، يتبعها بتقديم اعتذار للجزائر، في مقابل رفض قاطع من الطيف السياسي الفرنسي بكل مشاربه؛ خصوصاً اليمين التقليدي واليمين المتطرف، لإقدامه على هذه الخطوة الجريئة.

وحسب كبير أساقفة الجزائر: «حان الوقت لنتعرف بعضنا على بعض، ونسعى لبناء أخوَّة حقيقية. هذه ليست مجرد كلمات رجل دين؛ بل كلمات إنسان متمسك بالحقيقة وبالصداقة بين الشعوب... أقول ذلك عن اقتناع».

وأشار جان بول فاسكو إلى أن هناك في الجزائر «جرحَ ذاكرة عميقاً مرتبطاً بالتاريخ الاستعماري»، موضحاً أن «هذه الذاكرة لم تُشفَ بعد. بعد أن عشت هنا أكثر من عشرين عاماً، أشعر بهذا الألم: إنه ليس مجرد ألم تاريخي؛ بل ألم شخصي ووجداني».

وتحفَّظ الكاردينال عن الخوض في تفاصيل اللقاء الذي جمعه بالرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في 22 سبتمبر (أيلول) الماضي، مكتفياً بالقول: «كان لقاء أخوياً، وعلامة على الثقة. ولهذا لم أدلِ بأي تصريح علني احتراماً لطبيعة هذا اللقاء».

ويأتي نداء الكاردينال فاسكو لمعالجة «آلام الذاكرة» في وقت تتعالى في فرنسا أصوات متزايدة، ترفض أي اعتراف رسمي بجرائم الاستعمار الفرنسي في الجزائر بين عامي 1830 و1962.

وكان آخر من عبَّر عن معارضته لمثل هذه الخطوة، وزير النقل فيليب تابارو، نجل أحد قادة «منظمة الجيش السري» التي نفَّذت اعتداءات وتفجيرات في الجزائر وفي فرنسا، عقب الإعلان عن استفتاء تقرير المصير الذي مهَّد للاستقلال في 5 يوليو (تموز) 1962؛ إذ قال يوم الجمعة الماضي على قناة «سي نيوز» المقرَّبة من اليمين المتشدد: «لا يجب أن نعتذر؛ لا عن الماضي ولا عن الحاضر». ويعكس تصريح تابارو معارضة قطاع من الأوساط السياسية الفرنسية لأي مصالحة أو اعتراف بالجرائم الاستعمارية في الجزائر.

مؤشرات إيجابية

وتمرُّ العلاقات بين البلدين، منذ صيف 2024، بأسوأ مرحلة منذ الاستقلال، وتحديداً عندما أعلن «الإليزيه» اعترافه بمغربية الصحراء. فقد كان هذا الموقف سبباً في تجميد العلاقات، وإثارة ملفات قديمة متعلقة بالاستعمار و«الذاكرة» وأوضاع المهاجرين الجزائريين في فرنسا (نحو 5 ملايين)، و«اتفاق 1968» الذي يضبط مسائل الإقامة والدراسة والتجارة و«لم الشمل العائلي» بالنسبة للجزائريين في فرنسا.

الصحافي الفرنسي المسجون في الجزائر (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

وفي سياق متصل، أعلن محامي الصحافي الرياضي الفرنسي، كريستوف غليز الذي حُكم عليه في الدرجة الأولى بالسجن لمدة 7 سنوات في الجزائر، بحسابه على «فيسبوك»، أن جلسة استئنافه ستُعقد في 3 ديسمبر (كانون الأول) المقبل، بمحكمة تيزي وزو (110 كيلومترات شرق العاصمة).

وحُكم على غليز (36 عاماً) الذي تعاون مع مجلتَي «سو فوت» و«سوسايتي» الفرنسيتين، في 29 يونيو (حزيران) بالسجن، بتهم تشمل «تمجيد الإرهاب» و«حيازة منشورات بهدف الدعاية التي تضر بالمصلحة الوطنية».

وتتهمه السلطات الجزائرية بأنه كان على اتصال بأحد مسؤولي نادي الشباب الرياضي القبائلي لكرة القدم الذي يشغل أيضاً منصب مسؤول في «حركة الحكم الذاتي في القبائل»، المصنَّفة كمنظمة إرهابية.

ويتوقع محامون وحقوقيون تخفيف الحكم في الدرجة الثانية، أو استفادة الصحافي من البراءة، كخطوة إيجابية مفترضة من طرف القضاء الجزائري؛ خصوصاً أن دلالات مشجعة بعثت بها السلطات الفرنسية منذ أيام؛ حيث صرَّح وزير الداخلية الجديد لوران نونييز بأن باريس «بحاجة إلى استئناف التعاون الأمني مع الجزائر» الذي تأثر بالأزمة السياسية، عادّاً أن هذا التعاون «يساعدنا على إحباط أعمال إرهابية محتملة في فرنسا».


مقالات ذات صلة

بعد عامين من الجدل... أحكام قضائية تطوي ملف إسلاميِّي «جبهة الإنقاذ» في الجزائر

شمال افريقيا محكمة الجنايات الاستئنافية بالعاصمة الجزائرية (الشرق الأوسط)

بعد عامين من الجدل... أحكام قضائية تطوي ملف إسلاميِّي «جبهة الإنقاذ» في الجزائر

طوى القضاء الجزائري ملف قادة «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» المحظورة، بإصدار أحكام قضت بالحبس النافذ لفترات غطت مدة توقيفهم احتياطياً.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس عبد المجيد تبون خلال المقابلة التلفزيونية (الرئاسة الجزارية)

تبون: المسّ بالسعودية يعني المسّ بالجزائر

«هناك دول تحرّض على الكراهية ضد الجزائر معتقدة أننا سنخضع لهذه الأساليب الدنيئة»

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري في لقاء سابق مع الرئيس الروسي خلال زيارته الأخيرة إلى موسكو (الرئاسة الجزائرية)

جدل مثير حول «عقوبات أميركية» مفترضة على الجزائر بسبب صفقات السلاح الروسي

احتجّ حزب من «الغالبية الرئاسية» في الجزائر على ما وصفه بـ«الترويج لأخبار زائفة»، نشرتها وسائل إعلام أجنبية، تناولت فرض عقوبات أميركية محتملة على الجزائر.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا وزير الصناعة الجزائري سابقاً مع الرئيس الفرنسي عام 2017 (حسابات مبلغين عن الفساد)

وزير جزائري هارب يواجه حكماً جديداً بالسجن 20 سنة

يواجه وزير الصناعة الجزائري الأسبق، عبد السلام بوشوارب، حكماً غيابياً جديداً بالسجن، وذلك على خلفية تورطه في قضايا فساد عابرة للحدود.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا مؤتمر القناصل بحث «إجراءات 11 يناير» (الوزارة الأولى)

الجزائر تعبئ جهازها القنصلي لتسوية ملفات المعارضين

وجّهت الجزائر العشرات من مسؤوليها الدبلوماسيين في الخارج بمباشرة تنفيذ إجراءات جديدة، تخص تسوية وضعية المئات من رعاياها في البلدان الغربية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

نجاة امرأتين وفقدان عشرات المهاجرين... مأساة جديدة قبالة سواحل ليبيا

​مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية - أ.ب)
​مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية - أ.ب)
TT

نجاة امرأتين وفقدان عشرات المهاجرين... مأساة جديدة قبالة سواحل ليبيا

​مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية - أ.ب)
​مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية - أ.ب)

استيقظت ليبيا، الاثنين، على مأساة جديدة قبالة سواحلها في البحر المتوسط؛ إذ غرق قارب انطلق من مدينة الزاوية بغرب البلاد وعلى متنه 55 مهاجراً غير نظامي، في حادثة تُضاف إلى سجل طويل من حوادث غرق قوارب تُقل مهاجرين أفارقة طامحين لمستقبل أفضل بالقارة الأوروبية.

ولم ينجُ من الحادث سوى امرأتين نيجيريتين، أمكن إنقاذهما خلال عملية البحث والإنقاذ التي نفذتها السلطات الليبية. وأفادت إحداهما بفقدان زوجها، فيما قالت الأخرى إنها فقدت رضيعَيها، وفق ما ذكرته «المنظمة الدولية للهجرة».

وقال متحدث باسم «منظمة الهجرة» إن الحادث أفضى إلى وفاة أو فقد 53 مهاجراً، بينهم رضيعان، إثر انقلاب قارب مطاطي كان يقل 55 شخصاً قبالة السواحل الليبية. وأشار إلى أن القارب انقلب شمال مدينة زوارة بغرب ليبيا في السادس من الشهر الحالي.

ضبط قوارب مخصصة لتهريب المهاجرين عبر المتوسط لدى عصابات بغرب ليبيا (وزارة الداخلية)

وعبَّرت المنظمة عن «حزنها العميق» لفقدان الأرواح في حادث مميت جديد على طريق وسط البحر المتوسط، مشيرة إلى أن فِرقها قدمت للناجيتين رعاية طبية طارئة فور إنزالهما بالتنسيق مع السلطات المعنية.

وبحسب إفادات الناجيتين للمنظمة الدولية، غادر القارب مدينة الزاوية نحو الساعة الحادية عشرة من مساء الخامس من فبراير (شباط)، وبعد نحو ست ساعات انقلب نتيجة تسرب المياه إليه.

وكان القارب يقل مهاجرين ولاجئين من جنسيات أفريقية مختلفة. ويرفع الحادث عدد المهاجرين الذين أُبلِغ عن وفاتهم أو فقدانهم، في محاولة اجتياز البحر المتوسط إلى أوروبا، إلى ما لا يقل عن 484 شخصاً في عام 2026.

رحلات الموت

ومثل هذه الحوادث متكررة؛ ففي 22 يناير (كانون الثاني) الماضي، أمرت النيابة العامة الليبية بحبس اثنين من تشكيل عصابي، لاتهامهما بتهريب مهاجرين غير نظاميين من شرق ليبيا إلى أوروبا عبر البحر المتوسط، ما تسبب في غرق 59 شخصاً من مصر وبنغلاديش.

وكان الضحايا من بين 79 شخصاً من البلدين انطلق قاربهم من طبرق، بأقصى الشرق الليبي، وأُعلن عن غرق 59 منهم في 30 يوليو (تموز)، فيما تم إنقاذ الباقين.

وعادة ما تنتشل عناصر «الهلال الأحمر» الليبي الجثث التي تقذفها الأمواج إلى الشاطئ.

متطوعو جمعية الهلال الأحمر الليبي ينتشلون جثة قذفتها أمواج المتوسط يناير الماضي (المكتب الإعلامي للجمعية)

وتكثف السلطات المعنية بمكافحة الهجرة غير المشروعة في شرق ليبيا وغربها، من عمليات «الترحيل الطوعي» براً وجواً، وسهّلت إعادة دفعات جديدة من الموقوفين إلى دولهم. كما تعمل السلطات على تعقّبهم، وذلك ضمن خطة تهدف إلى «فرض السيطرة ومنع أي محاولات للتسلل».

وسبق وأعلنت «المنظمة الدولية للهجرة» عن اعتراض وإعادة 568 مهاجراً من البحر إلى ليبيا خلال الفترة من الثاني إلى الثامن من نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، لافتة إلى اعتراض وإعادة 23513 مهاجراً منذ بداية العام الحالي، من بينهم 2037 امرأة و851 طفلاً.

وتلجأ عصابات الهجرة غير المشروعة إلى تهريب المهاجرين في قوارب متهالكة، أو غير معدة للإبحار في عرض البحر المتوسط، ما تسبب في وقوع كوارث عديدة.

وفكّكت النيابة العامة الليبية في سبتمبر (أيلول) الماضي، شبكة كانت تعمل على تصنيع «قوارب الموت» التي تُستخدم في الهجرة غير النظامية إلى أوروبا، وأوقفت 10 أشخاص كانوا يعملون في ورشة بمدينة مصراتة.

وتشير بيانات «المنظمة الدولية للهجرة» إلى أنه خلال شهر يناير فقط، أُبلِغ عن وفاة أو فقدان ما لا يقل عن 375 مهاجراً نتيجة عدة حوادث غرق «غير مرئية» بوسط البحر المتوسط، في ظل ظروف جوية قاسية، مع ترجيح حدوث مئات الوفيات الأخرى التي لم يتم رصدها.

عصابات وشبكات تهريب

تسلّط هذه الحوادث المتكررة الضوء على المخاطر المستمرة والقاتلة، التي يواجهها المهاجرون واللاجئون في أثناء محاولات العبور المحفوفة بالمخاطر.

ووفقاً لمشروع «المهاجرين المفقودين» التابع لـ«المنظمة الدولية للهجرة»، فُقد أكثر من 1300 مهاجر في وسط البحر المتوسط خلال عام 2025.

وتحذّر المنظمة من أن شبكات الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين «تواصل استغلال المهاجرين على طريق وسط البحر المتوسط، محققة أرباحاً من رحلات عبور خطيرة على متن قوارب غير صالحة للإبحار، ومعرّضة الأشخاص لانتهاكات جسيمة ومخاطر متعلقة بالحماية».

وتؤكد المنظمة الحاجة إلى تعزيز التعاون الدولي والاستجابات التي تضع الحماية في صميمها، لمواجهة شبكات التهريب والاتجار بالبشر، إلى جانب إتاحة مسارات آمنة ونظامية للهجرة للحد من المخاطر وإنقاذ الأرواح.

مهاجرون من النيجر خلال ترحيلهم من طرابلس ديسمبر 2025 (الداخلية الليبية)

وتسعى دول عديدة إلى إعادة رعاياها من ليبيا.

وأعلنت وزارة الخارجية المصرية الشهر الماضي، أن جهودها أسفرت عن ترحيل أكثر من 3 آلاف مواطن من ليبيا خلال عام 2025، ممن كانوا متهمين في قضايا الهجرة غير المشروعة، والإفراج عن أكثر من 1200 مواطن من السجون الليبية، إضافة إلى نقل 300 جثمان على نفقة الدولة، إثر غرق مراكب للهجرة قبالة السواحل الليبية.


الأمم المتحدة: كان يمكن تجنب الفظاعات وكارثة الفاشر في السودان

نساء نازحات من الفاشر يقفن وسط طابور لتلقي مساعدات غذائية بمخيم العفّاد الذي أُنشئ حديثاً في الدبّة بولاية شمال السودان (أ.ب)
نساء نازحات من الفاشر يقفن وسط طابور لتلقي مساعدات غذائية بمخيم العفّاد الذي أُنشئ حديثاً في الدبّة بولاية شمال السودان (أ.ب)
TT

الأمم المتحدة: كان يمكن تجنب الفظاعات وكارثة الفاشر في السودان

نساء نازحات من الفاشر يقفن وسط طابور لتلقي مساعدات غذائية بمخيم العفّاد الذي أُنشئ حديثاً في الدبّة بولاية شمال السودان (أ.ب)
نساء نازحات من الفاشر يقفن وسط طابور لتلقي مساعدات غذائية بمخيم العفّاد الذي أُنشئ حديثاً في الدبّة بولاية شمال السودان (أ.ب)

أكد المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، الاثنين، أن الفظائع التي ارتُكبت خلال استيلاء «قوات الدعم السريع» على الفاشر في السودان تُعدّ «كارثة» كان من الممكن تجنبها، معرباً عن مخاوفه من تكرار أحداث مماثلة في كردفان.

وقال فولكر تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف: «كثيراً ما حذر مكتبي من خطر وقوع فظائع جماعية في مدينة الفاشر التي ظلت محاصرة أكثر من عام، وقد وثَّقنا سابقاً أنماطاً من هذه الفظائع في مناسبات كثيرة، بما في ذلك خلال هجوم (قوات الدعم السريع) للاستيلاء على مخيم زمزم... كان التهديد واضحاً، لكن تم تجاهل تحذيراتنا».


بدو السودان محاصرون مع تصاعد انعدام الأمن والانقسام العرقي جراء الحرب

نازحون يصطفون للحصول على مساعدات غذائية في مخيم بشمال كردفان (أرشيفية - أ.ف.ب)
نازحون يصطفون للحصول على مساعدات غذائية في مخيم بشمال كردفان (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

بدو السودان محاصرون مع تصاعد انعدام الأمن والانقسام العرقي جراء الحرب

نازحون يصطفون للحصول على مساعدات غذائية في مخيم بشمال كردفان (أرشيفية - أ.ف.ب)
نازحون يصطفون للحصول على مساعدات غذائية في مخيم بشمال كردفان (أرشيفية - أ.ف.ب)

كان جبارة البشير وعائلته يجوبون صحراء السودان بإبلهم وماشيتهم، ويتنقلون بحرية بين الأسواق ومصادر المياه والمراعي الخضراء.

ولكن منذ اندلاع الحرب في 2023، تقطعت السبل به وبغيره من البدو العرب في الصحراء خارج مدينة الأبيّض وسط السودان، حيث باتوا فريسة لقطاع الطرق والتوتر العرقي.

تسببت الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» شبه العسكرية في نزوح نحو 14 مليون شخص، وأدت إلى اندلاع موجات من إراقة الدماء على أساس عرقي، فضلاً عن انتشار المجاعة والأمراض.

«الدعم السريع» تحاصر الجيش بغرب كردفان في أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)

وقال الباحث المحلي إبراهيم جمعة إن الحرب أدت كذلك إلى اختلال التوازن الدقيق في ملكية الأراضي ومسارات الماشية التي حفظت للبدو سبل عيشهم وعلاقاتهم الأوسع في المنطقة.

والأبيّض هي واحدة من كبرى مدن السودان وعاصمة ولاية شمال كردفان، التي شهدت أعنف المعارك في الحرب خلال الأشهر القليلة الماضية.

وقال من تحدثوا إلى «رويترز» من شمال كردفان إنهم وجدوا أنفسهم محاصرين مع انتشار الكراهية العرقية المرتبطة بالحرب والتي تغذيها إلى حد بعيد شبكات التواصل الاجتماعي.

وقال البشير: «سابقاً لا يوجد شخص يعترض شخصاً أو قافلة قبيلة رحل، ولا هذا من الجهة الفلانية أو الجهة الكذا... القافلة قافلة والسوق تعني سوق... شارع يعني شارع... تتحرك وفق اختيارك... الآن لا يوجد اختيار ولا توجد جهه تتقبلك».

وأضاف: «سابقاً الأسواق كثيرة تستطيع أن تبيع وتشتري... لا يوجد شخص يكره شخصاً ولا شخص يرفض شخصاً... الآن الوضع أصبح كله محاذير».

بالإضافة إلى الحرب المتصاعدة، يواجه البدو الرحل - الذين قال جمعة إن عددهم يصل إلى الملايين في جميع أنحاء السودان - تهديداً من قطاع الطرق الذين يسرقون الماشية.

انتشار المجاعة في شمال دارفور وجنوب كردفان بغرب السودان وجنوبه (أ.ب)

وقال حامد محمد، وهو راعٍ آخر محاصر في ضواحي الأبيض: «في السابق كانت السوق سمحة والوضع ليس كهذا الزمان... الزمن الآن زمن مشاكل... لا نستطيع الذهاب إلى أي مكان وإذا ذهبنا العدو يأخذ البهائم... الآن حدنا الأبيّض هنا فقط».

نشأت «قوات الدعم السريع» من الميليشيات العربية المعروفة باسم الجنجويد، التي تواجه اتهامات بارتكاب إبادة جماعية في دارفور في مطلع العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

واتهمت الولايات المتحدة ومنظمات حقوقية «قوات الدعم السريع» بارتكاب إبادة جماعية ضد السكان غير العرب في ولاية غرب دارفور خلال الصراع الحالي، في امتداد للعنف المستمر منذ فترة طويلة الناجم عن النزاع على الأراضي.

ونفت «قوات الدعم السريع» مسؤوليتها عن عمليات القتل ذات الطابع العرقي، وقالت إن المسؤولين عن الانتهاكات سيحاسبون.

وشكلت تلك القوة طوال الحرب روابط مع قبائل عربية أخرى، وأطلقت في بعض الأحيان يدها لتقوم بعمليات نهب وخطف.

لكن بعض القبائل العربية والكثير من أفرادها لم ينضموا إلى القتال.

ونادى جمعة بضرورة «تصميم برامج اجتماعية تتعلق بنبذ خطاب الكراهية... تتعلق بسيادة حكم القانون... تتعلق بإجراء المصالحات الاجتماعية باعتبار أن الحرب أثرت في أنسجة المجتمعات».