«احكيلي»... مساحة حوار بين العنف وحقّ بيروت بأن تتذكَّر

تنبعث ذاكرةٌ جماعية تُطالب بالمُساءلة من قلب مبنى القنص القديم

الحرب لم تُمحَ بعد لكنّ المدينة تجرؤ أخيراً على الكلام (الشرق الأوسط)
الحرب لم تُمحَ بعد لكنّ المدينة تجرؤ أخيراً على الكلام (الشرق الأوسط)
TT

«احكيلي»... مساحة حوار بين العنف وحقّ بيروت بأن تتذكَّر

الحرب لم تُمحَ بعد لكنّ المدينة تجرؤ أخيراً على الكلام (الشرق الأوسط)
الحرب لم تُمحَ بعد لكنّ المدينة تجرؤ أخيراً على الكلام (الشرق الأوسط)

«احكيلي» ليس معرضاً في «بيت بيروت». هو محاولة لإعادة النَّفَس إلى مبنى يحفظ رائحة الرصاص. «بيت بيروت»، الذي كان يوماً نقطة قنص على «الخطّ الأخضر» الفاصل بين شطرَي العاصمة خلال الحرب الأهلية، يتحوّل هنا من جدار مثقوب إلى مساحة إصغاء. الجدران نفسها هي الأرشيف. الندوب جزء من السرد. وفي قلب هذا السرد، وُلد مشروع «احكيلي» في الذكرى الخمسين لاندلاع الاقتتال الداخلي اللبناني. إنه مساحة حوار حول العنف وحقّ المدينة بأن تتذكَّر علناً.

بيروت تحاول استعادة حقّها في العيش والتذكّر معاً (الشرق الأوسط)

الخلفية ليست تفصيلاً. قبل «احكيلي»، شهد «بيت بيروت» تجربة «ألو بيروت؟» التي امتدَّت 9 أشهر بين سبتمبر (أيلول) 2022 ويوليو (تموز) 2023، وفتحت المتحف العام أمام أكثر من 45 ألف زائر. هذه التجربة أسَّست لحقيقة أنه يمكن للمكان العام أن يعود عاماً فعلاً، وللتعاون بين المجتمع المدني والقطاع العام أن ينجح. من هذا الرصيد، تشكَّلت مبادرة مدنيّة لإعادة فتح «بيت بيروت» وتحويل المبنى إلى فضاء مدينيّ مُستدام للحوار حول الذاكرة، بدلاً من تركه واجهة مُتحجّرة لذاكرة حرب لم تُشفَ.

تفاصيل صغيرة تروي ما لم تقله البنادق (الشرق الأوسط)

يمكن لَمْس روح «احكيلي» من الخطوة الأولى في الطابق الأرضي. الصور المُعلَّقة عند الفتحة المُقوَّسة للمبنى تتجاوز كونها بورتريهات قديمة لأشخاص بملابس السبعينات وتصفيفات شعر كثيفة. إنها وجوه تُعاد إلى الضوء في مبنى عاش على الحدّ الفاصل بين الحياة والموت. رجال ونساء يطلّون مجدّداً على المدينة الحديثة خارج الإطار الحجري ويتساءلون عمّا تغيّر فعلاً.

الذاكرة في لبنان مُتشظّية. محفوظة داخل البيوت، داخل ألبومات العائلة، داخل الصالونات التي لم تعُد موجودة، لكنها نادراً ما تُعرَض في فضاء عام مُشترك يسمح بالاعتراف المُتبادَل.

مساحة تأمّل في الماضي (الشرق الأوسط)

في الصور العائلية بالأبيض والأسود، عائلات بكاملها تصطفُّ بوقار أمام خلفيّات مطبوعة. أطفال بملامح متوتّرة قليلاً، ونساء بثقة نظراتهن القديمة، ورجال ببدلات متقشِّفة. نحن هنا في «فوتو ماريو» و«صالون أفرام» كما يُقدّمهما «احكيلي». مرحلة من حياة المبنى عندما كان مكاناً للقصّ والغُرّة والبدلة الأجمل والصورة التذكارية. أي حين كان البيت بيتاً عادياً، قبل أن يتحوَّل إلى موقع قنص. المعرض يُعيد إلينا يوميات المدنيين لا يوميات المقاتلين، ليؤكد أنَّ العنف التهم أيضاً عيش الناس وطبقات حياتهم الحميمة.

أرشيف الحياة اليومية كما خلّفته الحرب (الشرق الأوسط)

إلى جانب ذلك، نُشاهد ألواحاً مُضيئة تُصوّر بيروت سينمائيةً، في صالات: «روكسي» و«ريكس» و«إمباير»، بواجهاتها وأسقُفها النيونية وإعلانات الأفلام. الواجهات المُعاد تركيبها استعادةٌ لذاكرة المدينة نفسها. ليست ذاكرة الرصاص، وإنما ذاكرة القدرة على الحياة.

لكن «احكيلي» لا يكتفي بالعاطفي والحميمي. الصعود إلى الطابق الأول هو الدخول في قلب العطب. الجدران لا تزال مثقوبة. الأسمنت متآكل. فتحات القنص نائمة، لكنها موجودة. في إحدى الغرف، صفوف من حجارة البلوك السوداء تصنع متراساً داخلياً، مما يُذكّر بأنّ المبنى كان آلة قتل فعّالة على خطّ التماس. هنا، العمارة تتحوّل إلى وثيقة جريمة.

الذاكرة لا تحتاج إلى باب لتُفتح (الشرق الأوسط)

على الشاشات، مَشاهد من الفيلم الوثائقي «بيت الذاكرة» لكريستوفر ميتشل، تُسجّل اللحظات الأولى التي دخلت فيها المعمارية والناشطة منى الحلاق إلى المبنى، وبدأت تدرك أنّ هذا المكان شهادة ينبغي إنقاذها. وعلى شاشة أخرى، لقطات نادرة من «الخطّ الأخضر» لباسل حجيج وماريا شختورة، تُوثّق الدمار في الحيّ خلال الحرب.

الحفرة التي كانت عين القنّاص صارت نافذة على الضوء (الشرق الأوسط)

إحدى التركيبات الأكثر حزناً وجرأة هي «بين عالمين» لفيدا بزري وسيلفي باليو. نرى مجسَّمات أحياء مُهدّمة وشوارع محروقة وبقايا مبانٍ متروكة، مع شخصيات صغيرة تمثّل أطفالاً وناجين. وفي أحد النصوص المكتوبة داخل العمل، تقول الراوية: «بقلبي أوضة مقفولة... ليش أنا وزغيرة ما حدا شرحلي شي؟». هذا سؤال جيل كامل وُلد مع الحرب أو بعدها بقليل، لكنه كبُرَ من دون أن يحصل على رواية واضحة عمّا حدث.

وفي «قصص من الجنوب» و«مفاتيح بلا بيوت» للفنان أديب فرحات، تصبح الذاكرة تهجيراً مُكرّراً. يظهر الجنوب اللبناني الذي عاش الاحتلال الإسرائيلي بين 1978 و2000، مساحة اقتلاع مستمرّ. البيت كرامة وذاكرة وملجأ. وحتى حين يتحوّل إلى ركام، تبقى المفاتيح في اليد. هذه الذاكرة ترتبط مباشرة بما يعيشه الجنوبيون اليوم من نزوح جديد نتيجة الوحشية الإسرائيلية على قراهم المستمرّة منذ 2024. المشروع يؤكد أنّ الحرب بالنسبة إلى كثيرين نمط حياة مفروض حتى الآن، وليست صفحة أُغلقت في 1990.

تعلّمت بيروت بأن تعيش على الحافة بين الموت والحياة (الشرق الأوسط)

من الذاكرة الشخصية إلى الذاكرة السياسية، يذهب الطابق الثاني أبعد. يُقدّم «الخطّ الزمني» المُنجَز بالشراكة مع «لجنة أهالي المخطوفين والمخفيين قسراً»، أكثر من 150 محطة و255 وثيقة رسمية لحراك هذه العائلات منذ الثمانينات حتى اليوم، في سعيها للإجابة عن سؤال «وينن؟». السؤال البسيط والمستحيل. العمل شهادة على نضال لم يتوقَّف، انتهى بإقرار قانون المفقودين والمخفيين قسراً عام 2018، لكنه لا يزال ينتظر التنفيذ الكامل. الذاكرة هنا تطلب العدالة.

المأساة تحمل ثقل مدينة بكاملها (الشرق الأوسط)

يُدار «احكيلي» عبر لجنة تضمّ أسماء من بينها المديرة التنفيذية للمشروع دلفين أبي راشد درمنسي، وقيّمة أرشيف «بيت بيروت» منى الحلاق، وقيّمة «مرصد بيروت العمراني» هالة يونس، ومنسِّقة المشروع نور نصر، بالإضافة إلى مُساهمين في العلاقات العامة والتواصل، ومُساهمين في التركيبات والإنتاج التقني والبصري. وهو يرفض فكرة أنّ الذاكرة حجرٌ، ويعاملها على أنها حوار مستمر وجلسة مفتوحة. هي ليست مُلكاً لسلطة سياسية، ولا إرثاً محجوراً في خطاب طائفي. وإذا كانت «الذاكرة الخاصة» أداة تحفظ الماضي، فإنّ «الذاكرة العامة» تُغيِّر المستقبل وتفرض الاعتراف والمُساءلة.


مقالات ذات صلة

البارثينون يخسر إحدى أساطيره بعد 2000 عام

يوميات الشرق حجارة عمرها أطول من يقيننا (إ.ب.أ)

البارثينون يخسر إحدى أساطيره بعد 2000 عام

من أبرز ملامح البارثينون أنّ ما يبدو أعمدةً دوريةً رأسيةً مستقيمةً ليس كذلك في الحقيقة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق علم تركيا يظهر على متن قارب في إسطنبول (رويترز)

دراسة: كل الطرق تؤدي إلى إسطنبول وليس إلى روما

أقام أول إمبراطور لروما القديمة، النصب التذكاري الذهبي، الذي يُعرف باسم «المَعْلم الذهبي»، في المنتدى الروماني عام 20 قبل الميلاد ليكون بمثابة نقطة انطلاق.

«الشرق الأوسط» (روما- أنقرة)
يوميات الشرق شيء من البرّية استقرّ بين شرفات الجعيتاوي (سبازونو)

سبازونو يرسم بالغرافيتي ذاكرةً لبيروت لا تنتهي عند ندوبها

للجدار حياةٌ تسبق وصوله إليه. يحمل الفنان تاريخ المكان وآثار مَن عاشوا حوله...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق ما أكلوه ذات يوم... يروي اليوم كيف عاشوا (واس)

ماذا كان يُطبخ في سوريا قبل 4500 عام؟

كان طهاة المدينة يستخدمون أوانيَ تختلف خصائصها في امتصاص الحرارة وتوزيعها، وفق نوع الطعام الذي يعتزمون إعداده...

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)
يوميات الشرق العروض الغنائية الراقصة شكّلت جزءاً من «الليالي اللبنانية» (مهرجانات بعلبك)

«مهرجانات بعلبك الدولية» تحتفي بـ70 عاماً من الإشعاع الإبداعي

تأتي ندوة بعلبك ضمن سلسلة ندوات سنوية ينظّمها برنامج زكي ناصيف للموسيقى...

سوسن الأبطح (بيروت)

«البحر الأحمر السينمائي» يؤجل دورته السادسة إلى 2027

جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)
جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يؤجل دورته السادسة إلى 2027

جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)
جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)

أعلنت مؤسسة البحر الأحمر السينمائي تأجيل الدورة السادسة من مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي إلى الربع الرابع من عام 2027، بعد مراجعة عدد من الاعتبارات المرتبطة بتوقيت إقامة الدورة المقبلة والمتطلبات اللوجستية لاستضافة حدث دولي بهذا الحجم.

وأوضحت المؤسسة أن قرار التأجيل يأتي في إطار حرصها على اختيار التوقيت والظروف الملائمة لتقديم التجربة التي عُرف بها المهرجان، ومواصلة تطويره والبناء على ما حققه خلال دوراته السابقة، بما يعزز حضوره على خريطة المهرجانات السينمائية الدولية.

ومن المقرر أن يعود المهرجان إلى جدة التاريخية في 2027 بدورته السادسة، التي قالت المؤسسة إنها ستقام «برؤية متجددة»، وبرنامج يواصل الاحتفاء بالسينما وصنّاعها من السعودية والمنطقة والعالم.

وفي غضون ذلك، أكدت المؤسسة استمرار برامجها وأنشطتها على مدار العام لدعم صنّاع الأفلام وتعزيز صناعة السينما، من خلال منظومتها التي تضم «صندوق البحر الأحمر» و«معامل البحر الأحمر»، إلى جانب برامج ومبادرات أخرى تستهدف ربط المواهب وصنّاع الأفلام بصناعة السينما الدولية.

وتنطلق في نوفمبر (تشرين الثاني) 2026 برامج المؤسسة الممتدة على مدار العام في «ميدان الثقافة» بجدة التاريخية، الذي سيستضيف عروضاً سينمائية وفعاليات ثقافية وبرامج متخصصة في صناعة الأفلام، على أن تعلن المؤسسة لاحقاً تفاصيل تلك البرامج ومواعيدها عبر قنواتها الرسمية.

وأعربت مؤسسة البحر الأحمر السينمائي عن تقديرها لصنّاع الأفلام والشركاء والضيوف والجمهور على دعمهم، مؤكدة تطلعها إلى استقبال مجتمع السينما العالمي مجدداً في جدة التاريخية عام 2027.


سرقة 800 ألف نحلة في أستراليا بعملية «معقدة»

سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
TT

سرقة 800 ألف نحلة في أستراليا بعملية «معقدة»

سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)

سُرق ما يُقدر بنحو 800 ألف نحلة -تصل قيمتها إلى عشرات آلاف الدولارات- من مواقع في أقصى شمال كوينزلاند في أستراليا.

ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه قطاع تربية النحل بالفعل من وطأة وصول طفيلي «عث الفاروا» هذا الشهر.

وقال توم بيدنر، وهو مربي نحل من منطقة أثرتون تيبلاندز، الواقعة غرب مدينة كيرنز، إن 44 مسعمرة نحل قد سُرقت من 3 مربين مختلفين، وأضاف قائلاً: «الأمر لم ينتهِ بعد؛ فلا يزال أمامنا كثير من طوائف النحل التي يتعين علينا تفقدها، ونحن نواصل التنقل بين مواقعنا المختلفة وفحصها».

وقد قدَّر بيدنر أن كل خلية تحتوي على ما لا يقل عن 20 ألف نحلة، مما يعني أن إجمالي عدد النحل المسروق يتجاوز 800 ألف نحلة، وفق ما أفادت صحيفة «الغارديان» البريطانية.

يُذكر أن عمليات السرقة المزعومة هذه قد وقعت في مواقع متعددة ومناطق متفرقة، وتطلبت تنفيذ عملية معقدة، واستخدام معدات متخصصة.

وبدلاً من المخاطرة باكتشاف أمرهم مبكراً عن طريق سرقة الصندوق كله، قاموا بإخراج ما يُعرف بـ«صندوق الحضنة» (brood box)؛ مما يجعل الخلية تبدو وكأنها لم تتغير عند النظر إليها من بعيد.

وقال بيدنر: «إنهم يأتون ومعهم شاحنة محملة بالمعدات؛ حيث يقومون بنقل إطاراتنا إلى صناديقهم... ثم يعيدون تجميع خلايانا، بحيث لا يثير ذلك شكوك المزارعين، ولا يوحي بأن أحداً قد دخل المكان وأقدم على فعل كهذا»، كما أن اللصوص لم يأخذوا أي عسل؛ بل تركوه داخل الخلية.

ويعتقد بيدنر أن الجناة هم على الأرجح أشخاص من العاملين في هذا المجال. وأشار إلى أن مربي النحل لم يخسروا الحشرات المسروقة فحسب؛ بل سيفقدون أيضاً قيمة عقود التلقيح التي قد تصل إلى آلاف الدولارات؛ كما سيتضرر المزارعون نتيجة انخفاض جودة الإزهار.

وذكر بيدنر أن هذه الحادثة تُعد الأكبر من نوعها في الذاكرة القريبة، وإن لم تكن الأولى، وتشهد منطقة أقصى شمال كوينزلاند حالياً ذروة موسم الأفوكادو، ولذا تنتشر خلايا النحل في مزارع المنطقة بموجب عقود تلقيح لصالح المزارعين المحليين، بينما تُترك خلايا أخرى على جوانب الطرق السريعة.

وقال: «من الناحية الأمنية، كنا نعتمد في الماضي على النحل للقيام بمعظم العمل... وبالطبع، قد يحاول أحدهم أحياناً العبث بإحدى الخلايا، ولكنهم عادة ما يلوذون بالفرار بعد نحو 30 ثانية فقط من بدء محاولتهم».

ومن جهته، صرح الرقيب المحقق بن كروس، من وحدة مكافحة الجرائم الريفية وجرائم الثروة الحيوانية في منطقة «ماريبا»، لشبكة (إيه بي سي) بأنه يعتقد بأن الجاني «مزارع تجاري» وليس مجرد هاوٍ.

وفي غضون ذلك، سجلت منطقة أقصى شمال كوينزلاند أول حالة رصد لـ«عث الفاروا» قبل أسبوع واحد فقط، وذلك إلى الجنوب من مدينة كيرنز.

وقالت ميغان أومارا، الأستاذة في جامعة كوينزلاند، إنه تم إنفاق أكثر من مائة مليون دولار لمنع انتشار هذا الطفيلي منذ وصوله إلى نيوكاسل في عام 2022، إلا أن العلاجات المتاحة كانت محدودة الفعالية.

وتُقدَّر تكلفة الانتشار غير المنضبط لهذا الطفيلي على القطاع بما يصل إلى مليار دولار على مدى 30 عاماً. والجدير بالذكر أن أستراليا تخلت رسمياً عن مساعي القضاء التام على الطفيلي في عام 2023.


زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
TT

زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)

تتغيَّر حياة الأشياء حين يغادر أصحابها الأمكنة التي منحتها معناها. كرسي اعتاد جسداً بعينه. إبريق شاي شهد أحاديث عائلية. مصباح أضاء سنوات من الحياة. وقنينة قد تنجو من بيت لم يعد موجوداً. تحمل هذه الموجودات تاريخاً لا يظهر على سطوحها، وتحتفظ بشيء من أصحابها حتى بعدما تنفصل عن الحياة التي كانت جزءاً منها. من هذه العلاقة، تتّخذ زينة عاصي مدخلاً إلى معرضها الفردي «أشياء عادية» في «غاليري تانيت» بمار مخايل، حيث تحمل الأشياء الصغيرة أثقال الهجرة والحرب، وتُعيد الفنانة النظر في الطريقة التي يستمرّ بها المكان داخل الإنسان بعد مغادرته.

مدن تواصل العيش خارج جغرافيتها (الشرق الأوسط)

تعيش زينة عاصي وتعمل في لندن، وقد انشغلت طويلاً بالمدينة وتحوّلاتها وبما يُخلّفه الانتقال القسري أو الاختياري في علاقة الإنسان بمحيطه. وفي معرضها البيروتي، تقترب من الهجرة عبر أثرها في التفاصيل التي كانت تبدو مستقرّة قبل الرحيل. فالمكان الذي نغادره يستمر فينا بأشكال يصعب ضبطها. قد تستعيده رائحة أو هيئة غرض منزلي أو صورة لا تتطابق تماماً مع ما كان عليه. وتصبح الذاكرة مع الوقت عملاً مستمراً لإعادة تركيب ما تفرَّق.

تمنح زينة عاصي هذا التبعثر هيئةً تشكيلية. في لوحاتها، تتراكم الأبنية فوق بعضها، وتزدحم المساحات بالأسلاك والوجوه والكتابات، وتدخل الأجساد في نسيج المدينة حتى يصعب فصلها عنه. ثمة كثافة تستدعي إطالة النظر، إذ تزدحم المساحات بعناصر تفوق قدرتها الظاهرية على الاستيعاب. ووسط الازدحام، تستقرّ الحياة الحميمة بأثرها الإنساني، حتى تغدو التجربة الشخصية جزءاً من الذاكرة الجماعية للمدينة.

كلّ ما تركناه خلفنا وجد طريقه إلى الخزف (الشرق الأوسط)

وفي الأعمال التي تظهر فيها الأبنية فوق الماء، تتكدَّس البيوت بمحاذاة الأمواج تحت سماء تعبرها الطائرات. يبدو العمران متشبثاً بتفاصيله، فيما يحمل البحر احتمالَي المغادرة والفَقْد. تضعنا هذه الصور أمام علاقة مأزومة بالمكان. فالمدينة التي تمنح الإنسان هويته قد تصبح سبباً في اقتلاعه، ويظلّ انتماؤه إليها قائماً حتى حين يتعذَّر العيش فيها.

للمدن حياة سرّية على جِلْد الأشياء (الشرق الأوسط)

تتجسّد هذه العلاقة في الخزفيات التي تحمل رسوماً لمدن ووجوه وشخصيات. تستعيد زينة عاصي تقليداً متوارثاً في تسجيل الحكايات على الأواني، وتضع تاريخاً عمرانياً وإنسانياً على سطح قنينة يمكن حَمْلها أو كَسْرها. تختزل القنينة مدينةً بأحيائها وذاكرتها، ويجعل قابليتها للكَسْر امتداداً لمصير الذاكرة التي تحملها. فالذاكرة التي نحاول الاحتفاظ بها معرَّضة دائماً للتبدُّل، وما نحمله من الأمكنة يختلف عمّا تركناه فيها.

تبدو السلالم الصغيرة المتّصلة ببعض القطع امتداداً لهذا الاشتغال على الوصول والانقطاع. تتقدَّم نحو الأواني أو تتدلَّى منها، وتمنح التكوين حركة صعود وهبوط، فيما تبقى الوُجهة غير محسومة. تستعيد المدينة حضورها على سطح الوعاء، لكنّ الوصول إليها يظلُّ فعلاً مؤجّلاً.

على سطوح الأشياء تتراكم أعمار لم تنتهِ (الشرق الأوسط)

وتتعمَّق العلاقة بين الإنسان والمكان في لوحات الغابة، حيث تظهر الوجوه داخل جذوع الأشجار وبين أغصانها. وفي العمل المجسَّم الذي تنتشر عناصره الصغيرة على الجدار حول أغصان شبه عارية، تتوزَّع الأشكال في تجمّعات متفاوتة الكثافة. يحمل هذا الانتشار إحساساً بالتبعثر، فيما تبقى الأغصان في الأسفل شاهدةً على أصل لم يعد قادراً على جمع ما انفصل عنه.

للغائبين بيوت تبنيها الذاكرة كلّ ليلة (الشرق الأوسط)

تدخل الحرب هذا العالم عبر طائرات مقاتلة ومسيَّرات وجنود، إلى جانب الزهور والأغراض المنزلية. في إحدى الصور، تُهاجم الطائرات باقة ورد، فتبدو أدوات العنف وقد اقتحمت مجالاً شديد الألفة. وفي هذا المشهد، يتراءى الاعتياد على العنف أحد أعمق آثار الحرب، حين تفقد المَشاهد الاستثنائية قدرتها على إدهاش الإنسان وتصبح جزءاً من يومياته.

تتراكم هذه الطبقات في التكوين الكبير المكتظّ بالشخصيات والرموز والكتابات والنباتات. تتنافس التفاصيل على انتباه العين، وتستمر الصورة في تقديم عناصر جديدة كلّما طال النظر إليها. تبدو الذاكرة مُثقلة بما عاشته وبما وصل إليها من حكايات الآخرين أيضاً. فالخبرة الفردية تحمل آثار تاريخ جماعي، ويصعب فصل ما اختبره الإنسان بنفسه عمّا ورثه من صور الخوف والاقتلاع.

تترك المدن ظلالها على كلّ ما نأخذه معنا (الشرق الأوسط)

هذه التجربة امتداد لمسيرة زينة عاصي التي تنقّلت بين الرسم والنحت والخزف والأعمال المركّبة، وعُرضت أعمالها في مؤسّسات فنّية من بينها معهد العالم العربي في باريس والأكاديمية الملكية في لندن، وشاركت في بينالي البندقية عام 2017.

تمنح زينة عاصي الأشياء التي اعتدناها في بيوتنا حياةً أخرى، وتستخرج من تفاصيلها تاريخاً شخصياً وجماعياً أثقل ممّا توحي به بساطتها. وتمنحها كثافة التاريخ الشخصي والجماعي، وتتركها مُعلّقة بين ما كانت تؤدّيه وما أصبحت تحتفظ به. وحين تصير المدينة رسماً على قنينة، أو يختبئ وجه بين الأشجار، ندرك أنّ ما يبقى من الأمكنة فينا قد يفوق ما استطعنا الاحتفاظ به منها، وبعض ما نغادره يواصل العيش في داخلنا حتى بعدما تستحيل العودة إليه.