مصر للتوسع في «استكشافات» البترول والغاز تحسباً للتوترات الخارجية

إعلان خطة لحفر 480 بئراً خلال 5 سنوات

مصر تخطط لتعزيز اكتشافات الغاز والبترول المحلية (وزارة البترول المصرية)
مصر تخطط لتعزيز اكتشافات الغاز والبترول المحلية (وزارة البترول المصرية)
TT

مصر للتوسع في «استكشافات» البترول والغاز تحسباً للتوترات الخارجية

مصر تخطط لتعزيز اكتشافات الغاز والبترول المحلية (وزارة البترول المصرية)
مصر تخطط لتعزيز اكتشافات الغاز والبترول المحلية (وزارة البترول المصرية)

تسعى مصر لتنفيذ خطة لتعزيز الإنتاج المحلي وجذب الاستثمارات الأجنبية الكبرى في مجال «استكشافات» البترول والغاز بشكل موسع، خشية تعرضها لمشكلات نقص الوقود مع التحسب لأي توترات خارجية قد تؤثر على معدلات الاستيراد.

وكشف مجلس الوزراء المصري في تقرير، السبت، عن تبني خطة لحفر 480 بئراً خلال السنوات الخمس المقبلة باستثمارات تتجاوز 5.7 مليار دولار، تتضمن حفر 101 بئر استكشافية خلال عام 2026 بما يسهم في زيادة الإنتاج ورفع كفاءة عمليات الاستكشاف، مشيراً إلى أنه خلال العام الماضي تم توقيع 21 اتفاقية جديدة باستثمارات 1.1 مليار دولار.

ووصل إنتاج مصر من الغاز الطبيعي إلى ذروته بنحو 7.2 مليار قدم مكعبة يومياً عام 2021، وفق إحصاءات وزارة البترول المصرية، قبل أن يتراجع إلى نحو 5.6 مليار قدم مكعبة في منتصف 2024، مما أدى إلى انكماش الفائض القابل للتصدير.

ويُقدر إنتاج مصر من الغاز الطبيعي حالياً بنحو 4.2 مليار قدم مكعبة يومياً، بينما يبلغ الطلب المحلي حالياً نحو 6.2 مليار قدم مكعبة يومياً، مع تراجع طلب محطات الكهرباء للوقود، وانخفاض درجات الحرارة، وفقاً لتقارير حكومية.

واحتدم الجدل في مصر الشهر الماضي، حول مصير «صفقة استيراد الغاز الإسرائيلي» مع تلويح رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بـ«عدم المضيّ في الاتفاق من دون موافقته الشخصية»، وفقاً لما نشرته وسائل إعلام عبرية.

وكشف موقع «ناتسيف نت» العبري، الخميس، «أن إسرائيل خفّضت صادرات الغاز الطبيعي إلى مصر بسبب أعمال صيانة دورية في حقل (تمار) في البحر المتوسط»، مشيرةً إلى أن «تدفقات الغاز اليومية من إسرائيل إلى مصر انخفضت بنحو الثلث على مدى 12 يوماً، جرّاء إغلاق جزئي لصمام الغاز من الحقل».

وفي شهر يونيو (حزيران) الماضي، توقف إنتاج الغاز من الحقول الإسرائيلية في البحر المتوسط لأسباب أمنية مرتبطة بتصاعد التوترات الإقليمية، مع بدء الضربات الإسرائيلية على إيران، مما أدى إلى انقطاع كامل في إمدادات الغاز الإسرائيلي إلى مصر، قبل أن تعود بعد نحو أسبوعين.

وقال مصدر مطلع بوزارة البترول المصرية، لـ«الشرق الأوسط»، إن «التوجه نحو التركيز على الإنتاج المحلي يدعم خفض الفاتورة الاستيرادية وعدم التأثر بأي توترات خارجية، وهو أمر بدأت الوزارة في تنفيذه منذ فترة، وهناك خطة مستقبلية لضمان الاكتفاء الذاتي والتصدير إلى الخارج».

وارتفعت فاتورة صافي واردات الطاقة المصرية أكثر من الضعف خلال العام الماضي لتبلغ 11.3 مليار دولار، وفقاً لأرقام رسمية، فيما أعلن رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي في شهر أغسطس (آب) الماضي، أن حكومته «ستسعى إلى إعادة إنتاج النفط والغاز إلى المستويات السابقة خلال العام الحالي».

وتستورد مصر حالياً أيضاً نحو 1.1 مليار قدم مكعبة يومياً من الغاز عبر الأنابيب من إسرائيل، على أن ترتفع الكمية تدريجياً إلى 1.2 مليار قدم مكعبة يومياً اعتباراً من يناير (كانون الثاني) المقبل، بموجب اتفاق معدل بين الجانبين تم توقيعه في يوليو (تموز) 2025، ويستمر حتى عام 2040، ويتضمن الاتفاق زيادة الكميات الإجمالية بنحو 4.6 تريليون قدم مكعبة، مشروطة بتوسعة البنية التحتية.

وزير البترول المصري كريم بدوي يتوسط العاملين في حقل «ظُهر»... (وزارة البترول المصرية)

وقال خبير أسواق الطاقة، رمضان أبو العلا، «إن التوترات الإقليمية التي تتحسب لها مصر تتعلق أيضاً بعدم استيراد دول الاتحاد الأوروبي الغاز الروسي، ومن المتوقع أن يخلق ذلك (سوقاً موازية)، بمعنى أن الولايات المتحدة تهدف لتصدير الغاز إلى أوروبا بثلاث أضعاف سعره، وكذلك الوضع بالنسبة إلى تركيا التي تستورد الغاز من روسيا ومن المتوقع أن تصدره بضعف سعره».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «أن توقف أوروبا تماماً عن استيراد الغاز الروسي سيقود إلى ارتباك في الأسواق تسعى مصر لتجاوزه من خلال التركيز على الإنتاج المحلي، خصوصاً مع توقعات بارتفاع الأسعار وهي ستكون مؤقتة وستنخفض مرة أخرى بعد فترة وجيزة».

وصادقت أغلبية البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي خلال اجتماع لوزراء الطاقة الأوروبيين في لوكسمبورغ، الاثنين الماضي، على حظر استيراد الغاز الطبيعي الروسي إلى دول الاتحاد بحلول نهاية عام 2027، ورغم أن الاتحاد الأوروبي خفض اعتماده على الطاقة الروسية بنسبة 90 في المائة منذ 2022، فإن التكتل استورد ما تتعدى قيمته 11 مليار يورو من الطاقة الروسية منذ بداية عام 2025.

وفيما يتعلق بالخطة المصرية القائمة على تعزيز الاكتشافات المحلية، أكد أبو العلا أن «خطة وزارة البترول المصرية جيدة، ونأمل أن تحقق المرجوّ منها، لكنَّ هناك مؤشرات على أن الاكتشافات التي تم الإعلان عنها، أخيراً، أقل من الطموحات المتوقعة ولا تضاهي اكتشاف (حقل ظهر) الذي ينتج يومياً 3 مليارات قدم مكعبة».

فيما أكد وزير البترول المصري الأسبق، أسامة كمال، لـ«الشرق الأوسط» أن الخطة «المصرية لتعزيز الاستكشافات المحلية تهدف إلى تقليل فاتورة الاستيراد والتعامل مع أي تقلبات في أسواق النفط العالمية، خصوصاً مع نجاح الحكومة في حل أزمة متأخرات الشركات الأجنبية العاملة في مجال التنقيب، وهو ما يفتح الباب أمام عودة عملها بشكل طبيعي في مصر».

وحسب تقرير الحكومة المصرية، فإن «شركات عالمية مثل (إيني) و(بي بي) أعلنت ضخ استثمارات تقدر بـ13 مليار دولار خلال الفترة المقبلة في مجال الاستكشافات، في وقت تخطط فيه الدولة لرفع إجمالي صادرات البتروكيماويات إلى 4.2 مليار دولار بحلول 2030، لترسيخ مكانة مصر مركزاً إقليمياً للطاقة في المنطقة».


مقالات ذات صلة

ألمانيا: انخفاض مستويات ملء خزانات الغاز ليس مدعاة للقلق

الاقتصاد تزيد ألمانيا من اعتمادها على استيراد الغاز الطبيعي المسال (رويترز)

ألمانيا: انخفاض مستويات ملء خزانات الغاز ليس مدعاة للقلق

أشارت تقديرات وزيرة الاقتصاد الألمانية كاترينا رايشه، إلى أن الانخفاض النسبي في مستويات ملء خزانات الغاز الألمانية ليس مدعاة للقلق.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد تمتلك «توتال إنرجيز» الفرنسية محفظة عالمية من الغاز الطبيعي المسال يمكنها إعادة توجيه الشحنات عند الضرورة لتجنب أي معوقات (رويترز)

«توتال»: مشترو الغاز المسال يعطون الأولوية لأمن الإمدادات على السعر

قال مسؤول تنفيذي ‌في ‌شركة ‌النفط ⁠الفرنسية ‌«توتال إنرجيز»، ‍إن ‍الأزمات الجيوسياسية تدفع ‍مَن يشترون الغاز الطبيعي المسال إلى إعطاء الأولوية ⁠لأمن الطاقة.

«الشرق الأوسط» (غوا (الهند))
الاقتصاد أصوات أوروبية تنتقد إحلال أميركا محل روسيا في واردات الغاز لأوروبا (إكس)

مفوض الطاقة الأوروبي يعرب عن «قلق متزايد» بشأن الاعتماد على الغاز الأميركي

صرّح مفوض الطاقة في الاتحاد الأوروبي، دان يورغنسن، الأربعاء، بأن المخاوف تتزايد من اعتماد أوروبا المفرط على الولايات المتحدة في مجال الغاز الطبيعي المسال.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد تسعى «بي بي» للحصول على ترخيص لتطوير حقل غاز في فنزويلا (رويترز)

«بي بي» و«شل» تسعيان للحصول على تراخيص لحقول غاز مشتركة بين ترينيداد وفنزويلا

قال وزير الطاقة في ترينيداد وتوباغو، إن شركتَي «شل» و«بي بي» تسعيان للحصول على تراخيص من ​الولايات المتحدة لاستخراج الغاز الطبيعي من حقول في بلاده وفي فنزويلا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد منشأة غاز تابعة لشركة «وودسايد إنرجي» للنفط والغاز الأسترالية (الموقع الإلكتروني لـ«وودسايد إنرجي»)

إيرادات «وودسايد» الأسترالية للطاقة تتجاوز التوقعات رغم تراجع أسعار النفط

أعلنت شركة «وودسايد» الأسترالية للطاقة، الأربعاء، أن إيرادات الربع الرابع من العام الماضي، فاقت التوقعات، بفضل دعم الإنتاج القوي، رغم انخفاض أسعار النفط والغاز.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الأحزاب الجزائرية الكبرى تتخطى خلافاتها وتدعو إلى «تحصين الداخل»

من اجتماع قيادة «مجتمع السلم الإسلامي» (إعلام حزبي)
من اجتماع قيادة «مجتمع السلم الإسلامي» (إعلام حزبي)
TT

الأحزاب الجزائرية الكبرى تتخطى خلافاتها وتدعو إلى «تحصين الداخل»

من اجتماع قيادة «مجتمع السلم الإسلامي» (إعلام حزبي)
من اجتماع قيادة «مجتمع السلم الإسلامي» (إعلام حزبي)

شهدت الساحة السياسية الجزائرية مطلع الأسبوع نشاطاً مكثفاً لقادة الأحزاب الكبرى؛ حيث توافقت مواقف أحزاب السلطة والمعارضة حول ملفات الساعة، وأبرزت التصريحات الميدانية إجماعاً على أن مواجهة التهديدات الخارجية تتطلب «يقظة وطنية» وجبهة داخلية متماسكة تتجاوز الخلافات السياسية.

ودعت قيادة «مجتمع السلم» الإسلامي المعارض، خلال اجتماع لـ«مجلس شورى» الحزب بالعاصمة، إلى «إصلاح سياسي جاد يضمن الحريات العامة والفردية، واستقلالية المؤسسات ونزاهة وشفافية المسار الانتخابي»، كما أكدت على «تمسك الحركة بخطّها الوطني الإصلاحي القائم على النضال السلمي».

وتحمل تلك العبارات إشارة ضمنية إلى هجمات حادة تعرض لها الحزب في الآونة الأخيرة في سلسلة مقالات لوكالة الأنباء الرسمية بسبب مواقفه من أداء السلطة التنفيذية، خصوصاً ما يتعلق بالسياسة الخارجية، وقضايا الحريات في الداخل. وعدت هذه المقالات عاكسة لاستياء السلطة من الحزب الإسلامي المعروف باعتداله.

كما أكّد الحزب على «ضرورة تبني مقاربات اقتصادية واجتماعية ناجعة، تستجيب لانشغالات المواطن، وتحمي قدرته الشرائية». وطالب كذلك بـ«تعزيز التدابير والإجراءات الكفيلة بحماية الأمن القومي الوطني، وقيادة مبادرات جادة لتمتين الجبهة الداخلية، من خلال التخلي عن خطاب الكراهية، ومحاربة صناعة الاستقطاب، مع ترسيخ خطاب جامع يعزز التماسك المجتمعي والاستقرار الوطني».

ويعني هذا الطرح، حسب قياديين في الحزب، «تحصين الصفّ في ظل ظرف وطني وإقليمي حساس، من خلال تعزيز حماية الأمن القومي بمفهومه الشامل، السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وليس الأمني فقط».

كما أكد القياديون على «نبذ خطاب الكراهية ومحاربة الاستقطاب الحاد الذي يهدد وحدة المجتمع»، مقابل ترسيخ خطاب وطني جامع يقوم على التماسك والحوار واحترام الاختلاف، بما يضمن الاستقرار الوطني ويمنع استغلال التوترات الداخلية للمساس بأمن البلاد ومصالحها العليا.

وتناول «مجلس الشورى» أيضاً انتخابات البرلمان والبلدية المقررة هذا العام، مؤكداً أنها «محطة لتجديد النخب والمؤسسات السياسية، وفرصة ثمينة للإصلاح والتغيير... وبناء جزائر صاعدة».

رئيس «التجمع من أجل الديمقراطية» (إعلام حزبي)

وفي الذكرى الـ37 لتأسيسه، قال حزب «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» المعارض، في بيان، إنه تشكل في «مواجهة الصعاب»، معلناً رفض «القمع والتهميش، ومقاومة كل محاولات إسكات من يرفضون الخضوع والنسيان».

وأضاف البيان أن «الوضع الراهن، في ظل تراجع الحريات الديمقراطية، وتقييد الفعل السياسي، وتآكل معنى المواطنة، يستدعي التوحد والمضي قدماً في الدفاع عن الديمقراطية والقيم المدنية».

من جهته، حذّر الأمين العام لحزب «جبهة التحرير الوطني»، عبد الكريم بن مبارك، في فعالية بالعاصمة، من تداعيات الأوضاع في منطقة الساحل، عادّاً أن «التهديدات الجديدة لم تعد حبيسة الحدود، بل أصبحت تمس الأمن الإقليمي برمته»، في إشارة إلى الاضطرابات السياسية في مالي وصراع سلطته العسكرية مع الجماعات المتشددة.

الأمين العام لـ«جبهة التحرير الوطني» (إعلام حزبي)

ويرى الحزب، المؤيد بقوة لسياسات الرئيس عبد المجيد تبون، أن منطقة الساحل تمر بتحولات عميقة تفرض على الجزائر يقظة دائمة ورؤية استراتيجية، منطلقاً من قناعة بأن الأمن القومي لم يعد مفهوماً عسكرياً تقليدياً، بل هو منظومة متكاملة تشمل الأبعاد السياسية والتنموية.

وفي هذا الصدد، أبرز بن مبارك «أدوار الجزائر المحورية الثلاثة المتمثلة في الوساطة، وقيادة التعاون الإقليمي، وتمويل مشروعات التنمية في المنطقة». وشدد على «ثوابت السياسة الخارجية الجزائرية». وتتمثل، حسبما قال، في «رفض عسكرة الأزمات وبناء القواعد الأجنبية، والتمسك بمبادئ احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها».

وفي تجمع بولاية تيارت، الواقعة على بعد 300 كيلومتر غرب العاصمة، أكّد الأمين العام لحزب «التجمع الوطني الديمقراطي» (غالبية رئاسية)، منذر بودن، أن الجزائر «تواجه حملات استهداف ممنهجة تطول مشاريعها الكبرى، وفي مقدمتها مشروع غارا جبيلات الاستراتيجي».

وهذا المشروع هو خطة لاستخراج المعادن من منجم كبير، جنوب غربي البلاد، تم البدء باستغلاله مطلع العام الجديد. ويثير المشروع جدلاً حاداً في أوساط الخبراء حول تكلفة استخراج المعادن ومردوده الاقتصادي.

ووفق بودن، «يثير نجاح الجزائر في تنويع اقتصادها مخاوف قوى إقليمية ودولية»، من دون توضيح من يقصد.

وشدّد على أن «حماية هذه المكتسبات ليست مسؤولية رئيس الجمهورية وحده، بل هي معركة جماعية تقتضي اليقظة والاعتماد على الكفاءات في تسيير الشأن العام».


المسيّرات تُعيد رسم ميزان القوى في حرب السودان

جنود تابعون للجيش السوداني في شوارع مدينة القضارف شرق البلاد في 14 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)
جنود تابعون للجيش السوداني في شوارع مدينة القضارف شرق البلاد في 14 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)
TT

المسيّرات تُعيد رسم ميزان القوى في حرب السودان

جنود تابعون للجيش السوداني في شوارع مدينة القضارف شرق البلاد في 14 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)
جنود تابعون للجيش السوداني في شوارع مدينة القضارف شرق البلاد في 14 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

في الحرب السودانية، لم تعد السماء مسرحاً قتالياً ثانوياً يشرف على محاور القتال الأرضي، بل تحوّل القتال الجوي إلى محور قائم بذاته، تُدار فيه معارك تعتمد على المعلومات والقتال بلا طيارين.

وخلال العام الماضي وبداية العام الحالي، ظلّت المسيّرات تلعب دوراً متزايداً في رسم إيقاع القتال، ليس فقط عبر ضرب أهداف محددة هنا أو هناك، بل من خلال إرباك خطوط الإمداد، وكشف التحركات، وفرض «تهديد دائم» يشتّت القوات ويُغيّر التكتيكات القتالية.

ولم يعد التطور الأبرز مقصوراً على مَن يمتلك المسيّرات، بل على مَن يمتلك أيضاً ما يعطلها، مثل قدرات الدفاع الجوي وإمكانات الاعتراض، وأدوات التشويش، وهذا ما جعل من مسرح العمليات في إقليمي دارفور وكردفان بيئة مثالية لقتال المسيّرات.

نازحون من منطقة هجليج غرب السودان ينتظرون تلقي مساعدات إنسانية في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف (أ.ف.ب)

دارفور وكردفان

للإجابة عن سؤال جوهري: «أيّ الطرفين يستطيع توظيف القتال الجوي المسيَّر لتحقيق مكاسب حاسمة على الأرض تُغير موازين القوى؟ أم أن الطرفين سيتجهان معاً إلى حرب استنزاف تقنية متبادلة؟».

وتُشير تقارير وتحقيقات المصادر المفتوحة إلى أن «قوات الدعم السريع» طوّرت قدراتها في القتال الجوي وتهديد خصمها جوّاً. فمن جهة، وثقت صور أقمار اصطناعية وتحليلات خبراء وجود نشاط للمسيّرات، وإنشاءات وحظائر مرتبطة بها في محيط مدينة نيالا، مع بروز مؤشرات على حصول «الدعم السريع» على طائرات مسيّرة طويلة المدى ومتطورة، ومنصات لإطلاقها قرب المدينة.

ويرى اللواء المتقاعد المعتصم عبد القادر، أن المسيّرات باتت سلاحاً حاسماً، لما تتميز به من دقة وتكلفة أقل مقارنة بالطيران الحربي، فضلاً عن عدم ترتب خسائر بشرية كبيرة على استخدامها. وأشار إلى ما سماه نمط القتال الحديث الذي يتجه نحو «حروب مسيّرات وصواريخ».

وقال عبد القادر لـ«الشرق الأوسط»، إن تشغيل المسيّرات الاستراتيجية، الكبيرة منها على وجه الخصوص، «يتطلب معرفة تقنية عالية» لا تتوفر لدى «قوات الدعم السريع»، ما يضطرها أحياناً إلى الاستعانة بمشغلين أجانب.

وأوضح أن الجيش ضيق بمسيّراته الخناق على «قوات الدعم السريع» في كردفان ودارفور، ما دفعها إلى استهداف المرافق المدنية أكثر من تحقيق أثر عسكري مباشر.

وأضاف عبد القادر: «لكن تحسن تسليح الجيش، وتبدل مواقف البيئة الإقليمية، يدفعان نحو ترجيح كفته، وتوقع دور أكبر للمسيّرات والمدفعية في المرحلة المقبلة».

عمال يزيلون ركاماً في مساعٍ لاستعادة البنية التحتية بالعاصمة السودانية الخرطوم في 11 يناير 2026 (أ.ف.ب)

حرب استنزاف تقنية

ويرى محللون محليون أن معارك دارفور وكردفان تُمثل نموذجاً مثالياً لفهم معادلة «حروب السماء»، إذ إن السماء «قد تمنح أحد الطرفين دفعة كبيرة، لكنها قد تحوّل الحرب أيضاً إلى حرب استنزاف تقنية طويلة الأمد».

وتشير مصادر صحافية إلى امتلاك «قوات الدعم السريع» قدرات دفاع جوي وأنظمة تشويش متطورة قادرة على إسقاط أو تعطيل مسيّرات الجيش. وتتمثل هذه القدرات في منظومات محمولة وخفيفة، تحدثت عنها تقارير محلية، من بينها صواريخ محمولة على الكتف مضادة للطائرات، مثل «سام 7»، جرى التعرّف عليها ضمن عتاد تركته «الدعم السريع» في مناطق كانت تسيطر عليها.

ولا يحتاج هذا النوع من المنظومات إلى بنية رادارية معقدة، لكنه يُشكل في الوقت نفسه خطراً حقيقياً على الطائرات والمسيّرات، إذ يضطرها إلى التحليق على ارتفاعات أعلى، أو ضمن مسارات غير متوقعة، أو يعرضها للإسقاط.

كما تمتلك «قوات الدعم السريع» منظومات دفاع قصيرة المدى أكثر تعقيداً وتطوراً. ووفقاً لتقارير صحافية أميركية، فإن «الدعم السريع» باتت تمتلك أنظمة قادرة على تهديد الطيران.

وذكرت هذه التحقيقات منظومات صينية، مثل «FK-2000»، ضمن تدفّق أسلحة متقدمة إلى ساحات القتال في السودان، من دون أن تربط أي عملية إسقاط لمسيّرة بهذا الطراز تحديداً، الذي يُعد قفزة في قدرات الدفاع الجوي لدى «قوات الدعم السريع»، إلى جانب الحديث عن منصّات التشويش ومقاومتها.

صورة من الأقمار الاصطناعية تظهر طائرات مسيّرة «انتحارية» بعيدة المدى ومعدات إطلاقها شمال مطار نيالا بالسودان 6 مايو 2025 (رويترز)

اعتراض مسيّرات

وتتفق مصادر متعددة على أن الجيش استخدم بدوره مضادات طيران لاعتراض مسيّرات في مدن خاضعة لسيطرته، كما حدث في مدينة بورتسودان في مايو (أيار) 2025. ونقلت وكالة «رويترز» حينها أن الجيش أعلن أنه اعترض مسيّرات، وأن شهوداً سمعوا إطلاق صواريخ مضادة للطائرات، من دون الكشف عن أنواع المنظومات المستخدمة.

وفي سبتمبر (أيلول) 2025، نقلت صحيفة «سودان تربيون» عن مصادر عسكرية، أن الجيش بدأ نشر مسيّرات محلية مطوّرة مقاومة للتشويش خلال معارك كردفان ودارفور. وعلى وجه التحديد، تحدثت مصادر محلية وتقارير حديثة عن أسلحة مضادة للطائرات المسيّرة، شوهدت أثناء هجمات بمسيّرات على مدينة الأُبيّض، كبرى مدن إقليم كردفان، ما أوحى بأن الاعتراض لم يعد حدثاً نادراً، بل بات جزءاً من روتين القتال.

ويثير إسقاط طرازات كبيرة ومتطورة، مثل «بيرقدار أكينجي»، جدلاً واسعاً؛ إذ أعلنت «قوات الدعم السريع» مراراً إسقاط مسيّرات من هذا الطراز، ونقلت ذلك عنها مصادر مستقلة، من بينها «سودان تربيون»، بما في ذلك إسقاط مسيّرة فوق سماء مدينة نيالا في يناير (كانون الثاني) الحالي، من دون تحديد المنظومة التي استُخدمت في إسقاطها، مع ترجيحات بأنها «أنظمة صينية قصيرة المدى».

وتكشف حرب المسيّرات في السودان عن وجود أنظمة دفاع جوي يتردد أنها خليط من طرازات «MANPADS» وأنظمة أقوى، ما يرفع تكلفة الطيران المسيّر ويجبره على تغيير الارتفاعات والمسارات وأنماط الاستخدام.

وفي الوقت نفسه، يتضح أن التشويش ومقاومته باتا سلاحاً موازياً، فقد نُقل أخيراً عن الجيش أنه امتلك مسيّرات «مضادة للتشويش»، ما طوّر المعركة إلى صراع بين منظومات اتصال وتحكّم وتشويش، وليس فقط بين مسيّرات وصواريخ.

مركبات مدمرة خارج مبنى وزارة المالية بعد مرور نحو 3 سنوات على اشتعال الحرب في السودان (أ.ف.ب)

«بيانات النزاعات المسلحة»

ويشير تقرير «مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة» (ACLED) إلى تصاعد كبير في ضربات المسيّرات، وإلى أثرها المباشر على المدنيين، مؤكداً أنها باتت عنصراً مركزياً في الحرب، من دون أن تكون قادرة وحدها على حسمها، قبل أن تتمكن من إحداث شلل لوجيستي يصيب العدو، ويؤدي إلى انهيار قدرته على المناورة على الأرض.

ويرى المهندس المهتم بالشؤون العسكرية أسعد التاي، أن المسيّرات لعبت دوراً كبيراً في تغيير ميزان القوى على الأرض في السودان. وقال لـ«الشرق الأوسط» إنها ساعدت الجيش على الانتقال من مرحلة التراجع إلى المبادرة، ولا سيما في مدينة أم درمان.

ويوضح التاي أن «قوات الدعم السريع» بدورها طوّرت استخدامها للمسيّرات بعد انتقالها إلى دارفور، مضيفاً: «الحسم بالمسيّرات ممكن إذا رافقه تقدم بري، وإلا فإن سباق المسيّرات والدفاعات المضادة قد يحوّل الحرب إلى استنزاف متبادل بلا حسم».

ولمّح نائب القائد العام للجيش وعضو مجلس السيادة الفريق شمس الدين كباشي إلى هذا التحوّل، قائلاً في تصريحات، يوم السبت، إن ما تحقق في مدينة الدلنج بجنوب كردفان وفك حصارها يُمثّل «تقدماً كبيراً للقوات المسلحة».

وأكد الرجل الثاني في الجيش أن المرحلة التالية من العمليات تتمثل في التوجه نحو كادوقلي، عاصمة جنوب كردفان. ووفقاً لحديثه، فإن فك الحصار يُعد تحولاً في مسار العمليات، وإشارة غير مباشرة إلى الدور المحوري للمسيّرات في إسناد القوات، وتسهيل تقدمها على الأرض.

غير أن ما يُحذّر منه مراقبون هو أن امتلاك الطرفين لمسيّرات متنوعة ومنظومات إسقاط واعتراض، في بيئة تسمح بعمليات التعطيل والتشويش، قد يحوّل «حرب السماء» إلى حرب تقنية متبادلة تطيل أمد القتال، وتلحق خسائر فادحة بالمدنيين، وتفاقم الأزمة الإنسانية.


لماذا حجبت مصر لعبة «روبلوكس»؟

طفل يمسك بهاتف جوال أمام شاشة تعرض إحدى الشخصيات في لعبة «روبلوكس» (رويترز)
طفل يمسك بهاتف جوال أمام شاشة تعرض إحدى الشخصيات في لعبة «روبلوكس» (رويترز)
TT

لماذا حجبت مصر لعبة «روبلوكس»؟

طفل يمسك بهاتف جوال أمام شاشة تعرض إحدى الشخصيات في لعبة «روبلوكس» (رويترز)
طفل يمسك بهاتف جوال أمام شاشة تعرض إحدى الشخصيات في لعبة «روبلوكس» (رويترز)

أعلن مسؤول مصري، اليوم (الأحد)، عن اتخاذ إجراءات لحجب منصة الألعاب الإلكترونية «روبلوكس» في مصر، بعد طلب نائبة بالبرلمان حجب اللعبة لحماية القيم الأخلاقية، وكذلك بعد عرض عمل فني يوضح إساءة استخدام اللعبة ضد الأطفال.

وقال عصام الأمير، وكيل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام المصري، خلال جلسة لمجلس الشيوخ (أحد مجلسَي البرلمان)، إن المجلس اتَّخذ إجراءات بالتعاون مع وزارة الاتصالات لحجب منصة «روبلوكس».

كانت ولاء هرماس، عضو مجلس الشيوخ المصري، قد قدمت اقتراحاً لتقنين أوضاع منصة الألعاب الإلكترونية «روبلوكس»، بهدف حماية القيم الأخلاقية والتربوية للأطفال والنشء، والحد من المخاطر النفسية والسلوكية المرتبطة باستخدام المنصة، وتنظيم عمل منصات الألعاب الإلكترونية بشكل عام.

وناقشت لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في مجلس الشيوخ المقترح، وعرضت النائبة مذكرة قدمت تعريفاً بطبيعة المنصة، ورصداً للمخاطر والآثار السلبية المرتبطة بها، أبرزها المحتوى غير المناسب للأطفال، وإتاحة التواصل المباشر مع غرباء، والتأثيرات النفسية والسلوكية على المستخدمين صغار السن.

وأكد تقرير لجنة التعليم والبحث العلمي والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات -وفقاً لموقع «الشروق»- أهمية إطلاق الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات حملات توعوية موجهة للأسر والأطفال حول ثقافة الأمان الرقمي، ومخاطر التفاعل مع الغرباء.

وأشار التقرير البرلماني إلى أنه في ظل التحول الرقمي المتسارع، وهيمنة البيئات الافتراضية على اهتمامات الأجيال الجديدة، برزت منصة «روبلوكس» بوصفها من أبرز الظواهر الرقمية العالمية التي تجاوزت مفهوم ألعاب الفيديو التقليدية؛ لتتحول إلى منظومة تفاعلية متكاملة، تجمع بين الترفيه والإبداع والتواصل الاجتماعي والاقتصاد الرقمي.

وأفاد التقرير بأن المنصة أتاحت لملايين المستخدمين -ولا سيما الأطفال والمراهقين- إمكانية الانتقال من دور اللاعب المستهلك إلى دور المبدع والمطوِّر، عبر تصميم عوالم افتراضية وتجارب رقمية تشاركية باستخدام أدوات برمجية مبسطة نسبياً؛ حيث يقوم المستخدمون أنفسهم بإنتاج المحتوى وتداوله، وتحقيق عائدات مالية حقيقية من خلاله.

وتابع التقرير: «فمن أبرز هذه المخاطر احتمال التعرض لمحتوى غير ملائم للفئة العمرية، إلى جانب إمكانية التواصل مع أشخاص مجهولين، الأمر الذي قد يفتح المجال لسلوكيات غير لائقة، مثل التنمر أو الاستغلال والابتزاز، وقد يؤدي إلى إنفاق مالي غير مدروس».

«لعبة وقلبت بجد»

التحرك البرلماني بخصوص منصة الألعاب الإلكترونية «روبلوكس» جاء بالتزامن مع عرض مسلسل باسم «لعبة وقلبت بجد» أظهر مخاطر وجود الأطفال داخل المنصة لساعات، بعيداً عن أعين الأهل والرقابة الأسرية، ما قد يضعهم في طريق كبار سن يستغلون المنصة في عمليات ابتزاز وتحرش.

وعرض المسلسل -ضمن السياق الدرامي- استدراجاً لأحد الأطفال عن طريق المنصة بهدف اختطافه، وحالة أخرى لاستدراج طفلة من قبَل شخص كبير في السن لديه حساب على المنصة، بغرض التحرش بها.

«لا يوجد نظام مثالي»

ويصف موقع المنصة الإلكتروني لعبة «روبلوكس» بأنها «الكون الافتراضي المطلق»؛ حيث يمكن للمستخدمين أن «يكونوا أي شيء يمكنهم تخيله».

وقال متحدث باسم المنصة، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس»: «تتبع (روبلوكس) نهجاً متعدد الطبقات لفرض معايير المجتمع، من خلال الجمع بين المشرفين البشريين، وتقارير المستخدمين، ونماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة. ونشجع المستخدمين على الإبلاغ عن أي سلوك أو محتوى يخالف معايير مجتمعنا، حتى نتمكن من التحقيق واتخاذ إجراء فوري».

وأضاف: «لا يوجد نظام مثالي، ولكننا نعمل يومياً على تعزيز حماية مستخدمينا».

حظر وتقييد

المنصة جذبت انتباه دول عدة حول العالم؛ خصوصاً بعد انتشارها الكبير بين الأطفال؛ فقد حجبت بعض الدول المنصة، مثل العراق، وروسيا، وأضافت دول أخرى قيوداً على المنصة.

وأطلقت هيئة حماية المستهلك الهولندية، يوم الجمعة، تحقيقاً بشأن منصة «روبلوكس» لمعرفة ما إذا كانت منصة الألعاب الشهيرة تبذل جهوداً كافية لحماية الأطفال، في ظل تقارير عن تعرضهم لمحتوى عنيف وجنسي.

وقالت هيئة الأسواق والمستهلكين الهولندية، إن تحقيقها سيفحص «المخاطر المحتملة للمستخدمين القُصَّر في الاتحاد الأوروبي»، ومن المرجح أن يستمر نحو عام.

وأضافت الهيئة في بيان: «تتصدر المنصة الأخبار بشكل منتظم. على سبيل المثال، بسبب مخاوف بشأن الألعاب العنيفة أو الصريحة جنسياً التي يتعرض لها القُصَّر».

وتشمل المخاوف الأخرى لدى الهيئة الهولندية -وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»- تقارير عن استهداف البالغين سيئي النية الأطفال على المنصة.