هل يمهّد «الإفراج المشروط» عن الإيرانية في فرنسا لصفقة تبادل محتملة؟

باريس تلزم الصمت... ومحاكمة إسفندياري في يناير المقبل

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو خارجاً الاثنين من قصر الإليزيه بعد مشاركته في اجتماع مجلس الوزراء (د.ب.أ)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو خارجاً الاثنين من قصر الإليزيه بعد مشاركته في اجتماع مجلس الوزراء (د.ب.أ)
TT

هل يمهّد «الإفراج المشروط» عن الإيرانية في فرنسا لصفقة تبادل محتملة؟

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو خارجاً الاثنين من قصر الإليزيه بعد مشاركته في اجتماع مجلس الوزراء (د.ب.أ)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو خارجاً الاثنين من قصر الإليزيه بعد مشاركته في اجتماع مجلس الوزراء (د.ب.أ)

في 28 فبراير (شباط) الماضي، أُلقي القبض على المواطنة الإيرانية مهدية إسفندياري، البالغة من العمر 39 عاماً، في مدينة ليون، في حين كانت تستعد للعودة إلى طهران. وُضعت لاحقاً رهن الحبس الاحتياطي، ووُجهت إليها التهم نفسها الموجهة إلى مواطنَين فرنسيين اثنين أُوقفا في الفترة ذاتها.

وقبل توقيفها، فُتح تحقيق قضائي بحقها في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي؛ ما يعني أنها كانت خاضعة لرقابة مشددة طوال الأشهر الفاصلة بين بدء التحقيق واعتقالها. وتشمل التهم الموجهة إليها، وإلى المواطنين الفرنسيين الآخرين، تمجيد الإرهاب والتحريض عليه، وهي تهم مرتبطة بالحرب في غزة.

مجموعة من الطلاب يحضرون تجمعاً لدعم الطالبة الإيرانية المسجونة في فرنسا مهدية إسفندياري أمام السفارة الفرنسية في طهران (رويترز)

وأُقفل ملف التحقيق في 8 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، وأحال القاضي المكلّف بالقضية الأشخاص الثلاثة إلى المحكمة الجنحية، على أن تُعقد جلسات محاكمتهم بين 13 و16 يناير (كانون الثاني) المقبل.

أما التهم الموجهة إليهم فهي أربع: «تمجيد عمل إرهابي عبر الإنترنت»، و«التحريض المباشر عبر الإنترنت على ارتكاب عمل إرهابي»، و«الإساءة العلنية لمجموعة بسبب الأصل أو العرق أو الأمة أو الدين»، إضافة إلى تهمة «تكوين عصابة أشرار». ووفقاً للقانون الفرنسي، قد تصل عقوبة كل تهمة من هذه التهم إلى السجن سبع سنوات، فضلاً عن غرامة مالية تبلغ 100 ألف يورو.

«عملية للمقايضة؟»

لم يتأخر رد إيران على اعتقال إسفندياري؛ إذ سارعت إلى اعتباره «غير قائم على أساس» و«تعسفياً»، وظلت تطالب بإطلاق سراحها منذ ذلك الحين. وكانت إسفندياري، المولودة في إيران، قد قدمت إلى فرنسا كطالبة، ثم طورت لاحقاً أنشطة مهنية متعددة، من بينها رعاية الأطفال وتأسيس شركة متخصصة في الترجمة والترجمة الفورية والتعليم الجامعي.

وخلال تفتيش منزلها عُثر على أكثر من 2000 يورو نقداً، وهو مبلغ لا يُعد مخالفة قانونية ما دام مصدره مشروعاً. ومنذ ذلك الحين، راجت تحليلات تشير إلى أن اعتقال إسفندياري جاء رداً على احتجاز مجموعة من الفرنسيين في إيران - بلغ عددهم خمسة - وأن توقيفها كان وسيلة للضغط على طهران وتسهيل عملية تبادل محتملة بين الجانبين.

ولم يبقَ اليوم من بين هؤلاء المعتقلين الفرنسيين سوى اثنين: الأستاذة والناشطة النقابية سيسيل كولر، ورفيقها جاك باريس، وهو أستاذ متقاعد ما زال ناشطاً نقابياً. وقد اعتُقلا في 8 مايو (أيار) 2022، في اليوم الأخير من زيارة سياحية قاما بها إلى إيران.

وعلى غرار الموقف الإيراني، طالبت فرنسا، عبر رئيس الجمهورية ووزارة الخارجية، إيران بالإفراج عن «رهينتَي الدولة» كما تصفهما. ولم يتردد وزير الخارجية جان نويل بارو مؤخراً في تحذير طهران من أن تعاطي باريس مع ملفاتها، ولا سيما الملف النووي، مرهون بمصير المواطنين الفرنسيين المحتجزين لديها.

«صفقة التبادل»

بقيت الأمور تراوح مكانها حتى الشهر الماضي، حين برزت مؤشرات إيجابية عدة؛ أولها إعلان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في مقابلة تلفزيونية يوم 11 سبتمبر (أيلول)، أن صفقة لتبادل السجناء بين فرنسا وإيران «وصلت إلى مراحلها الأخيرة»، مشيراً إلى أنها تتضمن الإفراج عن إسفندياري مقابل سجناء فرنسيين محتجزين في إيران.

ولم يحدد عراقجي موعداً دقيقاً لـ«عملية التبادل»، لكنه رجح تنفيذها في الأيام القليلة المقبلة. وقبل ذلك بثلاثة أيام، كانت محكمة إيرانية قد برّأت الشاب الفرنسي - الألماني لينارت مونترلوس من تهمة «التجسس»، وأطلقت سراحه. كما صدرت تصريحات متبادلة من طهران وباريس تفيد بتحقيق تقدم في المفاوضات.

المواطن الفرنسي - الألماني لينارت مونترلوس (19 عاماً) يغادر مع والدَيه (في الأمام) مطار شارل ديغول في ضواحي باريس (أ.ف.ب)

وكان لافتاً أيضاً إعلان محكمة العدل الدولية أن فرنسا سحبت الدعوى التي كانت قد قدّمتها ضد إيران، وذلك عقب اجتماع جرى بين الرئيس إيمانويل ماكرون ونظيره الإيراني في نيويورك، في خطوة فُسّرت على أنها تمهيد لصفقة تبادل محتملة.

وفي 6 من الشهر الجاري، أعلن الجانب الإيراني أنه يأمل الإفراج القريب عن السجينين الفرنسيين، بالتوازي مع استكمال الإجراءات اللازمة لإطلاق سراح مهدية إسفندياري، في حين أكدت باريس أن «تقدماً تحقق في المفاوضات مع إيران» بشأن هذا الملف.

تحت الرقابة القضائية

غير أن الأجواء تلبّدت في 14 من الشهر الجاري عقب الإعلان، من طهران، عن الحكم المذهل الصادر بحق كولر وباريس (31 و30 سنة من الحبس) بتهم التجسس لصالح المخابرات الفرنسية، وخصوصاً التعامل مع «العدو الصهيوني» (إسرائيل) وأجهزته الأمنية.

واللافت أن باريس انتظرت ثلاثة أيام قبل التعليق على الحكم، واضطرت إلى ذلك تحت ضغط تحركات عائلتَي الرهينتين ولجان الدفاع عنهما. وراجت تفسيرات تفيد بأن الصمت الفرنسي كان جزءاً من تمهيد لصفقة محتملة تشمل كولر وباريس.

وفي الثلاثاء الماضي، صرّح وحيد جلال زاده، مساعد وزير الخارجية الإيراني للشؤون القنصلية، بأن «وزير الخارجية أكد إدراج اسم إسفندياري ضمن قناة تبادل السجناء بين إيران وفرنسا»، مشيراً إلى أن «بلاده أعدّت حزمة سياسية وقنصلية ينبغي للطرفين تنفيذها».

أما المفاجأة الثانية، فجاءت الأربعاء من باريس؛ إذ أمرت المحكمة الجنحية بـ«الإفراج المشروط» عن مهدية إسفندياري، على أن تُوضع تحت الرقابة القضائية، مع منعها من السفر، واحتجاز جواز سفرها، وإلزامها بالتقدم دورياً إلى أحد مراكز الشرطة لإثبات وجودها على الأراضي الفرنسية، وذلك في انتظار محاكمتها المقررة بين 13 و16 يناير 2026.

وقد رحبت وزارة الخارجية الإيرانية بقرار القضاء الفرنسي، وأكدت في بيان أنها «ستواصل جهودها حتى تمكينها من العودة إلى الوطن».

مرة أخرى، التزمت باريس الصمت مجدداً، وكأن هذا التطور القضائي غير ذي أهمية، وهو ما فسّره البعض بأن الحكومة تتحجج بعدم التدخل في شؤون القضاء.

امرأة تمرّ أمام ملصقات لسيسيل كولر وجاك باريس المحتجزَين بإيران أمام «الجمعية الوطنية» في باريس يوم 7 مايو 2025 (رويترز)

بيد أن نبيل بودي، محامي إسفندياري، في تفاصيل القرار، أكد أنه نجح في إقناع المحكمة بالإفراج المشروط عن موكلته مقابل خضوعها للرقابة القضائية. وأضاف أن النيابة العامة، الممثلة للدولة، عارضت بشدة هذا القرار، خشية فرار إسفندياري، إلا أن المحكمة لم تأخذ بحججها.

وقال بودي إن المحكمة «اقتنعت بمرافعتنا، واعتبرت أن مدة الحبس الاحتياطي كانت طويلة جداً بالنظر إلى الوقائع المنسوبة إليها».

يبقى السؤال مطروحاً والاحتمال قائماً، في حين تتحدث إيران عنه علناً؛ إذ ليس سراً اعتمادها أحياناً على ما يعرف بـ«دبلوماسية الرهائن». وما يدعم هذا الاحتمال أن إيران لم يكن بوسعها الإفراج عن الرهينتين قبل صدور الحكم بحقهما، وهذا ما حصل فعلاً.

ورغم أن النظام الجنائي الفرنسي لا يتضمن أحكاماً خاصة بتبادل الرهائن، فإن هناك دائماً مجالاً لإيجاد مخرج قانوني يتيح تبرير مثل هذه الخطوات.

وتؤكد باريس في العلن أنها لا تعترف بعمليات تبادل ولا بدفع فدية مقابل الإفراج عن محتجزين، لكن ما تثبته التجارب السابقة أن النصوص شيء، والواقع شيء آخر.


مقالات ذات صلة

طهران تُطلع دولاً إقليمية على مستجدات مفاوضات مسقط

شؤون إقليمية فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)

طهران تُطلع دولاً إقليمية على مستجدات مفاوضات مسقط

أجرى وزير الخارجية عباس عراقجي اتصالات هاتفية منفصلة مع وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا، أطلعهم خلالها على أحدث التطورات المتعلقة بالمفاوضات غير المباشرة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)

فانس: ترمب وحده يحدد «الخطوط الحمراء» في مفاوضات إيران

قال نائب الرئيس الأميركي إن قرار تحديد «الخطوط الحمراء» في أي مفاوضات مع إيران بيد الرئيس دونالد ترمب حصراً، في وقت تصاعد الجدل حول مسار التعامل مع ملف إيران.

هبة القدسي ( واشنطن)
الولايات المتحدة​ الولايات المتحدة تصدر إرشادات جديدة للسفن التجارية التي تعبر مضيق هرمز (رويترز)

أميركا تصدر إرشادات جديدة للسفن العابرة لمضيق هرمز

أصدرت الولايات المتحدة اليوم الاثنين إرشادات جديدة للسفن التجارية التي تعبر مضيق هرمز مع تزايد التوتر بين واشنطن وطهران بشأن برنامج إيران النووي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يلتقط صورة تذكارية مع أعضاء اللجنة المركزية لجبهة الإصلاحات وتقف إلى جانبه آذر منصوري ويبدو شكوري راد وخلفه العلم الإيراني بحضور مسؤولين وناشطين آخرين نوفمبر 2024 (الرئاسة الإيرانية)

توسع نطاق الاعتقالات في صفوف الناشطين الإصلاحيين في إيران

وسعت السلطات الإيرانية خلال الأيام الأخيرة حملة الاعتقالات بحق شخصيات وناشطين من التيار الإصلاحي شملت قيادات حزبية وبرلمانيين سابقين.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)

خامنئي يحذر من حرب إقليمية ويدعو للتماسك الداخلي

دعا المرشد الإيراني علي خامنئي، يوم الاثنين، الإيرانيين إلى إظهار التماسك الداخلي في ذكرى انتصار ثورة 1979، معتبراً أن التهديدات الأميركية بالحرب «ليست جديدة».

«الشرق الأوسط» (لندن-طهران)

خامنئي: الاحتجاجات محاولة انقلابية من تدبير أميركا وإسرائيل

خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
TT

خامنئي: الاحتجاجات محاولة انقلابية من تدبير أميركا وإسرائيل

خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)
خامنئي واقفاً على قدميه يوجه خطاباً متلفزاً للإيرانيين بمناسبة ذكرى الثورة اليوم (موقع المرشد)

قال المرشد الإيراني علي خامنئي إن الاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها البلاد كانت محاولة انقلابية من تدبير الولايات المتحدة وإسرائيل.

وأضاف خامنئي، في خطاب تلفزيوني، أن ما جرى «لم يكن احتجاجات عفوية، بل مخطط أميركي - صهيوني»، معتبراً أن الهدف كان استهداف مفاصل حساسة في إدارة البلاد.

وتزامن خطاب خامنئي مع حملة اعتقالات طالت شخصيات إصلاحية بارزة، ضمنها آذر منصوري، رئيسة «جبهة الإصلاحات»، وبرلمانيون ومسؤولون سابقون، على خلفية مواقفهم من احتجاجات يناير (كانون الثاني).

وفي يريفان عاصمة أرمينيا، قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن الرئيس دونالد ترمب هو «الجهة الوحيدة» التي ستحدد «الخطوط الحمراء» في أي مفاوضات مع إيران.


طهران تُطلع دولاً إقليمية على مستجدات مفاوضات مسقط

فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
TT

طهران تُطلع دولاً إقليمية على مستجدات مفاوضات مسقط

فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)
فيدان وعراقجي خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول أمس (رويترز)

أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اتصالات هاتفية منفصلة مع وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا، أطلعهم خلالها على أحدث التطورات المتعلقة بالمفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة التي استضافتها مسقط.

وأفادت وزارة الخارجية الإيرانية، في بيان، بأن عراقجي وصف محادثات مسقط بأنها «بداية جيدة»، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة معالجة حالة انعدام الثقة حيال نيات وأهداف الجانب الأميركي.

وبحسب البيان، رحّب وزراء خارجية الدول الثلاث بانطلاق المفاوضات، مؤكدين أهمية استمرارها للتوصل إلى حل سياسي ودبلوماسي، وتجنب أي تصعيد، ومشيرين إلى أن نجاح هذه المحادثات يمثل عاملاً مهماً لاستقرار وأمن المنطقة.

في سياق متصل، قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في مقابلة متلفزة، الاثنين، إنه لا يبدو أن هناك تهديداً وشيكاً بالحرب بين الولايات المتحدة وإيران، معتبراً أن الباب قد «فُتح قليلاً» أمام إمكانية التوصل إلى اتفاق.

ونقلت وكالة أنباء «الأناضول» عن الوزير قوله رداً على سؤال عما إذا كان يعتقد أن أياً من الطرفين يحاول كسب الوقت: «كلاهما، هذا جزء من الاستراتيجية». وأضاف فيدان: «عند الدخول في مثل هذا النوع من المحادثات، يكون هناك استعداد وتحضير للسيناريو الآخر»، مشيراً إلى أن إيران لديها تجربة؛ فقد تعرضت للهجوم سابقاً أثناء إجرائها محادثات، في إشارة إلى الضربة التي وجهتها الولايات المتحدة لإيران في يونيو (حزيران) الماضي، والتي استهدفت المواقع النووية الإيرانية. لكن الوزير التركي قال إن الشيء الإيجابي بشأن المفاوضات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران قبل عدة أيام هو أن الأطراف أبدت إرادة للاستمرار في التفاوض.

وتابع: «كان قرار بدء (المفاوضات) من الملف النووي قراراً مهماً؛ فالملف النووي هو (القضية الأهم)»، محذّراً من أن المنطقة لا تحتمل اندلاع حرب جديدة، وقال فيدان: «نريد استخدام جميع الإمكانات لمنع أي حرب محتملة».

واستضافت العاصمة العُمانية مسقط يوم الجمعة جولة مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، واتفق الطرفان على استئناف المحادثات، على أن يتم تحديد الموعد والمكان في وقت لاحق.


فانس: ترمب وحده يحدد «الخطوط الحمراء» في مفاوضات إيران

نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
TT

فانس: ترمب وحده يحدد «الخطوط الحمراء» في مفاوضات إيران

نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)
نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)

قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن قرار تحديد «الخطوط الحمراء» في أي مفاوضات مع إيران يعود حصراً إلى الرئيس دونالد ترمب، في وقت تتصاعد فيه التصريحات الأميركية بشأن اقتراب طهران من امتلاك قدرات نووية، ما يعيد الجدل داخل واشنطن حول مسار التعامل مع الملف الإيراني.

وكان ترمب قد قال، مساء الأحد، إن إيران كانت على وشك امتلاك سلاح نووي «في غضون شهر» قبل الضربة الأميركية التي استهدفت منشآتها النووية في يونيو (حزيران) الماضي، وهو ما أعاد إثارة النقاش حول كيفية إدارة هذا الملف، الذي يُعد أحد أبرز التحديات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.

وحين سُئل فانس عمّا إذا كانت الولايات المتحدة ستقبل بأي مستوى محدود من تخصيب اليورانيوم الإيراني في إطار المفاوضات، أم أن ذلك يُعد «خطاً أحمر»، قال: «أعتقد أن الرئيس سيتخذ القرار النهائي بشأن تحديد الخطوط الحمراء في المفاوضات». وأضاف، في تصريحات للصحافيين خلال زيارته أرمينيا يوم الاثنين: «سأترك للرئيس أن يوضح بدقة النقطة التي سيحددها كخط فاصل في المفاوضات».

وينقسم الفريق داخل البيت الأبيض إلى معسكرين رئيسيين: «الصقور» الذين يدعون إلى توجيه ضربات عسكرية حاسمة لتقويض القدرات النووية والصاروخية لطهران، و«الحمائم» الذين يفضلون مسار التفاوض الدبلوماسي للتوصل إلى اتفاق يمنع التصعيد الإقليمي.

ويضاف إلى هذا الانقسام ضغط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يدفع باتجاه شروط صارمة، ملوّحاً بضربات أحادية إذا لم تلبِّ المفاوضات مطالبه.

قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) المسؤولة عن العمليات في الشرق الأوسط الأدميرال براد كوبر إلى جانب المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر صهر ومستشار الرئيس الأميركي على متن حاملة طائرات «أبراهام لينكولن» (البحرية الأميركية_أ.ف.ب)

ومع اقتراب لقاء ترمب ونتنياهو في واشنطن، الأربعاء المقبل، يترقب مراقبون الاتجاه الذي قد يسلكه «رجل الصفقات»، في ظل تحذيرات محللين أميركيين بارزين من مخاطر التصعيد، مقابل دعوات أخرى لتغليب المسار الدبلوماسي.

فريق الصقور

يتكون فريق دعاة الضربات العسكرية من معسكر «الصقور» داخل الإدارة الأميركية والجناح الأكثر تشدداً، الذين يعدون الضغط العسكري السبيل الوحيد لكبح جماح إيران. ويتصدر هذا التيار وزير الدفاع بيت هيغسيث، الذي أكد في تصريحات حديثة أن البنتاغون «مستعد تماماً» للتحرك إذا رفضت طهران المفاوضات، مشيراً إلى خيارات عسكرية تشمل ضرب قوات الأمن والقيادة، ومنشآت الصواريخ الباليستية، أو برنامج التخصيب النووي.

وينضم إليه مستشارون متشددون في القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، قدموا للرئيس ترمب خيارات «حاسمة» تتضمن ضربات وقائية وأهدافاً من شأنها شل القدرات الصاروخية الإيرانية. كما يشاركهم هذا التوجه وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي يشكك في جدوى أي مفاوضات لا تتناول ملف الصواريخ والوكلاء الإقليميين، معتبراً أن الضغط العسكري أداة أساسية. ويؤكد هذا الفريق أن الدبلوماسية وحدها قد تفضي إلى «شرعنة» النظام الإيراني، لا سيما في أعقاب قمع الاحتجاجات الذي أودى بحياة أكثر من 6400 متظاهر منذ ديسمبر (كانون الأول) 2025.

سيناريوهات للضربات

وضع فريق «الصقور» في الإدارة الأميركية سيناريوهات متعددة للضربات، تقوم أساساً على توجيه هجمات من مجموعة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن»، إضافة إلى قاذفات قنابل استراتيجية تنطلق من قواعدها أو من قواعد أوروبية. وتشمل حزم الضربات الأميركية استخدام طائرات شبحية وذخائر موجهة بدقة، إلى جانب قصف منسّق يهدف إلى إرباك الدفاعات الجوية الإيرانية مع تقليص خسائر الطائرات الأميركية إلى أدنى حد.

ويقول مسؤولون في البنتاغون إن التطورات التكنولوجية في الأسلحة فرط الصوتية، إلى جانب التقدم في مجالات الحرب الإلكترونية والسيبرانية، من شأنها أن تمنح الولايات المتحدة مزايا كبيرة. ومع ذلك، يعتقد هؤلاء المسؤولون أن إيران استعدت لمثل هذا السيناريو عبر تحصين وتوزيع أصولها الحيوية، وبناء هياكل قيادة احتياطية، وتطوير منشآت واسعة تحت الأرض قادرة على الصمود أمام الضربات الأولية.

حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ومجموعتها القتالية في منطقة عمليات القيادة المركزية الأميركية (أ.ف.ب)

فريق الحمائم

في المقابل، يدافع فريق «الحمائم» عن مسار دبلوماسي يقوم على مبدأ «السلام من خلال القوة»، مستخدمين التهديدات العسكرية أداةَ ضغط لا خياراً أولياً. ويقود هذا التوجه المبعوث الخاص ستيف ويتكوف، الذي وصف جولة المفاوضات غير المباشرة في مسقط، يوم الجمعة الماضي، بأنها «بداية جيدة».

وانضم جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترمب، إلى ويتكوف في زيارة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» في بحر العرب، في رسالة تؤكد أن المفاوضات تُدار تحت مظلة القوة العسكرية، مع تركيزها على التوصل إلى اتفاق يقتصر على الملف النووي. كما يدعم نائب الرئيس جي دي فانس هذا النهج، محذّراً من أن الضربات المتسرعة قد تفضي إلى نتائج عكسية.

ويؤكد فريق «الحمائم» أن المطالب الأميركية تشمل وقف التخصيب، والحد من برنامج الصواريخ، وإنهاء دعم الحلفاء الإقليميين، في حين تصرّ إيران على أن الصواريخ والقضايا الإقليمية «غير قابلة للتفاوض».

ويحذّر الفريق من أن توجيه ضربات عسكرية قد يدفع إيران إلى استخدام إحدى أقوى أوراقها، وهو إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 21 مليون برميل من النفط يومياً، أي ما يقارب 21 في المائة من الإمدادات العالمية، وهو ما قد ينعكس بارتفاع حاد في أسعار النفط إلى مستويات قد تبلغ 200 دولار أو أكثر للبرميل، بما يخلّف أضراراً اقتصادية جسيمة. ورغم إيمان «الحمائم» بتفوّق القدرات العسكرية الأميركية وعدم قدرة إيران على تحقيق نصر عسكري، فإنهم يشيرون إلى قدرة طهران على جعل أي انتصار أميركي مكلفاً للغاية.

وتنقل مصادر في البيت الأبيض أن فريق ويتكوف يشدّد على إمكانية اتخاذ قرارات عقلانية عبر المفاوضات، ويرى أن إيران لن تخاطر بتعطيل الملاحة في مضيق هرمز لما ينطوي عليه ذلك من أضرار بالغة بالاقتصاد الإيراني تفوق الأضرار التي قد تلحق باقتصادات خصومها. كما عرض ويتكوف مقترحات طرحها دبلوماسيون كبار من مصر وتركيا وقطر، تقضي بأن توقف إيران تخصيب اليورانيوم لمدة ثلاث سنوات، وتنقل مخزونها المخصّب إلى خارج البلاد، وتتعهد «بعدم البدء» باستخدام الصواريخ الباليستية.

وفي السياق نفسه، شكّكت صحيفة «نيويورك تايمز» في صبر ترمب على خوض مفاوضات طويلة، لكنها أشارت إلى حاجته لوقت من أجل تعزيز القوات الأميركية في المنطقة والاستعداد لمختلف سيناريوهات الرد الإيراني، مرجّحة منحه فرصة للدبلوماسية، وإن كانت مع شكوك حول مدتها.

جدوى المفاوضات

أشار الجنرال جاك كين، المحلل في شؤون الأمن القومي لدى شبكة «فوكس نيوز»، صباح الاثنين، إلى أن فتح باب المفاوضات مع إيران مرحلة تكررت سابقاً قبل بدء عملية «مطرقة منتصف الليل»، معرباً عن تشككه في جدواها. وقال: «أعتقد أن دوافع إيران في هذا المسار مزدوجة؛ أولاً إطالة أمد المفاوضات قدر الإمكان لتأجيل أي عملية عسكرية أميركية، بما يتيح لطهران الاستعداد بشكل أفضل للدفاع، وثانياً السعي إلى إبرام نوع من الاتفاق مع الأميركيين يمنحها تخفيفاً للعقوبات، وهو هدفها الواضح، لأن اقتصادها في حالة يرثى لها، ولا أمل في تعافيه».

صورة مجمعة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)

وشدّد الجنرال السابق، الذي شغل منصب رئيس أركان الجيش الأميركي بين عامي 1999 و2003، على أن الخيار المفضّل هو الخيار العسكري، معتبراً أنه حتى في حال التوصل إلى اتفاق مع الإيرانيين «فإنهم سيغشّون ولن يتوقفوا عن زعزعة استقرار الشرق الأوسط»، وأن تمديد عمر النظام لسنوات أخرى «أمر غير منطقي».

وأضاف أن الخيار الأفضل، من وجهة نظره، هو تهيئة الظروف لانهيار النظام الإيراني، مرجّحاً تنفيذ عملية مشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة، مع الاستمرار في نقل الموارد العسكرية إلى المنطقة تحسباً لأي ردّ انتقامي إيراني، والتأكد من أن العملية العسكرية لن تكون محدودة أو قصيرة الأمد، بل حملة شاملة ذات هدف معلن يتمثل في تهيئة ظروف انهيار النظام الإيراني بكل مكوّناته وداعميه، وتدمير قدراته العسكرية، ولا سيما الصاروخية.