الجزائر لتجاوز خلافاتها مع «الأوروبي» عبر شراكة ضمن «ميثاق المتوسط»

بعد انسداد الحوار بين الطرفين وتلويح «المفوضية» باللجوء إلى التحكيم الدولي

السفير الأوروبي لدى الجزائر مع وزير خارجيتها (الخارجية الجزائرية)
السفير الأوروبي لدى الجزائر مع وزير خارجيتها (الخارجية الجزائرية)
TT

الجزائر لتجاوز خلافاتها مع «الأوروبي» عبر شراكة ضمن «ميثاق المتوسط»

السفير الأوروبي لدى الجزائر مع وزير خارجيتها (الخارجية الجزائرية)
السفير الأوروبي لدى الجزائر مع وزير خارجيتها (الخارجية الجزائرية)

تبحث الجزائر والاتحاد الأوروبي سبل تجاوز نزاع اقتصادي حاد، ذي خلفية سياسية، من خلال إيجاد مجالات جديدة للتعاون في إطار ما يُعرف بـ«الاتحاد من أجل المتوسط»، في وقت تتجه فيه العلاقات بين الجانبين نحو مزيد من التعقيد، بعد تهديد المفوضية الأوروبية باللجوء إلى التحكيم الدولي؛ بسبب توقف الجزائر عن استيراد عدد من المواد والسلع الأوروبية.

تحت مسمى «شراكة استراتيجية متميزة»، تناولت جرائد جزائرية، يومي الأربعاء والخميس، خلاصة لقاء جرى في العاصمة بين سفير الاتحاد الأوروبي في الجزائر دييغو ميلادو وصحافييها، حيث أكد الدبلوماسي أن المفوضية الأوروبية تقترح على الجزائر «تحالفاً مميزاً من خلال ميثاق من أجل البحر الأبيض المتوسط»، وهو مشروع أعلنت عنه حكومة الاتحاد في 16 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تقترح من خلاله «تحديثاً للشراكة الأوروبية المتوسطة، حتى يصبح التعاون أكثر فاعلية» بين أوروبا وجنوب المتوسط.

سفير الاتحاد الأوروبي في الجزائر أثناء لقائه عدداً من الصحافيين (سفارة الاتحاد)

وأوضح ميلادو، وفق ما نقلته الصحف، أن المفوضية «تريد تحالفاً مع الجزائر يرتكز على الاقتصاد والاستثمار والتجارة، على أن يتم الحفاظ على اتفاق الشراكة»، الذي تم التوقيع عليه في 2022، وبدأ تنفيذه في 2005.

* «أوروبا لا تعتزم نقض اتفاق الشراكة مع الجزائر»

قال ميلادو إن اتفاق الشراكة «مستمر وهو من المكاسب القائمة. والكثير من عناصر هذا الاتفاق مذكورة في الميثاق الجديد»، مؤكداً على «ضرورة الالتزام بالتعهدات عبر إنجازات ملموسة وبناء روابط جديدة»، ومشيراً إلى أن الهدف «هو تطوير وتحديث وتعميق ما هو قائم بالفعل»، في إشارة إلى اتفاق الشراكة والعلاقات في مجال الطاقة تحديداً، بحكم أن الجزائر تعد من الشركاء الأساسيين للاتحاد الأوروبي في هذا المجال.

وأوضح الدبلوماسي الأوروبي أن «المكتسبات الحالية مهمة، وهذا الميثاق يشكل إطاراً جديداً لاتفاق الشراكة، حيث يمكن من خلاله تحسين الكثير من الجوانب التجارية»، مع التركيز على البعد الجيوسياسي، وأهمية طمأنة المستثمرين الأوروبيين.

رئيس «المجلس الأوروبي» خلال زيارته الجزائر 5 سبتمبر 2022 (الرئاسة الجزائرية)

والهدف من هذا الميثاق، حسب ميلادو، هو بناء تنافس مشترك يحترم السيادة الاقتصادية للدول، في إطار مشروع ينتظر اعتماده سياسياً من طرف دول الاتحاد الأوروبي وشركائه في جنوب المتوسط خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، بمناسبة الذكرى الثلاثين لما يعرف بـ«عملية برشلونة»، وهي إطار للتعاون والشراكة بين الاتحاد الأوروبي ودول جنوب البحر الأبيض المتوسط، أُطلقت عام 1995 في مدينة برشلونة بإسبانيا.

وسيتم في العام المقبل الإعلان عن خطة عمل للميثاق، الذي يعتمد أساساً على المقاربة الثنائية. وفي هذا السياق قال ميلادو: «سيتعين على الدول الشريكة للاتحاد مناقشة كل خطوة مع الاتحاد بوصفه كتلةً إقليمية». مبرزاً أن «البعد الثنائي في هذا الميثاق مهم جداً، فلا يمكننا الاعتماد بعد الآن على بعض العلاقات السابقة، بل يجب بناء علاقات جديدة. هذا قرار من الاتحاد الأوروبي».

بسبب تصاعد الأزمات الجيوسياسية في أوروبا، وتنامي سياسات الحماية الاقتصادية، يعمل الاتحاد الأوروبي على تعزيز وجوده في مناطق جديدة، حسب ما جاء في مقال صحيفة «الوطن»، الذي تناول اللقاء مع السفير الأوروبي، مؤكدة أن الجزائر «بادرت بتقديم مقترحات أكدت فيها على أهمية أن تقوم العلاقات على مبدأ المساواة والندية». وبهذا الخصوص، قال السفير الأوروبي إن الجزائر كانت من أوائل الدول التي قدمت خريطة طريقها للميثاق، وهي تمتلك رؤية واضحة واستراتيجية. هذه معادلة جديدة تصب في صالح الجزائر»، خاصة في ظل تركيز الميثاق على تعزيز العلاقات في مجال الطاقة، ودعم الجزائر في التحول الطاقوي ومكافحة آثار التغير المناخي.

ولم يستبعد ميلادو زيارة محتملة للمفوض الأوروبي للطاقة إلى الجزائر، كما أشار إلى اهتمام الاستثمارات التعدينية الفنلندية والسويدية بالجزائر، ضمن أولويات الاتحاد الأوروبي، التي تم عرضها يوم 16 أكتوبر الحالي من قِبل المفوضية الأوروبية.

الجزائر تشكو من «عبء الاتفاق مع أوروبا»

يُطرَح هذا المقترح الجديد للتعاون، حسب مراقبين، بوصفه حلاً لتجاوز الخلاف العميق الذي يميز علاقات الجزائر والاتحاد الأوروبي منذ أكثر من عام. ففي 20 مارس (آذار) 2024، أعلنت المفوضية الأوروبية عن فتح إجراء رسمي لتسوية نزاع مع الجزائر استناداً إلى اتفاق الشراكة، يستهدف سياسات تجارية وتنظيمية تبنتها الجزائر منذ عام 2021، يراها الاتحاد الأوروبي مخالفة لمبادئ حرية التجارة والمساواة في المعاملة.

ممثل السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي السابق في لقاء سابق مع الرئيس الجزائري (الرئاسة الجزائرية)

وفي 17 من يوليو (تموز) الماضي، أبلغت المديرية العامة للتجارة في المفوضية الأوروبية السلطات الجزائرية ببدء إجراء تحكيم رسمي، على خلفية ما عدّته قيوداً على التجارة والاستثمار تنتهك أحكام الاتفاق.

وتركز اعتراضات الاتحاد الأوروبي على الجزائر، أساساً، حول نظام رخص الاستيراد، الذي تبنته السلطات الجزائرية خلال السنوات الأخيرة، والذي تعدّه بروكسل تمييزياً؛ إذ أدى عملياً إلى منع استيراد فئات عدة من السلع، مثل السيارات والمعدات، والمنتجات الزراعية المحّلة. كما تنتقد أوروبا الشروط المحلية للإنتاج، ونسب الإدماج المرتفعة المفروضة على المستثمرين الأجانب، خصوصاً في قطاع السيارات، إضافة إلى تحديد سقف لحصة المساهمة الأجنبية في شركات الاستيراد؛ وهو ما أجبر الكثير من الشركات الأوروبية على فقدان السيطرة على فروعها، أو الانسحاب من السوق الجزائرية.

وتشمل المآخذ الأوروبية أيضاً عوائق غير جمركية، تصفها المفوضية الأوروبية بأنها «غامضة أو تعسفية»، مثل التأخيرات الإدارية، والمعايير التقنية المقيِّدة، والإجراءات الجمركية غير المنتظمة. ويرى الاتحاد الأوروبي أن «هذه الممارسات تتعارض مع اتفاق الشراكة الأورومتوسطي»، الذي ينص على التبادل المتكافئ وإزالة الحواجز التجارية تدريجياً بين الطرفين.

الرئيس الجزائري أكد خلال اجتماعه بحكومته مطلع السنة الحالية رغبة بلاده في تقاسم الأرباح مع أوروبا (الرئاسة)

وعبَّر وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، في يوليو الماضي، عن استغرابه من قرار الاتحاد الأوروبي اللجوء إلى التحكيم «بشكل متسرع وأحادي»، موضحاً في تصريحات للصحافة بأن «ستة من أصل ثمانية ملفات خلافية كانت في طريقها للحل، والجزائر قدمت مقترحات عملية بشأن ما يؤخذ دون تلقي رد أوروبي».

وانتقد عطاف «تجاوز الاتحاد لمجلس الشراكة»، عادَّاً ذلك «مخالفاً لروح ونص الاتفاق»، ودعا إلى عقد دورة عاجلة للمجلس «لإجراء تقييم شامل ومتوازن للقضايا ضمن الإطار القانوني للشراكة».

وكان عطاف قد تناول في مؤتمر صحافي عقده نهاية 2024، قضية «اختلال التوازن في تنفيذ اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي»، موضحاً أن الجزائر تكبَّدت خسائر تفوق 30 مليار دولار خلال 20 سنة بسبب تفكيك الرسوم الجمركية، مقابل استثمارات أوروبية لا تتعدى 13 مليار دولار، حسبه. لافتاً إلى أن الشركات الأوروبية حولت نحو 12 مليار دولار من الأرباح، منذ بدء تطبيق اتفاق الشراكة؛ ما جعل العائد الفعلي للجزائر لا يتجاوز مليار دولار فقط، ووصف الاتفاق بأنه «عبء على الجزائر».


مقالات ذات صلة

«إرهاب الدولة»... سابقة قضائية فرنسية تهدّد بنسف مسار التهدئة مع الجزائر

شمال افريقيا الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي قبل توتر العلاقات بين البلدين (أ.ف.ب)

«إرهاب الدولة»... سابقة قضائية فرنسية تهدّد بنسف مسار التهدئة مع الجزائر

دخلت العلاقات الجزائرية - الفرنسية، المتوترة أصلاً، فصلاً جديداً من التأزيم والتصعيد، أمس (الجمعة)؛ بسبب تصريح إعلامي مثير.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا من جلسة التصديق على تعديل قانون الانتخابات في الغرفة البرلمانية السفلى (البرلمان)

الجزائر تغلق منافذ السياسة في وجه «المال المشبوه»

بدأ أعضاء «مجلس الأمة» الجزائري (الغرفة العليا للبرلمان)، الخميس، مناقشة مشروع تعديل قانون الانتخابات، في خطوة تسبق استدعاء «الهيئة الناخبة».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا توقيع اتفاقين بين الجزائر وبلجيكا أحدهما يخص ترحيل المهاجرين السريين (وزارة الخارجية الجزائرية)

الجزائر وبروكسل تطويان عقدين من التعثر باتفاقية «تاريخية»

شهدت العلاقات الجزائرية-البلجيكية تحولاً استراتيجياً بارزاً بتوقيع اتفاقيتين جديدتين في بروكسل، يتصدرهما اتفاق مهم لإعادة قبول المهاجرين في وضعية غير قانونية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية التعادل السلبي خيّم على مواجهة المنتخب الجزائري ونظيره الأوروغوياني (أ.ب)

«ملحق المونديال»: التعادل السلبي يخيم على مواجهة الجزائر وأوروغواي

خيّم التعادل السلبي على المواجهة الودية القوية التي جمعت بين المنتخب الجزائري ونظيره الأوروغوياني مساء الثلاثاء في تورينو.

«الشرق الأوسط» (تورينو)
شمال افريقيا الرئيسان الجزائري والفرنسي قبل تفاقم التوترات بين البلدين (الرئاسة الجزائرية)

بعد عام من التعليق... الجزائر تستأنف استقبال المبعدين من فرنسا

شرعت الجزائر وباريس في فك عقدة أحد أبرز الملفات الخلافية العالقة منذ عام ونصف، وذلك رغم ظهور بوادر تصعيد جديدة مرتبطة بـ«قضية اليوتيوبر المعارض أمير دي زد».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

الجيش السوداني يعزز تعاونه عسكرياً مع سلطات غرب ليبيا

رئيس أركان قوات «الوحدة» الليبية صلاح النمروش مستقبلاً مدير استخبارات القوات المسلحة السودانية محمد علي صبير يوم الأحد (رئاسة الأركان بغرب ليبيا)
رئيس أركان قوات «الوحدة» الليبية صلاح النمروش مستقبلاً مدير استخبارات القوات المسلحة السودانية محمد علي صبير يوم الأحد (رئاسة الأركان بغرب ليبيا)
TT

الجيش السوداني يعزز تعاونه عسكرياً مع سلطات غرب ليبيا

رئيس أركان قوات «الوحدة» الليبية صلاح النمروش مستقبلاً مدير استخبارات القوات المسلحة السودانية محمد علي صبير يوم الأحد (رئاسة الأركان بغرب ليبيا)
رئيس أركان قوات «الوحدة» الليبية صلاح النمروش مستقبلاً مدير استخبارات القوات المسلحة السودانية محمد علي صبير يوم الأحد (رئاسة الأركان بغرب ليبيا)

عزّز الجيش السوداني تعاونه مع حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في غرب ليبيا برئاسة عبد الحميد الدبيبة بمحادثات مفاجئة تناولت سبل دعم التعاون العسكري والأمني بين البلدين.

وقالت رئاسة الأركان العامة التابعة لقوات حكومة «الوحدة الوطنية»، الأحد، إن رئيسها الفريق أول صلاح النمروش استقبل مدير الاستخبارات العسكرية للقوات المسلحة السودانية الفريق محمد علي صبير والوفد المرافق له، مشيرة إلى أن «الاجتماع رفيع المستوى خُصص لبحث سبل تعزيز التعاون العسكري والأمني بين البلدين الشقيقين».

جانب من اجتماع عسكري ليبي - سوداني رفيع المستوى في العاصمة الليبية يوم الأحد (رئاسة الأركان بغرب البلاد)

يأتي هذا اللقاء على خلفية انقسام سياسي وعسكري بين غرب ليبيا وشرقها الذي يسيطر عليه المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويواجه حفتر اتهامات بـ«التعاون» مع «قوات الدعم السريع» برئاسة محمد حمدان دقلو (حميدتي).

وعدّ مصدر مقرب من حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، هذا الاجتماع، «تحركاً مهماً من جانب الجيش السوداني في مواجهة (الدعم السريع) الذي يستفيد من حالة الانقسام العسكري والأمني في ليبيا»، حسب قوله.

وأجرى رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان أول زيارة رسمية إلى العاصمة الليبية طرابلس في 26 فبراير (شباط) 2024، التقى خلالها رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، وأجريا حينها مباحثات ثنائية تناولت «سبل تعزيز العلاقات الثنائية الممتدة بين البلدين ودعمها وتطويرها».

المنفي مستقبلاً البرهان في فبراير 2024 (المجلس الرئاسي الليبي)

واتفق حينها المنفي والبرهان على تبادل الوفود بين البلدين وتفعيل الاتفاقات الموقعة بينهما، كما تناولت المباحثات - التي حضرها وفدا البلدين - القضايا ذات الاهتمام المشترك، سعياً «لإحلال السلام والاستقرار في السودان والمنطقة»، حسب المجلس الرئاسي حينها.

وفي اللقاء الذي عُقد في مقر رئاسة الأركان في طرابلس (الأحد)، أكد النمروش على «عمق الروابط التاريخية والعلاقات الراسخة التي تجمع الشعبين الليبي والسوداني»، مشدداً على «أهمية تطوير التنسيق المشترك بما يخدم مصالح البلدين ويسهم في دعم الأمن والاستقرار في المنطقة».

ونقلت رئاسة الأركان أن الاجتماع تناول «بحث آليات تفعيل التعاون في مجالات تبادل المعلومات والتنسيق الأمني، بما يعزز من قدرة المؤسستين العسكريتين على مواجهة التحديات المشتركة»، كما اتفق الجانبان «على توسيع برامج التدريب العسكري وتبادل الخبرات، بهدف رفع كفاءة العناصر وتعزيز الجاهزية، في إطار شراكة استراتيجية تعكس متانة العلاقات الثنائية وتطلعاتها نحو مزيد من التعاون البنّاء».

وسبق وتجاهل «الجيش الوطني» الليبي الاتهامات التي تربطه بتقديم دعم لـ«قوات الدعم السريع» في السودان عقب تقارير تحدثت عن استخدام مهبط للطائرات في مطار الكفرة، بجنوب شرق ليبيا، منصة لوجستية لتعزيز السيطرة على مدينة الفاشر، في سياق الحرب الأهلية السودانية.

كانت وكالة «رويترز» قد ذكرت في تقرير لها في ديسمبر (كانون الأول) الماضي أن «خط الإمداد عبر الكفرة كان محورياً في تعزيز سيطرة (الدعم السريع) على مدينة الفاشر؛ ما أتاح لها ترسيخ وجودها في دارفور»، وهي الاتهامات التي تجاهلت القيادة العامة للجيش التعليق عليها.

ومنذ بداية الحرب الأهلية في السودان في أبريل (نيسان) 2023، تعرض «الجيش الوطني» الليبي لاتهامات متكررة بتقديم الدعم لـ«قوات الدعم السريع»، إلا أن القيادة العامة سارعت إلى نفي ذلك حينذاك، مؤكدة «استعدادها للوساطة» بين الأطراف السودانية لوقف القتال.


تداعيات حرب إيران... ارتفاع كبير في أسعار الخبز والوقود بالسودان

سودانيون يتلقون مساعدات من برنامج الأغذية العالمي في أم درمان يوم 11 مارس الماضي (أ.ف.ب)
سودانيون يتلقون مساعدات من برنامج الأغذية العالمي في أم درمان يوم 11 مارس الماضي (أ.ف.ب)
TT

تداعيات حرب إيران... ارتفاع كبير في أسعار الخبز والوقود بالسودان

سودانيون يتلقون مساعدات من برنامج الأغذية العالمي في أم درمان يوم 11 مارس الماضي (أ.ف.ب)
سودانيون يتلقون مساعدات من برنامج الأغذية العالمي في أم درمان يوم 11 مارس الماضي (أ.ف.ب)

عصفت موجة غلاء بالأسواق في السودان، بعد نحو أسبوع من ارتفاع تكاليف النقل جراء زيادة كبيرة في أسعار الوقود، تاركة المواطن العادي يرزح تحت وطأة أسعار وُصفت بأنها «غير مسبوقة».

وقفزت أسعار الخبز بواقع 50 جنيهاً للرغيف الواحد، وحددت السلطات رسمياً سعر أربعة أرغفة بمبلغ 1000 جنيه سوداني، أي ما يزيد على دولارين، وهي زيادة تثقل كاهل المواطن بمزيد من الأعباء المعيشية في وقت لا تزال رحى الحرب تدور في البلاد.

وعزا المتحدث باسم «اتحاد أصحاب المخابز»، عصام الدين عكاشة، هذه الزيادة إلى تأثر البلاد بارتفاع أسعار الوقود عالمياً بسبب الحرب الإيرانية، وقال: «هذه الأوضاع تسببت في ارتفاع تكاليف النقل داخلياً، التي أدت بدورها إلى ارتفاع سعر الدقيق ومستلزمات إنتاج الخبز الأخرى، على نحو دفع باتجاه زيادة سعر رغيف الخبز».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «نخشى في ظل استمرار الحرب بالمنطقة من زيادات أكثر في التكاليف قد تدفع أصحاب المخابز إلى بيع ثلاثة أرغفة بسعر 1000 جنيه».

من جانبه قال فتح الرحمن البدري، صاحب مخبز، لــ«الشرق الأوسط» إن زيادة أسعار الخبز طُبقت في العاصمة الخرطوم وكل ولايات البلاد، مضيفاً: «الزيادات غير المسبوقة في التكاليف أجبرتنا على اتخاذ هذا القرار الصعب بزيادة تسعيرة الخبز لتقليل خسارتنا».

وأشار البدوي إلى أنه خلال الأسبوعين الماضيين ارتفع سعر جوال طحين القمح زنة 25 كيلوغراماً من 59 ألف جنيه إلى 73 ألف جنيه، (الدولار يساوي 3500 جنيه سوداني في السوق الموازية للعملات)، كما زاد سعر كرتونة الخميرة اللازمة لصناعة الخبز من 135 ألف جنيه إلى 166 ألفاً.

وأضاف أن أصحاب المخابز ظلوا طوال الأشهر الماضية يتحملون الزيادات المفروضة على أسعار الغاز من 2500 جنيه إلى 3300 جنيه، دون أن يفرضوا سعراً جديداً للخبز يتحمله المواطن.

وإلى جانب تكلفة الدقيق العالية، لا يزال أصحاب المخابز يواجهون مشاكل مستمرة في استقرار التيار الكهربائي، مما يضطرهم في بعض الأحيان لاستخدام الحطب لتشغيلها.

وعقب اندلاع الحرب في السودان بين الجيش و«قوات الدعم السريع» في أبريل (نيسان) 2023، توقف الإنتاج المحلي من القمح، ما دفع الحكومة إلى زيادة حجم استيراد الدقيق لتغطية الاستهلاك المحلي من الخبز.

الدخان يتصاعد من داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات سابقة بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني (رويترز)

وأرجع خبراء اقتصاديون ارتفاع أسعار الخبز والسلع الغذائية في السودان، مثله مثل كثير من الدول، إلى اضطراب إمدادات الوقود نتيجة للحرب الإيرانية، بجانب استمرار الحرب في الداخل، فضلاً عن تدهور قيمة الجنيه السوداني إلى مستويات «قياسية» مقابل العملات الأجنبية.

وأرجع الخبير الاقتصادي، محمد الناير، ارتفاع أسعار الوقود والخبز وغيره من المواد الغذائية إلى تأثر السودان بزيادة أسعار النفط عالمياً جراء الصراع في المنطقة، مشيراً في الوقت ذاته إلى ما تسببت فيه الحرب الدائرة بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» من تفاقم كبير في الأوضاع الاقتصادية بالبلاد.

وقال الناير لـ«الشرق الأوسط» إن الزيادة الكبيرة في أسعار السلع والخدمات تشكل عبئاً إضافياً على المواطن السوداني الذي أنهكته الحرب، وإن هذه المتغيرات الاقتصادية ستؤدي إلى ارتفاع نسبة التضخم بقوة، مما سينعكس على أسعار السلع التي يحتاجها السودانيون في معاشهم اليومي.

وفقد ملايين السودانيين وظائفهم ومصادر دخولهم جراء الحرب في الداخل، ما جعلهم يعانون أوضاعاً اقتصادية مريرة زادت قسوة بارتفاع «جنوني» في أسعار السلع والخدمات.

وتقول الأمم المتحدة إن أكثر من خمسة ملايين سوداني يواجهون خطر المجاعة، بينما يُعد 18 مليوناً آخرون في «مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي».


فرص تنافسية «محدودة» في مقترح نظام انتخابات المحليات المرتقبة بمصر

إحدى جلسات مجلس النواب المصري في مقره بالعاصمة الإدارية الجديدة (الصفحة الرسمية للمجلس)
إحدى جلسات مجلس النواب المصري في مقره بالعاصمة الإدارية الجديدة (الصفحة الرسمية للمجلس)
TT

فرص تنافسية «محدودة» في مقترح نظام انتخابات المحليات المرتقبة بمصر

إحدى جلسات مجلس النواب المصري في مقره بالعاصمة الإدارية الجديدة (الصفحة الرسمية للمجلس)
إحدى جلسات مجلس النواب المصري في مقره بالعاصمة الإدارية الجديدة (الصفحة الرسمية للمجلس)

تبدأ لجان مجلس النواب المصري، الاثنين، مناقشة مشروع قانون انتخابات المجالس المحلية، التي يُرتقب إجراؤها بعد غياب دام 18 عاماً، في ظل اتهامات لمشروع القانون المقدم من الحكومة، باعتماد نظام يخلق تنافسية سياسية «محدودة».

وتقضي بنود المشروع، التي تداولتها وسائل إعلام محلية، باعتماد نظام انتخابي مختلط يخصص 75 في المائة من مقاعد المجالس المحلية لنظام «القوائم المغلقة المطلقة»، مقابل 25 في المائة لنظام الانتخاب «الفردي». ويدافع مؤيدو هذا التوجه عن جدواه، معتبرين أنه يحقق «تمثيلاً أكثر توازناً»، في ضوء اختلاف طبيعة البيئة الانتخابية بين الانتخابات البرلمانية والمحلية.

في المقابل، أثار المشروع مخاوف لدى عدد من السياسيين من احتمال هيمنة الأحزاب الكبرى على نتائج الانتخابات عبر نظام القوائم، خصوصاً في ضوء التجربة البرلمانية الأخيرة، التي خُصص فيها 50 في المائة من المقاعد لنظام القوائم، وأسفرت عن سيطرة الأحزاب الكبرى الموالية للحكومة، بينها «مستقبل وطن» و«الجبهة الوطنية» و«حماة الوطن»، على التمثيل داخل مجلسي النواب والشيوخ.

يقول مدحت الزاهد، القيادي في «الحركة المدنية» المعارضة، ورئيس حزب «التحالف الشعبي»، إن حزبه سبق أن تقدم بمشروع قانون خلال دورة برلمانية سابقة لمعالجة مخاوف هيمنة الأحزاب الكبرى، عبر تبني نظام انتخابي مزدوج يجمع بين القائمة النسبية وإتاحة الفرصة للمستقلين.

وذهب الزاهد في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى اقتراح بديل آخر، وهو «الاستعانة بالنظام الفردي»، مؤكداً «رفض حزبه لما يتم تداوله بشأن مشروع القانون الحالي باعتباره لا يحقق التوازن المطلوب في التمثيل، ولا يضمن تكافؤ الفرص بين القوى السياسية والمستقلين».

وزيرة التنمية المحلية المصرية الدكتورة منال عوض ميخائيل في لقاء مع رئيس لجنة المحليات في مجلس النواب المصري محمود شعراوي في مارس الماضي (مجلس الوزراء المصري)

«التنافسية المحدودة» حال تطبيق هذا المقترح، حذر منها كذلك الدكتور عمرو هاشم ربيع، عضو «مجلس أمناء الحوار الوطني» السابق، ونائب رئيس «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «المقترحات المطروحة داخل البرلمان قد تفتح المجال أمام الأحزاب الكبرى للهيمنة على أغلبية المقاعد».

وأوضح ربيع: «هذا الطرح يعيد إنتاج الإشكاليات التي ظهرت في انتخابات مجلسي النواب والشيوخ حين منح نظام القوائم نسبة 50 في المائة، ما منح الأفضلية للقوى الأكبر تنظيماً وتمويلاً». وأضاف: «توسيع هذه النسبة إلى 75 في المائة في الانتخابات المحلية قد يؤدي إلى نتائج أكثر اتساعاً من حيث تركّز النفوذ السياسي»، محذراً من تقليص فرص التعددية الحزبية الحقيقية داخل المجالس المحلية.

ويرى ربيع، أن «هيمنة القوائم بهذا الشكل تتيح تشكيل تنافس ومعارضة محدودة التأثير داخل المجالس»، مشدداً على أن ملف الإدارة المحلية مرتبط مباشرة بالحياة اليومية للمواطن، ما يستدعي نظاماً انتخابياً يضمن تمثيلاً متوازناً وتنافساً حقيقياً يعزز كفاءة المجالس ودورها الرقابي والخدمي.

وينظر إلى الانتخابات المحلية على أنها مصدر اهتمام لقطاعات واسعة من المصريين، خصوصاً أن آخر انتخابات للمجالس المحلية جرت في أبريل (نيسان) 2008، وتم حل المجالس بحكم قضائي عام 2011 عقب ثورة 25 يناير.

وسبق أن شهد البرلمان المصري نقاشات بين عامي 2016 و2020 بشأن مشروع قانون المحليات، لكنه لم يقر.

وأمام مجلس النواب 3 مشروعات تشريعية مطروحة، وفق عبد الناصر قنديل، مدير «المجموعة المصرية للدراسات البرلمانية»، الذي يشير إلى أن من بينها مشروعاً حكومياً لا تزال تفاصيله غير واضحة، وأن «جميع هذه المشروعات تتفق على تخصيص 75 في المائة من المقاعد لنظام القوائم».

في هذا السياق، قال رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد، النائب محمد عبد العليم داود، إن «إقرار مشروع قانون المحليات يتطلب وجود ضمانات قوية تحول دون توظيفه لصالح أحزاب بعينها»، مؤكداً أن «نزاهة العملية الانتخابية تمثل ركيزة أساسية لنجاح التجربة المحلية وتعزيز ثقة المواطنين».

واقترح داود، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إطلاق حوار مجتمعي واسع بالتوازي مع المناقشات البرلمانية، يضم الأحزاب والقوى السياسية وخبراء الإدارة المحلية والمحافظين السابقين ومؤسسات المجتمع المدني، من شأنه معالجة أي مخاوف أو سلبيات محتملة قبل إقرار القانون. وشدد على «ضرورة الإشراف القضائي الكامل على الانتخابات لضمان الشفافية والنزاهة، ما يمثل عاملاً حاسماً في بناء مجالس محلية فاعلة».

وتنص المادة 180 من الدستور المصري، على تخصيص ربع المقاعد للشباب دون سن 35، وربع العدد للمرأة، مع ألا تقل نسبة تمثيل العمال والفلاحين عن 50 في المائة، بما يتضمن تمثيلاً مناسباً للمسيحيين وذوي الإعاقة.

في المقابل، دافعت النائبة البرلمانية سحر عتمان، عضو لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب، عن تخصيص 75 في المائة من مقاعد المجالس المحلية لنظام القوائم، معتبرة أن المخاوف بشأن سيطرة الأحزاب الكبرى «تبدو مقاربة غير عادلة»، مشيرة إلى محدودية حضور الأحزاب في القرى والمراكز مقارنة بالبرلمان، وأن نظام القوائم يتيح فرصاً أكبر لذوي الإمكانات المحدودة للانخراط في العمل المحلي.

وعتمان، التي تقدمت بأحد مشاريع القوانين الثلاثة، تعتقد أن التجربة العملية قبل 2011 أثبتت أن «العمل الجماعي ضمن القوائم يعزز فرص المشاركة ويدعم العناصر الجديدة»، مشيرة لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «التجربة الجديدة يجب منحها فرصة قبل تقييمها وإدخال أي تعديل بعد دورة كاملة للمجالس في ظل المقترح الحالي».

وقلل قنديل من المخاوف المرتبطة بزيادة نسبة القوائم وما قد تثيره من هيمنة محتملة للأحزاب الكبرى عادّاً أنها «مبالغ فيها»، ومشيراً إلى أن الانتخابات المحلية تتم في نطاقات ضيقة وتتنوع جغرافياً، ويصعب على حزب واحد السيطرة على نتائجها، كما أن وجود نواب معارضين سيتيح دعم مرشحين محليين، ما يعزز التعددية ويحد من الهيمنة الحزبية لأحزاب كبرى.

وتحظى انتخابات المحليات باهتمام سياسي رفيع المستوى في مصر، إذ سبق أن وجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي حكومة مصطفى مدبولي عقب اليمين الدستوري في فبراير (شباط) الماضي إلى استكمال الاستحقاق الدستوري الخاص بالمجالس المحلية، وهو ما أكد مدبولي الالتزام به.

وتنص المادة 180 من الدستور على اختصاص المجالس المحلية بمتابعة تنفيذ خطة التنمية، ورصد نشاط الأجهزة التنفيذية، وممارسة أدوات الرقابة المختلفة، بما في ذلك سحب الثقة من رؤساء الوحدات المحلية وفق القانون.