«فريز لندن»... منصات فنية عالمية ومبيعات بالملايين

تشارك فيه 45 دولة... وحضور عربي ملحوظ

من إحدى قاعات المعرض ضمن المهرجان
من إحدى قاعات المعرض ضمن المهرجان
TT

«فريز لندن»... منصات فنية عالمية ومبيعات بالملايين

من إحدى قاعات المعرض ضمن المهرجان
من إحدى قاعات المعرض ضمن المهرجان

في قلب حديقة ريجنت بلندن، وبين خيام بيضاء فسيحة تضج بالحركة، يصطف الزوار أمام لوحات ضخمة وأعمال تركيبية مذهلة، يتبادلون الآراء، ويلتقطون الصور، ويتابعون عروض الأداء المباشر. هذا ليس متحفاً، بل هو (Art Fair Frieze) «مهرجان فريز للفن»، الذي يعيد تعريف تجربة الاستمتاع بالفن كل خريف. وهو يعدّ أحد أهم الأحداث الثقافية في العاصمة البريطانية، وحدثاً فنياً سنوياً يجمع بين الإبداع الفني والحضور الدولي. فمنذ انطلاقته عام 2003، تحوّل «Frieze» إلى ما هو أكثر من مجرد معرض؛ إنه ظاهرة ثقافية وتجارية تسلط الضوء على أحدث ملامح الفن المعاصر، وتثير نقاشات حول العلاقة بين الفن والسوق، والجمال والربح، وجدوى الاقتناء من عدمه للأشخاص والمؤسسات. يشارك في المهرجان أكثر من 280 غاليري تمثل 45 دولة، ويُعرَض فيها آلاف الأعمال الفنية، وتُعقَد صفقات بيع بملايين الجنيهات. وأطلق هذا المهرجان كل من أماندا شارب، وهي ناشرة ورائدة أعمال فنية، وماثيو سلوتوفر، وهو ناشر ورائد أعمال بريطاني، وجمع الاثنان بين الحس الإبداعي التجاري، ونجحا في تأسيس نموذج يحتذى به في كيفية بناء منصات فنية عالمية التأثير. وهما الآن من أبرز الشخصيات المؤثرة في عالم الفن المعاصر، وقد أسسا معاً مجلة «Frieze» المتخصصة في الفن والثقافة المعاصرة عام 1991. وأصبحت المجلة بمثابة منصة فكرية جمعت بين النقد الفني والحوار الثقافي، ولاقت نجاحاً واسعاً في الأوساط الفنية. مهّد هذا النجاح لاحقاً الطريق أمام الثنائي لإطلاق «مهرجان فريز للفن» (Frieze Art Fair) في عام 2003، في حديقة ريغنت بلندن. وجاءت فكرة المهرجان من استخدام فضاء واسع يعرض الفن المعاصر بأسلوب حداثي، يجمع بين صالات العرض العالمية والفنانين والجمهور في حدث سنوي، أصبح اليوم من بين الأهم على مستوى العالم في مجال الفنون البصرية.

يقام المهرجان سنوياً في شهر أكتوبر (تشرين الأول) داخل حديقة ريغنت، ويضم أقساماً عدة، أبرزها Frieze London الذي يركّز على الأعمال المعاصرة لفنانين أحياء، وFrieze Masters الذي يُعنى بالأعمال التاريخية التي تعود لما قبل عام 2000. من أهم أهداف مهرجان فريز تسليط الضوء على أبرز الاتجاهات في الفن المعاصر، وتوفير مساحة للحوار والتفاعل بين الفنانين والجمهور والمؤسسات الفنية. ويوفّر المهرجان كذلك منصة فريدة لاكتشاف أسماء ومواهب جديدة في الساحة الفنية العالمية إلى جانب عرض أعمال لأسماء راسخة. ولا يقتصر دوره على العرض فقط، بل يشمل برامج موازية مثل الندوات والمحاضرات والعروض الأدائية؛ ما يجعله حدثاً غنياً بالتجارب الثقافية والمعرفية. وبفضل مكانته المرموقة، يُعدّ «فريز» مؤشراً مهماً لاتجاهات سوق الفن العالمي، حيث تعقد خلاله صفقات بملايين الجنيهات؛ ما يجعله حلقة وصل حيوية بين مبدع الفن والإنتاج الثقافي من جهة، والتجارة والاستثمار من جهة أخرى.

من أعمال الفنانة الأردنية منى السعودية

أبرز صالات العروض

بين أروقة المهرجان السنوي الذي يجمع تجارب الفنّ المعاصر بالتجارب والأعمال الرائدة، دبّت الحركة في أجنحة عدد من صالات العرض التي تُعدّ من القلاع الفنية العالمية. على سبيل المثال، شارك غاليري David Zwirner، بأعمال نحتية جديدة للفنانة الباكستانية هوما بهابها Huma Bhabha، ولوحات معاصرة لفنانين، مثل كريس أوفيلي والكولومبي أوسكار موريو والفنانة بورشا زفافاهيرا من زمبابوي. قدم هذا الغاليري بوصفه من أبرز صالات العرض في مجال الفن المعاصر، عرضاً يُعبّر عن مزاوجة الإعلام الفني؛ بين التجديد والرصانة، وبين السوق والاختبار الجمالي.

كما عرض غاليري «بيبي هولدزورث» ومقرّه لندن، أعمالاً غير معروضة سابقاً لفنانين، مثل الفنانة البريطانية كيتي موران والبرازيلية صوفيا لويب، مع تركيز خاصّ على الموضوعات الطبيعية والذاكرة المشتركة وموقع الإنسان في محيطه. كما شهدت منصة غاليري «جين بوستن»، ومقرها مدينة بوستن زحاماً من قِبل الجمهور الذي حرص على أخذ صور لمنحوتات الفنان العراقي - الأميركي مايكل راكويتز الذي جسدت منحوتاته رموزاً من الحضارة الآشورية شُغِلتْ بورق تغليف التمور والصحف العربية وبقية أوراق التغليف للمؤكلات والمواد الاستهلاكية في إدانة واضحة وتذكير بجريمة سرقة وتدمير المتحف العراقي وآثار مدينة الموصل.

وفي قسم أساتذة الفن أو ما يعرف بـ«Frieze Masters»، نلمس بوضوح أن بعض المبيعات تجاوزت حدود «الفنّ المعاصر» لتلامس أساطير الفن والتاريخ. فقد بيعت لوحة تعود لعام 1909 للفنانة ورائدة التعبيرية الألمانية غابريلا مونتر(1877 - 1962) بمبلغ يُقارب ثلاثة ملايين دولار في اليوم الأول لافتتاح المهرجان في غاليري «هوسر ورث». كذلك، بيعت لوحة للفنان البلجيكي السوريالي رينيه مغريت تعود لعام 1953 بمبلغ 1.6 مليون دولار أميركي. وتعكس المبيعات أن «القيمة» في سياق تقدير الأعمال ليست مجرد رقم، بل تعبير عن موقع العمل ومبدعه في تاريخ الفن، ومدى رغبة المقتنيين والمستثمرين في اقتنائه. كذلك بيعت لوحة للفنان بول كيلي بما يقارب 1.45 مليون دولار أميركي. تتجلى في هذا المزيج بين دور العرض المعاصرة والمتاجر الفنية التاريخية، مكانة Frieze بوصفه منصةً تجمع «الآن» و«الأمس» في آن واحد، وكذلك تقارب بين التوجه التجاري والبحث الجمالي. وتقع على صالات الفنون والغاليريهات المشارِكة عبءَ اختيار الأعمال الفنية، ويتحمل المشترون عبء القيمة، ويتحمل الزائرون (مثلي) عناء ومتعة التأمل. وهكذا، يصبح المعرض أكثر من مجرد مكان يباع فيه الفنّ: بل مساحة يُقرأ فيها الحاضر ويُعاد تأمّل الماضي.

صالات العرض والغاليريهات العربية

عرض غاليري «لوري شبيبي» ومقره دبي في Frieze Masters مجموعة من أعمال للفنانة الأردنية الرائدة منى السعودي (1945 - 2022) شملت خمس منحوتات حجرية وأحد عشر عملاً طباعياً على الورق من الفترة (1973 - 1978). بينما عرض غاليري «صفير زملر» ومقره بيروت وهامبورغ في Frieze Masters أيضاً وضمن فعالية «الاستوديو» التي تحتفي بالفنانين الرواد الأحياء أعمالاً للفنانة الفلسطينية سامية حلبي المولودة في القدس عام 1936، وهي أعمال تركز على ستة عقود من الرسم التجريدي المتواشج مع البُعد الشرقي المتمثّل في البُنى الزخرفية، الهندسية، والضوء/اللون في البيئة الشرق أوسطية. أما غاليري «آثر» ومقره جدة والرياض، فشارك بعرض لفنانات سعوديات، مثل دانية الصالح وبسمة فلمبان؛ ما يعكس الحضور العربي المعاصر في المعرض.

منحوتات معاصرة

وعلى امتداد المساحات الخضراء لحديقة ريغنت في لندن، تتوزّع هذه السنة أعمالٌ فنية نُصِبت تحت عنوان: «In the Shadows/ في الظلال»، ويعكس العنوان رؤية تنقّب في الخفاء، وفيما لم يُرَ بعد، داخل ذاكرة المكان والمادّة والغياب. اختار القيّمون على العرض أربعة عشر فناناً دولياً ليفسّحوا مساحةً للفنان والمشاهد كي يتلمّس العتمة، وكي يقرأ التغيّر البيئي، وجذور التاريخ، والبُعد الداخلي للذات. ومن بين الأعمال المعروضة، مجسّم «Fibredog» لفريق فني بريطاني يدعى «Assemble»؛ وهو حيوان ضخم من القش يحيل إلى التقاليد الشعبية واللعب الجماعي، ويحوّل المسارّات الخضراء في الحديقة فضاءً للدهشة والعبور المتمهل والمتأمل. مجسم آخر للفنان النمساوي إرفين وورم بعنوان «شبح»؛ عبارة عن بدلة عمل مستعملة عملاقة فارغة وملوّنة بالأزرق، تقف كظل صامت لعالم الشركات والاستهلاك، وتدعو المشاهد إلى التأمل في واقع العصر الاستهلاكي وبصمة الإنسان الشخصية التي يتركها على أشيائه الخاصة. أما مجسّم «Requiem/ The Last Call» للفنانة الهندية - الأميركية رينا سايني كلايت؛ فعمل مركّب ضخم يُصدر تغريداً لطيور انقرضت. وعزلت الفنانة هذه الأصوات من الأصوات البشرية في أشرطة التخابر في الجيوش أثناء الحرب العالمية الأولى، وحوّلت الصمت الأبدي والانقراض تأبيناً، يذكّرنا بأن الظلال هي أيضاً نداءات لم تُسمع بعد.


مقالات ذات صلة

«القالوفة»... رواية تحفر في جذور الواقع الجزائري

ثقافة وفنون «القالوفة»... رواية تحفر في جذور الواقع الجزائري

«القالوفة»... رواية تحفر في جذور الواقع الجزائري

تزاوج رواية «القالوفة: عشرية عبد القادر صابونة»، للروائي الجزائري الشاب عبد الباسط باني، بين اللعب الفني والجمالي،

عمر شهريار
ثقافة وفنون تجليات البيت في شعر محمود درويش

تجليات البيت في شعر محمود درويش

يركز الباحث رامي مصطفى هلال في كتابه «ملامح السرد في الخطاب الشعري عند محمود درويش»، الصادر أخيراً عن «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة»،

رشا أحمد ( القاهرة)
ثقافة وفنون «لم يتبق غيرها»... سرد يحبس أنفاس القارئ حتى النهاية

«لم يتبق غيرها»... سرد يحبس أنفاس القارئ حتى النهاية

تعد رواية «لم يتبق غيرها» الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة للكاتب الأميركي رايلي ساجر، ترجمة عبد الرحيم يوسف، بمثابة نص نموذجي للقارئ الباحث عن حبكة درامية

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «الوحوش دخلت البيت»... الشعر مواجهاً الفوضى والجنون

«الوحوش دخلت البيت»... الشعر مواجهاً الفوضى والجنون

يلعب الديوان على رمزية الغابة، واقتحامها عالم البيت بحمولاته الحضارية، في دلالة على الوحشية والافتراس مثلما يحدث في عالمنا الراهن

عمر شهريار
ثقافة وفنون النقد المسرحي بين التجهم الزائف ومتعة المشاهدة

النقد المسرحي بين التجهم الزائف ومتعة المشاهدة

منذ اللحظة الأولى في كتابه «كلام في المسرح» الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، ضمن سلسلة «كتابات نقدية»،

رشا أحمد (القاهرة)

«القالوفة»... رواية تحفر في جذور الواقع الجزائري

«القالوفة»... رواية تحفر في جذور الواقع الجزائري
TT

«القالوفة»... رواية تحفر في جذور الواقع الجزائري

«القالوفة»... رواية تحفر في جذور الواقع الجزائري

تزاوج رواية «القالوفة: عشرية عبد القادر صابونة»، للروائي الجزائري الشاب عبد الباسط باني، بين اللعب الفني والجمالي، والنقد السياسي والاجتماعي الحاد والجذري من جهة أخرى، متكئة على كثير من حس السخرية المتغلغلة في نسيج البناء السردي، لكنها كثيراً ما تكون سخرية سوداء، مرة ومفعمة بالأسى، إذ تراوح الأحداث كثيراً بين المأساة والملهاة. ويتبدى هذا اللعب منذ العنوان «القالوفة»، كلمة دارجة في الجزائر معناها (القفص الذي توضع به الكلاب الضالة عقب التقاطها من الشوارع)، فالعنوان الجانبي الشارح، «عشرية عبد القادر صابونة»، يظل معلق الدلالة، إذ يمكن أن يشير إلى العشرية السوداء في التسعينيات، والتي انضم فيها (عبد القادر) إلى الجماعات الإسلامية المسلحة، حين كان يقتل باسم الدين، كما يشير من جانب آخر، وعبر دوال نصية كثيرة، إلى عشرية جديدة، عقب المصالحة الوطنية في مطلع الألفية، وصعود (صابونة) الراديكالي التائب سُلّم السلطة، ليمارس انتقامه من المجتمع، لكن عبر بوابة الدولة كمسؤول كبير فيها، وباسم القانون وحماية الوطن هذه المرة، مدشنا عشريته الخاصة، المليئة بالفساد والنهب الممنهج.

الرواية صدرت في القاهرة عن «منشورات الربيع»، وبدأت بمشهد صادم وقاسٍ يعود إلى بدايات العشرية السوداء، في مدينة «مليانة»، حيث تقتحم جماعة تنتمي لتنظيم إسلامي منزل (رشيد)، الصحافي المستنير الذي يهاجمهم في مقالاته، فيقتلونه، ويقتلون ابنته (بديعة)، ويختطفون (فتيحة) زوجته الحبلى معهم إلى الجبل، في حين ينجو ابنه (محمد)، بسبب دفاع كلبه عنه بقوة، وعقر الملثمين، فيموت الكلب فداءً لصديقه الطفل ويتلقى الرصاصة نيابة عنه. وتتضاعف القسوة عندما يرى رشيد قبل مقتله شقيقه الأصغر (منصوري) بين الملثمين، بعد أن انزلق إلى هوة العنف، جاء معهم وفق مبدأ السمع والطاعة، والولاء والبراء، ليشارك في قتل أخيه الذي تعتبره جماعة الجبل «كافراً»، لمجرد أنه يحب الفنون والغناء، ويدافع عن الحرية، لكن منصوري لم يقوَ نفسياً على تنفيذ أمر أمير الجماعة بأن يقتل شقيقه بنفسه، فيكون مصيره القتل هو الآخر، بدعوى أن إيمانه منقوص ورخو.

هذا المشهد الافتتاحي الدموي، يبدو مرجعاً لكثير من الأحداث التي تتأسس عليها الرواية بعد ذلك، ثم ينفتح السرد، بدءاً من الفصل التالي على مساحات من التخييل، عبر تبئير شخصية (محمد)، الناجي الوحيد من مذبحة أسرته، فقد «ضاقت به مليانة، فغادرها نحو عين الدفلي، يجر خلفه قافلة الكلاب التي صارت أسرته الجديدة»، فقد أسماه الناس (الملياني)، نسبة إلى بلدته، وأصبح يعيش مشرداً، لا يأمن سوى للكلاب، يصاحبها، ويأتنس بها، ويحنو عليها، حتى عثر على الكلب (النيطوش)، البائس المشرد مثله، ويصطفيه صديقه المقرب، ونبدأ في رؤية العالم بعيون (الملياني) و(النيطوش)، بوصفهما ممثلين للهامش المقموع، الصوت المسكوت عنه، المطارد، لكنه يرى ويعرف حقيقة مجتمع المدينة، ومثالبه، ورموزه المصطنعة، فالاثنان في حالة تعارض مع شخصية «عبد القادر صابونة». الملياني وهو طفل كان ضحية (صابونة) وجماعته في سنوات العشرية السوداء، وبعد المصالحة ظل أيضاً ضحية (صابونة) نفسه في عشريته الجديدة.

تمتد الرواية زمنياً على مدار ثلاثين عاماً، ويتراوح فضاؤها المكاني بين مدينتي مليانة وعين الدفلي، وترتكز على التوثيق عبر إيراد أخبار صحافية ومقالات وأغاني لمطربين جزائريين معروفين. كما تعتمد بشكل رئيس على تقنية تعدد الأصوات، وهو ما يبدو من عنوان الفصول السردية، ليس فقط صوت الهامش ممثلاً في (الملياني)، وصوت المركز ممثلاً في (عبد القادر)، لكن الطريف هو منح مساحات كبرى لأصوات الحيوانات التي تقدم خطابها وصوتها، سواء ضد السلطة التي تطاردها وتقمعها، وتضعها في القالوفة، أو ضد سلطة الإنسان وتجبّره على الحيوانات بشكل عام، كما يقول أحد القرود: «من المفترض أن تكون هناك حدائق للبشر، بدل حدائق الحيوانات، ونحن من نزورهم ونطعمهم، كل حيوان يربي بشرياً. قد لا نجيد فعل ذلك، لكن على أسوأ تقدير لن نبصق عليهم ونهينهم مثلما يفعلون».

فالفصل الثاني من الرواية يأتي على لسان (حمو)، وهو كلب يروي معاناته مع (مبارك) السادي الذي يهوى تعذيبه، وكذلك صوت القط (مخطار)، فضلاً عن أصوات كثير من الحيوانات من الكلاب والحمير والدجاج والقرود والغربان وغيرها، ويتسع حضور الحيوانات في المتن السردي، حتى تأخذ مركز البطولة مع تنامي السرد، بل تقوم بثورة على تسلط البلدية، وتملأ الشوارع والميادين، بعد فشل الحراك الشعبي في الجزائر إبان الربيع العربي، فتنهض الحيوانات في حراك بديل، ضد العسف والقمع والتجويع الذي يطالها يومياً.

تحفل الرواية بحالة من الكرنفالية، بالمفهوم الباختيني، فالفضاء الروائي يتحول إلى سيرك، ويجري تبادل الأدوار، فالحيوانات تصبح أكثر إنسانية من الإنسان، وتثور على السلطة بمعانيها كافة، وتجريد الإنسان من مركزيته، كما يجنح السرد، وفق هذا المفهوم الكرنفالي، إلى نزع هيبة رجال السلطة ممثلة في (عبد القادر)، ويسلبه قوته وفتوته المزعومة، ويمنحه الاسم الساخر (صابونة)، الذي التصق به منذ كان متمرداً راديكالياً مختبئاً في الجبل، وحاول إفراغ شهوته في كلبة، لكنها عقرته، وانتزعت عضوه الذكري، وتركت مكانه مستوياً وناعماً، مثل الصابونة، بلا أي نتوءات، لذا أصبح له ثأر مع الكلاب، يفرح بقتلها بعد المصالحة وعمله في البلدية، كما كان يفرح بقتل البشر عندما كان «جهادياً»، ولم يكتفِ السارد بنزع ذكورته، بل أضفى عليه صفات أنثوية، ليحوله إلى أضحوكة، وينزع عنه كل هيبة. كما تتبدى الكرنفالية أيضاً في سخرية (مبارك)، الروائي السادي، من الناقد الذي ينقد أعماله، فيذبح كلبه (حمو)، ويطبخ كبده كوجبة للناقد، في محاولة للسخرية من سلطته. فالرواية، إجمالاً، كرنفال ساخر، يفكك كل سلطة، وينزع القداسة عن كل مدعٍ، معيداً إنتاج ثنائية المركز والهامش، مانحاً البطولة لكل مقموع.

تبدو كل شخصيات الرواية معاقة ومشوهة، جسدياً أو نفسياً، بدءاً بعبد القادر، مروراً بـ«مبارك» الذي فقد قدمه ويعيش بقدم بلاستيكية، كما يعاني نفسياً من معرفته أن أمه كانت غانية، ووضعته في كيس قمامة أسود على باب إحدى المؤسسات، و(الملياني) المشرد المسكون بمشهد مقتل أسرته أمام عينيه، و(ليندا) التي تكتشف أنها ابنة (رشيد) و(فتيحة)، فعندما اختطف الملثمون أمها كانت حبلى فيها، وماتت بعد ولادتها، وهربت بها إحدى النساء من الجبل، ووضعتها أيضاً على باب إحدى المؤسسات.

هذه الشخصيات الممزقة جسدياً ونفسياً، في عام 2019، حيث تدور الوقائع الرئيسة للرواية، وقت ثورة الحيوانات، كلها شخصيات منحدرة من فترة العشرية السوداء في تسعينيات القرن الماضي، فما يحدث في الواقع اليوم، هو نتاج ذلك التاريخ الذي يبدو بعيداً، لكنه يظل مطموراً وفاعلاً في نفوس الشخوص، تاركاً ندوبه العميقة في نفوسهم، بل في أجسادهم أيضاً، لذا يراوح السرد في حركة بندولية بين الحاضر والماضي، كأنه يفكك الحاضر، ويحفر في الماضي بحثاً عن الجذور المؤسسة لهذا الواقع وهذه الشخوص الشائهة، وما قاله الصحافي رشيد قديماً: «لم يعد أمامي سوى أن أموت كاتباً أو أعيش صامتاً. اخترت أن أرحل. ليال كثيرة قضيتها في التفكير. العاصمة صارت مصيدة، كل ركن فيها له عين أو فوهة بندقية» لا يختلف كثيراً عما يقوله ابنه (الملياني) المشرد بعد ما يقارب ثلاثين عاماً: «اعلموا أن البلاد صارت مقبرة كبيرة، بل قالوفة كبيرة، تبتلع في أقفاصها كل صوت رافض للقمع والإذلال والجوع والتطرف». ومن ثم، لا فارق بين «مصيدة» العشرية السوداء و«قالوفة» عشرية عبد القادر صابونة.


تجليات البيت في شعر محمود درويش

تجليات البيت في شعر محمود درويش
TT

تجليات البيت في شعر محمود درويش

تجليات البيت في شعر محمود درويش

يركز الباحث رامي مصطفى هلال في كتابه «ملامح السرد في الخطاب الشعري عند محمود درويش»، الصادر أخيراً عن «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة»، ضمن سلسلة «كتابات نقدية»، على «تجليات البيت» في قصيدة الشاعر الفلسطيني الأشهر، باعتباره رمزاً يختصر الوطن ويفيض بالحميمية والعذوبة.

ويشير إلى أن البيت وُظّف سردياً في شعر درويش؛ فهو ليس بيتا ذا أبعاد هندسية، لكنه يحمل ذاكرة الوطن المستلب في الخروج والعودة، ويظل مفتاحه الدائم في أيدي الفلسطينيين تاريخاً وشاهداً على الحق الثابت، وأملاً في العودة إليه مرة أخرى.

يسرد درويش في حوارية مع الأب، في سهل من سهول فلسطين، في قصيدة «لماذا تركت الحصان وحيداً؟» سيرته الذاتية إبان النكبة، حين الخروج القسري من بيته ووطنه، ربما تكون قرية «البروة» التي وُلد فيها نابتة في حضن هذا السهل. ومن خلال راوٍ عليم، كليّ المعرفة، وشخصَيْن يقوم عليهما السرد والحوار، هما الأب والابن، تتوالى سردية ذات شحنة درامية مؤثرة إنسانياً.

يقول درويش في افتتاحية سينمائية لقصيدته يتشابك في فضائها فعلُ الحدث والكشف عن نفوس الشخصيات من خلال الاستفهام البريء للطفل واستحضار صيغة الاستفهام المكاني الذي يقوم عليه فعل السرد في القصيدة كلها:

«إلى أين تأخذني يا أبي؟

إلى جهة الريح يا ولدي»

يتوقف الحدث عند الحوار الكاشف الذي وهب المتلقي في ومضة واحدة شخصيتَي «الأب والابن»، والحدث الغامض «إلى جهة الريح»، والحوار المنتمي إلى روح اللحظة التاريخية وكثافتها وموقع الراوي وبنية الدراما السردية داخل القصيدة، ثم يصف الراوي لحظة الخروج فيقول:

«وهما يخرجانِ من السهلِ حيثُ

أقام جنودُ بونابرت تلّاً لرصد

الظلال على سور عكا القديم

يقول أب لابنِهِ: لا تَخَفْ لا تَخَفْ

من أزيز الرصاصِ التصِقْ بالترابِ لتنجو

سننجو ونعلو على جبل في الشمال

ونرجع حين

يعود الجنود إلى أهلهم في البعيد»

يعيد التاريخ نفسه على الأرض؛ فمثلما رحل الغرباء من قبل، فإن سيرة الأرض تؤكد أن الغرباء الجدد راحلون أيضاً، والوصف يعمّق النص، ويضيف إلى القصيدة أبعاداً جديدة تسهم في تشكيل فضائها المضموني، وتساعد على تصوُّر الأحداث، حيث السرد في جوهره تقطيع لبنية الحكاية وإعادة تشكيلها من خلال التغيير في بنية الزمان والمكان.

إنه اليقين التاريخي الذي ينقله الأب إلى الابن من خلال الحوار، مستدعياً جنود بونابرت الذين كانوا يرصدون الظلال، ولذا فإن الشاعر – الراوي - يطلعنا على يقين الأب، وهو الشخصية المحورية في سَرْد درويش، وهو يؤكد بـ«سين المستقبل»: «سننجو ونعلو ونرجع»، وأن عودة الجنود القادمين من البعيد حتمية، هذا ما تقوله الأرض والتراب عندما يلتصق به الفلسطينيون:

«ومن يسكن البيت في بعدنا

يا أبي؟

سيبقى على حاله مثلما كان

يا ولدي».

وعبر التناوب بين ضمائر السرد في القصيدة؛ من ضمير المتكلم إلى ضمير الغائب، وهما يخرجان، وكذلك التناوب بين تقنية الوصف والحوار، تتوتر القصيدة درامياً، وتتنقل لتخلق سرديتها الخاصة الممزوجة بوعي تاريخي. هنا تبرز مفردة «البيت» لتضارع الوطن؛ فهو البيت الكبير، ومَن يسكن البيت فإنه يسكن الوطن، ويأتي صوت الأب الواثق من العودة، فيطمئن الابن على الوطن.

وهذه اللغة الشعرية الدرامية تعطي الجمهور أو القارئ شعوراً بأن الفكرة تتكوَّن؛ إذ تتكلم الشخصية تحت ضغط الوضع الذي تجد نفسها فيه، ويُبرِز الاستفهام ملمحاً أسلوبياً في القصيدة يعبر به السارد عن مأساة الحاضر من خلال الماضي، ويدل على صدق الشخصيات وقربها من السرد الواقعي:

«تحسس مفتاحه مثلما يتحسس

أعضاءه واطمأن»

في سؤال آخر يسأل الطفل أباه قائلاً:

«لماذا تركتَ الحصانَ وحيداً؟

لكي يؤنس البيت يا ولدي

فالبيوت تموت إذا غاب سكانها»

يعبر السارد، من خلال فعل التحسُّس المفاجئ عن مفتاح البيت كعضو من أعضاء الجسد، عن قيمة البيت وتداخله في الجسد الفلسطيني؛ فالتراب ينبت داخله كأعضاء جديدة، وكرد فعل على الغياب، فالبيت مكان يؤطر لفعل الحدث، ويصبح بطلاً في السرد، بل شخصية أثيرة من شخصيات السرد داخل القصيدة، يأبى لها الأب أن تموت في الغياب، فيترك له الحصان كي يؤنس وحدته.

يأبى السارد أن يتحول البيت إلى أطلال مهجورة، لذا فالبيت الفلسطيني لم يتحول في سردية درويش إلى أطلال تستحق الرثاء، ولكنه يظهر في الرؤية السردية كائناً حياً يقاوم فعل الزمن والأحداث، ويستعصي على المحو والتذويب، وقد جعله الشاعر السارد عضواً حياً في الجسد الفلسطيني، يستمدّ حياته من روح هذا الجسد، ووعيه وذاكرته الحية التي لا تغيب.

هكذا ظل البيت «في تجربة محمود درويش الشعرية حالة وجودية تتجاوز الحيز الجغرافي أو الجدران الإسمنتية، لتتحول إلى استعارة كبرى للهوية والذاكرة والمنفى، كما تجاوز فكرة المأوى، ليصبح نوعاً من (الفردوس المفقود) والصراع الجدلي المستمر بين الحضور والغياب».

جاء ذلك بمثابة تطوُّر لافت، بعد أن ارتبط في البدايات الأولى بمسقط الرأس في قرية البروة، حيث رُسمت ملامحه من خلال تفاصيل حسية بسيطة: رائحة القهوة وخبز الأم، وشجر الزيتون، ليكون البيت هنا متطابقاً مع «الوطن» في صيغته الرومانسية المباشرة، حيث تسود علاقة عضوية بين الشاعر والأرض.

ومع نضج تجربة الشاعر وتعمق مأساة الاقتلاع من الأرض، خضع مفهوم البيت لتحوُّل جذري ليُعرّف بضده، أي بالمنفى، أي أنه لا يتحقق ولا يُدرك إلا من خلال فقدانه، وهو ما يسميه النقاد بـ«شعرية الفقد».

إنه ليس ذلك الحيز الذي نسكن فيه، بل هو الذي يسكن فينا كجرح أو كحلم. يظهر البيت أحياناً كفضاء مثير للجدل والمشاعر المتناقضة، على نحو يجمع بين الألفة والوحشة؛ فالمبنى الذي استولى عليه «الآخر» لم يعد بيتاً، بل صار مكاناً غريباً، ما خلق حالة من «الاغتراب في المكان» تستدعي استحضار الأدوات المنزلية البسيطة وتحويلها إلى رمز لمقاومة النسيان، كالمزهريات والشبابيك، والمفاتيح الصدئة، وغيرها من عناصر تعيد بناء الذاكرة في مواجهة محاولات المحو.

في المراحل الأخيرة من أعمال درويش، اتسع مفهوم البيت ليشمل البُعد الكوني والأسطوري، ليتجاوز كل فلسطين وتتقاطع صورته مع القبر والرحم والمطلق. إنه يمثل «العودة الأبدية» إلى الذات، والتصالح مع فكرة أنه قد يكون «قصيدة» أو «إيقاعاً». كما يظهر البيت في هذه المرحلة وكأنه يجسد حالة من «الخفة»، بعد التخلص من «ثقل» الطين، حيث تصالح درويش مع فكرة «الشتات الوجودي»، معتبراً أن الاستقرار الحقيقي يكمن في النص لا في المكان.


«لم يتبق غيرها»... سرد يحبس أنفاس القارئ حتى النهاية

«لم يتبق غيرها»... سرد يحبس أنفاس القارئ حتى النهاية
TT

«لم يتبق غيرها»... سرد يحبس أنفاس القارئ حتى النهاية

«لم يتبق غيرها»... سرد يحبس أنفاس القارئ حتى النهاية

تعد رواية «لم يتبق غيرها» الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة للكاتب الأميركي رايلي ساجر، ترجمة عبد الرحيم يوسف، بمثابة نص نموذجي للقارئ الباحث عن حبكة درامية تمزج الإثارة بالرعب، من خلال سرد تشويقي متصاعد ومفاجآت لا تنتهي، ونهاية صادمة غير متوقَّعة، لكاتب مشهور بقدرته على حبس أنفاس القارئ حتى اللحظة الأخيرة، وتُرجمت أعماله إلى أكثر من 35 لغة حول العالم.

تحكي أحداث الرواية كيف أنه في ليلة دامية عام 1929 هزَّت الجريمة المروعة لقتل عائلة هوب ساحل ولاية مين، فيما يعتقد الجميع أن الابنة لينورا ذات الأعوام السبعة عشر هي الفاعلة، ولكن الشرطة لم تتمكن من إثبات ذلك قط، ومنذ ذلك الحين لم تنبس الفتاة بكلمة عن تلك الليلة، ولم تغادر القصر المنعزل حيث وقعت المأساة.

في عام 1983، بعد أربعة وخمسين عاماً تصل كيت مقدمةُ الرعاية الصحية الجديدة إلى القصر لرعاية لينورا، التي باتت عاجزة ومقيَّدة إلى كرسي متحرك، بعد سلسلة من السكتات الدماغية التي أفقدتها صوتها، ولم يعد بمقدورها التواصل إلا عبر آلة كاتبة قديمة.

وذات ليلة، تنقر لينورا مفاتيح تلك الآلة برسالة لم تكن تتوقعها كيت:« أريد أن أخبرك بكل شيء... لم تكن أنا»، هكذا أقسمَتْ، لكنها الوحيدة التي لم تَمُت. وبينما تساعد «كيت» العجوز المقعدة في سرد الأحداث التي سبقت الجريمة المروعة، وتتكشف أسرار دفينة، يبدو أن الحقيقة أكثر غموضاً مما يعتقده الجميع، حتى تبدأ كيت في الشك: هل لينورا العاجزة ضحية حقّاً، أم أنها تخفي وجهاً آخر أكثر خطورة؟

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«أول ما أتذكره، الشيء الذي ما زالت تنتابني الكوابيس حوله، هو عندما انتهى كل شيء. أتذكر هدير الريح وأنا أخطو على الشرفة، كانت تهب من المحيط في زوابع عاوية تحتكّ بالمنحدر، قبل أن تصفعني مباشرة وأنا أهتزّ واقفة على كعبي شاعرةً كأن حشداً جامداً غير مرئي يدفعني للوراء نحو المنزل.

آخر مكان أردتُ أن أكون فيه!

استعدتُ توازني مزمجرةً، وبدأت أشقّ طريقي عبر الشرفة التي صارت أرضيتُها زلقةً بفعل المطر المنهمر. كانت تُمطِر بغزارة وحبات المطر شديدة البرودة كأن كل قطرة منها وخزة إبرة، وبسرعة شديدة وجدت نفسي وقد أفقت من حالة الذهول التي كنت فيها، وانتبهت فجأة، وبدأت ألاحظ الأشياء، قميص نومي ملطخ بالأحمر، ويداي دافئتان ولزجتان بالدم.

السكين ما زالت في قبضتي، كانت هي أيضاً ملوثةً بالدم، لكن المطر البارد طفق ينظفها بسرعة. الآن ظللت أتقدّم مخترقةً الريح التي كانت تدفعني إلى الوراء، وأنا ألهث مع كل قطرة مطر حادة، وأمامي كان المحيط وقد أهاجته العاصفة بسياطها، وصارت أمواجه تتحطم على سفح المنحدر تحتي بخمسين قدماً، لا يفصلني عن هوة البحر المظلمة إلا السياج الرخامي القصير الممتد بطول الشرفة. عندما بلغتُ السياج أصدرتُ صوتاً غريباً مخبولاً مخنوقاً نصف ضحكة ونصف نشيج.

استدرت عائدة إلى المنزل، كل نافذة في كل غرفة كانت مضاءة متوهجة مثل الشموع التي زينت كعكة عيد ميلادي متعددة الطوابق قبل ثمانية أشهر، لكني كنت أعرف أن المظاهر خادعة، وأنه حتى السجون قد تبدو جميلة لو أضيئت على نحو صحيح».