حروب كثيرة بأسماء متعدّدة

شبان يتلقون دورة تدريبية في معسكر وطني روسي وسط الصراع بين روسيا وأوكرانيا بإقليم دونيتسك (رويترز)
شبان يتلقون دورة تدريبية في معسكر وطني روسي وسط الصراع بين روسيا وأوكرانيا بإقليم دونيتسك (رويترز)
TT

حروب كثيرة بأسماء متعدّدة

شبان يتلقون دورة تدريبية في معسكر وطني روسي وسط الصراع بين روسيا وأوكرانيا بإقليم دونيتسك (رويترز)
شبان يتلقون دورة تدريبية في معسكر وطني روسي وسط الصراع بين روسيا وأوكرانيا بإقليم دونيتسك (رويترز)

إذا كانت الحرب هي السياسة لكن بوسائل أخرى، كما قال كارل فون كلوزفيتز، وإذا كانت طبيعة الحرب ثابتة على أنها تُخاض لأهداف سياسيّة، فإن تسمية الحرب وخصائصها، ترتبط بشكل كامل بالوسائل المستعملة، كما بطريقة الاستعمال لهذه الوسائل.

فالحرب تُعد، وعبر التاريخ البشري، الفعل-اللقاء الاجتماعي الأكثر دمويّة. للحرب أيضاً شعائرها (Rituals) ورموزها، إن كان قبل الحرب أو حتى بعدها؛ سواء في النصر أو في الهزيمة. لكن الأكيد أن هذه الشعائر والرموز تساعد على إعطاء الحرب شرعيّتها وقدسيّتها. كما تهدف إلى مسخ صورة العدو لتسهيل عمليّة الإجهاز عليه.

رسم تعبيري لأجهزة كمبيوتر وهواتف ذكية أمامها عبارة «الأمن السيبراني»... (أرشيفية - رويترز)

تُخاض الحرب عادةً على مسارح متعدّدة. فهي قد تكون بريّة أو بحريّة أو جويّة أو فضائية وسيبرانيّة (Warfare). تعوّدنا أن تكون الحرب البريّة هي الفيصل لقياس الانتصار. كما تعودّنا أن تكون الحرب مشتركة بين المسارح ككلّ (Combined). فعلى سبيل المثال لا الحصر، تبدأ أميركا عادةً حربها بالقوّة الجويّة التي تستهدف فيها مراكز ثقل العدو، خصوصاً القيادة والسيطرة. لكنها، تستخدم في الوقت نفسه قدرتها السيبرانيّة لشل قدرات العدو الرقميّة (Digital).

ويرى بعض الخبراء الاستراتيجيّين أن دخول الذكاء الاصطناعي (AI) إلى المسرح الحربيّ قوة تغييريّة وبامتياز (Transformative)، فهو يُشكّل تحدياً للطريقة القديمة في الحرب، الأمر الذي يُحتّم تعديلات جذريّة في كيفيّة خوض الحرب، خصوصاً ما تُسمّى العقيدة العسكريّة (Doctrinal Shift). من هنا هذا الارتباك العالميّ، خصوصاً لدى القوى العظمى، في كيفيّة تحضير القوى العسكريّة لخوض حرب المستقبل، التي بدأت تتكشّف بعض ملامحها في الحرب الروسيّة على أوكرانيا، خصوصاً أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لم يعلن الحرب رسميّاً على أوكرانيا، بل أطلق على الحرب تسمية «العمليّة العسكريّة الخاصة». وفي هذا الإطار، لا تختلف الولايات المتحدة الأميركية عن روسيا. فهي أعلنت الحرب رسميّاً خمس مرّات (الكونغرس يُعلن الحرب) عبر تاريخها ومنذ نشأتها. لكنها خاضت حروباً كثيرة ومحدودة دون إعلان الحرب، أهمّها: الحرب الكورية، وفيتنام، وحرب الخليج، وأفغانستان، كما العراق عام 2003، هذا عدا العلميات الحربية الصغيرة مثل غرانادا، وكوسوفو، وليبيا وغيرها.

فماذا عن تسمية بعض أنواع الحروب؟

1. الحرب الشاملة (Total War): في هذه الحرب، تحشد الدولة كل إمكاناتها، وفي كل الأبعاد من أجل الحرب وتحقيق النصر، أو حماية الأمن القومي في الحدّ الأدنى. صُنفت الحرب العالمية الأولى، كما الثانية، في هذا الإطار. وتقابل الحرب الشاملة، الحرب المحدودة (Limited)، التي تهدف إلى تحقيق أهداف سياسيّة محدودة، وبوسائل محدودة.

2. الحرب الهجينة (Hybrid): تَستعمل هذه الحرب وسائل حربيّة تقليديّة، إلى جانب تكتيكات ووسائل غير تقليديّة، مثل حرب العصابات، والإرهاب، والحرب السيبرانيّة، كلّها في الوقت نفسه. تهدف هذه الحرب إلى التركيز على نقاط ضعف العدو، بهدف التأثير على ذهنيّة العدو (Cognitive)، وضرب معنويّاته. يأخذنا هذا التعريف، وفي حال لا يريد من يستعمل هذا النوع من الحروب الذهاب إلى حرب شاملة أو محدودة، إلى التسمية التالية.

3. الحرب في المنطقة الرماديّة (Grey Area): هي الحرب التي لا تصل إلى عتبة الحرب الحقيقيّة (Threshold) لكن دون تخطّيها. في هذه الحرب تُستعمل وسائل معيّنة وبشكل يمكن فيه إنكار المسؤوليّة (Deniability)، لكن دون الذهاب إلى الحرب. عادةً، تهدف الحرب إلى تحقيق مكاسب استراتيجيّة، لكن دون تخطّي الخطوط الحمر. تمارس حالياً روسيا هذا النوع من الحرب (الهجينة+المناطق الرماديّة) ضد «الناتو»، حسب بعض المصادر في الحلف. فعلى سبيل المثال، خرقت 19 مسيّرة روسيّة من نوع جيربيرا (Gerbera) الحدود البولنديّة. تمّ التعامل معها لكن بتكلفة كبيرة جدّاً، وهي، أي المسيّرات، لم تكن مُحمّلة برؤوس حربيّة متفجّرة.

4. حرب الخوارزميات (Algorithm): بعد دخول الذكاء الاصطناعي إلى الحرب، تغيّرت خصائص الحرب جذريّاً. في هذه الحرب تُستخدم الخوارزميات لتسريع الحرب، عبر تحليل كمّ كبير جداً من البيانات (Data). لا يزال الإنسان يسيطر على هذه الحرب، خصوصاً أن الذكاء الاصطناعي لم يصل بعد إلى ما تُسمّى نقطة التفرّد (Singularity)، حيث يصبح فيها الذكاء الاصطناعي موازياً أو متقدّماً على الوعي والذكاء البشريّ. يُسهم الذكاء الاصطناعي بهذه الحرب في تسريع عملية اتخاذ القرار، بهدف الحفاظ على زمام المبادرة في المعركة. كما يُسهم في رقمنة مسرح الحرب (Digitizes)، وربط القوى المقاتلة من أسلحة مختلفة من ضمن شبكة عنكبوتية آنيّة (Battlespace).

5. حرب الـ«Agentic»: بعد التقدّم الملحوظ في مجال الذكاء الاصطناعيّ، بدأت ملامح وخصائص جديدة تتكشّف حول خوض الحرب، أهمّها «الحرب الوكيليّة»، أي بالوكالة (Agents). وإذا كان التاريخ العسكري القديم، كما الحديث، يعجّ بالأمثلة حول الحروب بالوكالة البشريّة (War by Proxies)، فإن القرن الـ21 سيشهد حروباً بالوكالة لكنها ستكون هجينة ومختلطة بين البشري والآليّ.

في هذه الحرب، ستُستعمل نظم ذكيّة قادرة على جمع الداتا، والاستشعار (Sensors)، وتحليلها وتحويلها إلى معرفة (Knowledge)، واتخاذ القرار والتنفيذ، دون الرجوع إلى العنصر البشريّ.

وأخيراً وليس آخراً، قد يمكن الحديث عن حرب المدن، كما حرب العصابات.

تهدف حرب المدن إلى السيطرة على بيئة حضريّة (Urban) يتمركز فيها العدو. في هذه الحرب، وهي صعبة جدّاً، ومُكلفة للجيوش التقليديّة، يتم القتال من بيت إلى بيت. في هكذا نوع من الحروب، تتراجع أهميّة وفاعلية الأسلحة التقليديّة مثل الدبابة.

الدخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية على خان يونس في جنوب قطاع غزة الاثنين (رويترز)

تدور حالياً حرب مدن في قطاع غزّة، وذلك إلى جانب العمق الجغرافيّ العمودي والمُتمثّل في شبكة الأنفاق. أما حرب العصابات فهي تعتمد على الكرّ والفرّ (Hit & Run)، والكمائن، وغيرها من التكتيكات، والهدف دائماً هو استنزاف العدو إلى الحد الأقصى، بهدف إجباره على تغيير قراراته السياسيّة. إذا هي حرب ذات طبيعة مزدوجة؛ عسكرية وسياسيّة في الوقت نفسه. كانت الحرب بين «حزب الله» وإسرائيل في جنوب لبنان، ومنذ عام 1985 حتى عام 2000، أي عام الانسحاب الإسرائيليّ من جنوب لبنان، حرب عصابات وبامتياز.


مقالات ذات صلة

البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي في «غوغل»… فوائد ومساوئ

تكنولوجيا البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي في «غوغل»… فوائد ومساوئ

البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي في «غوغل»… فوائد ومساوئ

زر «وضع الذكاء الاصطناعي» على موقع «غوغل. كوم» يستخدم بشكل متزايد لكتابة الطلبات، وإنجاز مهام كانت ستستغرق دقائق طويلة باستخدام البحث التقليدي

براين إكس تشن (نيويورك)
علوم هل يفهم الطبيب الخوارزمية أم يكتفي باستعمالها؟

حين يتخرّج الطبيب… هل يفهم الخوارزمية أم يثق بها فقط؟

نسبة محدودة فقط من كليات الطب وطب الأسنان والصيدلة والتمريض أدرجت برامج تعليمية منظّمة في هذا المجال.

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
خاص الاضطرابات في سلاسل الإمداد أصبحت أمراً حتمياً لكن ضعف الشركات يظهر في بطء فهم أثرها والتعامل معها (أدوبي)

خاص هل يملك الذكاء الاصطناعي العصا السحرية لسلاسل الإمداد؟

نجاح الذكاء الاصطناعي في سلاسل الإمداد يتوقف على جاهزية العمليات والبيانات والسياق، لا على التقنية وحدها.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا هاتف «شاومي 17» بشاشته المتقدمة وقدراته التصويرية المبهرة وبطاريته الكبيرة

هاتف «شاومي 17»: عصر جديد من التصوير السينمائي المدعوم بالذكاء الاصطناعي

عدسات توثّق اللحظات بروح سينمائية فريدة وتصميم هندسي يُضفي لمسة من البساطة الراقية والجمال العصري.

خلدون غسان سعيد (جدة)
الاقتصاد شعار شركة «ألفابت» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

«ألفابت» تستعد لأول إصدار سندات بالين لتمويل توسعات الذكاء الاصطناعي

أعلنت شركة «ألفابت»، يوم الاثنين، أنها تخطط لإصدار سندات مقوَّمة بالين الياباني لأول مرة، في خطوة تعكس توجه عمالقة التكنولوجيا إلى أسواق الدين.

«الشرق الأوسط» (طوكيو )

بوتين: روسيا ستُدخل الصاروخ النووي «الأقوى في العالم» الخدمة هذا العام

صورة وزّعتها وزارة الدفاع الروسية لإطلاق الصاروخ النووي الاستراتيجي الجديد «سارمات» بمكان غير محدّد من روسيا (أ.ب)
صورة وزّعتها وزارة الدفاع الروسية لإطلاق الصاروخ النووي الاستراتيجي الجديد «سارمات» بمكان غير محدّد من روسيا (أ.ب)
TT

بوتين: روسيا ستُدخل الصاروخ النووي «الأقوى في العالم» الخدمة هذا العام

صورة وزّعتها وزارة الدفاع الروسية لإطلاق الصاروخ النووي الاستراتيجي الجديد «سارمات» بمكان غير محدّد من روسيا (أ.ب)
صورة وزّعتها وزارة الدفاع الروسية لإطلاق الصاروخ النووي الاستراتيجي الجديد «سارمات» بمكان غير محدّد من روسيا (أ.ب)

أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، اليوم الثلاثاء، أن روسيا ستدخل صاروخها النووي الاستراتيجي الجديد «سارمات» الخدمة في نهاية هذا العام، ووصفه بأنه «الأقوى في العالم».

يأتي التطور المتعلق بالصاروخ، المصمم لحمل رؤوس نووية، لضرب أهداف تبعد آلاف الأميال في الولايات المتحدة أو أوروبا، بعد سنوات من الانتكاسات والتأخيرات.

وقال بوتين، في تعليقات بثّها ‌التلفزيون، ونقلتها وكالة «رويترز»، إن ‌قوة الرأس الحربي للصاروخ ​تزيد ‌بأكثر من ​أربعة أمثال ⁠على أي نظير غربي، وإن مداه يتجاوز 35 ألف كيلومتر. وأضاف: «لديه القدرة على اختراق جميع أنظمة الدفاع المضادة للصواريخ القائمة والمستقبلية».

ويقول محللون أمنيون غربيون إن بوتين أدلى بادعاءات مُبالَغ فيها بشأن قدرات بعض الأسلحة النووية الروسية من الجيل ‌الجديد، في إطار برنامج ‌تحديث أعلن عنه أول ​مرة في 2018.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يستمع إلى الكولونيل سيرغي ‌كاراكاييف قائد قوات الصواريخ الاستراتيجية الروسية (إ.ب.أ)

وقال ‌خبراء غربيون إن «سارمات» ‌شهد إخفاقات في السابق، إذ ترك اختبار أُجري في سبتمبر (أيلول) 2024 حفرة عميقة عند صومعة الإطلاق.

وعرَضَ التلفزيون الرسمي لقطات تُظهر الكولونيل سيرغي ‌كاراكاييف، قائد قوات الصواريخ الاستراتيجية الروسية، وهو يرفع تقريراً إلى بوتين عما قال إنه تجربة إطلاق ناجحة لصاروخ «سارمات»، اليوم الثلاثاء.

وقال كاراكاييف: «إدخال قواذف مزوَّدة بمنظومة صواريخ (سارمات) الخدمة سيعزز، بشكل كبير، القدرات القتالية للقوات النووية الاستراتيجية البرية، من حيث ضمان تدمير الأهداف وحل مشكلات الردع الاستراتيجي».

ومنذ بدء حرب أوكرانيا في 2022، ذكّر بوتين العالم مراراً بحجم الترسانة النووية الروسية وقوتها، في ​تعليقات عدَّها الغرب ​محاولات لردعه عن التدخل بقوة مفرطة لمصلحة أوكرانيا.


قلق أوروبي من استمرار برنامج دعم أوكرانيا

وزير الحرب بيت هيغسيث في جلسة استماع بالكونغرس 12 مايو 2026 (رويترز)
وزير الحرب بيت هيغسيث في جلسة استماع بالكونغرس 12 مايو 2026 (رويترز)
TT

قلق أوروبي من استمرار برنامج دعم أوكرانيا

وزير الحرب بيت هيغسيث في جلسة استماع بالكونغرس 12 مايو 2026 (رويترز)
وزير الحرب بيت هيغسيث في جلسة استماع بالكونغرس 12 مايو 2026 (رويترز)

ما إن انتهت الهدنة التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أيام بين موسكو وكييف، حتى عاد الكرملين ليؤكد، الثلاثاء، أن «العملية العسكرية الخاصة مستمرة»، في إشارة إلى استئناف الهجمات الروسية في أوكرانيا. وخلال وقف إطلاق النار الهش، تبادلت موسكو وكييف الاتهامات بخرقه، في مشهد عكس أن الحرب، بعد أكثر من أربع سنوات على الغزو الروسي، لم تعد تُقاس فقط بما يجري على الجبهة، بل أيضاً بما يحدث في مخازن السلاح الغربية، وفي حسابات العواصم الأوروبية، وفي حروب أخرى تستنزف الذخائر ذاتها.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال إجابته عن أسئلة الصحافيين (إ.ب.أ)

فالحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران فتحت سؤالاً جديداً أمام أوكرانيا وحلفائها: ماذا يحدث إذا احتاجت كييف إلى صواريخ دفاع جوي عاجلة، فيما البنتاغون يستهلك بسرعة مخزونه من الذخائر الدقيقة في الشرق الأوسط؟

ولم تعد المسألة نظرية، فحسب «واشنطن بوست»، يزداد قلق الحلفاء الأوروبيين من تأثير الحرب على إيران في قدرة برنامج تسليح أوكرانيا على الاستمرار، خصوصاً بعدما تسببت العمليات الأميركية هناك في استنزاف ذخائر أميركية حساسة، وتأخير مبيعات أسلحة لحلفاء آخرين.

جلسة استماع لمسؤولي الدفاع في لجنة المخصصات المالية بمجلس النواب 12 مايو 2026 (رويترز)

قلق أوروبي

يتمحور القلق الأوروبي حول برنامج «قائمة المتطلبات الأوكرانية ذات الأولوية»، وهو الترتيب الذي تولاه «الناتو» العام الماضي، وتشتري بموجبه الدول الأوروبية أسلحة أميركية لكي تُسلَّم إلى كييف. كان البرنامج في بدايته صيغة مناسبة للجميع: أوروبا تدفع، وأوكرانيا تحصل على القدرات التي لا يستطيع توفيرها إلا البنتاغون، وترمب يحقق وعده بعدم إنفاق أموال دافعي الضرائب الأميركيين مباشرة على أوكرانيا.

مضادات جوية أوكرانية تتصدى لمسيّرات روسية فوق كييف (أ.ف.ب)

لكن هذه الصيغة بدأت تفقد جزءاً من بريقها. فبعض العواصم الأوروبية باتت أكثر تردداً في ضخ أموال جديدة، ليس لأنها تراجعت عن دعم كييف، بل لأن الثقة في آلية الصرف والتسليم اهتزت. فقد أثار استخدام جزء من أموال البرنامج، وفق ما نُقل عن مسؤولين، لإعادة ملء مخزونات أميركية بدلاً من إرسال قدرات إضافية مباشرة إلى أوكرانيا، أسئلة سياسية وعسكرية في آن واحد. ويختصر أحد المساعدين في مجلس الشيوخ الأميركي الاعتراض بالقول إن البرنامج كان يجب أن يكون «دولاراً مقابل دولار» من القدرات الجديدة لأوروبا وأوكرانيا.

والأخطر أن النقص لا يتعلق بأسلحة هامشية، بل بمنظومات دفاع جوي حاسمة، وفي مقدمها صواريخ «باتريوت» الاعتراضية، التي تحتاج إليها أوكرانيا لحماية مدنها ومنشآتها. ومع أن مسؤولين أوكرانيين تلقوا تطمينات بأن التأخير مؤقت ومحدود، فإن الحرب علّمت كييف أن «المؤقت» في خطوط الإمداد قد يتحول سريعاً إلى ثغرة قاتلة في السماء.

حرب إيران تُعمّق شرخ الثقة

لا تنفصل أزمة التسليح عن المناخ السياسي الأوسع داخل التحالف الغربي. فترمب يضغط على الأوروبيين لشراء مزيد من السلاح الأميركي، سواء لدعم أوكرانيا أو لتعزيز دفاعاتهم الوطنية. لكن هؤلاء يكتشفون في الوقت نفسه أن المخازن الأميركية نفسها محدودة، وأن الأولويات قد تتغير بسرعة عندما تندلع حرب كبرى ، كما حصل أخيراً.

هذا التناقض يضع أوروبا أمام معضلة مزدوجة. فهي مطالبة بدفع المال لشراء أسلحة أميركية، لكنها لا تضمن دائماً موعد التسليم ولا وجهة الاستخدام النهائية للأموال. وهي مطالبة أيضاً بزيادة إنفاقها الدفاعي، لكنها ترى أن الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة قد يتحول إلى نقطة ضعف، خصوصاً إذا واصل البيت الأبيض تقليص التزاماته الأطلسية أو ربطها بمواقفه من ملفات أخرى، مثل الحرب مع إيران.

وقد زاد التوتر بعد انتقادات ترمب للأوروبيين بسبب ترددهم في تأييد الحرب ضد طهران، ثم إعلان البنتاغون سحب 5 آلاف جندي من ألمانيا عقب تصريحات المستشار الألماني فريدريش ميرتس عن «إهانة» واشنطن من جانب طهران. وفي خلفية هذه الرسائل، بدأ الأوروبيون يتساءلون: هل يمكن بناء أمن القارة على إدارة أميركية تستخدم الوجود العسكري والذخائر والصفقات بوصفها أدوات ضغط سياسي؟

لهذا لم يعد دعم أوكرانيا مجرد ملف مساعدات، بل يعد اختباراً لمستقبل العلاقة الأطلسية. فإذا تعثرت إمدادات كييف بسبب حرب أخرى، فإن موسكو ستقرأ ذلك بوصفه دليلاً على أن الغرب يستطيع فتح أكثر من جبهة سياسية، لكنه لا يستطيع دائماً إسنادها عسكرياً بالسرعة المطلوبة.

كييف تعرض خبرة الحرب

وسط هذا القلق، تُقدّم أوكرانيا نفسها للأوروبيين لا كأنها عبء استراتيجي، بل كأنها مدرسة عسكرية حيّة. ففي منتدى كييف الأمني، بدا الخطاب الأوكراني واضحاً: أوروبا تحتاج إلى أوكرانيا بقدر ما تحتاج أوكرانيا إلى أوروبا. لقد تلقت كييف «أقسى ضربة» روسية، لكنها لم تنكسر. صمدت أمام هجمات الخريف، ونجت من فصول شتاء قاسية استهدفت فيها روسيا البنية التحتية للطاقة، وراكمت خبرة قتالية لا تملكها معظم جيوش القارة.

سيدة أوكرانية تتفقد منزلاً تعرَّض لهجوم من طائرات روسية مُسيَّرة في حي كييفسكي بمدينة دونيتسك (د.ب.أ)

أهم هذه الخبرات يتمثل في حرب المسيّرات والحرب الإلكترونية. فالمقاتلون الأوكرانيون يقولون إن ميدان القتال صار مختبراً سريع التغير، وإن أنظمة المسيّرات والتشويش تُحدَّث شهرياً، لا سنوياً. وتنقل «واشنطن بوست» عن ممثل لوحدة مسيّرات في لواء آزوف الأوكراني قوله إن المسيّرات باتت مسؤولة عن 92 في المائة من إصابات الأهداف في وحدته، مقابل 3 في المائة فقط للمدفعية. هذه الأرقام وحدها تكفي لتفسير لماذا تنصت القيادات الأوروبية بانتباه غير مسبوق إلى تجربة كييف.

كما أن أوكرانيا طوّرت قدرة لافتة في مواجهة المسيّرات الروسية والإيرانية الصنع. فقد قال قائد وحدة دفاع جوي أوكرانية إن بلاده تحيّد حالياً نحو 70 في المائة من الهجمات الروسية بالمسيّرات، وتطمح إلى رفع النسبة إلى أكثر من 90 في المائة بحلول نهاية العام. الرسالة للأوروبيين قاسية: هجوم من 500 مسيّرة في يوم واحد قد يكون كافياً لشل دولة غير مستعدة.

أرشيفية لمسيّرة أوكرانية تم اعتراضها في بيلغورود الروسية (أ.ف.ب)

من هنا، يرى محللون أن الحرب الأوكرانية تقف عند منعطف حساس. فكييف لا تزال صامدة، وروسيا لم تحقق الكسر الاستراتيجي الذي أرادته. لكن استمرار الصمود يتطلب إمداداً غربياً ثابتاً، لا وعوداً معلقة على مخزونات مستنزفة. ويرى البعض أن على أوروبا إدراك أن دعم أوكرانيا ليس عملاً خيرياً ولا مجرد تضامن سياسي. إنه استثمار في دفاعها الذاتي، وفي تعلم فنون حرب عادت إلى القارة بعد عقود من الاطمئنان. فالسؤال لم يعد فقط: هل تستطيع أوروبا إنقاذ أوكرانيا؟ بل أيضاً: هل تستطيع أوروبا أن تتعلم من أوكرانيا قبل أن تجد نفسها، ذات يوم، في موقعها؟


إسبانيا تسجل إصابة جديدة بـ«هانتا» لراكب أُجلي من السفينة «هونديوس»

أحد ركاب سفينة الرحلات البحرية «إم في هونديوس» خلال مغادرته بحافلة عسكرية بعد نزوله بميناء في جزر الكناري الإسبانية (أ.ف.ب)
أحد ركاب سفينة الرحلات البحرية «إم في هونديوس» خلال مغادرته بحافلة عسكرية بعد نزوله بميناء في جزر الكناري الإسبانية (أ.ف.ب)
TT

إسبانيا تسجل إصابة جديدة بـ«هانتا» لراكب أُجلي من السفينة «هونديوس»

أحد ركاب سفينة الرحلات البحرية «إم في هونديوس» خلال مغادرته بحافلة عسكرية بعد نزوله بميناء في جزر الكناري الإسبانية (أ.ف.ب)
أحد ركاب سفينة الرحلات البحرية «إم في هونديوس» خلال مغادرته بحافلة عسكرية بعد نزوله بميناء في جزر الكناري الإسبانية (أ.ف.ب)

أعلنت وزارة الصحة الإسبانية، الثلاثاء، تسجيل إصابة جديدة بفيروس «هانتا» لراكب إسباني أُجليَ من السفينة السياحية «هونديوس» التي تمثل بؤرة التفشي، حسبما أفادت به وكالة أنباء «أسوشييتد برس».

وقالت الوكالة إن الراكب الذي ثبتت إصابته بفيروس «هانتا» كان قيد الحجر الصحي داخل مستشفى عسكري في العاصمة مدريد، حيث يقيم أيضاً 13 مواطناً إسبانياً آخرون جرى إجلاؤهم يوم الأحد، وجاءت جميع فحوصهم سلبية للفيروس.

ومع اكتمال عملية إجلاء جميع الركاب ومعظم أفراد الطاقم، أبحرت السفينة «إم في هونديوس» عائدة إلى هولندا، حيث سيتم تنظيفها وتطهيرها بالكامل.

وأعلن المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، الدكتور تيدروس أدهانوم غيبريسوس، في وقت سابق اليوم، أن عدد الحالات المرتبطة بتفشي فيروس «هانتا» على متن السفينة السياحية «هونديوس» بلغ 11 حالة حتى الآن، من بينها ثلاث حالات وفاة.

وقال غيبريسوس في العاصمة الإسبانية مدريد، إن تسعة أشخاص ثبتت إصابتهم بالفيروس، في حين يعد اثنان إضافيان حالتين محتملتين للإصابة.

وأضاف أنه تم عزل جميع المصابين، وأنهم يخضعون حالياً للمراقبة الدقيقة؛ للحد من خطر انتقال العدوى بشكل أكبر، مشيراً إلى أن احتمال انتشار الفيروس على نطاق دولي أوسع لا تزال «منخفضة».

ورغم ذلك، لفت غيبريسوس إلى أنه قد يتم تسجيل حالات إضافية في غضون الأسابيع المقبلة، نظراً إلى فترة الحضانة الطويلة التي يتمتع بها الفيروس.

وقال المدير العام في مؤتمر صحافي، مع رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز: «كل دولة من الدول التي أُعيدَ ركابها إلى مواطنهم، هي المسؤولة عن مراقبة صحة هؤلاء الركاب».

وتوصي منظمة الصحة العالمية بإخضاع الركاب لرقابة صحية صارمة، سواء في المنزل أو في مرافق مخصصة، حتى يوم 21 يونيو (حزيران) المقبل.

كما أصدرت الوكالة الصحية الأممية إرشادات للتعامل مع الركاب الذين تم إجلاؤهم، على أن تبقى للسلطات المحلية حرية تعديل هذه الإرشادات وفقا لسياساتها الوطنية.

ورست السفينة «هونديوس» صباح الأحد الماضي، في جزر الكناري الإسبانية، وأُعيدَ الركاب إلى بلدانهم على متن رحلات جوية خاصة، حيث اكتملت عملية الإجلاء مساء الاثنين.

وتعتقد منظمة الصحة العالمية أن مصدر التفشي قد يكون زوجين هولنديين، يُحتمل أنهما أصيبا بالفيروس في أميركا الجنوبية قبل صعودهما إلى السفينة. وكانا أول من ظهرت عليهما أعراض المرض، وقد توفيا في وقت لاحق.