الحكومة المصرية تثبّت سعر الرغيف المدعم

عقب موجة غلاء بسبب ارتفاع السولار

أحد المخابز البلدية بمصر (تصوير عبد الفتاح فرج)
أحد المخابز البلدية بمصر (تصوير عبد الفتاح فرج)
TT

الحكومة المصرية تثبّت سعر الرغيف المدعم

أحد المخابز البلدية بمصر (تصوير عبد الفتاح فرج)
أحد المخابز البلدية بمصر (تصوير عبد الفتاح فرج)

ثبتت الحكومة المصرية سعر «رغيف الخبز» المدعم، عقب موجة غلاء، بسبب «قرار رفع أسعار الوقود أخيراً»، وقال وزير التموين والتجارة الداخلية المصري، شريف فاروق، إنه «لا مساس برغيف الخبز المدعم».

وأكد في إفادة، الأحد، أن «سعر رغيف الخبز البلدي المدعم سيظل ثابتاً عند 20 قرشاً للرغيف الواحد والمُسعَّر على بطاقات التموين، وذلك رغم تحريك أسعار السولار أخيراً»، موضحاً أن «الدولة مستمرة في تحمُّل فرق تكلفة الإنتاج وسدادها لأصحاب المخابز، بما يضمن استمرار صرف الخبز البلدي المدعَّم للمواطنين عبر بطاقات التموين بالسعر المقرر، دون أي أعباء إضافية».

ورفعت الحكومة المصرية، الجمعة، أسعار الوقود بنسب وصلت إلى 13 في المائة، في زيادة هي الثانية خلال العام الحالي على أن «تقوم بتثبيتها في السوق المحلية لمدة عام على الأقل»، وفق بيان رسمي صدر عن وزارة «البترول والثروة المعدنية» مع دخول الزيادات حيز التنفيذ بواقع جنيهين للبنزين والسولار، و3 جنيهات في سعر المتر المكعب للغاز (الدولار يساوي 47.5 جنيه بالبنوك المصرية).

وأشار وزير التموين، الأحد، إلى أن «الوزارة تُراعي في خططها جميع عناصر التكلفة ومدخلات الإنتاج الخاصة بتصنيع الخبز البلدي المدعَّم، بما في ذلك سعر السولار ضمن هيكل التكلفة، وذلك في ضوء الأسعار الجديدة للمنتجات البترولية»، مؤكداً أن ذلك «في إطار حرص (التموين) على استقرار المنظومة التموينية، وضمان توفير الخبز البلدي المدعَّم بشكل منتظم للمواطنين في مختلف المحافظات».

ويشكل «الخبز» المكون الرئيسي على موائد المصريين، وحسب الإحصاءات الرسمية لوزارة التموين المصرية، فإن «نحو 73 مليون مواطن يحصلون على الخبز المدعم من خلال بطاقات التموين، التي يصل عددها إلى نحو 23 مليون بطاقة». وتشير إحصاءات الوزارة إلى «إنتاج من 250 مليوناً إلى 270 مليون رغيف يومياً، من خلال 30 ألف مخبز بلدي منتشرة على مستوى المحافظات المصرية».

وسبق أن رفعت الحكومة المصرية سعر «الخبز المدعم» في مايو (أيار) العام الماضي، من 5 قروش إلى 20 قرشاً للرغيف، في خطوة قالت عنها حينها إنها تهدف إلى «تخفيض فاتورة الدعم على رغيف الخبز بنحو 130 مليار جنيه سنوياً»، كما أشارت في وقت سابق إلى أن «تكلفة رغيف الخبز على الدولة المصرية تبلغ 1.25 جنيه».

الخبير الاقتصادي المصري، رشاد عبده، يرى أن «تثبيت سعر الخبز المدعم يحقق قدراً معقولاً من استقرار الأسر الفقيرة التي تعتمد عليه في حياتها اليومية»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «منظومة الدعم الحكومي للخبز ثابتة، لأن ملايين الفقراء الذين يمتلكون بطاقات التموين لا يمكنهم تحمل شراء الخبز غير المدعم».

الحكومة المصرية تثبت سعر رغيف الخبز المدعم (وزارة التموين المصرية)

وقال الخبير الاقتصادي المصري، وائل النحاس، إن «تثبيت الحكومة لسعر الخبز يأتي ضمن تطبيق برامج الحماية الاجتماعية التي تعد جزءاً من خطة الإصلاح الاقتصادي التي تنفذها مصر مع صندوق النقد الدولي»، وأكد لـ«الشرق الأوسط» أن «الخبز المدعم يشكل أهمية كبيرة لملايين المصريين، لكن كثيراً من الأسر المسموح لها بالحصول عليه تضطر إلى شراء مزيد من الخبز السياحي الحر، لأن استهلاكها أكبر».

وأدى قرار زيادة أسعار الوقود إلى ارتفاع أسعار عديد من السلع والخدمات، منها أنبوبة البوتاجاز، وتعريفة المواصلات، وسط تخوفات مما وصفه خبراء بـ«موجهة تضخمية جديدة».

في سياق ذلك، أكد المتحدث باسم «شعبة المخابز» في اتحاد الغرف التجارية خالد صبري أن «هناك زيادةً مرتقبةً على أسعار الخبز السياحي بنسبة تتراوح ما بين 10 إلى 15 في المائة»، وقال في تصريحات متلفزة، مساء السبت، إن «سعر المحروقات بما فيها السولار عنصر رئيسي في تحديد سعر الخبز السياحي، حيث تزيد تكاليف الإنتاج». والخبز السياحي هو الخبز الذي يباع بسعر حر دون تسعير، ويعتمد عليه من لا يمتلكون بطاقات تموينية من المواطنين.

وحسب النحاس، فإن «آلاف المصريين ممن لا يحملون بطاقات تموينية يضطرون إلى شراء الخبز السياحي بسعر حر، حيث يصل سعر الرغيف إلى 3 جنيهات».


مقالات ذات صلة

مصدر مصري: تحركات لإدخال «لجنة غزة» إلى القطاع قبل عيد الأضحى

خاص فلسطينيون نازحون ينقلون صناديق في عربة عبر أنقاض المباني المدمرة في جباليا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

مصدر مصري: تحركات لإدخال «لجنة غزة» إلى القطاع قبل عيد الأضحى

تحدث مصدر مصري مطلع لـ«الشرق الأوسط»، السبت، عن أن هناك تحركات للوسطاء لإدخال عناصر من «لجنة إدارة غزة» للقطاع قريباً.

محمد الريس (القاهرة)
شمال افريقيا سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

التعليم واستقرار الخدمات يعززان خيار بقاء سودانيين في مصر

ودعت الأربعينية السودانية غادة حسن، على مدار الأسابيع الماضية، العديد من معارفها من السودانيين الذين التقت بهم في مصر، لكن بالنسبة لها قرار العودة ليس سهلاً.

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا تلاحق حملات المرور المخالفين من قائدي «التوك توك» (محافظة أسوان)

«التوك توك» في مصر... قرارات تنظيمية متعثرة وحوادث متصاعدة

قتيلان وأكثر من 10 مصابين سقطوا في حوادث متفرقة بمصر بسبب  «التوك توك» خلال الأسبوع الماضي، نتيجة انقلابه خلال السير على الطريق بسرعة.

أحمد عدلي (القاهرة)
شمال افريقيا تحذيرات للعملاء من تصاعد عمليات الاحتيال (وزارة الاتصالات المصرية)

«النَّصب الإلكتروني» يثير قلق قطاعات مصرفية في مصر

أثارت جرائم «النصب الإلكتروني» قلق قطاعات مصرفية في مصر، ووجَّهت بنوك عدة تحذيرات للعملاء من تصاعد عمليات الاحتيال وتطور أساليبها.

عصام فضل (القاهرة)
شمال افريقيا محادثات مصرية - قطرية في الدوحة مارس الماضي لوقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على «فيسبوك»)

تأكيد مصري - قطري على أهمية دعم المسار التفاوضي بين أميركا وإيران

أكدت مصر وقطر «أهمية دعم المسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران». وشدد البلدان على أن الارتكان إلى الحلول الدبلوماسية السبيل الوحيد لمعالجة الأزمة الراهنة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

الجزائر ترهن التطبيع مع باريس باعتذار صريح عن جرائم الاستعمار

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون متسلماً رسائل نظيره الفرنسي من الوزيرة المكلفة شؤون القوات المسلحة وقدامى المحاربين أليس روفو (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون متسلماً رسائل نظيره الفرنسي من الوزيرة المكلفة شؤون القوات المسلحة وقدامى المحاربين أليس روفو (الرئاسة الجزائرية)
TT

الجزائر ترهن التطبيع مع باريس باعتذار صريح عن جرائم الاستعمار

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون متسلماً رسائل نظيره الفرنسي من الوزيرة المكلفة شؤون القوات المسلحة وقدامى المحاربين أليس روفو (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون متسلماً رسائل نظيره الفرنسي من الوزيرة المكلفة شؤون القوات المسلحة وقدامى المحاربين أليس روفو (الرئاسة الجزائرية)

تعاملت السلطات الجزائرية ببرودة تجاه خطوة باريس اللافتة نحو تطبيع العلاقات بين البلدين، والمتمثلة في إرسال الوزيرة الفرنسية لشؤون القوات المسلحة وقدامى المحاربين، أليس روفو؛ للمشارَكة في مراسم إحياء ذكرى «مجازر 8 مايو (أيار) 1945» في شرق الجزائر، حيث قتل الجيش الفرنسي في أثناء الحقبة الاستعمارية آلاف الجزائريين خلال مظاهرات مطالِبة بالاستقلال.

وفي حين غاب ذكر الزيارة، التي بدأت الجمعة، عن غالبية وسائل الإعلام الرسمية، استقبل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، الوزيرة الفرنسية، السبت، حاملةً إليه رسالةً من نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، وفق ما جاء في بيان مقتضب للرئاسة الجزائرية.

وأرجعت مصادر مطلعة تجاهل الإعلام إلى «عدم صدور إدانة صريحة أو اعتذار رسمي من الوزيرة عن الجرائم الاستعمارية»، وهو ما يظلُّ «خطاً أحمر» في ملف الذاكرة المُعقَّد بين البلدين، وقضية فارقة تُحدِّد شكل العلاقات الثنائية.

أليس روفو الوزيرة الفرنسية المكلّفة شؤون المحاربين القدامى (يساراً) إلى جانب وزير المجاهدين وذوي الحقوق الجزائري عبد المالك تشريفت خلال مراسم إحياء ذكرى «مجازر سطيف 1945» في مدينة سطيف شرق الجزائر يوم 8 مايو 2026 (أ.ف.ب)

وغاب أي ذكر لمشارَكة أليس روفو، وزير المجاهدين الجزائري عبد المالك تشريفت، الاحتفالات بمرور 81 سنة على «مذابح سطيف وقالمة وخراطة»، التي جرت بمدينة سطيف (300 كيلومتر شرق العاصمة)، في القنوات التلفزيونية العمومية والصحف الحكومية المعرَّبة والفرنكفونية، بينما خصَّصت الصحف الخاصة حيزاً بسيطاً لوجود عضوة الحكومة الفرنسية، التي حلَّت بالجزائر ومعها سفير فرنسا لدى الجزائر ستيفان روماتيه، الذي كانت باريس قد سحبته قبل سنة في سياق تصاعد التوترات التي نشأت إثر إعلان «الإليزيه» اعترافه بسيادة المغرب على الصحراء بنهاية يوليو (تموز) 2024.

لا مستقبل قبل الاعتذار

وخصَّصت «وكالة الأنباء الجزائرية» 60 كلمة فقط عن حضور روفو الاحتفالات، ونقلت عنها تصريحها بأنَّه «يجب التحلي بالشجاعة للنظر إلى التاريخ كما حدث في حقيقته، مع احترام ذاكرة الجزائر». كما أشارت إلى أنها «وضعت إكليلاً من الزهور أمام النصب التذكاري المخلد للمجازر».

ونشر حساب وزارة المجاهدين بالإعلام الاجتماعي صورة للوزير تشريفت مع الوزيرة الفرنسية روفو، مرفقة ببيان مقتضب يشير إلى «حضور» موفدة الرئاسة الفرنسية إلى سطيف.

وفي تقدير مصادر مقربة من الحكومة، فإنَّ عدم وجود مؤشرات استبقت الزيارة توحي باعتراف فرنسي رسمي بأنَّ «مجازر الثامن من مايو» ترقى لكونها «جريمة ضد الإنسانية»، يفسِّر إلى حدٍّ ما عدم تحمُّس السلطات لاستقبال الوزيرة الفرنسية.

السفير الفرنسي لدى الجزائر ستيفان روماتيه (السفارة الفرنسية)

وبهذا الخصوص، كتبت صحيفة «الوطن» الفرنكفونية، وهي أكبر الصحف الخاصة في الجزائر: «رغم موافقة الجزائر على استقبال وزيرة فرنسية في سطيف يوم 8 مايو، فإنَّها فرضت سُلَّم أولويات واضحاً: لا حديث عن المستقبل قبل مواجهة الماضي. ففي الوقت الذي كانت فيه فرنسا تحتفل بتحرُّرها من النير النازي، كانت مجازر سطيف وقالمة وخراطة تحصد أرواح عشرات الآلاف، (45 ألف قتيل بحسب الأرقام الجزائرية الرسمية)؛ وهذا التناقض الصارخ هو ما طالبت الجزائر باريس دوماً بالاعتراف به صراحة».

ذوبان الجليد لا يعني المصالحة

وعادت الصحيفة إلى خطوات تمَّت في المدة الأخيرة لإزالة التوترات، فقالت: «لقد انتظرت الجزائر تذليل العقبات (في علاقتها مع فرنسا) واحدة تلو الأخرى قبل أن تفتح الأبواب: بدءاً من عفو الرئيس تبون عن بوعلام صنصال، ورحيل وزير الداخلية برونو ريتايو (تصدر الأزمة في بدايتها)، وصولاً إلى زيارة وزير الداخلية الجديد لوران نونيز في فبراير (شباط) الماضي، واستئناف ترحيل الجزائريين المقيمين بطريقة غير قانونية في فرنسا؛ وهي الخطوة الملموسة التي كانت باريس تلحُّ عليها. إنَّ هذا التسلسل للأحداث يظهر جزائر تتفاوض من موقع قوة، مدركةً تماماً أنَّ باريس هي مَن تحتاج إلى هذا المسار من التطبيع أكثر منها».

الرئيس الجزائري خلال استقبال وزير الداخلية الفرنسي في 18 فبراير 2026 (الرئاسة الجزائرية)

وأضافت: «أما قضية الصحراء الغربية، فلا تزال قائمةً بكل تعقيداتها. وفي حين يحرز ملف مصالحة الذاكرتين تقدماً، فإنَّه لا يزال يصطدم بغياب اعتذارات رسمية فرنسية تطالب بها فئات من المجتمع المدني والطبقة السياسية في الجزائر». ووفق «الوطن» فإنَّ «مساعي إذابة الجليد هي حقيقة واقعة، لكن في الجزائر، يدرك الجميع أنَّ ذوبان الجليد لا يعني بالضرورة المصالحة».

خطوات رمزية

من جهتها، كتبت صحيفة «الشروق»، المعروفة بخطها المعادي لفرنسا: «بينما تطالب الجزائر فرنسا باعتراف رسمي وصريح بجرائم الاستعمار كافة (1830 - 1962)، تكتفي باريس باعترافات في بعض الوقائع التاريخية بشكل جزئي»، مشيرة إلى أنَّ «تعاطي فرنسا والرئيس إيمانويل ماكرون مع مجاز 8 مايو لم يتجاوز الخطوات الرمزية».

وعلَّق الباحث الجزائري في تاريخ الاستعمار الفرنسي بالجزائر، حسني قيتوني، على بيان «الإليزيه» الذي يعلن فيه زيارة الوزيرة روفو، قائلاً: «إنه لا يتضمَّن أي كلمة تصف ما وقع. هناك حديث عن الحقيقة دون أي تعريف قانوني للأحداث. وبالتالي، لا يوجد اعتراف رسمي بـ(الجرائم ضد الإنسانية)»، وهو مصطلح شائع الاستخدام بين المؤرخين والجانب الجزائري.

الباحث الجزائري المختص في تاريخ الاستعمار حسني قيتوني (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وفي قراءته للبيان ذاته، لفت قيتوني إلى «خلوّه من أي تعبير عن الندم أو اعتذار صريح»، عادّاً أنه «مجرد سردٍ للذاكرة التاريخية، يفتقر لطلب المغفرة». كما انتقد «غياب أي إشارة لمسؤوليات فرنسية محددة عن الجرائم التي اقترفها الجيش الاستعماري والمستوطنون وأجهزة القمع، أو حتى تسمية الشخصيات المتورطة فيها، رغم أنَّها موثَّقة بشكل واسع، بما في ذلك في الأرشيف الفرنسي نفسه».


الجيش السوداني يستعيد «الكيلي» الاستراتيجية في النيل الأزرق

عناصر من الجيش السوداني يحتفلون بعد السيطرة على إحدى المناطق في شمال الخرطوم بحري يوم 25 يناير 2025 (رويترز)
عناصر من الجيش السوداني يحتفلون بعد السيطرة على إحدى المناطق في شمال الخرطوم بحري يوم 25 يناير 2025 (رويترز)
TT

الجيش السوداني يستعيد «الكيلي» الاستراتيجية في النيل الأزرق

عناصر من الجيش السوداني يحتفلون بعد السيطرة على إحدى المناطق في شمال الخرطوم بحري يوم 25 يناير 2025 (رويترز)
عناصر من الجيش السوداني يحتفلون بعد السيطرة على إحدى المناطق في شمال الخرطوم بحري يوم 25 يناير 2025 (رويترز)

أعلن الجيش السوداني استعادة السيطرة على منطقة «الكيلي» الاستراتيجية بولاية النيل الأزرق، عقب معارك مع «قوات الدعم السريع» قال إنها أسفرت عن خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد العسكري.

وقال الجيش، في بيان، إن «الفرقة الرابعة مشاة» والقوات المساندة لها تمكنت من تحرير منطقة الكيلي الواقعة على تخوم مدينة الكرمك في المحور الجنوبي، بعد مواجهات ضد «قوات الدعم السريع» وقوات متمردة أخرى بقيادة جوزيف توكا. وأوضح البيان أن العمليات العسكرية أسفرت عن تدمير معدات عسكرية وآليات قتالية، إلى جانب إلحاق خسائر فادحة بالقوات المتمردة.

وبث الجيش مقاطع مصورة أظهرت انتشار قواته داخل البلدة، مؤكداً أن العمليات العسكرية ستتواصل «حتى دحر التمرد من كامل مناطق الولاية، وتعزيز الأمن والاستقرار وتأمين حدود البلاد».

من جهته، عدّ حاكم إقليم النيل الأزرق أحمد العمدة، في منشور على موقع «فيسبوك»، أن الانتصار الذي حققته «الفرقة الرابعة مشاة» في منطقة الكيلي يمثل «بداية نهاية التمرد في الإقليم»، مضيفاً أن «بشائر التحرير الكامل ستلوح قريباً».

الفريق ياسر العطا خلال لقائه حاكم إقليم النيل الأزرق (فيسبوك)

وتكتسب منطقة الكيلي أهمية استراتيجية لوقوعها على الطريق الرئيسي الرابط بين مدينتي الدمازين، عاصمة ولاية النيل الأزرق، والكرمك القريبة من الحدود الإثيوبية، والتي كانت قد سقطت في مارس (آذار) الماضي في يد «قوات الدعم السريع» وحليفتها «الحركة الشعبية – شمال» بقيادة عبد العزيز آدم الحلو. وكان رئيس هيئة أركان الجيش السوداني، الفريق أول ياسر العطا، الذي زار المنطقة في وقت سابق، قد تعهد بإرسال مزيد من القوات والتعزيزات العسكرية إلى إقليم النيل الأزرق، بهدف استعادة المناطق التي تسيطر عليها «قوات الدعم السريع». في المقابل، لم تصدر «قوات الدعم السريع» أي تعليق رسمي بشأن المعارك الدائرة في المنطقة، التي تتزامن مع استمرار الاشتباكات على تخوم مدينة قيسان، ثاني أكبر مدن ولاية النيل الأزرق.

وفي تطور موازٍ، أعلنت «الحركة الشعبية – شمال»، وهي إحدى القوى الرئيسية ضمن تحالف «تأسيس» المدعوم من «الدعم السريع»، سيطرتها على بلدات دوكان وكرن كرن وخور الحسن بمحافظة الكرمك، مؤكدة تقدم قواتها باتجاه مدينة قيسان. وقالت الحركة، في بيان نشرته عبر صفحتها الرسمية على «فيسبوك»، إن قوات «الجيش الشعبي» تمكنت من تفكيك دفاعات الجيش السوداني في تلك المناطق، مما دفع قواته إلى الانسحاب نحو مدينة الدمازين.

عناصر من الجيش السوداني يحتفلون بعد السيطرة على إحدى المناطق في شمال الخرطوم بحري يوم 25 يناير 2025 (رويترز)

وتأتي هذه التطورات الميدانية في ظل تصاعد التوتر بين السودان وإثيوبيا، حيث يواصل الجيش السوداني اتهام الحكومة الإثيوبية بدعم «قوات الدعم السريع»، بما في ذلك استخدام الأراضي الإثيوبية لإطلاق طائرات مسيّرة داخل السودان، كان آخرها الهجوم الذي استهدف مطار الخرطوم الدولي الأسبوع الماضي.

معارك بجنوب كردفان

وفي ولاية جنوب كردفان، تتواصل المعارك العنيفة بين الجيش السوداني والقوات المساندة له من جهة، و«قوات الدعم السريع» من جهة أخرى، في منطقة «التكمة» قرب مدينة الدلنج، وسط تضارب الأنباء بشأن الطرف المسيطر على المنطقة.

وفي سياق متصل، قُتل 15 شخصاً وأصيب العشرات، السبت، جراء قصف بطائرة مسيّرة استهدف شاحنة نقل مدنية بالقرب من مدينة أبوزبد بولاية جنوب كردفان، حسب ما أفاد به تحالف «تأسيس» المدعوم من «قوات الدعم السريع». واتهم المتحدث الرسمي باسم التحالف، علاء الدين عوض نقد، الجيش السوداني بتنفيذ الهجوم، قائلاً إن الشاحنة كانت في طريقها من بلدة خمي إلى مدينة أبوزبد عندما تعرضت للقصف، ما أدى إلى مقتل 15 شخصاً وإصابة أكثر من 17 آخرين بجروح متفاوتة. وأضاف، في بيان نشر عبر «فيسبوك»، أن «الاستهداف المتعمد للمدنيين العزل يمثل محاولة لبث الرعب وتوسيع دائرة الحرب والفوضى في البلاد»، داعياً المجتمع الدولي إلى اتخاذ «موقف قوي وواضح» تجاه هذه الهجمات. ولم يصدر الجيش السوداني تعليقاً فورياً على الاتهامات. وحسب تقارير الأمم المتحدة، قُتل نحو 700 مدني في السودان منذ يناير (كانون الثاني) الماضي، جراء هجمات متبادلة بالطائرات المسيّرة بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع».


التعليم واستقرار الخدمات يعززان خيار بقاء سودانيين في مصر

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)
سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)
TT

التعليم واستقرار الخدمات يعززان خيار بقاء سودانيين في مصر

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)
سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

ودعت الأربعينية السودانية غادة حسن، على مدار الأسابيع الماضية، العديد من معارفها من السودانيين الذين التقت بهم في مصر خلال السنوات الماضية، قبل عودتهم إلى وطنهم ضمن موجات العودة الطوعية المتلاحقة، لكن بالنسبة لغادة ما زال قرار العودة ليس سهلاً، خصوصاً مع رحلة علاج ابنها الذي أصيب خلال الحرب، وصعوبة الخدمات بالخرطوم مقارنة بالقاهرة.

وعاد إلى السودان من مصر أكثر من 538 ألف شخصاً، خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) 2024، وحتى فبراير (شباط) 2026، وفق تقرير المنظمة الدولية للهجرة الصادر في أبريل (نيسان) الماضي، ويمثل هذا الرقم نحو 87 في المائة من مجمل العائدين إلى السودان من دول الجوار.

العودة ليست سهلة

تقول غادة، التي تعمل مدرسة في إحدى المدارس الدولية السودانية في القاهرة، لـ«الشرق الأوسط»، إنها «لا تعلم أحداً ممن جاءوا إلى مصر من السودان بعد الحرب، ينوي الاستقرار فيها للأبد، الجميع سيعود، لكن قرار العودة الآن ليس سهلاً على الكثيرين، خصوصاً في ظل غياب الخدمات في السودان، فالكهرباء لا تأتي سوى ساعتين في اليوم، ومن ثمّ المياه في انقطاع دائم».

ويضيف الباحث السوداني في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، السبب الأمني، ضمن الأسباب التي تعوق عودة الكثير من الأسر السودانية حالياً، قائلاً لـ «الشرق الأوسط» إن استخدام «قوات الدعم السريع» للمسيّرات يجعل الشعور بالأمن يتراجع داخل السودان، بخلاف عدم قدرة الحكومة السودانية حتى الآن على استعادة الخدمات الأساسية في السودان سواء الخدمات التعليمية أو الطبية التي سيشجع وجودها العديدين على العودة.

وأضاف تورشين أن غياب هذه الخدمات يجعل العديد من السودانيين ممن لديهم ارتباطات في مصر، سواء للتعليم أو الاستثمار أو علاقات تصاهر أو من يبقون للعلاج، يفضلون البقاء في مصر، بالنظر إلى جودة هذه الخدمات، بالإضافة إلى متانة العلاقات الأخوية بين الشعبين.

رئيس هيئة الجوازات السوداني يستقبل أفواج العائدين من مصر أبريل 2026 (لجنة الأمل للعودة الطوعية)

تتذكر غادة جيداً كيف خرجت من الخرطوم، حيث كانت تسكن في منطقة راقية بالقرب من مطارها الدولي، بعد 9 أشهر من اندلاع الحرب، إثر إصابة نجلها الأكبر بثلاث رصاصات في قدمه. قائلة: «لدي جواز سفر دبلوماسي، إذ كنت مديرة قسم بريطاني في وزارة الخارجية، وزوجي دبلوماسي، وفررنا إلى القاهرة بعدما أخبرنا الطبيب بضرورة إجراء عملية لابني بسرعة تفادياً لبتر القدم».

استقرت غادة وأبناؤها في فيصل، وفيما بعد لحق بها أخوها وأبناؤه ووالدتها، بينما انتقلت شقيقة لها إلى قطر، ونزحت شقيقة أخرى إلى إحدى المدن السودانية الآمنة نسبياً، ليتشتت شمل عائلتها حتى الآن، مشيرة إلى أنها تتقصى من العائدين إلى السودان الأوضاع هناك فتسمع بتفشي أمراض، وعدم وجود مستشفيات أو خدمات، فتقرر البقاء في مصر خصوصاً أن إقامتها هي وأبنائها، الحاصلين عليها على الكارت الأصفر لمفوضية اللاجئين، مستمرة لعام قادم «بعد العام لا أعلم ماذا سأفعل، في ظل حملات الترحيل»، لافتة إلى أن «العائدين إلى السودان حالياً إما أسر نفدت مدخراتها أو ليس لديها إقامات أو ترغب في لم شملها مع باقي عائلاتها».

بقاء رغم حملات ترحيل المخالفين

وتشهد مصر حملات أمنية مشددة لترحيل مخالفي الإقامة منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وأسفرت عن ترحيل الآلاف وفق مراقبين، كما دفعت آخرين للعودة الطوعية.

مثل غادة، لا يفكر المهندس السوداني الثلاثيني، نبيل عباس، في العودة قريباً إلى السودان، في ظل تردي الخدمات هناك، مقارنة بإتاحتها في القاهرة، فضلاً عن استقراره في العمل هنا، وحصوله على إقامة عليه، وفق حديثه لـ«الشرق الأوسط».

جاء عباس إلى مصر قبل عامين بصحبة أسرته، بعدما أصيب في يده برصاصة، وبعد العلاج عمل في إحدى الشركات، وسكن منطقة التجمع الخامس (شرق القاهرة).

سودانيون عائدون إلى السودان عبر معبر أرقين (صورة أرشيفية)

وتشير التقديرات الرسمية إلى أن نحو مليون سوداني جاءوا إلى مصر عقب الحرب.

أما السودانية نون عبد المجيد (28 عاماً) فوصلت إلى مصر هي وأسرتها قبل الحرب التي نشبت في أبريل (نيسان) من عام 2023، وإن كان قدومها بسبب عدم شعورها بالأمان نتيجة عدم استقرار الأوضاع ونقص الخدمات وتوقف التعليم كل فترة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كنا قد جئنا إلى مصر في زيارة قبل الاستقرار بها لفترة، وشعرنا بالألفة والأمان والخدمات المتاحة، ففكرنا أنها تصلح للعيش إذا ما قررنا في يوم مغادرة السودان».

قدمت نون لدراسة الإعلام في مصر، بعدما تعثرت في استكماله في السودان، وحالياً هي في السنة الأخيرة. ليست لدى الشابة السودانية مشكلة في الإقامة هي وأمها وأختها، التي تدرس أيضاً في مصر، أما باقي عائلتها فلديها إقامة سياحية تتجدد كل فترة.

لا تعتقد نون أنها ستجد فرصة عمل مناسبة لها في مصر بعد الحصول على البكالوريوس، لذا تفكر في السفر إلى إحدى دول الخليج، بينما ستبقى أسرتها في مصر، ولا يفكرون في العودة قريباً للسودان على أمل تجديد إقامتهم السياحية.

Your Premium trial has ended