ترمب يُجمّد ملف «توماهوك» في انتظار نتائج «بودابست»

مخاوف أوروبية من استغلال موسكو قمة ترمب وبوتين لتعزيز مكاسبها الميدانية

ترمب لدى استقباله زيلينسكي في المكتب البيضاوي يوم 17 أكتوبر (أ.ف.ب)
ترمب لدى استقباله زيلينسكي في المكتب البيضاوي يوم 17 أكتوبر (أ.ف.ب)
TT

ترمب يُجمّد ملف «توماهوك» في انتظار نتائج «بودابست»

ترمب لدى استقباله زيلينسكي في المكتب البيضاوي يوم 17 أكتوبر (أ.ف.ب)
ترمب لدى استقباله زيلينسكي في المكتب البيضاوي يوم 17 أكتوبر (أ.ف.ب)

لم تستغرق مكالمة هاتفية بين الرئيسَين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين أكثر من ساعتَين لتُبدّل المسار الذي كانت تتجه إليه السياسة الأميركية حيال الحرب في أوكرانيا. فبعد أيام من تلميح مسؤولين بارزين في الإدارة إلى استعداد واشنطن لتزويد كييف بصواريخ «توماهوك» بعيدة المدى، وإعداد حزمة جديدة من العقوبات الاقتصادية ضد موسكو، خرج ترمب ليعلن قمة جديدة مع بوتين في بودابست، متحدثاً عن «اقتراب السلام».

هذا التحول المفاجئ في مواقف البيت الأبيض ليس الأول من نوعه منذ عودة ترمب إلى الحكم، لكنه جاء في لحظة حساسة في مسار الحرب، مع إعادة حلف شمال الأطلسي (الناتو) ترتيب أولوياته العسكرية على وقع الجمود في جبهات دونيتسك وخاركيف.

«دبلوماسية الإرجاء»

قبل اتصال بوتين، ظهرت مؤشرات قوية على ميل إدارة ترمب إلى رفع مستوى الضغط العسكري والاقتصادي على موسكو. فقد ناقش مجلس الأمن القومي الأميركي تقارير حول جدوى تزويد أوكرانيا بصواريخ «توماهوك»، وهو ما كان سيمنح كييف قدرة على ضرب العمق الروسي. كما بدأت «الخارجية الأميركية» إعداد مسودة عقوبات جديدة تستهدف مشتري الطاقة الروسية ومؤسسات مالية مرتبطة بالكرملين، استناداً إلى مشروع يتوقع أن يتم التصويت عليه الأسبوع المقبل في مجلس الشيوخ.

جانب من لقاء زيلينسكي مع رئيس شركة «رايثيون» في واشنطن يوم 16 أكتوبر (أ.ف.ب)

لكن تلك التوجهات انقلبت رأساً على عقب بعد مكالمة يوم الخميس؛ إذ خرج ترمب في اليوم التالي ليقول، خلال لقائه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في البيت الأبيض: «نأمل أن نتمكن من إنهاء الحرب من دون تفكير في صواريخ (توماهوك)». وبدلاً من عقوبات جديدة، أعلن قمة مرتقبة مع بوتين، مُكرّساً ما بات يُوصف في واشنطن بـ«دبلوماسية الإرجاء»، أي تأجيل القرارات الصلبة على أمل إحراز تقدم تفاوضي. وهو نهج ينتقده خصوم ترمب الذين يرون أنه يمنح موسكو متسعاً إضافياً للمناورة الميدانية والدبلوماسية.

بوتين قلب الموازين

يُجمع مراقبون في واشنطن وبروكسل على أن بوتين نجح في استعادة زمام التواصل الشخصي مع ترمب، بعد فترة من الفتور أعقبت «قمة ألاسكا» في أغسطس (آب) الماضي.

بوتين متحدّثاً مع صحافي يغطّي «العملية العسكرية» الروسية في أوكرانيا بموسكو يوم 17 أكتوبر (أ.ب)

فالمكالمة الأخيرة لم تكن مجرد تواصل بروتوكولي، بل عملية إقناع كاملة. ونقلت صحف أميركية عدة عن مصادر أن بوتين حذّر نظيره الأميركي من أن إرسال صواريخ بعيدة المدى إلى كييف «سيقضي على أي فرصة للتسوية»، لافتاً إلى أن السلاح الجديد «لن يغير شيئاً في الميدان سوى زيادة التوتر».

من جانبه، أبدى ترمب استعداداً للاستماع، مكرراً لاحقاً عبارته المألوفة: «لقد تم التلاعب بي طوال حياتي، لكنني خرجت رابحاً في النهاية». هذه الجملة التي اعتاد تكرارها في الأزمات السابقة، باتت تعكس مقاربة تقوم على «الثقة الممزوجة بالشك» تجاه بوتين، لكنها في النهاية تنتهي غالباً بتنازلات أو خطوات رمزية أكثر من كونها حاسمة.

كييف تخسر ورقة «توماهوك»

من ناحيته، فقد بدا الرئيس زيلينسكي محبطاً بعد لقائه ترمب في البيت الأبيض. فكل ما بناه على مدار أسابيع من ضغط دبلوماسي وإعلامي لإقناع واشنطن بضرورة تسليح بلاده بصواريخ بعيدة المدى، تهاوى في ساعات قليلة.

زيلينسكي متحدّثاً مع صحافيين عقب لقائه الرئيس الأميركي في واشنطن يوم 17 أكتوبر (أ.ب)

وكان فريقه قد أعدّ خطة متكاملة للتعاون مع شركة «رايثيون» المصنّعة للصواريخ، ونسّق مع البنتاغون بشأن آليات النقل والتخزين. لكن قرار ترمب بتجميد الصفقة جعل أوكرانيا تدخل مجدداً في دوامة انتظار ما ستُسفر عنه «قمة بودابست» المقبلة بين ترمب وبوتين، وانتظار أي إشارة إلى إمكانية استئناف الدعم العسكري الأميركي على نطاق أوسع.

هذا التراجع الأميركي ترك أثراً مباشراً على موقع كييف التفاوضي. فبينما كانت تستعد لفرض واقع جديد على الأرض عبر القدرة على ضرب أهداف استراتيجية في روسيا، وجدت نفسها الآن مضطرة إلى التمسك بخيار «وقف النار على خطوط التماس الحالية»، وهو المقترح الذي طرحه ترمب علناً ودعمه زيلينسكي «بوصفه نقطة انطلاق لمحادثات أوسع». لكنه عملياً يكرّس سيطرة روسيا على مساحات واسعة من الشرق والجنوب الأوكراني.

«الناتو» أمام اختبار القيادة

قرار ترمب بالتراجع عن تسليح أوكرانيا بصواريخ «توماهوك» لم يُحدث صدمة في كييف وحدها، بل هزّ أروقة حلف شمال الأطلسي. فبينما كان الحلف يستعدّ لإطلاق برنامج دعم جديد لأوكرانيا بتمويل أوروبي، جاء الموقف الأميركي ليبعث برسالة مقلقة للحلفاء، مفادها أن واشنطن ما زالت تتعامل مع الحرب الأوكرانية بوصفها ملفاً قابلاً للمساومة، وليس بوصفها معركة مصيرية لمستقبل الأمن الأوروبي.

ترمب يُدلي بتصريحات في بداية لقائه مع زيلينسكي في البيت الأبيض يوم 17 أكتوبر (أ.ب)

وعبّر دبلوماسيون عن خشيتهم من أن يتحوّل «السلام عبر الصفقة» إلى عنوان السياسة الأميركية المقبلة، على حساب سياسة الردع التي تبناها الحلف منذ بداية الحرب في فبراير (شباط) 2022. بعض العواصم، خصوصاً وارسو وفيلنيوس، ترى أن موسكو تفسّر كل تراجع غربي بوصفه دليلاً على ضعف الإرادة، مما يشجعها على مواصلة الضغط العسكري في الشرق الأوكراني، وربما ما بعده.

«قمة بودابست»: فرصة أم فخ؟

يستعد ترمب وبوتين لثاني لقاء بينهما، في بودابست هذه المرة، برعاية رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، أحد أبرز حلفاء موسكو في الاتحاد الأوروبي. ويتحدّث الكرملين عن «صيغة عمل جديدة للبحث عن حل سلمي»، فيما تصفها دوائر أميركية بأنها محاولة لإحياء «المسار الشخصي» بين الزعيمَين بعد إخفاق «قمة ألاسكا».

بوتين ورئيسة تحرير «روسيا اليوم» يتابعان عرضاً حول المشاركين في «العملية العسكرية» الروسية في أوكرانيا بموسكو يوم 17 أكتوبر (إ.ب.أ)

لكن التوقعات متباينة، فأنصار ترمب يرون في الاجتماع فرصة لفرض «تسوية مرنة» توقف القتال، وتفتح باباً للتهدئة مع روسيا، فيما يرى خصومه أنه يمنح بوتين مزيداً من الوقت لإعادة التموضع وتعزيز مكاسبه الميدانية. ويشير محللون إلى أن الرئيس الروسي يجيد استغلال اندفاع ترمب نحو «صفقة كبرى» ليكسب هدنة على الأرض، دون تقديم تنازلات جوهرية.

جمود مكلف

على الأرض، تبدو الحرب في حالة جمود مُكلف. فالقوات الروسية لم تنجح بعد في السيطرة على مدينة بكروفسك الاستراتيجية في غرب دونيتسك، رغم المعارك المستمرة منذ الصيف، فيما تكبّدت خسائر بشرية ضخمة. في المقابل، حققت أوكرانيا تقدماً محدوداً في الجنوب واستعادت بعض المواقع في جبهة خيرسون، لكنها تواجه شتاءً قاسياً مع انهيار شبكات الطاقة تحت ضربات الصواريخ الروسية.

دخان يتصاعد وسط الأنقاض في كوستيانتينيفكا وهي بلدة على خط المواجهة في منطقة دونيتسك يوم 13 أكتوبر (أ.ب)

اقتصادياً، تُقدَّر نفقات الحرب الروسية بأكثر من 40 في المائة من موازنة الدولة، فيما تتراجع العائدات النفطية وسط العقوبات الأوروبية. إلا أن ذلك لم يبدّل حسابات الكرملين الذي يرى أن الزمن يعمل لصالحه ما دامت الجبهات ثابتة، والإرادة الغربية مترددة.

أما في الداخل الروسي فمؤشرات التعب الشعبي بدأت بالظهور، مع استهداف الطائرات المسيّرة الأوكرانية منشآت النفط والغاز داخل روسيا، ما أدى إلى تعطيل قرابة 20 في المائة من قدرات التكرير، ورفع أسعار الوقود داخل السوق الروسية.

من الجانب الأوروبي، يتحرّك الاتحاد لتعويض الفراغ الأميركي جزئياً. ويدرس مشروع قرض بقيمة 160 مليار دولار لتأمين تمويل طويل الأمد لأوكرانيا عبر أصول روسية مجمّدة. كما تدرس برلين وباريس خيارات بديلة لتزويد كييف بصواريخ «توروس» الألمانية، في حال استمرار التردد الأميركي.

لكن القارة العجوز تُدرك أن أي اختلال في الموقف الأميركي سيضعف وحدتها السياسية. فالدعم الأوروبي، مهما بلغ حجمه، لا يستطيع أن يحلّ محل المظلة الاستراتيجية الأميركية التي تشكل العمود الفقري لردع روسيا. لذلك يُنظر إلى «قمة بودابست» المقبلة بوصفها اختباراً مزدوجاً؛ لترمب الذي يسعى إلى إنهاء ما يسميه «الحرب التاسعة»، وللحلفاء الذين يخشون أن تكون نهاية الحرب بداية لتفكك الردع الغربي.

سيناريوهات ما بعد «بودابست»

أمام هذه التطورات، تُطرح ثلاثة احتمالات رئيسية لمسار الحرب خلال الأشهر المقبلة.

جانب من اجتماع ترمب وزيلينسكي في البيت الأبيض يوم 17 أكتوبر (أ.ب)

الأول، تسوية مجمدة، بحيث يتوصل ترمب وبوتين إلى اتفاق يكرّس وقف إطلاق النار على خطوط التماس الحالية، مما يعني تجميد الصراع دون حل جذري. هذا السيناريو يمنح ترمب إنجازاً دبلوماسياً مؤقتاً، لكنه يبقي أوكرانيا في حالة «نصف سلام» مهدد بالانفجار في أي لحظة.

السيناريو الثاني، «تصعيد متأخر» في حالة فشل «قمة بودابست»؛ إذ قد يضطر ترمب تحت ضغط الكونغرس والبنتاغون إلى العودة لخيار العقوبات والتسليح، خصوصاً مع تصاعد الانتقادات من داخل حزبه.

أما الاحتمال الثالث، والأضعف، فهو صفقة شاملة؛ إذ يتنازل بوتين جزئياً عن بعض مطالبه الإقليمية، مقابل اعتراف ضمني بوضعه القائم في الشرق، في إطار اتفاق أوسع يشمل تفاهمات حول العقوبات والطاقة وأمن أوروبا الشرقية.

مرة أخرى، يجد العالم نفسه أمام مشهد مألوف؛ بوتين يمسك بخيوط اللعبة عبر الدبلوماسية، وترمب يسعى إلى تسجيل انتصار شخصي في ملف بالغ التعقيد، فيما تُترك أوكرانيا وحلفاؤها أمام معادلة صعبة بين الصبر والتراجع.

وما بدأ بوصفه محاولة للضغط على روسيا يتحول مجدداً إلى مسار من التسويات الغامضة، فيما الحرب التي أراد ترمب إنهاءها بوصفها «التاسعة والأخيرة»، تبدو اليوم أقرب إلى أن تكون الحرب التي ستختبر حدود زعامته، وقدرة الغرب على الدفاع عن منظومته الأمنية.


مقالات ذات صلة

تصفيات انتخابية للجمهوريين والديمقراطيين في تكساس

الولايات المتحدة​ صورة مركبة للسيناتور جون كورنين والمدعي العام في تكساس كين باكستون (أ.ف.ب)

تصفيات انتخابية للجمهوريين والديمقراطيين في تكساس

يتوجه الجمهوريون إلى صناديق الاقتراع لاختيار مرشح تكساس في مجلس الشيوخ، الثلاثاء، بينما تحرك الديمقراطيون بقوة لمنع فوز مرشحة متهمة بمعاداة السامية في الولاية.

علي بردى (واشنطن)
المشرق العربي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو متحدثاً في مؤتمر صحافي في مارس 2026 (رويترز)

سموتريتش وزامير يدعوان نتنياهو للتمرد على ترمب وقصف بيروت

طلب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير والوزير بتسلئيل سموتريتش من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قصف مبانٍ في بيروت، وتصعيد الحرب رداً على مسيّرات «حزب الله»

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية  ترمب يتحدث مع نتنياهو خلال اجتماع بالبيت الأبيض في واشنطن أبريل 2025 (رويترز) p-circle

نتنياهو يقرّ بصعوبة التأثير على قرارات ترمب بشأن إيران

قال مصدران، إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أبلغ مقربين بأن إسرائيل لا تتمتع بقدرة تذكر للتأثير على قرارات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن إيران.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
الاقتصاد ترمب يحيّي كيفن وورش خلال مراسم تنصيبه رئيساً لـ«الفيدرالي» في البيت الأبيض... 22 مايو 2026 (إ.ب.أ)

معادلة ترمب - وارش: شراكة مصيرية تواجه رياح التضخم وأسعار الفائدة

لطالما كان يمثّل رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي السابق جيروم باول خصماً سياسياً مناسباً للرئيس دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الولايات المتحدة​ قوات من مشاة البحرية الأميركية تنفذ تدريبات إنزال بالحبال من مروحية على متن السفينة الهجومية «يو إس إس تريبولي» في منطقة عمليات القيادة المركزية الأميركية (مشاة البحرية الأميركية)

صقور الجمهوريين يحذرون ترمب من «خطأ كارثي» أمام طهران

تباينت ردود فعل المشرعين الأميركيين على إعلان الرئيس دونالد ترمب، مساء السبت، قرب التوصل إلى مذكرة تفاهم أو اتفاق لإنهاء الحرب وفتح مضيق هرمز أمام الملاحة.

هبة القدسي (واشنطن)

تقرير: ألمانيا تواجه تصاعداً في شبكات التجسس الصينية والروسية

عناصر شرطة خلال تدريب طوارئ في باد سوبرنهايم بغرب ألمانيا 23 مايو 2026 (أ.ف.ب)
عناصر شرطة خلال تدريب طوارئ في باد سوبرنهايم بغرب ألمانيا 23 مايو 2026 (أ.ف.ب)
TT

تقرير: ألمانيا تواجه تصاعداً في شبكات التجسس الصينية والروسية

عناصر شرطة خلال تدريب طوارئ في باد سوبرنهايم بغرب ألمانيا 23 مايو 2026 (أ.ف.ب)
عناصر شرطة خلال تدريب طوارئ في باد سوبرنهايم بغرب ألمانيا 23 مايو 2026 (أ.ف.ب)

تشهد ألمانيا تصاعداً ملحوظاً في قضايا التجسس المرتبطة بقوى أجنبية، في ظل ازدياد المخاوف الأمنية من محاولات اختراق المؤسسات العلمية والعسكرية والسياسية. وفي أحدث هذه القضايا، أوقفت السلطات الألمانية في مدينة ميونيخ زوجين يحملان الجنسية الألمانية للاشتباه في تعاونهما مع جهاز استخبارات صيني، وفق تقرير لصحيفة «لوفيغارو» الفرنسية.

وتشير التحقيقات إلى أن المشتبه بهما عملا على بناء شبكة علاقات مع باحثين وعلماء ألمان متخصصين في مجالات حساسة، من بينها الطيران وعلوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي. كما يُشتبه في أنهما استدرجا بعض هؤلاء الباحثين إلى الصين عبر دعوات مدفوعة للمشاركة في مؤتمرات قيل إنها مدنية، قبل أن يتبين أن حضورها شمل ممثلين عن شركات تسليح حكومية صينية.

وتعكس القضية المخاوف المتزايدة في برلين بشأن حماية الأبحاث العلمية والتكنولوجيا المتقدمة من محاولات الاستحواذ أو النقل غير المشروع إلى الخارج، مع الحرص في الوقت نفسه على عدم تقييد حرية البحث العلمي والتعاون الأكاديمي الدولي.

صورة ملتقطة 20 مايو 2026 تُظهر عناصر شرطة يرافقون شخصاً إلى المحكمة الاتحادية العليا في كارلسروه جنوب غربي ألمانيا (أ.ف.ب)

قضايا صينية سابقة

لا تُعد هذه الحادثة الأولى من نوعها. ففي سبتمبر (أيلول) 2025، أُدين الألماني من أصل صيني جيان غو، وهو مساعد سابق للنائب اليميني المتطرف ماكسيميليان كراه، بالسجن لأربع سنوات وتسعة أشهر بعد إدانته بالتجسس لصالح بكين. كما طالت الشبهات كراه نفسه في تحقيقات مرتبطة بالفساد وغسل الأموال على خلفية علاقات مع الصين.

وفي قضية أخرى، حُكم على موظف مدني سابق في قاعدة عسكرية أميركية داخل ألمانيا بالسجن بعد محاولته تسليم معلومات عسكرية حساسة إلى أجهزة استخبارات صينية.

نشاط روسي متزايد

بالتوازي مع القضايا المرتبطة بالصين، تواجه ألمانيا موجة متصاعدة من قضايا التجسس المنسوبة إلى روسيا. وخلال الأشهر الأخيرة أُدين عدد من المواطنين الألمان من أصول روسية بتهم تتعلق بنقل معلومات أو العمل لصالح أجهزة استخبارات روسية، فيما تتواصل محاكمات أخرى في فرانكفورت ومدن ألمانية مختلفة.

كما أوقفت السلطات امرأة ألمانية أوكرانية الأصل بتهمة مساعدة دبلوماسي روسي على حضور فعاليات سياسية بهوية مزيّفة وبناء شبكة اتصالات تخدم الاستخبارات الروسية. وردّت موسكو على الاتهامات باعتبارها محاولة لتشويه سمعة بعثتها الدبلوماسية.

يزداد في ألمانيا الخوف بشأن حماية الأبحاث العلمية والتكنولوجيا المتقدمة من محاولات الاستحواذ أو النقل غير المشروع للخارج لا سيما إلى الصين (رويترز)

توتر دبلوماسي وأمني

تأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه العلاقات الألمانية الصينية توتراً متزايداً بسبب الخلافات التجارية واتهامات المنافسة غير العادلة. كما تعزز القضايا المتكررة المرتبطة بروسيا والصين قناعة السلطات الألمانية بضرورة تشديد الرقابة الأمنية على القطاعات الاستراتيجية، وسط تحذيرات رسمية من أن أي أنشطة تجسسية على الأراضي الألمانية ستُواجَه بإجراءات قانونية وسياسية صارمة.


موسكو تهدد بـ«ضرب مراكز صنع القرار» في كييف

عمليات ترميم لمبنى سكني تضرر بغارات روسية على كييف الاثنين (أ.ف.ب)
عمليات ترميم لمبنى سكني تضرر بغارات روسية على كييف الاثنين (أ.ف.ب)
TT

موسكو تهدد بـ«ضرب مراكز صنع القرار» في كييف

عمليات ترميم لمبنى سكني تضرر بغارات روسية على كييف الاثنين (أ.ف.ب)
عمليات ترميم لمبنى سكني تضرر بغارات روسية على كييف الاثنين (أ.ف.ب)

حضت روسيا، الاثنين، الرعايا الأجانب والدبلوماسيين الموجودين في كييف على مغادرتها، معلنة عزمها شنّ المزيد من الضربات على العاصمة الأوكرانية، بما في ذلك «مراكز صنع القرار». وجاء هذا تزامناً مع سقوط ستة قتلى الاثنين بضربات أوكرانية على منطقتي بلغورود وبريانسك الحدوديتين في روسيا وفي مناطق خاضعة لسيطرة موسكو، فيما قُتل شخصان بهجوم صاروخي روسي على منطقة خاركيف في شرق أوكرانيا.

سكان يمرون أمام مركز تسوق متضرر بالغارات الروسية في كييف الاثنين (أ.ف.ب)

وقالت وزارة الخارجية الروسية في بيان إن «الضربات (المرتقبة) ستستهدف مراكز صنع القرار ومراكز القيادة... نحضّ الرعايا الأجانب، بمن فيهم موظفو البعثات الدبلوماسية والمنظمات الدولية، على مغادرة المدينة في أسرع وقت ممكن».

وقبل ذلك بساعات، قضى أربعة أشخاص، بينهم طفلان، في بلدة غورليفكا الواقعة على خط المواجهة في منطقة دونيتسك، وفق ما أعلنت الإدارة المحلية التي عينتها موسكو. وقال رئيس البلدية إيفان بريخودكو: «نتيجة للعدوان المسلح الأوكراني في منطقة كالينينسكي في غورلوفكا، قُتل أربعة مدنيين، من بينهم طفلان ولدا في عامي 2012 و2013»، مستخدماً التسمية الروسية للمنطقة.

كما قُتل شخصان صباحاً في هجوم أوكراني بالطائرات المسيّرة على منطقتي بريانسك وبلغورود الحدوديتين غرب روسيا، وفق السلطات المحلية.

وكثيراً ما تستهدف أوكرانيا روسيا ردّاً على القصف اليومي الذي تتعرّض له منذ بدء الغزو الروسي لأراضيها في فبراير (شباط) 2022.

وجاءت هذه التطورات غداة قصف روسي استهدف خصوصاً كييف، أكدت أوكرانيا أن روسيا استخدمت فيه صواريخ أوريشنيك الباليستية القادرة على حمل رؤوس نووية.

ومن جهتها، قالت روسيا إن هجماتها أعقبت ضربات بمسيّرات على مراكز ثقافية في منطقة لوغانسك في شرق أوكرانيا الخاضعة للسيطرة الروسية، أسفرت عن مقتل 21 شخصاً وإصابة أكثر من أربعين.

والاثنين أيضاً، أعلنت السلطات المحلية في منطقة خاركيف في شرق أوكرانيا مقتل شخصين وإصابة 19 آخرين في هجوم صاروخي روسي.

وأسفر الهجوم على بلدة ديرغاشي عن مقتل رجلين يبلغان 68 و25 عاماً، وأدى إلى نقل 17 شخصاً إلى المستشفى، وفق ما ذكر الحاكم الإقليمي أوليغ سينيغوبوف الذي قال إنه تم علاج شخصين آخرين في موقع الهجوم.

وسيطرت القوات الروسية على مساحات شاسعة من منطقة خاركيف الحدودية عندما غزت البلاد في عام 2022، ولكن تم دحرها بعد أشهر في هجوم مضاد مفاجئ.

ويأتي هذا التصعيد في ظل تعثّر المحادثات الرامية بوساطة أميركية إلى إنهاء هذا النزاع، الأعنف في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، منذ اندلاع الحرب في منطقة الشرق الأوسط.


بريطانيا أمام مشهد سياسي جديد مع تراجع ثنائية «العمال» و«المحافظين»

نايجل فاراج زعيم حزب «الإصلاح» البريطاني (ريفورم يو كيه) يلقي كلمة خلال المؤتمر الوطني للحزب في برمنغهام... بريطانيا 20 سبتمبر 2024 (رويترز)
نايجل فاراج زعيم حزب «الإصلاح» البريطاني (ريفورم يو كيه) يلقي كلمة خلال المؤتمر الوطني للحزب في برمنغهام... بريطانيا 20 سبتمبر 2024 (رويترز)
TT

بريطانيا أمام مشهد سياسي جديد مع تراجع ثنائية «العمال» و«المحافظين»

نايجل فاراج زعيم حزب «الإصلاح» البريطاني (ريفورم يو كيه) يلقي كلمة خلال المؤتمر الوطني للحزب في برمنغهام... بريطانيا 20 سبتمبر 2024 (رويترز)
نايجل فاراج زعيم حزب «الإصلاح» البريطاني (ريفورم يو كيه) يلقي كلمة خلال المؤتمر الوطني للحزب في برمنغهام... بريطانيا 20 سبتمبر 2024 (رويترز)

تشهد المملكة المتحدة (بريطانيا) تحولاً سياسياً متسارعاً يضعف هيمنة النظام التقليدي القائم على التنافس بين حزب العمال وحزب المحافظين، ويعزز صعود مشهد سياسي أكثر تعددية وتشتتاً. وقد برز هذا التحول بوضوح خلال الانتخابات المحلية التي جرت في 7 مايو (أيار)، حيث مُني حزب العمال بخسائر كبيرة في عدد من المجالس المحلية، فيما حقق حزب «ريفورم يو كيه» اليميني المناهض للهجرة مكاسب واسعة في العديد من المناطق.

وفي مدينة برمنغهام، خسر حزب العمال جزءاً كبيراً من نفوذه داخل المجلس البلدي، ما أدى إلى توزيع المقاعد بين عدة قوى سياسية من دون قدرة أي منها على تشكيل أغلبية مريحة. ويثير هذا الوضع مخاوف من صعوبات في إدارة المدينة التي تواجه أصلاً تحديات مالية كبيرة، بعدما اضطرت إلى رفع الضرائب المحلية وتقليص الخدمات العامة في محاولة لمعالجة أزمتها المالية، وفق ما نقلته صحيفة «لوموند» الفرنسية.

ولا تقتصر هذه الظاهرة على برمنغهام، إذ تشهد عشرات السلطات المحلية في إنجلترا وويلز مجالس منقسمة بين أحزاب متعددة. وبات المشهد السياسي يضم خمس أو ست قوى رئيسية تتنافس على أصوات الناخبين، من بينها «ريفورم يو كيه» و«الخضر» و«الديمقراطيون الأحرار»، إلى جانب «العمال» و«المحافظين».

وجاء هذا التحول نتيجة تراجع الولاءات الحزبية التقليدية وتزايد فقدان الثقة بالطبقة السياسية، وهي اتجاهات تعززت منذ استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عام 2016 (بريكست). كما أصبح الناخبون أكثر ميلاً إلى تغيير خياراتهم الانتخابية وفق القضايا المطروحة بدلاً من الالتزام التاريخي بحزب معيّن.

وأعاد هذا الواقع إشعال النقاش حول إصلاح النظام الانتخابي البريطاني، مع تزايد الدعوات لاعتماد نظام أكثر تمثيلاً للتعددية الحزبية التي أصبحت سمة بارزة للحياة السياسية البريطانية.