كيف رسم أول لقاء بين بوتين والشرع ملامح العلاقة الروسية السورية الجديدة؟

توافق على إعادة ترتيب العلاقات ومواصلة النقاشات حول الملفات العالقة

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لدى ترحيبه بنظيره السوري أحمد الشرع في الكرملين الأربعاء (د.ب.أ)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لدى ترحيبه بنظيره السوري أحمد الشرع في الكرملين الأربعاء (د.ب.أ)
TT

كيف رسم أول لقاء بين بوتين والشرع ملامح العلاقة الروسية السورية الجديدة؟

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لدى ترحيبه بنظيره السوري أحمد الشرع في الكرملين الأربعاء (د.ب.أ)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لدى ترحيبه بنظيره السوري أحمد الشرع في الكرملين الأربعاء (د.ب.أ)

لا شك أن المشهد كان مثيراً للغاية. فمن كان يتخيل قبل عام واحد، أن يرى الرئيس أحمد الشرع جالساً في أفخم قاعات الكرملين، محاطاً بحفاوة بالغة. وفي الطرف المقابل يجلس الرئيس فلاديمير بوتين وحوله أبرز شخصيات دائرة اتخاذ القرار في روسيا؟

وهناك، على بعد كيلومترات قليلة من المكان، يقبع الرئيس المخلوع، الذي كان حليفاً مقرباً للكرملين، حتى وقت قريب. وربما تابع «اللاجئ لأسباب إنسانية»، بحسرة عبر الشاشات، ما دار في الجزء المعلن من اللقاء في «القاعة الخضراء» الأفخم في القصر الرئاسي التي يستقبل فيها عادة أبرز الزعماء.

مشهد لم يكن ليخطر في بال أحد قبل عام. وقد عكس مرة واحدة مستوى البراغماتية وسرعة التكيف التي تعامل بها الكرملين مع الواقع السوري الجديد.

لقاء بوتين والشرع في موسكو (سبوتنيك)

بدا بوتين مرتاحاً وهو يتحدث عن علاقات تمتد إلى ثمانية عقود. وتجنب التوقف عند السنوات العجاف فيها. ماراً بسرعة على فكرة أن روسيا لا تبني علاقاتها بناء على لحظة سياسية أو مرحلة معينة، بل على مصالح الشعوب.

وبدا الشرع مدركاً تماماً أهمية اللحظة التاريخية، وهو يؤيد فكرة نظيره الذي كان يطالب برأسه حياً أو ميتاً حتى عام مضى، واستذكر بهدوء التغييرات التي طرأت على سوريا من دون أن يستخدم مصطلحات قد تبدو حساسة للروس، مثل «تحرير سوريا».

القواعد العسكرية الروسية

خلف المشهد، ترتيب دقيق ومحكم لمجريات الزيارة والنقاشات، كما جرت العادة في بروتوكولات الكرملين. من لحظة دخول الشرع القاعة التي انتظره فيها بوتين، مع مروره بالتحية العسكرية التي أداها موظفو الحرس الرئاسي، إلى لحظة خروج عدسات الكاميرات من القاعة وبدء الاجتماع المغلق.

كان من الطبيعي ألا يتم التطرق في الجزء المفتوح إلى العناصر الأساسية التي يخفيها كل طرف في جعبته. لا حديث عن القواعد العسكرية الروسية التي يشكل استمرار وجودها أولوية أساسية بالنسبة إلى الكرملين. ولا إشارة من الطرف السوري إلى العدالة الانتقالية ومطلب تسليم الأسد.

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (رويترز)

لكن الملفين كانا حاضرين بالفعل خلال النقاشات، وهو ما دلت عليه جزئياً تصريحات كل من الناطق الرئاسي ديمتري بيسكوف ووزير الخارجية سيرغي لافروف لاحقاً، لكن من دون الإشارة إلى توافقات محددة بشأنهما.

في الملف الأول، أعلنت موسكو أن الرئيسين ناقشا مستقبل القواعد العسكرية، لكنها لم تضع توضيحات إضافية، ما عكس أن الملف ما زال يحتاج إلى مزيد من النقاشات على مستويات فنية وسياسية وعسكرية. تشير بعض التسريبات إلى رغبة مشتركة في التوصل إلى إطار قانوني جديد، ينظم هذا الوجود، ويعيد ترتيب مهام القوات وحجمها وصلاحياتها على الأرض السورية.

وهنا قد يكون أسيء فهم عبارة الشرع الغامضة حول «احترام كل الاتفاقات المبرمة سابقاً»، لأن احترام سوريا لتعهداتها واتفاقاتها الحكومية لا يعني بالضرورة مواصلة الالتزام بالنصوص التي حملتها وثائق وقعت في مرحلة سابقة. وهنا يدخل الحديث عن اتفاق على «مراجعة تلك الاتفاقات» تم الإعلان عنه خلال زيارة وزيري الخارجية والدفاع السوريين إلى موسكو.

عنصر في العمليات العسكرية السورية أمام مدخل قاعدة حميميم الروسية في محافظة اللاذقية 29 ديسمبر 2024 (أ.ف.ب)

لكن اللافت في هذا الملف بروز بعض المعطيات من مصادر سورية حول التوصل إلى اتفاق مبدئي ينظم إدارة مشتركة في القاعدة الجوية في «حميميم» ويعيد فتح مطار اللاذقية. لكن هذه المعطيات لم تجد تأكيداً من الجانب الروسي.

أما ملف الأسد، فيبدو أنه نوقش بالفعل بشكل عابر، وليس في إطار طرحه بوصفه مطلباً رسمياً. وقد رفض الناطق الرئاسي التعليق على سؤال في هذا الشأن، واكتفى بالقول إنه «ليس لدينا ما نقوله في هذا الشأن». لكن مصدراً سورياً في موسكو رجح أنه تم التطرق لمطلب تسليم الأسد ورموز النظام السابق في إطار حديث عام وسريع عن «العدالة الانتقالية».

نقطة أخرى مهمة، لفها الغموض أيضاً، تعلقت بإمكانية أن تلعب موسكو دوراً داخلياً، للتهدئة في بعض المناطق أو لمساعدة السلطات السورية فيها.

هنا كثر الحديث قبل اللقاء عن قدرة موسكو على لعب دور وسيط في الشمال الشرقي مع المكون الكردي، وفي الجنوب مع الطرف الدرزي، وأيضاً في بذل جهود للوساطة مع إسرائيل لكبح جماح توغلاتها واعتداءاتها المتواصلة.

الدوريات العسكرية الروسية في سوريا (أرشيفية - روسيا اليوم)

الدوريات وتأهيل الجيش

يشير خبراء تحدثت معهم «الشرق الأوسط» إلى أن موسكو «قادرة ولديها الخبرة الكافية في هذا الشأن»، مع تذكير بأن روسيا لعبت أدواراً بالفعل عبر اتفاق الجنوب في السابق وعبر تسيير دوريات على طول الخط الفاصل في الجولان. لكن الكرملين نفى أن يكون موضوع تسيير دوريات روسية في مناطق سورية قد طرح خلال اللقاء.

إذن، يبقى الموضوع مرتبطاً بـ«القدرة الروسية» في حال تم بالفعل التوصل إلى اتفاقات لاحقاً في هذا الشأن. وهنا يضيف خبراء أن هذا الموضوع قد يكون حيوياً لاحقاً في حال اتفقت موسكو ودمشق على آليات لإعادة هيكلة وتدريب الجيش السوري، وربما تسليحه بدفاعات جوية وأرضية، وهو موضوع نوقش في وقت سابق خلال زيارة رئيس الأركان السوري إلى موسكو قبل أسبوع.

لكن هذا الموضوع يحتاج إلى تنسيق للمواقف الإقليمية وفتح قنوات اتصال روسية مع إسرائيل لضمان عدم شن الأخيرة هجمات جديدة على المؤسسة العسكرية. بعبارة أخرى، الحديث قد يدور عن عودة روسيا للعب دور الضامن للطرفين السوري والإسرائيلي، لتنشيط دورها في مناطق خطوط الفصل وفي ملف إعادة تأهيل الجيش، وهو أمر ما زال التوصل إلى تفاهمات بشأنه بعيد المنال.

الديون الروسية

وهناك عنصر مهم في العلاقة الجديدة، يتعلق بمسألة الديون الروسية على سوريا والتعويضات المطلوبة من موسكو، التي تتحدث عنها بين الحين والآخر أوساط سورية. هذا الملف أيضاً بدا أنه لم يطرح للنقاش بعد بشكل تفصيلي، لكن الإشارات الأولى تدل على استعداد موسكو للتعامل معه في مسارين: الأول: هناك استعداد مبدئي لإعفاء سوريا من الديون المستحقة في إطار الإسهام الروسي بتخفيف الضغط الاقتصادي والأعباء الملقاة على كاهل السلطات الجديدة. وهذا يتطلب اتفاقاً واضحاً حول خطوات مقابلة، بينها منح شركات روسية حصصاً في ملف إعادة الإعمار، وفي بعض القطاعات.

الثاني، يتعلق بتوجه روسي بديل عن فكرة التعويضات، يقوم على إسهام روسي مباشر في إعادة تأهيل البنى التحتية الأساسية في قطاعات حيوية للغاية بالنسبة إلى سوريا وعلى رأسها قطاع الطاقة، وطرق المواصلات وغيرها من المنشآت الاستراتيجية التي كان لروسيا أصلاً إسهام في تشييدها في مراحل سابقة.

وهذا الموضوع يشكل جزئياً عنصر اتفاق تم الإعلان عنه بعد اللقاء الرئاسي بشكل مباشر، وهو يقود إلى العنصر المتعلق بدور روسي محتمل في تنشيط عمليات إعادة تأهيل بعض البنى التحتية الذي يبدو حالياً الأسهل، لوضعه موضع التنفيذ.

رافق الشرع في زيارته إلى موسكو وزيرا الخارجية أسعد حسن الشيباني والدفاع اللواء مرهف أبو قصرة ورئيس الاستخبارات العامة حسين السلامة والأمين العام لرئاسة الجمهورية ماهر الشرع (سانا)

يذكر أنه، ومباشرة بعد اللقاء بين الرئيسين، خرج نائب رئيس الوزراء ألكسندر نوفاك وهو مسؤول قطاع الطاقة في الحكومة، ليقول للصحافيين، إن الشركات الروسية مهتمة بالعودة فوراً إلى سوريا، وإن موسكو مستعدة لإسهام قوي في إعادة تأهيل محطات الطاقة، وبعض المشروعات الكبرى المتعلقة بالغاز والنفط. فضلاً عن العمل في مجالات مرتبطة بينها قطاع الطرق والأمن الغذائي من خلال إرسال إمدادات غذائية عاجلة على رأسها القمح، وكذلك إمدادات طبية.

وقال نوفاك للصحافيين عقب الاجتماع: «ناقشنا اليوم مشاريع محددة في مجالات الطاقة والنقل وتطوير السياحة والرعاية الصحية والمجالات الثقافية والإنسانية».

إعادة الإعمار

وأوضح المسؤول الروسي «ندرك عموماً أن سوريا بحاجة ماسة لإعادة الإعمار، فهي تعاني من دمار كبير في بنيتها التحتية، بما في ذلك البنية التحتية للطاقة والسكك الحديدية والنقل. ويمكن لروسيا تقديم الدعم هنا. كما أن شركاتنا مهتمة بتطوير البنية التحتية للنقل وإعادة تأهيل قطاع الطاقة، كما كان عليه في العهد السوفياتي».

وكان لافتاً في هذا الإطار أن وكالة أنباء «نوفوستي» نقلت عن وزير المالية السوري، محمد برنية، على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن، أن سوريا «مستعدة لتقديم فرص هائلة لروسيا لدعم إعادة إعمار البلاد».

عموماً يمكن القول إن اللقاء المهم في الكرملين، وضع الإطار العام لطي صفحة الماضي القريب، وتجاوز حقبة الأسد جزئياً، إذ لا حديث محتملاً بعد الآن عن دعم روسي معلن أو غير معلن لفلول النظام السابق، لكن هذا لا يعني أن الطريق نحو الاتفاقات على كل الملفات العالقة غدا يسيراً، إذ يحتاج الطرفان كما يقول خبراء إلى تفعيل آليات العمل الحكومي المشترك، ومواصلة النقاشات حول كل ملف بشكل تفصيلي.

وفي هذا الإطار بات معلوماً مثلاً أن الطرفين اتفقا خلال اللقاء الرئاسي على إعادة تسيير الرحلات الجوية بين موسكو ودمشق، وهي خطوة صغيرة لكنها ذات دلالة في إطار مسار تطبيع العلاقات. كما علمت «الشرق الأوسط» أن وزيري الخارجية أسعد الشيباني والدفاع مرهف أبو قصرة بقيا في موسكو بعد مغادرة الرئيس الشرع، الأربعاء. وبرزت معطيات عن اتفاقات سيتم توقيعها مع الجانب الروسي من دون الكشف عن تفاصيل إضافية بشأنها.


مقالات ذات صلة

10 آلاف كردي تقدموا بطلب الحصول على الجنسية السورية

المشرق العربي جانب من احتفالات الأكراد بيوم اللغة الكردية في القامشلي شمال شرقي سوريا يوم 14 مايو 2026 (رويترز)

10 آلاف كردي تقدموا بطلب الحصول على الجنسية السورية

أعلن في دمشق أن عدد طلبات تجنيس المواطنين المشمولين بأحكام المرسوم 13 الخاص بحقوق الأكراد السوريين وصل إلى 2892 طلباً عائلياً.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد أنهم على صلة بمسلحي تنظيم «داعش» ينتظرون مغادرة مخيم روج بسوريا (رويترز)

سوريا: المجموعة الأخيرة من النساء والأطفال الأستراليين تُغادر مخيم روج

غادرت آخر دفعة من النساء والأطفال الأستراليين مخيم روج في شمال شرقي سوريا، الذي يؤوي أقارب لمشتبه بارتباطهم بتنظيم «داعش»، وفق مسؤول.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي وزراة الداخلية السورية في دمشق (موقعها الرسمي)

القبض على أحد ضباط النظام السوري السابق

أعلنت وزارة الداخلية السورية، اليوم السبت، القبض على ضابط في نظام بشار الأسد يحمل رتبة لواء متهم بارتكاب جرائم وانتهاكات.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي أفراد من الشرطة العسكرية السورية في دمشق (أرشيفية - د.ب.أ)

توقيف 10 أتراك في سوريا يُشتبه بانتمائهم لـ«داعش»

أوقف 10 أتراك يشتبه في انتمائهم إلى تنظيم «داعش» في سوريا خلال عملية مشتركة بين الاستخبارات التركية والسورية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي جندي إسرائيلي يرفع علماً على دبابة في الجولان (أرشيفية - رويترز)

قوات إسرائيلية تنفذ حملة تفتيش وتطلق النار في الجنوب السوري

توغلت القوات الإسرائيلية، اليوم السبت، في قرية صيدا الجولان بريف القنيطرة الجنوبي، منفذة حملة تفتيش في المنطقة الواقعة بجنوب سوريا.


توقيف 4 أشخاص في مطار إسباني إثر صدامات لدى عودة ناشطين من أسطول غزة

قوارب تابعة لـ«أسطول الصمود العالمي» تقل ناشطين ومساعدات إنسانية تغادر ميناء مرمريس في تركيا متجهة إلى قطاع غزة (أ.ب)
قوارب تابعة لـ«أسطول الصمود العالمي» تقل ناشطين ومساعدات إنسانية تغادر ميناء مرمريس في تركيا متجهة إلى قطاع غزة (أ.ب)
TT

توقيف 4 أشخاص في مطار إسباني إثر صدامات لدى عودة ناشطين من أسطول غزة

قوارب تابعة لـ«أسطول الصمود العالمي» تقل ناشطين ومساعدات إنسانية تغادر ميناء مرمريس في تركيا متجهة إلى قطاع غزة (أ.ب)
قوارب تابعة لـ«أسطول الصمود العالمي» تقل ناشطين ومساعدات إنسانية تغادر ميناء مرمريس في تركيا متجهة إلى قطاع غزة (أ.ب)

اعتقلت الشرطة 4 أشخاص في مطار بلباو بشمال إسبانيا، السبت، عقب وقوع صدامات لدى عودة ناشطين من أسطول مساعدات كان متوجهاً إلى غزة، إلى بلادهم.

ووقع الحادث عندما تجمع حشد من مؤيدي الناشطين في قاعة الوصول، لاستقبال 6 منهم لدى عودتهم على متن رحلة جوية من تركيا، بعد أن احتجزتهم القوات الإسرائيلية.

وعندما حاول أحد أقارب الناشطين الاقتراب منهم منعه شرطي بالقوة، ما أدى إلى عراك بين الطرفين، حسبما أفادت قناة «تي في إي» التلفزيونية العامة.

وأظهرت صور بثتها القناة عناصر من الشرطة يضربون أشخاصاً بالهراوات في المطار، ويثبِّتون آخرين على الأرض، وسط هتافات استهجان من المارة.

واعتُقل 4 أشخاص بتهمة العصيان الجسيم، ومقاومة الاعتقال، والاعتداء على عناصر إنفاذ القانون، وفق بيان لشرطة إقليم الباسك.

وأضاف البيان: «عقب ما حدث في المطار، فتحت إدارة الشؤون الداخلية (في الشرطة) تحقيقاً لتحديد ما إذا كان سلوك العناصر متوافقاً مع الإجراءات المتبعة».

واحتجزت القوات الإسرائيلية مئات الناشطين من دول عدة، بعد اعتراض سفنهم خلال أحدث محاولة لكسر الحصار الإسرائيلي على القطاع الفلسطيني.

وبين هؤلاء الناشطين 44 إسبانياً، حسب وزارة الخارجية الإسبانية.

ووصل نحو 20 ناشطاً آخر إلى مطار برشلونة السبت؛ حيث كان في استقبالهم حشد من المؤيدين، من بينهم وزير الثقافة إرنست أورتاسون.


«حزب الله» يفعّل استهدافاته للدفاع الجوي الإسرائيلي استباقاً لتجدد الحرب

طفل يبكي والده الذي قُتل بغارة إسرائيلية استهدفت بلدة دير قانون النهر في جنوب لبنان أثناء تشييع الضحايا (رويترز)
طفل يبكي والده الذي قُتل بغارة إسرائيلية استهدفت بلدة دير قانون النهر في جنوب لبنان أثناء تشييع الضحايا (رويترز)
TT

«حزب الله» يفعّل استهدافاته للدفاع الجوي الإسرائيلي استباقاً لتجدد الحرب

طفل يبكي والده الذي قُتل بغارة إسرائيلية استهدفت بلدة دير قانون النهر في جنوب لبنان أثناء تشييع الضحايا (رويترز)
طفل يبكي والده الذي قُتل بغارة إسرائيلية استهدفت بلدة دير قانون النهر في جنوب لبنان أثناء تشييع الضحايا (رويترز)

فعّل «حزب الله»، في الأيام الأخيرة، استهدافاته لمنصات القبة الحديدية للدفاع الجوي داخل الأراضي الإسرائيلية، فيما بدا أنه محاولة لرفع تكلفة الخسائر المادية في صفوف الجيش الإسرائيلي واستباقاً لأي تجدد للحرب سواء في الداخل اللبناني أو في إيران، مما يسهّل وصول الصواريخ إلى العمق الإسرائيلي، حسبما يقول خبراء.

وبدا أن التركيز على استهداف منصات القبة الحديدية تحوُّل لافت في مسار المعركة العسكرية، بالنظر إلى أن «حزب الله»، وطوال شهر منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، في 17 أبريل (نيسان) الماضي، نفّذ ضربة واحدة ضد منظومة دفاع جوي إسرائيلية، بينما نفذ، خلال الأيام الأربعة الأخيرة، 6 استهدافات لمنصات قبة حديدة في مواقع عسكرية إسرائيلية حدودية، حسب إعلانات «حزب الله»، الذي قال إنه استهدفها بـ«محلّقات انقضاضية».

وقال الحزب في 3 بيانات منفصلة، السبت، إنه استهدف 4 منظومات للدفاع الجوي (قبة حديدية) في ثكنة برانيت الحدودية مع لبنان، وثكنة راميم أيضاً، تُضاف إلى منظومة أخرى في ثكنة برانيت الجمعة، علماً بأن ثكنة برانيت هي المركز القيادي الرئيسي لـ«الفرقة 91» (فرقة الجليل) المسؤولة عن تأمين القطاع الشرقي للحدود الشمالية، وتقع قبالة بلدة عيتا الشعب الحدودية مع لبنان، وتتمتع بأهمية استراتيجية؛ كونها من أكبر الثكنات العسكرية الواقعة في موقع متقدّم على الحدود، وتدير جزءاً من العمليات العسكرية على الحدود مع لبنان. كما أعلن الحزب، الاثنين الماضي، أنه استهدف القبة الحديدية في معسكر غابات الجليل بمحلّقة انقضاضية.

أسباب سياسية وعسكرية واستراتيجية

ويعيد الخبير العسكري والاستراتيجي، العميد المتقاعد سعيد القزح، تكثيف تلك الاستهدافات إلى أسباب سياسية وعسكرية واستراتيجية، ويقول إن «حزب الله» يواصل عملياته العسكرية؛ كونه «لا يعترف بأي مندرجات تترتب على المفاوضات المباشرة التي تجريها الدولة اللبنانية مع إسرائيل، ومن ضمنها تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار؛ كون الحزب يريد أن تكون ورقة المفاوضات بيد إيران، وليس بيد الدولة اللبنانية، بعدما خسر ورقة التفاوض التي اعتاد أن تكون بيده، كما في السابق، أي في مفاوضات 2006، أو ترسيم الحدود البحرية، أو اتفاق وقف الأعمال العدائية 2024».

صورة مأخوذة من مقطع فيديو وزّعه «حزب الله» لما قال إنه استهداف لمنصة «قبة حديدية» في مركز عسكرية قرب الحدود مع لبنان (متداول)

أما الأسباب غير السياسية، فيشرح القزح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الحزب «يحاول استهداف ما يستطيع استهدافه، سواء من قبة حديدة أو دبابات أو مدرعات أو أفراد»، مضيفاً: «وكون أداة الاستهداف الرئيسية التي تتمثل في الوقت الحالي بالمسيرات الموجهة بألياف ضوئية ممكن أن تعطل المدرجات بشكل مؤقت ولا تدمرها بشكل كامل، فإن الأضرار التي تترتب على استهداف القبة الحديدية، ستكون أكبر»، شارحاً أن «إصابة صواريخ القبة ستؤدي إلى انفجارها. أما إصابة الرادار فتؤدي إلى تدميره»، وبالتالي فإن الحزب «يرفع تكلفة الأضرار التي يتسبب بها في صفوف الجيش الإسرائيلي، ويعمل على إيقاع خسائر مهمة في صفوفه، لا سيما أن تعطيل الدفاع الجوي له مكاسب عسكرية ومادية واستراتيجية على حد سواء».

ويشير القزح إلى أسباب أخرى تقف وراء تكثيف استهدافات القبة الحديدية، أبرزها «محاولة تعطيلها، في ظل احتمالات تجدد الحرب في إيران، أو توسع الحرب في لبنان التي تُعدّ احتمالات تجددها عالية». ويوضح: «إذا تجددت الحرب على الجبهتين، فإن استئناف إطلاق الصواريخ سيكون متوقعاً؛ لذلك يحاول تحييد منظومات الدفاع الجوي مما يتيح لصواريخه أو للصواريخ الإيرانية العبور إلى الداخل الإسرائيلي». ويعرب عن اعتقاده بأن تجدد الحرب في إيران «يعني انخراط الحزب في المعركة أيضاً؛ كون إيران ستستعمل كل أوراقها، سواء (حزب الله) أو جماعة الحوثي أو الميليشيات العراقية لتكثيف الهجمات على إسرائيل والدول العربية والمصالح الأجنبية في المنطقة، لعلمها بأن الضربات الثالثة ستكون قاسية ومدمرة، ولن تقتصر على الأهداف العسكرية الإيرانية، بل قد تشمل المنشآت الاقتصادية والبنى التحتية».

عناصر من الدفاع المدني في موقع استهداف إسرائيلي في بلدة العباسية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

مسيرات الألياف الضوئية

ويكثف «حزب الله» من استخدامه للمسيرات الموجهة بألياف ضوئية التي يصعب رصدها ويستحيل التشويش عليها أو التصدي لها، مثل المسيرات الأخرى اللاسلكية، مما يتيح لها الوصول إلى أهدافها أفضل من المسيرات الأخرى. ويقول القزح إن تلك المسيرات «قادرة على حمل أوزان تتراوح بين 3 و5 كيلوغرامات من المتفجرات، مما يتسبب بخسائر بشرية في حال استهداف التجمعات، كما تؤذي المدرعات والدبابات إذا استهدفت المنظار أو أجهزة الرصد عليها»، لافتاً إلى أن هذا النوع من المسيرات «لا يوجد دواء ناجع له، لا في روسيا وأوكرانيا، ولا على الجبهة اللبنانية بعد».

وفي المقابل، وسعت إسرائيل إنذارات الإخلاء إلى قضاء جزين القريب من صيدا على بُعد نحو 45 كيلومتراً عن الحدود، في أوسع مروحة للإخلاءات شملت 15 بلدة وقرية لبنانية في محافظتي الجنوب والنبطية بجنوب لبنان، وذلك غداة تعرّض مستشفى في مدينة صور بجنوب لبنان لأضرار جراء غارات شنّتها إسرائيل ليلاً.

وتواصلت الغارات المكثفة، السبت. وأفادت الوكالة الوطنية عن «غارة عنيفة على منطقة جل البحر بمحيط صور»، إضافة إلى سلسلة من الضربات في أكثر من موقع في جنوب لبنان، طالت إحداها «أحد بساتين الحمضيات في بلدة البازورية؛ ما أدى إلى إصابة عدد من العمال السوريين أثناء عملهم هناك».

إنذارات صور

وكان الجيش الإسرائيلي أصدر، نحو منتصف ليل الجمعة - السبت، بالتوقيت المحلي، إنذاراً بإخلاء مبنيين ومحطيهما في منطقة صور، قبل القيام بقصفهما بذريعة استهداف «حزب الله». وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية بأن أحد المبنيين المهددين يقع قرب مستشفى حيرام في صور، وأن أضراراً بالغة لحقت به بعدما نفذت الدولة العبرية تهديدها بقصف المبنى.

سكان محليون يتفقدون الأضرار الناتجة عن استهداف إسرائيلي لمبانٍ في مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)

وأوضحت: «أدَّت الغارة إلى أضرار جسيمة بمستشفى حيرام وفي غرف العمليات والممرضين والمرضى والعيادات، وشبكات الكهرباء وزجاج مبنى المستشفى». وقال رئيس مجلس إدارة المستشفى سلمان عيديبي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «نقلنا المرضى إلى أماكن أخرى أكثر أمانا». وأكد أن أياً من المرضى لم يُصب بأذى، لكن نحو 30 شخصاً من طاقم المستشفى تعرضوا لجروح طفيفة. وأشار إلى أن تقييم الأضرار لا يزال جارياً، وأن المستشفى يواصل العمل في هذه الظروف، رغم توقف قسم الطوارئ لفترة وجيزة.

وأشار إلى أن هذه المرة الثانية التي تستهدف فيها غارة إسرائيلية محيط المستشفى، منذ اندلاع الحرب بين الدولة العبرية و«حزب الله»، في الثاني من مارس (آذار) الماضي. ويقع المبنيان اللذان تمّ تدميرهما في أحياء سكنية في المدينة التي تتعرض لضربات إسرائيلية شبه يومية. وبعيد التحذير الإسرائيلي، قام عناصر من الدفاع المدني والشرطة البلدية بدعوة الناس عبر مكبرات الصوت إلى المغادرة. وشهدت الشوارع زحمة سير، مع مسارعة سكان إلى ترك منازلهم إثر الإنذار.

وقال الجيش الإسرائيلي في بيان، السبت، إنه استهدف ليلاً «بنى تحتية تابعة لـ(حزب الله) الإرهابي في منطقة صور». كما طالت الغارات وفقاً له «موقعاً تحت أرضي تابعاً لـ(حزب الله) الإرهابي استخدمه لإنتاج وسائل قتالية»، في منطقة البقاع بشرق لبنان.


إيران تسعى لطمأنة «حزب الله»: لن نتخلى عن دعمكم

مشيعون يحملون نعوش ضحايا قتلوا بغارات إسرائيلية في جنوب لبنان الجمعة (أ.ف.ب)
مشيعون يحملون نعوش ضحايا قتلوا بغارات إسرائيلية في جنوب لبنان الجمعة (أ.ف.ب)
TT

إيران تسعى لطمأنة «حزب الله»: لن نتخلى عن دعمكم

مشيعون يحملون نعوش ضحايا قتلوا بغارات إسرائيلية في جنوب لبنان الجمعة (أ.ف.ب)
مشيعون يحملون نعوش ضحايا قتلوا بغارات إسرائيلية في جنوب لبنان الجمعة (أ.ف.ب)

قال «حزب الله»، السبت، إن أمينه العام نعيم قاسم تلقى رسالة من وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أكدت أن طهران «لن تتخلى» عن دعمه، وإن أحدث مقترح إيراني لإنهاء الحرب مع الولايات المتحدة شدد على شمول لبنان.

وأورد «حزب الله»، المدعوم من طهران، في بيان، أن عراقجي أكد في رسالته أن «الجمهورية الإسلامية حتى اللحظة الأخيرة لن تتخلى عن دعم الحركات المطالبة بالحق والحرية، وعلى رأسها (حزب الله) المقاوم والمنتصر»، مضيفاً أن إيران طرحت منذ بدء وساطات إقليمية لخفض التوتر بينها وبين الولايات المتحدة الأميركية ربط وقف إطلاق النار في لبنان بأي اتفاق.

طفل يتفقد آثار الدمار الناتج عن غارات إسرائيلية استهدفت مدينة صور بجنوب لبنان (رويترز)

وقال في الرسالة التي نشرها الحزب: «منذ اللحظة الأولى التي تدخلت فيها بعض دول المنطقة وسيطاً بقصد خفض التوتر بين الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة الأميركية، طرحت إيران ربط وقف إطلاق النار في لبنان بأي اتفاق، وهذا الموضوع المهم حتى يومنا هذا بقي بمثابة مبدأ لا ريب فيه، وهو من جملة المطالب المحقة للحكومة الإيرانية وشعبنا البطل وسيبقى كذلك».

وتابع أن آخر مقترح قدمته إيران عبر الوسيط الباكستاني بهدف «إيقاف الحرب بشكل دائم ومستقر»، أكد «مطلب شمول لبنان في وقف إطلاق النار».

مسار مستقل

ويسلك لبنان خطاً دبلوماسياً مستقلاً مع الولايات المتحدة بهدف خفض التصعيد وتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، عبر مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية الولايات المتحدة، وتمثلت في جلستين تمهيديتين بين سفيري البلدين في واشنطن، تلتها مفاوضات على مدى يومين في مقر الخارجية الأميركية.

وقبل جلسة مفاوضات أمنية ستُعقد في 29 مايو (أيار) الحالي، يواصل لبنان اتصالاته الدبلوماسية مع الولايات المتحدة لوقف إطلاق النار، لكن إسرائيل تتجاهل الطلب، كما أن «حزب الله» لا يستجيب.

ويرفض «حزب الله» و«حركة أمل» التي يرأسها رئيس البرلمان نبيه بري المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، وأكد عضو كتلة «التنمية والتحرير» قبلان قبلان أن «الموقف من إسرائيل ثابت ولا يتغير»، قائلاً «إنها كانت عدواً وما زالت وستبقى عدواً»، مشدداً على أن «هذا الأمر راسخ في الوعي الوطني والسياسي والديني، ولا يمكن لأي ظرف داخلي أو خارجي أن يبدل هذه الحقيقة أو يفرض مقاربات مختلفة». كما اعتبر أن «محاولات تغيير هذه المعادلات أو الترويج لخيارات بديلة لن تنجح، في ظل ما يرتكبه الاحتلال من اعتداءات مستمرة».