إحاطة تيتيه حول الأزمة الليبية تعيد انقسامات السياسيين إلى الواجهة

لوّحت للمرة الأولى باعتماد «نهج بديل»... واستخدمت لهجة تحذيرية غير معتادة

تيتيه تلقي إحاطتها أمام مجلس الأمن عبر تقنية «الفيديو كونفرنس» (البعثة الأممية)
تيتيه تلقي إحاطتها أمام مجلس الأمن عبر تقنية «الفيديو كونفرنس» (البعثة الأممية)
TT

إحاطة تيتيه حول الأزمة الليبية تعيد انقسامات السياسيين إلى الواجهة

تيتيه تلقي إحاطتها أمام مجلس الأمن عبر تقنية «الفيديو كونفرنس» (البعثة الأممية)
تيتيه تلقي إحاطتها أمام مجلس الأمن عبر تقنية «الفيديو كونفرنس» (البعثة الأممية)

أعادت إحاطة مبعوثة الأمم المتحدة إلى ليبيا، هانا تيتيه، أمام مجلس الأمن انقسامات الليبيين إلى الواجهة، بعد أن حملت لهجة تحذيرية غير معتادة تجاه المعرقلين، ولوّحت للمرة الأولى باعتماد «نهج بديل» إذا فشل مجلسا النواب والدولة في تنفيذ الخطوات الأولى من خريطة الطريق الأممية.

ويرى سياسيون ومحللون ليبيون أن الانقسام الراهن بين طرفي الصراع في غرب ليبيا وشرقها حول إحاطة المبعوثة الأممية أمام مجلس الأمن لا يتوقف عند حدود ردود فعل سياسية آنية، بل هو صراع على النفوذ والشرعية في ظل التوازنات الدولية والإقليمية التي تحيط بالمشهد الليبي المتأزم.

اجتماع بين ممثلين عن المجلس الأعلى للدولة ومجلس النواب في طرابلس (المجلس الأعلى للدولة)

وتجلّى الانقسام واضحاً في المواقف الرسمية، إذ رحّب رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، بإحاطة تيتيه، مؤكداً التزامه بالتنسيق مع الأمم المتحدة، ودعا إلى توحيد الميزانية، وتعزيز الاستقرار، ومكافحة الفساد، بينما لم يصدر رد فعل عن رئيس حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة» في طرابلس عبد الحميد الدبيبة حتى لحظة كتابة التقرير.

في المقابل، شنّ رئيس الحكومة المكلّفة من مجلس النواب، أسامة حماد، هجوماً عنيفاً على المبعوثة، متهماً إياها بـ«تجاوز التفويض الأممي»، و«التدخل في المؤسسات السيادية»، وتوعّد باتخاذ إجراءات دبلوماسية «لحماية السيادة الليبية».

يأتي ذلك في بلد يعاني انقساماً سياسياً بين حكومتين، إحداهما في غرب ليبيا برئاسة الدبيبة، وأخرى تسيطر على شرق البلاد، وأجزاء من جنوبها برئاسة حماد.

تناقض المواقف

هذا الانقسام حول رسائل تيتيه في إحاطتها يصفه المحلل السياسي الليبي، حسام فنيش، بأنه «تناقض في المواقف مرتبط بتقاطعات دولية وإقليمية تحيط بكل طرف محلي، وفرص وجوده في معادلة سياسية دولية وإقليمية تتشكل».

وأوضح فنيش لـ«الشرق الأوسط» أن «حكومة حماد تمثل واجهة سياسية لطرف فاعل يسعى للحفاظ على نفوذه، بينما يحاول محمد المنفي تقديم نفسه على أنه طرف مستقل يسعى لكسب المجتمع الدولي، من خلال دوره في احتواء التصعيد بطرابلس».

رئيس حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة» عبد الحميد الدبيبة (مكتب الدبيبة)

ومن غير المستبعد أيضاً أن يكون هذا الخلاف في المواقف ضمن ما يُعرف بـ«إدارة مدروسة للانقسام» بين مجلسي النواب والدولة، وهي وجهة نظر الباحث السياسي الليبي، خالد الحجازي، الذي يعتقد في تصريحه لـ«الشرق الأوسط» أن الطرفين «يسعيان للإبقاء على الأمر الواقع خشية فقدان مكاسبهما السياسية»، مستشهداً بلقاءات سابقة رعتها واشنطن بينهما خلال الأشهر القليلة الماضية.

في غضون ذلك، يرى سياسيون أن هذا الانقسام جاء محصلة طبيعية لانتقال المبعوثة الأممية على نحو تدريجي من «لغة التشجيع إلى الضغط»، متوقعين «اقتراب تدخل أممي لفرض خريطة الطريق»، وهي وجهة نظر المرشح الرئاسي السابق فضيل الأمين، الذي يستند في هذا الطرح إلى تحذيرها بأن «ليبيا لا يمكنها احتمال المزيد من التسويف، أو التعطيل»، وإنذارها باتباع «نهج آخر».

ويعيد هذا الإنذار الأممي إلى الأذهان أحد خيارات سبق أن طرحتها لجنة خبراء ليبية، شكلتها الأمم المتحدة، وينصّ على حل المؤسسات القائمة، وعقد منتدى حوار لتعيين هيئة تنفيذية جديدة، واختيار جمعية تأسيسية من 60 عضواً تُقرّ دستوراً مؤقتاً، وقوانين انتخابية للانتخابات الوطنية.

محاولة إعادة الثقة

رغم نبرة التحذير، حافظت تيتيه في إحاطتها على قدر من التوازن الدبلوماسي، إذ دعت القادة الليبيين إلى الإسراع في تنفيذ الخطوات الأولى من «خريطة الطريق» خلال الشهر المقبل، مؤكدة استعداد البعثة للتعاون البنّاء معهم، فيما فُهم على أنه محاولة لإعادة الثقة بالعملية السياسية.

يتزامن ذلك مع تواصل المشاورات بين أعضاء من المجلسين حول توزيع المناصب السيادية دون تحقيق اختراق يُذكر بين الأطراف السياسية الفاعلة، التي يرى ناشطون أنها «باتت متشبثة بالسلطة والمال»، بحسب تعبير الناشط، أنس الزيداني.

القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي المشير خليفة حفتر (إعلام القيادة العامة)

وهنا يتوقع المحلل، السنوسي إسماعيل، أن البعثة «تمهّد لمرحلة انتقالية جديدة»، لا تستهدف إلغاء المجلسين فوراً، لكنها «تربط تشكيل حكومة موحدة وتوحيد المؤسسات بتجنّب الانهيار المالي، واستعادة الثقة الدولية».

أما الباحث، محمد الأمين، فيرى أن تيتيه «حاولت الموازنة بين التحذير والرجاء، لكنها في الوقت ذاته كشفت عمق المأزق الليبي»، معتبراً قولها إن «أفعال القادة لم توافق أقوالهم» يعكس خيبة المجتمع الدولي، ويفضح «خللاً بنيوياً في منظومة السلطة».

وتقوم خريطة الطريق الأممية على ثلاث مراحل: إعادة تشكيل المفوضية العليا للانتخابات، وتوحيد المؤسسات عبر حكومة جديدة، وتنظيم حوار وطني شامل.

لكن يبدو أن الانقسام حولها يعكس اختلافاً جذرياً في رؤية الأطراف الليبية لمستقبل السلطة، بين من يرى في إحاطة تيتيه فرصة لاستعادة الزخم السياسي، ومن يعتبرها مقدمة لمرحلة انتقالية جديدة بوصاية دولية.


مقالات ذات صلة

السلطات الأميركية تعتقل أحد المتهمين بالهجوم على المجمع الأميركي في بنغازي

شمال افريقيا وزيرة العدل الأميركية بام بوندي (أ.ب)

السلطات الأميركية تعتقل أحد المتهمين بالهجوم على المجمع الأميركي في بنغازي

أعلنت وزيرة العدل الأميركية، بام بوندي، الجمعة، القبض على زبير البكوش، أحد المشاركين الرئيسيين في الهجوم الدامي الذي استهدف المجمع الأميركي في بنغازي.

علي بردى (واشنطن)
شمال افريقيا آلاف الليبيين في وداع سيف القذافي بمدينة بني وليد (صفحات تابعة لسيف القذافي)

مقربون من سيف القذافي يحسمون الجدل بشأن وفاته: رأينا جثمانه

حسم مقربون من الراحل سيف الإسلام القذافي الجدل بشأن وفاته، مؤكدين أنهم شاهدوا جثمانه بأنفسهم، وتأكدوا من موته.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا وزير العدل الأميركية بام بوندي رفقة مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كاش باتيل، وجانين بيرو، المدعية العامة لمنطقة كولومبيا (أ.ب)

السلطات الأميركية تقبض على مشارك رئيسي في هجوم بنغازي

أعلنت وزير العدل الأميركية بام بوندي أن مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) ألقى القبض على مشارك رئيسي في هجوم بنغازي الذي استهدف القنصلية الأميركية عام 2012.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا جموع من المشيّعين يطوّقون سيارة الإسعاف التي تحمل جثمان سيف القذافي في مطار بني وليد (صفحات مؤيدة لسيف) p-circle 00:57

ليبيا تطوي صفحة سيف القذافي... وأنصاره يجددون «العهد»

وسط هتاف «نحن جيل بناه معمر... ولاّ يعادينا يدمّر»، جرت مراسم تشييع سيف القذافي إلى مثواه الأخير في مدينة بني وليد، وسط مشاركة وفود وأعداد كبيرة من المواطنين.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا 
قبيلة البراعصة في مدينة البيضاء شرق ليبيا تقيم عزاءً لسيف القذافي (قناة الجماهيرية)

جنازة نجل القذافي في بني وليد اليوم

وسط أجواء مشحونة بالحزن والغضب، نُقل جثمان سيف الإسلام القذافي، نجل العقيد الراحل معمر القذافي، إلى المستشفى العام بمدينة بني وليد العام (الشمال الغربي) أمس.

جمال جوهر (القاهرة)

الخارجية السودانية تندد بهجوم «الدعم السريع» على قافلة برنامج الغذاء العالمي


نازحون سودانيون ينتظرون الحصول على الطعام في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف أمس (أ.ف.ب)
نازحون سودانيون ينتظرون الحصول على الطعام في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف أمس (أ.ف.ب)
TT

الخارجية السودانية تندد بهجوم «الدعم السريع» على قافلة برنامج الغذاء العالمي


نازحون سودانيون ينتظرون الحصول على الطعام في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف أمس (أ.ف.ب)
نازحون سودانيون ينتظرون الحصول على الطعام في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف أمس (أ.ف.ب)

نددت وزارة الخارجية السودانية، الجمعة، بالهجوم الذي قالت إن قوات الدعم السريع نفذته بطائرة مسيرة على شاحنات تابعة لبرنامج الغذاء العالمي بشمال كردفان.

وقالت الوزارة في بيان، إن استهداف قوافل الإغاثة يمثل انتهاكاً جسيماً للقانون الإنساني الدولي ويقوض جهود إيصال المساعدات الإنسانية للمحتاجين.

وجددت الخارجية السودانية دعمها الكامل بالتعاون مع الأمم المتحدة ووكالاتها الإنسانية لتأمين وصول المساعدات لمستحقيها دون عوائق.

وكانت شبكة أطباء السودان قد أفادت في وقت سابق بمقتل شخص وإصابة ثلاثة في قصف لقوات الدعم السريع على قافلة إغاثة لبرنامج الأغذية العالمي بشمال كردفان.


ليبيا تطوي صفحة سيف الإسلام القذافي

جانب من مراسم تشييع سيف الإسلام القذافي في بني وليد أمس (أ.ف.ب)
جانب من مراسم تشييع سيف الإسلام القذافي في بني وليد أمس (أ.ف.ب)
TT

ليبيا تطوي صفحة سيف الإسلام القذافي

جانب من مراسم تشييع سيف الإسلام القذافي في بني وليد أمس (أ.ف.ب)
جانب من مراسم تشييع سيف الإسلام القذافي في بني وليد أمس (أ.ف.ب)

شيّعت جماهيرُ ليبية غفيرة، جثمانَ سيف الإسلام القذافي الذي ووري الثَّرى في مدينة بني وليد، أمس (الجمعة)، لتُطوى بذلك صفحةٌ من تاريخ ليبيا، كانت حافلةً بالجدل والصخب السياسي.

وجرى نقل الجثمان من مستشفى بني وليد، محمولاً على عربة إسعاف إلى ساحة مطار المدينة، حيث نُصبت هناك خيمة بيضاء كبيرة أقيمت فيها صلاة الجنازة عقب صلاة الجمعة. وصاحَبَ خروج الجثمان من المستشفى هتافاتٌ مدوّية ردّدها آلاف المشاركين الذين «جدّدوا العهد» لنجل العقيد الراحل معمر القذافي. كما خطب بعض رموز النظام السابق، أمام الحشود المشارِكة، مطالبين بالكشف عن قتلة سيف القذافي ومحاسبتهم.

وحصرت مديرية أمن بني وليد المشاركة في دفن سيف القذافي بجوار شقيقه خميس، وجدّه لأبيه إحميد بومنيار، على أشخاص محدودين، وعزت ذلك إلى «دواعٍ تنظيمية وضمان سَير المراسم وفق ما جرى الاتفاق عليه».


رئيس مجلس السيادة السوداني: نرحب بأي شخص يلقي السلاح ويختار طريق السلام

نازحون سودانيون في مخيم أبو النجا بولاية القضارف (أ.ف.ب)
نازحون سودانيون في مخيم أبو النجا بولاية القضارف (أ.ف.ب)
TT

رئيس مجلس السيادة السوداني: نرحب بأي شخص يلقي السلاح ويختار طريق السلام

نازحون سودانيون في مخيم أبو النجا بولاية القضارف (أ.ف.ب)
نازحون سودانيون في مخيم أبو النجا بولاية القضارف (أ.ف.ب)

قال رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، اليوم الجمعة، إن الدولة لا ترفض السلام ولا الهدنة، لكن يجب ألا تكون الهدنة «فرصة لتمكين العدو مجدداً»، في إشارة إلى «قوات الدعم السريع».

وأضاف البرهان، في تصريحات أدلى بها، خلال زيارة لولاية الجزيرة، ونقلها بيان مجلس السيادة، أنه يرحب «بأي شخص يضع السلاح وينحاز لطريق السلام». وأكد أن «من يحرّض ضد البلد والجيش ستجري محاسبته».

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد قال، أمس الخميس، إن بلاده تسعى سعياً حثيثاً لإنهاء الحرب في السودان، وإنها توشك على تحقيق ذلك.

واندلعت الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في منتصف أبريل (نيسان) 2023، بعد صراع على السلطة خلال فترة انتقالية كان من المفترض أن تُفضي إلى إجراء انتخابات للتحول إلى حكم مدني.