أمن «حماس» يصفي الحساب مع عائلة «دغمش» في مدينة غزة

اشتباكات أوقعت قتلى وجرحى بينهم صحافي ونجل قيادي بالحركة

عنصران من «حماس» في وسط مدينة غزة الاثنين (رويترز)
عنصران من «حماس» في وسط مدينة غزة الاثنين (رويترز)
TT

أمن «حماس» يصفي الحساب مع عائلة «دغمش» في مدينة غزة

عنصران من «حماس» في وسط مدينة غزة الاثنين (رويترز)
عنصران من «حماس» في وسط مدينة غزة الاثنين (رويترز)

قتل وأصيب العديد من الفلسطينيين في تبادل للنار بين عناصر مسلحة من حركة «حماس» وعناصر أخرى من عائلة دغمش، إحدى العائلات الكبيرة في قطاع غزة، والتي تتمركز في حيي الصبرة وتل الهوا جنوب مدينة غزة.

وجاء تبادل إطلاق النار بين الطرفين بعد أيام من دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في قطاع غزة، في أعقاب مقتل اثنين من نشطاء «كتائب القسام» الجناح المسلح لحركة «حماس»، على يد عناصر من أفراد عائلة دغمش، وسط تضارب الأنباء حول تفاصيل مقتلهما.

وقتل العنصران، وأحدهما نجل القيادي الكبير في أركان «كتائب القسام»، عماد عقل، يوم الجمعة الماضي، حينما كانا يسيران بالقرب من المستشفى الميداني الأردني الذي تم إخلاؤه من الموظفين مع بدء العملية الإسرائيلية بمدينة غزة مؤخراً.

علم فلسطيني وسط الدمار بمدينة غزة الأحد (أ.ب)

وتضاربت الأنباء حول رواية الحدث، حيث ترددت روايات من مقربين من عائلة دغمش، أن عقل والناشط الآخر من «القسام» طلبا من أفراد عائلة دغمش الذين دمرت بعض منازلهم إخلاء المستشفى الأردني الميداني، حيث استخدموه مركز إيواء، وترددت أنباء أن خلافاً تطور لاستخدام السلاح من قبل الجانبين تسبب في مقتل الناشطين في «حماس».

وتقول مصادر من «حماس» لـ«الشرق الأوسط» إنه تم إعدام نجل عقل وناشط آخر من دون سبب، بينما لم يستطع مراسلنا الوصول إلى تعقيب من عائلة دغمش للحصول على روايتها، في وقت غابت أي معلومات من جهات مستقلة عما جرى بسبب الظروف الميدانية.

وتقول بعض المصادر إن حركة «حماس» طلبت من أفراد العائلة تسليم الذين شاركوا في عملية القتل، وهو ما رفضه بعض وجهاء ومخاتير العائلة، الأمر الذي زاد من توتر الأوضاع، ليدفع عناصر مسلحة من الحركة وأجهزتها الأمنية مساء السبت إلى مهاجمة أفراد من العائلة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى اشتباكات توقفت بعد سقوط جرحى من الجانبين.

وبعد ساعات من الهدوء، تجددت الأحد الاشتباكات واستمرت لساعات طويلة، وكانت في بعض الأحيان متقطعة، قبل أن تتوقف في ساعة مبكرة من فجر الاثنين، وعاودت بشكل خفيف في ساعات نهار الاثنين.

وتقول مصادر من «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، إنه قتل ما لا يقل عن 20 فرداً من أفراد عائلة دغمش، منهم مطلوبون لقتلهم العديد من عناصر الحركة خلال فترة الحرب، مشيرةً إلى أنه تم اعتقال العشرات، ونقلوا للتحقيق من قبل أجهزة الأمن.

ووفقاً لمصادر ميدانية، فإنه حتى ساعات الظهيرة، يوم الاثنين، كان هناك منزل محاصر من قبل عناصر مسلحة تتبع «حماس»، يعود لعائلة دغمش، ويتحصن به بعض المسلحين الذين كانوا يلقون قنابل يدوية، ويطلقون النار من حين إلى آخر.

مقاتلون من «حماس» خلال تسليم رهائن إسرائيليين للصليب الأحمر في خان يونس جنوب قطاع غزة الاثنين (رويترز)

وأكدت مصادر «حماس» أن مهمة قواتها الرئيسة قد تحققت، وأنجزت بشكل كبير، مشيرة إلى مقتل 6 أشخاص من أمن الحركة خلال الهجوم، بينهم «نعيم» نجل القيادي في «حماس»، باسم نعيم.

وخلال توثيقه للاشتباكات العنيفة في المنطقة، قتل الصحافي المصور والناشط عبر شبكات التواصل الاجتماعي، صالح الجعفراوي، برصاص مسلحين من عائلة دغمش، حيث ترددت أنباء لم تتأكد أنه خطف ثم أعدم، وألقي جثمانه في أحد الشوارع بالمنطقة، وهي رواية لم تؤكد من مصادر مستقلة.

خلافات سابقة

وهذا ليس الخلاف الأول بين «حماس» وعائلة دغمش التي كانت قد اتهمت الحركة بإعدام مختار العائلة خلال الحرب الحالية بعد أن اتهمته بـ«الخيانة» لصالح إسرائيل، وبعدما رفض المشاركة في اجتماع دعت إليه الحركة مخاتير ووجهاء، لتحذيرهم من التعامل مع خطة إسرائيلية هدفها تشكيل هيئات محلية في كل منطقة تدير توزيع المساعدات، وتضبط الأمن فيها.

كما قُتل 5 عناصر من أفراد عائلة دغمش بعدما قتلوا مسلحين من «حماس» خلال الحرب، واستولوا على أسلحتهم.

وتقول مصادر من «حماس» لـ«الشرق الأوسط» إن أفراداً من العائلة قتلوا ما لا يقل عن 14 ناشطاً مسلحاً من «كتائب القسام» في مناطق تمركزهم للتصدي للقوات الإسرائيلية جنوب مدينة غزة، واستولوا على أسلحتهم، كما استولوا على قذائف «الياسين 105»، خلال أشهر الحرب.

مقاتلون من «كتائب القسام» التابعة لـ«حماس» في قطاع غزة (أرشيفية - «كتائب القسام» عبر «تلغرام»)

ولم يستطع مراسلنا الوصول إلى أي من مصادر العائلة لتأكيد أو نفي ذلك، بينما لم تؤكد أي مصادر مستقلة تلك الاتهامات.

وفي أعقاب سيطرة «حماس» على قطاع غزة، عام 2007، دخلت الحركة في موجة من المواجهات لضبط السيطرة وبسط الأمن في القطاع، وهاجمت عدة عوائل وعشائر مسلحة، بينها دغمش، واقتحمت منازل العائلة، وقتلت وأصابت واعتقلت العديد منهم حينها. قبل أن يتدخل الوجهاء حينها، وبدأت فترة طويلة من الهدوء، قبل أن تتطور الأوضاع خلال الحرب الحالية، وصولاً للاشتباكات التي دارت حتى ساعات ظهيرة الاثنين.

قيادات فصائلية

ورغم أن عائلة دغمش تضم شخصيات قيادية في فصائل فلسطينية، وبعضها كان يتعاون ويتلقى دعماً من «حماس»، فإن الحركة لم تكن تهادن في أمن قطاع غزة. كما يقول مصدر أمني منها لـ«الشرق الأوسط».

وخلال الحرب، اغتالت إسرائيل عدداً من أفراد وأبناء هذه القيادات، وغيرهم من نشطاء الفصائل المسلحة، منهم قاسم زكريا دغمش، قائد «حركة المقاومة الشعبية» المنفصلة عن لجان المقاومة الشعبية.

كما أنه ظهرت لسنوات شخصية ممتاز دغمش، الذي أسس تنظيم «جيش الإسلام» السلفي الجهادي، والذي شارك «حماس» في عملية أسر الجندي جلعاد شاليط عام 2006، قبل أن يدخل في خلافات كبيرة بعضها تحول إلى اشتباكات بين عناصره و«حماس» انتهت بتوقيع اتفاق بينهما لتحسين العلاقات. واختفت قوة ممتاز دغمش في القطاع لأسباب داخلية تتعلق بتنظيمه، وانضمام الكثير ممن شاركوا في القتال معه إلى فصائل أخرى بعضها كان يوالي «داعش» قبل أن تندثر هذه الحالات بفعل مهاجمة «حماس» لها.


مقالات ذات صلة

مقتل 5 فلسطينيين بغارات إسرائيلية على قطاع غزة

المشرق العربي الدفاع المدني الفلسطيني يعمل على إخماد حريق في سيارة أصيبت بضربة عسكرية إسرائيلية في مدينة غزة يوم 2 نوفمبر 2026 (أ.ب)

مقتل 5 فلسطينيين بغارات إسرائيلية على قطاع غزة

قُتل خمسة فلسطينيين جراء غارات إسرائيلية استهدفت أماكن مختلفة من قطاع غزة الاثنين، وفق ما أفاد الدفاع المدني.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شمال افريقيا «الهلال الأحمر المصري» يستقبل عند معبر رفح دفعة من الجرحى والمصابين الفلسطينيين (الهلال الأحمر)

استطلاع رأي في مصر يعيد جدل «التهجير»

أعاد استطلاع للرأي أجراه مركز «بصيرة للاستشارات وبحوث الرأي العام» في مصر، بشأن أوضاع الفلسطينيين في غزة، الجدل في مصر حول قبول المخطط الإسرائيلي للتهجير.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
خاص فلسطينيون يتفحصون خيمة مدمرة وآثار دماء بعد غارة إسرائيلية بمدينة غزة يوم الأحد (أ.ف.ب)

خاص مناطق انتشار العصابات بغزة تتحول لملاذ آمن للمجرمين والقتلة

قالت مصادر إن مناطق العصابات المسلحة في قطاع غزة، والتي تنتشر بالأساس في أجزاء تقع تحت سيطرة القوات الإسرائيلية، تحولت إلى ملاذ آمن لمرتكبي الجرائم الجنائية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مشاركون في جنازة الطفل الفلسطيني يامن صقر البالغ من العمر 8 سنوات الذي قُتل بغارة جوية إسرائيلية داخل مجمع ناصر الطبي بخان يونس جنوب قطاع غزة أمس (د.ب.أ) p-circle

مقتل 8 فلسطينيين بينهم طفل في غارتين إسرائيليتين على قطاع غزة

قُتل ثمانية فلسطينيين بينهم طفل، وأُصيب نحو عشرين آخرين بجروح في غارتين جويتين إسرائيليتين، ظُهر الأحد، في قطاع غزة، حسبما أفاد به الدفاع المدني ومصادر طبية.

«الشرق الأوسط» (غزة )
المشرق العربي صبيان فلسطينيان وسط الدمار بعد استهداف مبنى بغارة إسرائيلية غرب جباليا شمال قطاع غزة الجمعة (أ.ف.ب)

آلة الحرب الإسرائيلية لا تتوقف قصفاً وتدميراً في غزة

أكّد مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، أنه وثّق خلال الأسبوعين الماضيين توسعاً غربياً لمناطق الانتشار العسكري الإسرائيلي.

«الشرق الأوسط» (غزة)

إسرائيل تكرّس منطقة أمنية بلا معالم في جنوب لبنان

أهالٍ من بلدة المنصوري يراقبون تصاعد الدخان جراء تفجير نفذته القوات الإسرائيلية وأدى إلى تدمير أجزاء من البلدة كما بدا من بلدة الحنية جنوب لبنان (أ.ب)
أهالٍ من بلدة المنصوري يراقبون تصاعد الدخان جراء تفجير نفذته القوات الإسرائيلية وأدى إلى تدمير أجزاء من البلدة كما بدا من بلدة الحنية جنوب لبنان (أ.ب)
TT

إسرائيل تكرّس منطقة أمنية بلا معالم في جنوب لبنان

أهالٍ من بلدة المنصوري يراقبون تصاعد الدخان جراء تفجير نفذته القوات الإسرائيلية وأدى إلى تدمير أجزاء من البلدة كما بدا من بلدة الحنية جنوب لبنان (أ.ب)
أهالٍ من بلدة المنصوري يراقبون تصاعد الدخان جراء تفجير نفذته القوات الإسرائيلية وأدى إلى تدمير أجزاء من البلدة كما بدا من بلدة الحنية جنوب لبنان (أ.ب)

تثير التفجيرات الإسرائيلية المتكررة في قرى جنوب لبنان تساؤلات بشأن أهداف استهداف مناطق سبق أن تعرضت لدمار واسع، خصوصاً في زوطر الشرقية والقنطرة ومحيط كفرتبنيت. ويتزامن استمرار عمليات الهدم مع تصعيد عسكري شمل غارات وتوغلات برية.

تفجيرات الجمعة تطول بلدات إضافية

وشهد الجنوب، الجمعة، سلسلة تفجيرات إسرائيلية، شملت بلدة الطيري في قضاء بنت جبيل، وأطراف بيت ياحون باتجاه كونين، إلى جانب تفجير عنيف في زوطر الشرقية بقضاء النبطية، ترددت أصداؤه في مناطق واسعة، وعملية نسف في القنطرة تزامنت مع تمشيط بالرشاشات باتجاه البلدة.

وطال القصف المدفعي القنطرة ووادي السلوقي وبرعشيت ووادي زبقين والمنصوري، بينما تعرضت أطراف ميفدون للقصف بُعيد منتصف الليل.

وكانت آليات إسرائيلية قد تراجعت من محيط زوطر الغربية إلى زوطر الشرقية، بعدما تقدمت باتجاهها ليلاً، بينما سُجل توغل على أطراف برعشيت عقب قصف وتمشيط بالأسلحة الرشاشة.

وسبق هذا التصعيد، الخميس، شن غارات على كفرتبنيت وأطراف برعشيت ووادي السلوقي. كما أفادت تقارير عن إطلاق 3 صواريخ إسرائيلية لم تنفجر في القطاع الأوسط، الأربعاء، وعن صاروخ آخر لم ينفجر في كفرتبنيت، من دون توافر معلومات فنية تحدد أسباب عدم انفجارها.

الجيش الإسرائيلي ينفِّذ تفجيراً كبيراً في زوطر الشرقية (الوكالة الوطنية للإعلام)

منطقة أمنية وتفجيرات على مراحل

رأى الباحث في شؤون الأمن والدفاع الدكتور رياض قهوجي أن «استمرار الجيش الإسرائيلي في تفجير القرى والبلدات المدمرة جزئياً في جنوب لبنان يرتبط بسعي إسرائيل إلى تكريس منطقة أمنية تحت سيطرتها، لا تعتزم السماح بعودة السكان إليها خلال الفترة المقبلة»، مشيراً إلى أن «عمليات التدمير تجري بصورة متدرجة، وفق برنامج عمل تنفذه فرق الهندسة العسكرية الإسرائيلية، وهو ما يفسر انتقال التفجيرات من بلدة إلى أخرى، حتى بعد مرور فترات من الهدوء النسبي».

وأوضح قهوجي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «استمرار عمليات القصف والتفجير يرتبط بأكثر من عامل، من بينها مواصلة القوات الإسرائيلية العثور على أنفاق كانت موجودة سابقاً، وليس بالضرورة أنفاقاً أُنشئت حديثاً»، لافتاً إلى أن «الجيش الإسرائيلي لا يزال ينشر صوراً ومقاطع مصورة لأنفاق يعثر عليها؛ ما يشير إلى استمرار عمليات البحث والكشف عنها، ويشكل أحد أسباب تواصل العمليات العسكرية في المناطق الجنوبية».

وفي قراءته لاحتمال أن تكون التفجيرات المتكررة مقدمة لعمليات توغل بري جديدة، أكد قهوجي أن «الحرب على جبهة جنوب لبنان لم تنتهِ فعلياً، رغم حالة وقف إطلاق النار، وخفض مستوى العمليات العسكرية»، موضحاً أن «تدخلاً أميركياً على مستوى الرئيس الأميركي أسهم في خفض وتيرة العمليات العسكرية الإسرائيلية، لكنه لم يؤدِّ إلى إنهاء المواجهة».

وأشار إلى أن «المعطيات الإسرائيلية تشير إلى احتمال كبير لاستئناف العمليات البرية، مع إمكانية توسيع مناطق السيطرة الإسرائيلية في جنوب لبنان»، معتبراً أن «هذا الاحتمال سيبقى قائماً ما دام لم يتم التوصل إلى اتفاق ينهي المواجهة القائمة»، ومن ثم، فإن استمرار التفجيرات يأتي في سياق وضع عسكري لا تزال فيه احتمالات التصعيد مفتوحة.

وشدد قهوجي على أن «عمليات التفجير التي ينفذها الجيش الإسرائيلي في القرى الواقعة تحت سيطرته ترتبط بوجود منطقة أمنية واضحة المعالم، لا ينوي السماح بعودة الأهالي إليها قبل مرور مدة زمنية»، موضحاً أن «تدمير هذه القرى لا يمكن إنجازه دفعة واحدة، أو في يوم واحد، نظراً إلى حجم المساحات والعدد الكبير من البلدات التي سيطرت عليها القوات الإسرائيلية».

وخلص إلى أن «تفاوت توقيت التفجيرات بين القرى لا يعني بالضرورة اتخاذ قرارات عسكرية جديدة في كل مرة، بل يرتبط أيضاً بالوقت الذي تحتاج إليه فرق الهندسة لتنفيذ عمليات التدمير في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية».

دخان يتصاعد من المنصوري جنوب لبنان بعد تفجيرات إسرائيلية يوم 28 سبتمبر الماضي (رويترز)

محو القرى وتعقيد العودة

بدوره، رأى العميد الركن المتقاعد بسام ياسين أن «عمليات التفجير المتكررة التي ينفذها الجيش الإسرائيلي في قرى جنوب لبنان، بما فيها المناطق التي تعرضت لدمار واسع سابقاً، تهدف إلى محو هذه القرى بصورة شبه كاملة، وجعل عودة سكانها إليها أمراً بالغ الصعوبة، وصولاً إلى شبه الاستحالة، حتى في حال انتهاء العمليات العسكرية والتوصل إلى ترتيبات أمنية جديدة».

وأوضح ياسين، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، تعليقاً على استمرار التفجيرات الإسرائيلية في بلدات زوطر الشرقية والقنطرة ومحيط كفرتبنيت وغيرها من المناطق الجنوبية، أن «الهدف الأساسي من تكرار استهداف القرى المدمرة هو استكمال مسحها، وإزالة ما تبقى من مقومات الحياة فيها، بحيث تصبح عودة الأهالي إليها مستحيلة عملياً في ظل حجم الدمار وغياب الإمكانات الاقتصادية اللازمة لإعادة الإعمار».

وشدّد على أنه «لا توجد حتى الآن معطيات حاسمة تؤكد ما إذا كانت إسرائيل تعتزم البقاء بصورة دائمة في المناطق التي تسيطر عليها»، لكنه رأى أن «ما تقوم به على الأرض يوحي بأنها تعمل على خلق واقع يصعب تغييره، بحيث تصبح العودة الطبيعية للسكان إلى قراهم شديدة التعقيد، حتى لو لم يكن هدفها الاحتفاظ بهذه المناطق بصورة دائمة».

وأضاف أن «هذا التدمير يشكل عقاباً طويل الأمد للقرى الجنوبية وسكانها، لأن تداعياته لا تنتهي بانتهاء العمليات العسكرية، بل تستمر سنوات طويلة بفعل خسارة المنازل والأراضي ومقومات الحياة، والعجز عن إعادة الإعمار».

دخان يتصاعد جراء سلسلة تفجيرات نفذتها القوات الإسرائيلية في بلدة المنصوري بجنوب لبنان يوم 28 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

الأهداف العسكرية للتدمير

وفي قراءته للأبعاد العسكرية لهذه العمليات، رأى ياسين أن «التفجيرات المتكررة ترتبط أيضاً بإمكان استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي لمدة طويلة، أو التحضير لواقع ميداني يتيح للقوات الإسرائيلية حرية الحركة والسيطرة على المناطق التي تنتشر فيها».

وأوضح أن «إزالة المباني والمنشآت وما تبقى من التجمعات العمرانية تهدف كذلك إلى منع استخدام هذه المواقع للاختباء أو التحرك بصورة سرية من جانب مجموعات مسلحة في أي مواجهة مستقبلية»، مشيراً إلى أن «إسرائيل تعمل على إزالة كل ما يمكن أن يوفر غطاءً للمقاتلين، أو يسمح لهم بالاقتراب من مواقع قواتها أو تنفيذ عمليات انطلاقاً من هذه المناطق».


تجدد التوغلات الإسرائيلية في ريف درعا السورية

قوات إسرائيلية تتوغل في ريف القنيطرة (أرشيفية - رويترز)
قوات إسرائيلية تتوغل في ريف القنيطرة (أرشيفية - رويترز)
TT

تجدد التوغلات الإسرائيلية في ريف درعا السورية

قوات إسرائيلية تتوغل في ريف القنيطرة (أرشيفية - رويترز)
قوات إسرائيلية تتوغل في ريف القنيطرة (أرشيفية - رويترز)

توغلت قوة من الجيش الإسرائيلي، تضم 5 آليات عسكرية، باتجاه قرية معرية بريف درعا الغربي، الجمعة، وانتشرت على أطرافها لنحو نصف ساعة، قبل انسحابها إلى مواقعها السابقة.

وأفاد مراسل «تلفزيون سوريا»، بأن القوة الإسرائيلية «انطلقت من ثكنة الجزيرة باتجاه قرية معرية، وانتشرت على أطرافها، قبل أن تعود إلى الثكنة التي انطلقت منها».

قوة إسرائيلية في وادي الرقاد بريف درعا (أرشيفية - سانا)

وتزامن التوغل مع تحليق مكثف للطائرات المسيّرة الإسرائيلية في أجواء قرية جملة بريف درعا الغربي، وفقاً لـ«تجمع أحرار حوران».

وكانت القوات الإسرائيلية قد استهدفت الخميس، بثلاث قذائف مدفعية، أطراف «مزرعة بيت جن» في ريف دمشق، من دون ورود معلومات عن أي خسائر. وفي وقت سابق من اليوم نفسه، توغلت قوة أخرى في قرية أوفانيا بريف القنيطرة، قبل أن تنسحب باتجاه قرية الحرية.

توغل إسرائيلي داخل بلدة جباتا الخشب في ريف القنيطرة (أرشيفية - أ.ف.ب)

ووثّق مركز «سجل» 395 انتهاكاً إسرائيلياً في سوريا خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في أعلى حصيلة شهرية منذ بداية عام 2026، شملت توغلات عسكرية ومداهمات وعمليات احتجاز وقصف مدفعي، إلى جانب مقتل اثنين برصاص القوات الإسرائيلية. وحسب تقرير إحصائي أصدره المركز الأسبوع الماضي، ارتفعت الانتهاكات الإسرائيلية بنسبة 41.1 في المائة مقارنة بشهر سبتمبر (أيلول) الذي شهد 280 انتهاكاً، ليرتفع إجمالي الانتهاكات الموثقة منذ بداية العام إلى 2427 انتهاكاً.

وأوضح التقرير أن انتهاكات أكتوبر توزعت على 126 توغلاً عسكرياً، و115 حالة تحليق جوي، و44 نقطة تفتيش مؤقتة، و36 مداهمة، و30 حالة احتجاز، و14 حادثة قصف مدفعي، إضافة إلى 28 انتهاكاً آخر، شملت أعمال حفر وتجريف وإطلاق نار.

وتصدّرت محافظة القنيطرة قائمة المناطق الأكثر تعرضاً للانتهاكات الإسرائيلية، بواقع 285 انتهاكاً، تلتها درعا بـ74، ثم ريف دمشق بـ29، ودمشق بـ7 انتهاكات.

ريف القنيطرة جنوب سوريا حيث أقام الجيش الإسرائيلي نقطة عسكرية جديدة وحفر سواتر (مواقع التواصل)

وسجّل تقرير ‏الرصد ‌‏الشهري الصادر عن «مديرية إعلام القنيطرة»، 7 حالات لأشخاص «ما زالوا معتقلين في سجون ‏الاحتلال، ‌‏‌‌‏و23 حالة اعتقال أعقبها الإفراج»، وأورد أيضاً استهداف شابين ‏على دراجة نارية، ‌‏‌‌‏وإصابة أحدهما واعتقالهما قبل إطلاق سراحهما لاحقاً، ‏وإصابة شاب من ذوي الإعاقة ‌‏‌‌‏من جباتا الخشب برصاصة ‏في قدمه، ثم الإفراج عنه.‏

وفي القطاع الزراعي، وثّق التقرير «إطلاق النار على ‏رعاة الأغنام ‌‏‌‌‏في محيط كودنة، ومنع الرعاة من دخول محمية جباتا الخشب،‏ ونفوق أغنام إثر ‌‏‌‌‏استهدافها من دورية للاحتلال»، كما أورد أعمال تجريف في تلة الحميرية بطرنجة، مع ‌‏‌‌‏منع المزارعين والرعاة من الاقتراب.‏

وفي رويحينة، يصف مختار القرية محمد الأحمد الأثر المتراكم لهذه ‏الممارسات على ‌‏‌‌‏السكان، مقدراً مساحة الأراضي والمراعي التي استولى ‏عليها الاحتلال في القرية بنحو ‌‏‌‌‏5 إلى 6 آلاف دونم، وفق ما أفادت وكالة «سانا» الرسمية.


الأردن يواجه الإرهاب من جديد... مداهمات ليلية ومعالجات أمنية لسد الثغرات وقائياً

عناصر من الأمن الأردني بعد حادث قتل عنصر الأمن العام الخميس (رويترز)
عناصر من الأمن الأردني بعد حادث قتل عنصر الأمن العام الخميس (رويترز)
TT

الأردن يواجه الإرهاب من جديد... مداهمات ليلية ومعالجات أمنية لسد الثغرات وقائياً

عناصر من الأمن الأردني بعد حادث قتل عنصر الأمن العام الخميس (رويترز)
عناصر من الأمن الأردني بعد حادث قتل عنصر الأمن العام الخميس (رويترز)

على بُعد أيام قليلة من عملية «كنيسة حمود» في محافظة الكرك الجنوبية، والرد الانتقامي الذي نفذته القوات المسلحة (الجيش العربي) بطائرات سلاح الجو الملكي ضد تنظيم «داعش» في الجنوب السوري، وقعت عملية الخميس في عمّان، وأسفرت عن مقتل رجل أمن وإصابة آخر، على يد «إرهابي» أُفرج عنه مؤخراً، بعد انقضاء مدة حكم صدر بحقه على خلفية قضية إرهابية تعود إلى عام 2020، وتتعلق بالتخطيط لتنفيذ عمليات إرهابية.

واستهداف رجال الأمن أمام الوزارات والسفارات والمؤسسات الرسمية أمر تكرر في أكثر من مناسبة وموقع. لكن ما ذهب إليه المراقبون هو أن الهجوم الإرهابي، وإن بدا عملاً «فردياً ومعزولاً»، على غرار عمليات «الذئاب المنفردة»، لا ينفي تلقي الإرهابيين تعليمات من حسابات إلكترونية تابعة لتنظيم «داعش»، الذي لا يُخفي عداءه للأردن، واضعاً بنك أهداف لتنفيذ عملياته، وفقاً لما كشفته الاتصالات الخارجية بين الخلية التي نفّذت عملية الكنيسة والتنظيم.

من مدخل السفارة السريلانكية في العاصمة الأردنية (رويترز)

ويشير خبراء أمنيون متقاعدون إلى سهولة حمل السلاح الأبيض واستخدامه، لا سيما مع توفر عنصري «المباغتة والمفاجأة»، ويلفتون إلى أن طبيعة عمل جهاز الأمن العام تفرض عليه نمطاً مختلفاً من التعامل مع المدنيين، نظراً إلى احتكاكه المباشر بهم.

استهداف الأمن من عدة جهات

ويبذل الأمن الأردني جهوداً واضحة في مكافحة التطرف والإرهاب، وهو ما شكّل سبباً كافياً لاستهداف التنظيمات الإرهابية للبلاد. وفي الذاكرة القريبة، تبرز عمليات إرهابية عدة نجحت في استهداف الأردنيين -مدنيين ورجال أمن- فضلاً عن مؤسسات سيادية. وهي محطات تستدعي مراجعة بعض الأساليب الأمنية المتبعة في ملاحقة الإرهابيين ومتابعتهم، سواء في الداخل أو الخارج.

ولا يسعى التنظيم الإرهابي إلى استهداف الأمن الأردني فحسب، بل يمتد استهدافه إلى أمن المدنيين، وهو ما تجسّد في حادثة «كنيسة حمود»، التي راح ضحيتها 9 قتلى و40 جريحاً. لكن الأخطر في هذه العملية كان محاولة «زرع الفتنة» بين مسلمي ومسيحيي محافظة الكرك الجنوبية، التي ينظر إليها الأردنيون بوصفها نموذجاً للتآخي الديني والعيش المشترك.

ولا يمكن الكشف عن نوايا «الذئاب المنفردة»، حتى إن كانت تحت المراقبة، إذ قد تنشأ النوايا والخطط بدافع الانتقام، بوصفها ردة فعل في أي لحظة، خصوصاً في ظل فتاوى عدة تحض الإرهابيين على قتل رجال الأمن. ولأن الرقابة المسبقة لا تكفي، فإن الأهم، وفق خبراء، هو «العمل على إعادة تأهيل المحكومين في قضايا الإرهاب، من خلال الحوار المفتوح مع قيادات ومرجعيات دينية معتدلة». ومن بين هؤلاء القيادي السابق في صفوف جماعة «الإخوان المسلمين»، وعضو حزب «جبهة العمل الإسلامي» سابقاً، و«حزب الأمة» حالياً، بسام العموش، الذي فاز بمقاعد الحزب في عدد من الدورات البرلمانية، قبل أن ينشق عنه بسبب خلافات، والذي خاض حوارات مع عدد من سجناء «داعش» لبيان المخالفات الشرعية التي ترتكبها الجماعات الإرهابية والتكفيرية.

وبمناسبة هذا الحديث، فإن عدداً من منفذي العمليات الإرهابية سبق أن أُدينوا في قضايا إرهاب، وأنهوا مدة محكومياتهم، قبل أن يعودوا إلى الانخراط في مجتمعاتهم مجدداً. لكن، وفق تقارير حقوقية، فإن المحكومين في قضايا الإرهاب يقيمون في مهاجع مشتركة، ولم تُسهم سنوات السجن في تغيير طبيعة الأفكار المتطرفة التي يحملونها، والتي تُشكّل «عقيدة» لدى مقاتلي التنظيمات الإرهابية عموماً، سواء أكانوا ضمن مجموعات وخلايا، أم «ذئاباً منفردة» مندمجة في أوساط المجتمع.

عناصر أمنية في موقع هجوم الخميس في عمان (رويترز)

وتبيّن من آخر عملية إرهابية استهدفت رجل أمن من أفراد الحراسة أمام السفارة السريلانكية، الواقعة على شارع رئيسي غرب عمّان، وجود لائحة اتهام سابقة بحق منفذها، الذي بايع زعيم تنظيم «داعش» عام 2019. وأُلقي القبض عليه عام 2020، وصدر بحقه حكم بالسجن لمدة 9 سنوات عام 2022. وقد أثار ذلك تساؤلات بشأن الفارق بين مدة الحكم القضائي ومدة السجن الفعلية. وينطبق الأمر ذاته على منفذي عملية «كنيسة حمود» في محافظة الكرك، إذ إن وجود محكومين سابقين في قضايا إرهاب يُعد سمة بارزة بين منفذي العمليات الإرهابية في الأردن.

ونشطت عمليات تجنيد شباب أردنيين بتنظيمات إرهابية في سوريا والعراق، من خلال مواقع التواصل الاجتماعي منذ اندلاع الأزمة السورية، وانتشار خلايا إرهابية على الحدود الشمالية بين البلدين، بعد أن شكّلت تلك المواقع ملاذات لتهديد الأمن الوطني، وهي مواقع خارج سيطرة النظام السوري الجديد.

ارتباطات محتملة ومخاوف من خطط مكتملة

ما سبق يؤشر بوضوح، حسب خبراء، إلى احتمال وجود ارتباطات تنظيمية خارجية وخلايا نائمة في الداخل الأردني. فمرحلة «الكمون» التي عاشها تنظيم «داعش» خلال السنوات الأخيرة دفعته إلى إعادة تقييم خططه وعملياته وخريطة انتشار خلاياه بين السكان في الجنوب السوري، مستغلاً فقدان الأمن وغياب السيطرة على مساحات مفتوحة في المنطقة.

وتُظهر المراجعات أن التنظيم أعاد انتشاره بأساليب تتناسب مع المرحلة، مستغلاً انشغال الأمن الأردني بأولويات التصدي للاعتداءات الإيرانية على الأردن ودول الخليج، منذ نهاية فبراير (شباط) الماضي.

صورة مأخوذة من شريط فيديو للمسلحين خلال هجومهم على الكنيسة في قرية حمود الأردنية

وتتفق تنظيمات إرهابية، رغم تناقضاتها، على استهداف الأمن الأردني؛ فمن جهة، ينشط تنظيم «داعش» في الشمال، ومن جهة أخرى، تنشط ميليشيات شيعية على الحدود الشرقية مع العراق، وهي تنظيمات مدعومة من طهران. وقد تمثل التهديد للأردن من الحدود الشمالية والشرقية معاً، ونشطت هذه التنظيمات خلال فترة رعاية النظام السوري السابق لها، فضلاً عن المناطق التي كانت تضم مصانع للمخدرات وشبكات تهريب عابرة للحدود، والتي شكّلت منطلقاً لتهديد الأمن الأردني بأساليب مختلفة.

وتبرز المخاوف الأمنية الأردنية، على لسان مصادر مطّلعة، من عودة الاتصالات بزخم بين خلايا نائمة في البلاد وجماعات إرهابية في الخارج، ما يوجب توسيع نطاق الرقابة، بالاستناد إلى قاعدة بيانات تضم أردنيين منتمين إلى جماعات إرهابية، سواء أكانوا خارج السجن أم داخله، مع ضرورة «سد أي ثغرات أمنية محتملة» قد تسعى الجماعات الإرهابية إلى استغلالها لاستهداف الأمن الأردني.

وهناك سؤال يطرحه المتابعون، في ضوء قِصر الفترة الزمنية بين خروج بعض منفذي عملية «كنيسة حمود» من السجن وتنفيذها، وخروج منفذ عملية الخميس حديثاً بعد قضاء محكوميته، ويتعلق باحتمال تلقي المنفذين تعليمات من سجناء إرهابيين كانوا معهم.

آثار دماء في «كنيسة حمود» بالكرك (رويترز)

المخاوف من وجود ثغرات قد تُشوّش على عمليات التحري والتحقيق دفعت الأجهزة الأمنية الأردنية، بالتزامن مع تطورات القضية، إلى تنفيذ سلسلة مداهمات واسعة في مناطق متفرقة من المملكة، شملت الشمال والوسط والجنوب، وبدأت ليلة الخميس واستمرت حتى فجر الجمعة.

وشملت المداهمات منطقة المزار الجنوبي في محافظة الكرك جنوب الأردن، وامتدت إلى محافظة إربد شمالي المملكة، كما شملت مناطق ماركا والرجم الشامي والجبيهة شمال العاصمة عمّان، ومنطقة الرصيفة ضمن حدود محافظة الزرقاء.