أكاديميات ومعاهد تقفز فوق أسوار كليات الإعلام اللبنانية

انتشارها والدورات الخاصة أثار جدلاً واسعاً

من إحدى الدورات التدريبية (الشرق الاوسط)
من إحدى الدورات التدريبية (الشرق الاوسط)
TT

أكاديميات ومعاهد تقفز فوق أسوار كليات الإعلام اللبنانية

من إحدى الدورات التدريبية (الشرق الاوسط)
من إحدى الدورات التدريبية (الشرق الاوسط)

تبرز أخيراً على الساحة الإعلامية اللبنانية أكاديميات ومعاهد ودورات تدريبية خاصة، بينها ما يعود إلى محطات تلفزيونية وأخرى إلى منظمات غير حكومية (NGO). هؤلاء اللاعبون يقدّمون دورات تدريبية في كيفية ممارسة مهنة الصحافة، ويلقنون محبيها وضمن صفوف منظمة، تقنيات الإعلام الحديث. وبعيداً عن نظريات مناهج كليات الإعلام الجامعية، يزوّدون هواة المهنة بما يعدّونه مفاتيح النجاح.

البعض يركّز على تعليم التقديم الإذاعي والتلفزيوني، وأصول تحرير النشرات الإخبارية والتقارير وتقديمها. والبعض الآخر ينطلق من قواعد ممارسة المهنة بمصداقية وأصالة، فيركّز على كيفية «صناعة» الخبر الصحيح، وأدوات تسهيل التحرير، وصولاً إلى موضوع سلامة الصحافيين في ظل تغطيتهم الميدانية لمواضيع الحروب، ووسط كل هذا ثمة مَن يذكّر بأهمية الشفافية بوصفها عنصراً أساسياً في صناعة الخبر وتقديمه.

جاد شحرور (الشرق الاوسط)

حرب باردة

طفرة الأكاديميات والمعاهد والدورات الخاصة تكبر يوماً بعد يوم، ويجري الترويج لبعضها عبر وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المرئية. وكما سبق، فإنها تجتذب العاملين في هذه المهنة، وأيضاً مَن هم خارجها، ممّن يتوقون لدخولها عبر الشاشة أو الصحيفة.

من جانب آخر، لا تحظى هذه الظاهرة بإجماع إيجابي، بل تستفزّ أحياناً «الكادر» الإعلامي الرسمي، وفي مقدّمهم كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية؛ إذ إن الطريق طويل وشائك ويتطلّب سنوات من التخصص، وبالتالي، لا يمكن اختصاره في بضع دورات تمتد لأشهر قليلة. وبحسب أحد الأساتذة في كلية الإعلام فإن هذه المعاهد والدورات «تقفز فوق أسس التعليم الرسمي ونظرياته».

ويعتبر خرّيج كلية الإعلام طريقه أسهل من غيره، والدليل على ذلك هو «الكادر» التدريبي في هذه المعاهد. فهو يتألّف من أصحاب الشهادات في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية، وعليه من الضروري السير في طريق ممارسة المهنة من ألفها إلى يائها، ولا يجوز الانطلاق في المهنة من نهايتها... أي بالصفوف التدريبية.

من جانبهم، يرى المسؤولون عن تنظيم الدورات التدريبية الخاصة بأن مهمتهم أساسية. وأن هناك حاجة ماسة لفتح أبواب تدريب تسمح بتطوّر المهنة، في غياب عدد كبير من المواد التطبيقية في كليات الإعلام.

د وفاء ابو شقرا (الشرق الاوسط)

محاولة التفاف على دور كلية الإعلام

الدكتورة وفاء أبو شقرا، رئيسة مركز الأبحاث في كلية الإعلام بالجامعة اللبنانية والأستاذة الخبيرة، تعدّ الموضوع برمّته «مستفزّاً»؛ إذ ترى فيه «محاولة التفاف» على كلية الإعلام ودورها في مهنة الصحافة. وتوضح: «عندما ننتمي إلى مؤسسة إعلامية معيّنة تختلف معايير المهنة، ويصبح العامل فيها مقيداً بهويّتها السياسية والاجتماعية».

وتضيف أبو شقرا، في لقاء مع لـ«الشرق الأوسط» شارحة: «من وجهة نظري، أرى أن تلك المعاهد تقوم بمهمة ليست من اختصاصها. فهي تعتدي على دور كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية... ومن الأهمية بمكان الاطّلاع على السياسة التدريسية المتّبعة في تلك الدورات. فهل هي مطابقة للمعايير المطلوبة؟ في نظري ثمة محطات تلفزة يجب أن تقفل أبوابها؛ لأنها لا تحاكي المستوى الإعلامي المطلوب. وبالتالي، فإن المدرّبين أنفسهم فيها، يجب أن يخضعوا لدورات. باختصار، ما نراه اليوم في هذا الصدد هو بمثابة موضة كل يرتدي أزياءها على طريقته».

حسين الشريف (الشرق الاوسط)

مجلس إعلامي متخصص للتحكيم

في المقابل، يرى اختصاصيون وخبراء في مجال الصحافة أن تاريخ وسيلة إعلامية، هو الذي يحدّد إمكانية تنظيمها هذا النوع من الدورات. فعندما نذكر دورة تطلقها الـ«بي بي سي» (هيئة الإذاعة البريطانية)، أو أي وسيلة عريقة مثلها، نقرّ بأن من حقها القيام بهذه المهمة. ولذا لا بد من تأسيس «مجلس إعلامي» تمرّ من خلاله تراخيص الجودة قبل تنظيم الدورات التدريبية. أما ما نراه اليوم فهو أشبه بلعبة تجارية يروّج لها أصحاب هذه الدورات عبر شاشاتهم ومواقعهم الإلكترونية؛ لأن اكتساب مهارات المهنة لا يُبنى على الدولارات. ثم إن لدى كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية مجموعة من الخبراء المتخصصين الذين يشرفون على المواد التطبيقية في منهجها، وكل ما يحصل خلاف هذه القاعدة أمر غير سليم.

حان وقت التعاون

غدي بو موسى، مذيع الأخبار في قناة «الجديد»، لديه رأي في هذا الموضوع. وهو من باب حمله شهادات عليا في الإعلام وكونه أحد المدرّبين في «مركز (تلفزيون) الجديد الإعلامي» يقول: «هذه الدورات، من دون شك، لا تعوّض عن الاختصاص الجامعي في الإعلام، ولكن يمكنها بنظري أن تكمّل ما بدأ هناك. وهناك مواد تطبيقية كثيرة يحتاج إليها الإعلامي. في الإعلام المرئي مثلاً، لا تحضر في المنهج التطبيقي للجامعة. وعليه، يجب تنظيم منهاج علمي يوفّق بين الجهتين، ويصار إلى دمج النظري بالتطبيقي». ويتابع بو موسى: «من خلال خبرتي الدراسية والعملية لاحظت وجود هوة بين الشقين الأكاديمي والتدريبي، لذا لا بد من التعاون بين الطرفين لاكتمال الحلقة. ولا يجوز أن تبقى المهنة منقسمة على نفسها بين جيلين. الاختصاص الجامعي والدورات التطبيقية هما بالأهمية عينها... والصحافي بحاجة إلى هذه الدورات لصقل مهنته بالمعرفة اللازمة لممارستها على الأرض».

غدي بو موسى (الشرق الاوسط)

مهمة تعزيز المهارات

جدير بالإشارة أن الدورات التدريبية الإعلامية تنشط في الفترة الأخيرة ضمن برامج تطلقها منظمات غير حكومية (NGO). وغالبية المدرّبين فيها هم خريجو كليات الإعلام، وفي مقدمها الجامعة اللبنانية، ولقد ازداد انتشارها بُعيد عام 2019. قبل ذلك التاريخ، شهد القطاع تدهوراً وتراجعاً ملحوظين، لا سيما فيما يخصّ الأجور التي يتقاضها الصحافيون. وكان بين المواد التي تتضمّنها المناهج تلك المتعلقة بالتقارير الاقتصادية والمالية والحوكمة. وكذلك التي تتعلق بالصحافة البنّاءة، ولإيجاد حلول معمقة لمشاكل بيئية واقتصادية، وفتح حوارات قيمة بين المسؤول والمواطن.

في حين تهتم منظمات أخرى بتطوير المهنة وتحديثها لمواكبة العصر، وبينها المتعلقة بكيفية العمل من خلال وسائل التواصل الاجتماعي. وهي تأخذ بعين الاعتبار علاقة المهنة بالأخلاقيات، وتعلم معايير الخبر واختيار المصادر ذات مصداقية معروفة بعيداً عن الأخبار المغلوطة.

لكل دورة جمهورها!

جاد شحرور، المدرّب والمسؤول الإعلامي في «مؤسسة سمير قصير للإعلام» (سكايز) قال لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه: «هناك مسؤولية تقع على كليات الإعلام، وعلى معاهد التدريب عامة، وعلى أن أي شخص يتعاطى في القطاعين من متلقٍّ أو أستاذ، أن يمتلك خلفية تخصصية غنية». ويتابع: «ما لا يعرفه كثيرون هو أن الإعلام صناعة، وهذه الصناعة يلزمها الحرفية وتحتاج لسوق تتلقّفها. وفي القطاعين هناك من يذهب نحو مناهج وأهداف ومواضيع غير قيّمة. شخصياً، أرى ارتباطاً مباشراً بين القطاعين، فأحيانا الجامعات تزوّدنا بكل الأمثلة الرائعة حول المهنة... ولكن عندما يبدأ خريج الإعلام في العمل على الأرض يصدم بواقع عمل مغاير».

ويوضح شحرور: «في الجامعات مواد كثيرة مغيّبة عن منهجها. كما أن المعاهد تأتي أحياناً بديلاً عن كلية الإعلام بسبب ميزانيات الطالب التعليمية. ومرات بسبب غياب الفكر العملي (بيزنس) عن منهجها، وكيفية ربطه بالمحتوى الإعلامي». ويستطرد أن «دوراتنا مجانية وتجتذب طلاباً من جامعات مختلفة، وكذلك صحافيون يرغبون في تعزيز قدراتهم ومهاراتهم. بل أحياناً تشمل مديري تحرير ومؤسسات إعلامية. فلكل تدريب جمهوره تحت عنوان: من يستهدف؟ ولماذا؟».

التعاون مع الجامعات

ختاماً، تعدّ مؤسسة «مهارات» مؤسسة غير حكومية تُعنى بقضايا الإعلام وحرية الرأي العام والتعبير، وتنظم دورات تدريبية من خلال منظومة كاملة. ويقول حسين شريف، الصحافي والباحث في المؤسسة المذكورة: «هذه التدريبات تزوّد طلاب الصحافة بمهارات سوق العمل، ومن خلالها يحصل على فرص عمل أوسع. في الماضي كانت التدريبات تقتصر على أيام قليلة، إلا أننا طوّرناها عبر تسليم الطلاب مواضيع تدريبية تكون مواد تطبيقية وعملية في آن معاً. وتستغرق الدورة التدريبية 6 إلى 9 أشهر، وهي تتوج بشهادات من مؤسسة «مهارات».

ويردف: «نحن منفتحون على جميع الجامعات، وهناك تعاون دائم بيننا. نستعين بخبراتهم والعكس. بعض طلابنا يقدمون شهاداتنا للوسيلة الإعلامية التي ينضمون إليها كورشة عمل، ولدينا اتفاقيات تعاون مع منظمات ومؤسسات عربية وأجنبية، وتبادل هذه الخبرات يجري في صفوف عندنا أو في حرم الجامعات، ونشارك مرات في متابعة سن قوانين الإعلام، والتشريعات المتعلقة بالانتخابات النيابية ودور المرأة فيها. ولدينا دورات تتعلق بنشرات الأخبار وسلامة الصحافي وطبابته. جميع دوراتنا مجانية وتكون بمثابة فترة عمل واستكتاب وتدريب في آن، وتشمل القطاع التقني والإلكتروني والـ(سوشيال ميديا)».


مقالات ذات صلة

«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

إعلام شعار "فيسبوك" (د ب أ)

«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

عاد الجدل حول مستقبل التفاعل على منصة «فيسبوك» إلى الواجهة، في ظل مؤشرات أداء حديثة تُظهر استمرار تراجع معدلات التفاعل، مقارنة بمنصات اجتماعية منافسة.

إيمان مبروك (القاهرة)
يوميات الشرق «المنتدى السعودي للإعلام» يختتم نسخته الـ5 في الرياض

«المنتدى السعودي للإعلام» يختتم نسخته الـ5 في الرياض

اختتم «المنتدى السعودي للإعلام» أعمال نسخته الخامسة في الرياض، أمس، بعد عقد أكثر من 60 جلسة حوارية وورشة عمل، ناقش فيها 300 متحدث من مختلف دول العالم، محاور.

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض (الشرق الأوسط)

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

توّج الدكتور حسين النجار المذيع السعودي بجائزة شخصية العام خلال حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض تقديراً لتجربته العريضة

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق الكاتب محمد الرميحي والمحرر عبد الهادي حبتور يحتفلان بالجائزتين (الشرق الأوسط)

«المنتدى السعودي للإعلام» يتوّج الفائزين بجوائز دورته الخامسة

كرّم «المنتدى السعودي للإعلام»، مساء الأربعاء، الفائزين بجوائز نسخته الخامسة، التي نظمت في الرياض، على مدى 3 أيام، بحضور جمع من الإعلاميين.

عمر البدوي (الرياض)
رياضة سعودية علاء شاهين خلال حديثه عن المحتوى الرقمي في منتدى الإعلام (الشرق الأوسط)

منتدى الإعلام السعودي يناقش صناعة محتوى رياضي رقمي يستهدف «جيل زد»

ناقش المنتدى السعودي للإعلام، اليوم، التحولات المتسارعة التي يشهدها المحتوى الرياضي الرقمي في ظل تطور أدوات الإعلام وتغيّر أنماط التلقي.

شوق الغامدي (الرياض)

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
TT

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)

قالت كِندة إبراهيم، المديرة العامة الإقليمية لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، إن استراتيجية المنصة في المنطقة خلال عامي 2026 و2027 ترتكز على بناء «اقتصاد إبداعي مستدام» يحوّل المحتوى من نشاط رقمي إلى مسار مهني حقيقي، ويمنح المواهب المحلية أدوات النمو والوصول إلى الاقتصاد الرقمي العالمي.

وأوضحت إبراهيم، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» على هامش حفل جوائز «تيك توك» الذي نُظم أخيراً، أن المنصة «لا تنظر إلى نفسها بوصفها منصة ترفيه فحسب، بل منظومة متكاملة تتحول فيها الإبداعات إلى مهن، والاهتمامات إلى مجتمعات رقمية، والقصص المحلية إلى محتوى قادر على الانتشار عالمياً مع الحفاظ على هويته الثقافية».

وأضافت أن هذه الاستراتيجية «تقوم على الاستثمار في أدوات صناعة المحتوى، وتوسيع فرص تحقيق الدخل المستدام، وتعزيز أنظمة الأمان، وبناء شراكات تمكّن المواهب المحلية من النمو داخل المنطقة وخارجها بثقة». وأردفت أن تركيز المنصة سيظل منصبّاً على أسواق رئيسية مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية ومصر، إلى جانب أسواق واعدة أخرى تشهد زخماً متزايداً في ريادة الأعمال والإبداع الرقمي.

مؤشرات نضج المنظومة

في هذا السياق، رأت كندة إبراهيم أن نتائج حفل جوائز «تيك توك» لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2025 «شكّلت مؤشراً واضحاً على نضج منظومة صناع المحتوى في المنطقة، بعدما شارك أكثر من 5.7 مليون مستخدم في التصويت، مما يعكس تحول الجمهور من مجرد متلقٍّ إلى شريك فاعل في صناعة المشهد الإبداعي».

وأوضحت أن تكريم 33 صانع محتوى ضمن 11 فئة شملت الترفيه والتعليم والتأثير الاجتماعي والرياضة والطعام والأزياء والابتكار، «يعكس اتّساع نطاق الإبداع وعمقه».

وتابعت قائلةً إن صناعة المحتوى في المنطقة «لم تعد مرتبطة بلحظة انتشار عابرة أو بنوع واحد من المحتوى، بل أصبحت منظومة حقيقية تبني مجتمعات رقمية وتسهم في تشكيل الثقافة».

واستطردت بأن «وصول 66 صانع محتوى إلى القوائم النهائية قبل بدء التصويت يؤكد وجود قاعدة واسعة ومتنوعة من المواهب في مختلف أنحاء المنطقة، وهو ما دفع (تيك توك) إلى تطوير برامج دعم جديدة لعام 2026، تشمل استثمارات أكبر في أدوات مثل (تيك توك استديو) و(تيك توك ون)، إلى جانب برامج متخصصة للمعلمين والفنانين وصناع المحتوى الرياضيين ورواة القصص».

كِندة إبراهيم، المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى "تيك توك" في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا.(الشرق الأوسط)

محركات النمو

من جهة ثانية، ذكرت كندة إبراهيم أن نمو «تيك توك» في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا تقوده ثلاثة عوامل رئيسة تتمثل في: الاكتشاف، والمجتمع، وفرص الدخل المستدام.

ولفتت إلى أن «نظام التوصية القائم على الاهتمامات، وليس على عدد المتابعين، يتيح للأصوات الجديدة الظهور بسرعة، ويسمح للاهتمامات المتخصصة من التعليم والرياضة إلى الطعام والجمال، بأن تتحول إلى حركات ثقافية واسعة تقودها المجتمعات نفسها... وأدوات مثل (تيك توك ون)، والتعاون بين صناع المحتوى، أمور تسهم في تحويل التفاعل إلى علاقات أعمق وفرص دخل حقيقية، مما يدعم بناء منظومة إبداعية أكثر استدامة في المنطقة». ومن ثم، فإن المنصة -وفق كندة ابراهيم- «تقيس هذا النمو عبر مجموعة من المؤشرات، تشمل عدد المستخدمين النشطين، ووقت المشاهدة، والتفاعل المتكرر، ونشاط صناع المحتوى، وتبني أدوات تحقيق الدخل، إضافة إلى عدد الصنّاع الذين ينشرون محتوى بشكل منتظم، وسرعة وصول المواهب الجديدة إلى مجتمعاتها».

التعليم والترفيه

ورداً على سؤال عن طبيعة المحتوى، أكدت أن الترفيه لا يزال عنصراً أساسياً في تجربة «تيك توك»، لكنه لم يعد النوع الوحيد الذي يبحث عنه الجمهور... ذلك أن المحتويين التعليمي والمعرفي، إلى جانب محتوى ريادة الأعمال والتأثير الاجتماعي، قطاعات تشهد نمواً متزايداً، خصوصاً عبر مبادرات مثل «تعلم في تيك توك».

وأوضحت أن التعليم على المنصة لا يأتي بصيغة تقليدية، بل في قالب بسيط وسريع وممتع، يمزج بين الفائدة والترفيه، وهو ما يجعل المحتوى أكثر قرباً من الناس وأكثر قابلية للمشاركة والاستمرار.

منصة متعددة الأجيال

وفيما يتعلق بالفئات العُمرية، شددت المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، على أن «تيك توك» باتت «منصة متعددة الأجيال بطبيعتها». إذ تعتمد تجربة المستخدم على الاهتمامات لا على العمر، وبالتالي، «فإن كل مستخدم يجد محتوىً يناسبه، سواءً للترفيه أو التعلّم أو التعبير عن الذات، مما يجعل التجربة أكثر شمولاً وإنسانية».

السلامة والذكاء الاصطناعي

أما عن التحديات، فقالت إن «تيك توك» تولي أولوية قصوى لبناء بيئة رقمية آمنة وشفافة، خصوصاً مع الانتشار المتزايد لأدوات الذكاء الاصطناعي. وشرحت كيف أن المنصة كانت أول جهة تطبّق تقنية «بيانات اعتماد المحتوى Content Credentials بالتعاون مع تحالف C2PA لتمييز المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي».

وأضافت أن أكثر من 37 مليون صانع محتوى استخدموا أداة وسم المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي منذ العام الماضي، كما جرى وسم أكثر من 1.3 مليار فيديو بعلامات مائية غير مرئية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الشفافية.

كذلك كشفت عن إطلاق صندوق بقيمة مليوني دولار لدعم محو الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي، إضافةً إلى الانضمام إلى «Partnership on AI» لتعزيز التعاون على مستوى الصناعة. وشددت على أن هدف «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا هو مواكبة الابتكار، مع الحفاظ على بيئة آمنة ومسؤولة تحترم الخصوصية، وتعزز الثقة، وتدعم الإبداع الحقيقي الذي يعكس ثقافة وقيم مجتمعات المنطقة.

هذا، وتجدر الإشارة إلى أن المنصة كانت قد نظّمت اخيراً حفل جوائزها السنوي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا احتفاءً بأبرز صنّاع المحتوى في المنطقة الذين كان لهم تأثير متميز خلال عام 2025، وتم تكريم صنّاع المحتوى الذين ساهمت قصصهم وإبداعاتهم وتأثيرهم في رسم ملامح هذا العام على المنصة وخارجها.

تنامي المنصة

للعلم، تُعدّ «تيك توك» من المنصات الرقمية المتنامية العالم. وخلال السنوات الماضية عملت على طرح المحتوى بشكل مختلف من خلال الفيديوهات القصيرة. إذ تقوم فلسفة المنصة على نموذج اكتشاف قائم على الاهتمامات لا على عدد المتابعين، مما يمنح الأصوات الجديدة فرصة الظهور والانتشار السريع، ويتيح للمجتمعات الرقمية أن تتشكل حول متابعات مشتركة، سواءً في التعليم أو الرياضة أو الطعام أو ريادة الأعمال أو الفنون.

وفي منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، تتطلع «تيك توك» لأن تكون لاعباً رئيسياً في تشكيل الثقافة الرقمية، إذ تحوّلت إلى مساحة للتعبير عن الهوية المحلية، ومسرح للأفكار الجديدة، ومنصة لإطلاق المواهب الشابة.


«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

عاد الجدل حول مستقبل التفاعل على منصة «فيسبوك» إلى الواجهة، في ظل مؤشرات أداء حديثة تُظهر استمرار تراجع معدلات التفاعل، مقارنة بمنصات اجتماعية منافسة. وهذا الأمر يدفع الآن شركة «ميتا»، مالكة المنصة، إلى الرهان على الذكاء الاصطناعي بوصفه مساراً لاستعادة التفاعل عبر تحسين أنظمة التوصية وترتيب المحتوى، وتقديم تجربة أكثر تخصيصاً للمستخدمين.

لقد أشار تقرير أجرته «سوشيال إنسايدر» (وهي شركة متخصصة في تحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي وتقديم تقارير مؤشرات أداء)، خلال الشهر الحالي، إلى أن «متوسط معدلات التفاعل على (فيسبوك) بلغ 0.15 في المائة. وهي نسبة تعكس انخفاضاً تم تسجيله منذ مطلع عام 2025». وتبيّن المؤشرات التي استندت إلى تحليل بيانات نحو 70 مليون منشور عبر منصات «تيك توك» و«إنستغرام» و«فيسبوك» و«إكس» (تويتر سابقاً)، أنه لا يمكن فصل هذا التراجع عن التحولات الأوسع في سلوك المستخدمين، ولا عن المنافسة المحتدمة مع منصات تقدّم أنماطاً أكثر حيوية من المحتوى، وفي مقدمتها الفيديو القصير.

حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، أرجع انخفاض التفاعل على «فيسبوك» إلى عدة عوامل. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «(فيسبوك) بات يعاني من هجرة جيلَي زد وألفا، وتحوّل المنصة إلى فئة عُمرية أكبر (في سن 35 سنة)، والسبب في ذلك أساساً وجود منافسين أكثر حيوية ومنصّات تقدّم أنماطاً جديدة من المحتوى مثل (تيك توك) و(إنستغرام)، حتى إن (فيسبوك) باتت منصة الآباء والأجداد».

الشولي يشير إلى «تحول (فيسبوك) لإحراق المحتوى؛ إذ تتعرّض الحسابات العادية لنحو 1500 منشور محتمل خلال أقل من 8 ساعات، ما أدى إلى مفهوم انهيار السياق والاتجاه نحو التلوث في الكم مع إغفال النوع». ويضيف: «هو بالأساس يدخل في إطار فلسفة الاقتصاد، بتحويل انتباه المستخدمين وجعلها عملية نادرة، تتنافس عليها الشركات المعلنة، الأمر الذي أدى لتحول المنصة لسوق من الإعلانات، مع انعدام المحتوى». ويلفت إلى أن «الكمية الهائلة من المنشورات ولّدت فقراً في الانتباه، كما يقول هربرت سايمون، الذي أسس لفكرة اقتصاد الانتباه».

جدير بالذكر أن مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لـ«ميتا»، كان قد ألمح إلى نية الشركة الدفع باتجاه مزيد من الأدوات والاستخدامات المعززة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما عدّه خبراء «رهاناً لتعويض تراجع التفاعل». وكشفت «ميتا» عقب إعلانها أحدث تحديثات الأداء عن دور أنظمتها المتقدمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تحسين ترتيب المحتوى وزيادة الصلة داخل الخلاصات.

عودة إلى الشولي، فإنه يرى صعوبة في إيجاد تغيير ملموس بشكل كامل على «فيسبوك»؛ إذ يقول: «المنصة بحاجة لإعادة نظر في شكلها الحالي وطبيعة عملها... والأهم من ذلك استقطابها لجمهور الشباب؛ إذ لدى (فيسبوك) نحو 3 مليارات مستخدم نشط شهرياً، منهم 2 مليار ناشطون بشكل يومي، ولكن معدل الأعمار الأكثر نشاطاً هم الأكبر بالعمر، وهذه مشكلة عنق الزجاجة التي تعاني منه (فيسبوك) طوال السنوات العشر الماضية».

ويضيف أن «الذكاء الاصطناعي قد يؤثر في استهلاك المحتوى من قبل المستخدمين؛ لكن داخل حيز الحسابات النشطة فقط». وهو لا يعتقد بارتفاع أعداد الحسابات النشطة أكثر مما عليه الآن.

من جهة ثانية، وفق البيانات الرسمية لـ«ميتا»، أسهمت تحسينات ترتيب الخلاصات والفيديو على «فيسبوك» خلال الربع الرابع من عام 2025 في زيادة مشاهدات منشورات الخلاصة والفيديو العضوية بنسبة 7 في المائة، مع تسجيل نمو في وقت مشاهدة الفيديو على أساس سنوي داخل الولايات المتحدة. كذلك زادت المنصة من عرض المقاطع القصيرة المنشورة في اليوم نفسه بنسبة تجاوزت 25 في المائة مقارنة بالربع الثالث من العام ذاته.

وهنا ذكرت دعاء عمار، الصحافية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «فيسبوك» لم تنجح في جذب الشرائح الأصغر سناً. ولفتت إلى التغيّر في تفضيلات الخوارزمية، قائلة: «في السابق كانت خوارزمية (فيسبوك) تعرض ما ينشره أصدقاؤك وأقاربك، أما الآن فتحاول (فيسبوك) استنساخ (تيك توك)». وأردفت دعاء عمار أن «الخوارزمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي ما تشاهده على أساس اهتمامك الحالي، وليس بناء على مَن تتابعهم»، معتبرة أن هذا قلّل «الحميمية» التي كانت قبل ذلك دافعاً أساسياً للتفاعل بالتعليقات والمشاركة.

وبالنسبة لرهان «فيسبوك» على الذكاء الاصطناعي، رأت دعاء عمار أن «المشكلة تكمن في أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي مصممة لزيادة التفاعل بأي ثمن، ما قد يؤدي على سبيل المثال إلى انتشار الأخبار المضللة أو حبس المستخدم في فقاعة من المحتوى الذي يوافق مزاجه فقط؛ ما قد يخلق استقطاباً مجتمعياً حاداً». ومن ثم «التفاعل يجب أن يكون هدفاً مقيداً وليس الهدف الوحيد... والحد الفاصل هو عندما يتحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة لتحسين التفاعل، إلى محرّك غير خاضع للمساءلة لزيادة هذا التفاعل».


«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.