ارتفاع الأسعار يدفع اللبنانيين للبحث عن بدائل غذائية

نسبة التضخم تفوق 20 %... والأجور تراجعت

مواد غذائية داخل سوبر ماركت في بيروت حيث ارتفعت الأسعار 81 % خلال عام (د.ب.أ)
مواد غذائية داخل سوبر ماركت في بيروت حيث ارتفعت الأسعار 81 % خلال عام (د.ب.أ)
TT

ارتفاع الأسعار يدفع اللبنانيين للبحث عن بدائل غذائية

مواد غذائية داخل سوبر ماركت في بيروت حيث ارتفعت الأسعار 81 % خلال عام (د.ب.أ)
مواد غذائية داخل سوبر ماركت في بيروت حيث ارتفعت الأسعار 81 % خلال عام (د.ب.أ)

تتجوّل أمٌّ لبنانية في أحد متاجر بيروت؛ تمسح بعينيها رفوف المواد الغذائية كما لو كانت تُجري حساباً صامتاً بين الضرورة والقدرة. تمسك عبوة حليب اعتادت شراءها لأطفالها، وتقرأ سعرها الجديد، فتُعيدها إلى مكانها، وتختار علامة أرخص. تتابع جولتها بخطواتٍ مترددة، لتمارس ما باتت تُعرف في البيوت اللبنانية بـ«سياسة البدائل»، أو «فنّ البقاء على قيد الحياة بأقل الخسائر الممكنة».

هذا المشهد اليومي، الذي بات يتكرر في معظم المدن والبلدات اللبنانية، يُلخّص معاناة مجتمعٍ أنهكه الغلاء. ووفق أرقام «البنك الدولي» الأخيرة المتعلّقة بالأمن الغذائي، فقد ارتفعت أسعار الغذاء في لبنان خلال الأشهر الـ11 الأخيرة بشكل كبير؛ إذ لم ينخفض معدّل التضخّم الشهري عن 20 في المائة، فيما بلغ معدّل ارتفاع الأسعار نحو 21.4 في المائة، وهذه من أعلى النسب المسجّلة بين الدول ذات «الدخل المتوسط الأعلى».

متسوقون داخل سوبر ماركت في بيروت (أرشيفية - رويترز)

لكن لبنان، وعلى خلاف تلك الدول، يعيش ارتفاعاً متواصلاً في الأسعار، رغم استقرار سعر صرف الدولار منذ أكثر من عامين عند حدود 89 ألفاً و500 ليرة لبنانية، أي إن الغلاء الحالي لا يرتبط بانهيار العملة المحلية، بل هو تضخّم يكشف عن خلل بنيوي في آليات التسعير والرقابة، وعن اقتصادٍ فقدَ توازنه بين التكلفة والدخل والاستهلاك.

ويقول رئيس «جمعية المستهلك»، زهير برو، إنّ «أسعار السلع والخدمات في لبنان قفزت إلى مستويات تفوق ما كانت عليه قبل عام 2019 بكثير؛ إذ ارتفعت تكلفة الفاتورة اليومية تقريباً في كل القطاعات». وأضاف في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أنّ «مؤشرات (البنك الدولي) الأخيرة تُظهر أنّ التضخم في لبنان بلغ نحو 21 في المائة خلال الأشهر الماضية؛ مما جعل البلاد ثالث أغلى دولة عربية من حيث أسعار الغذاء».

التسعير بالدولار أصبح القاعدة المعتمدة في المتاجر اللبنانية (أرشيفية - أ.ف.ب)

وفي مقارنة مباشرة بين الأسعار اليوم وتلك التي كانت عام 2019، يوضح برو أن «أسعار معظم السلع الغذائية تضاعفت. فكيلوغرام اللحم مثلاً ارتفع من نحو 10 دولارات إلى ما بين 18 و20 دولاراً، أما الدجاج فارتفع سعره بنحو 25 في المائة، وكذلك البيض والخضراوات وسائر المواد المستوردة». ويلفت إلى أن «بعض المواسم المحلية من الخضراوات والفاكهة بقيت في حدود مقبولة، لكنها لا تكفي لتوفير الأمن الغذائي في ظل غياب الإنتاج الزراعي والصناعي المحلي».

ويتابع برو: «كل المواد المستوردة تقريباً عادت إلى أسعارها قبل الأزمة أو تجاوزتها أحياناً؛ مما جعل اللبنانيين يرزحون تحت ضغط كبير في ظل ضعف القدرة الشرائية وغياب سياسات الأجور العادلة».

من محل صرافة في بيروت يوم 20 أغسطس 2018 (أرشيفية - أ.ب)

منذ اندلاع الأزمة المالية عام 2019 وحتى خريف 2025، تغيّرت المائدة اللبنانية جذرياً، لا بالليرة فحسب، بل بالدولار أيضاً؛ إذ ارتفعت أسعار الأرز والسكر والزيت والحليب المجفف بأضعاف مضاعفة، حتى باتت السلة الغذائية بالدولار أغلى بنحو مرتين أو 3 مرات مما كانت عليه قبل الأزمة، في وقتٍ تراجعت فيه الأجور الفعلية إلى أقل من نصف قيمتها السابقة.

يعكس هذا الغلاء، تحوّلاً عميقاً في بنية السوق؛ إذ لم تعد الدولرة كفيلة بضبط الأسعار كما رُوِّج في بداية الأزمة. بل على العكس، كشفت عن أن تكلفة المعيشة الحقيقية باتت أعلى من قدرات اللبنانيين، لتتحوّل المائدة اليومية إلى مساحة للتقشّف لا للتنوّع، وللاختيار القسري لا للرفاه.

ويحذّر عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي» صادق علوية بأن «اللبنانيين يعيشون اليوم حالة من التكيّف القسري مع التضخم عبر ما يمكن وصفها بـ(سياسة البدائل)»، موضحاً أن «ارتفاع الأسعار المستمر يدفع المواطنين إلى استبدال منتجات أرخص ثمناً بالسلع الأساسية، في ما يشبه تطبيقاً عملياً لما يُعرف في الاقتصاد بـ(مبدأ الكفاية الحدّية)».

كسرة خبز مرفوعة خلال مظاهرة في بيروت طالبت بإغاثة غزة (أ.ب)

ويقول علوية لـ«الشرق الأوسط» إن «السنوات المقبلة ستشهد تفاقماً في أزمة التغذية؛ إذ سيصاب اللبنانيون بضعف في المناعة وسوء في التغذية، خصوصاً بين الأسر الأشد فقراً»، مشيراً إلى أن «التضخم القائم لا توازيه أي تعديلات فعلية في الأجور، ولا يعكس بالضرورة مستويات التضخم العالمية؛ لأن نِسبَه في لبنان تفوق المعدلات المقبولة علمياً واقتصادياً؛ نتيجة تفلت الأسعار وغياب أدوات الدولة الرقابية».

ويوضح علوية أن «التضخم يتركّز بصورة أساسية في المواد الغذائية؛ لأسباب غير مفهومة اقتصادياً، فحتى بعد دولرة الأسعار وربط الأدوية والسلع بالدولار الأميركي، لم ينعكس استقرار سعر الصرف على ثبات الأسعار»، لافتاً إلى أن «بعض السلع التي أُعفيت من الضريبة على القيمة المضافة أو من الرسوم الجمركية بموجب قرارات رسمية، لم تنخفض أسعارها كما كان متوقعاً، بل واصلت ارتفاعها».

الفقر يتّسع

ويضيف: «نحن نعيش في دوّامة مستمرة؛ إذ يُفترض لحل الأزمة المطالبة بتعديل الأجور، لكن هذه الخطوة تواجه رفضاً من أصحاب العمل الذين يبررون موقفهم بتراجع قدرتهم على تحمّل التكلفة. وفي المقابل، فإن تكلفة الأجور الفعلية عليهم انخفضت قياساً بما قبل الأزمة، فمتوسط الأجور الذي كان يبلغ نحو 800 دولار قبل عام 2019، بات اليوم يتراوح بين 300 و500 دولار، ومع ذلك لم ينعكس هذا الانخفاض على أسعار السلع، بل ارتفعت الأرباح».

رجل يفرغ حمولة الخضراوات والفواكه من شاحنة في أحد أحياء بيروت (رويترز)

ويرى علوية أن «لبنان يعيش حالة مفارقة واضحة، فهناك فئة تزداد ثراءً بسرعة، في حين تزداد فئة أخرى فقراً بسرعة أكبر»، مشدداً على أن «البلاد مقبلة على مزيد من الأزمات الاجتماعية التي ستؤدي بالضرورة إلى ارتفاع معدلات الجريمة، لا سيما جرائم السرقة والنشل». ويرى أن لبنان لن ينجو من الانهيار، «فالفقر يتوسع، والوضع الاجتماعي المتدهور ينعكس مباشرة على الأمن والاستقرار، وإذا استمر هذا النهج من التفلت الاقتصادي، فإن لبنان سيواجه مرحلة شديدة الخطورة على المستويين المعيشي والاجتماعي».


مقالات ذات صلة

كاتس: نعيم قاسم يلعب بنار ستحرق «حزب الله» وكل لبنان

شؤون إقليمية وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (د.ب.أ)

كاتس: نعيم قاسم يلعب بنار ستحرق «حزب الله» وكل لبنان

أكد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس الاثنين أن الأمين العام لجماعة «حزب الله» نعيم قاسم «يلعب بالنار» مهدداً بأنها «ستحرق (حزب الله) وكل لبنان».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي سيارة محملة بالأمتعة في مدينة صيدا حيث يعود النازحون هرباً من تجدد التصعيد بجنوب لبنان (رويترز)

لبنان بين شبح جولة حرب جديدة وواقع الاشتباك المضبوط

يتسارع التصعيد الإسرائيلي في لبنان متجاوزاً «الخروق» إلى عمليات أوسع تطول الجنوب وتمتد إلى البقاع.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه برّي ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - رويترز)

اجتماع «رئاسي» لاعتماد مقاربة موحدة للمفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية

تبقى الأنظار المحلية والدولية مشدودة للقاء الأربعاء في بعبدا بين رؤساء الجمهورية العماد جوزيف عون والمجلس النيابي نبيه برّي والحكومة نواف سلام.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً وفداً من فعاليات حاصبيا والعرقوب (رئاسة الجمهورية)

عون يواجه «حزب الله»: الخائن من أخذ بلده للحرب تحقيقاً لمصالح خارجية

رسم الرئيس اللبناني جوزيف عون معالم المرحلة السياسية الراهنة، محدداً بوضوح موقع الدولة وخياراتها وموجّهاً رسالة مباشرة إلى «حزب الله».

كارولين عاكوم (بيروت)
خاص علم لبناني يرفرف على خيمة نازحين في مخيم مؤقت وسط وقف مؤقت لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل... في بيروت (رويترز)

خاص اقتصاد لبنان «يتوغّل» في حال عدم اليقين... والتضخم يستعيد زخم الارتفاع

حسم مصرف لبنان المركزي جدليّات التباين الصريح في التقديرات الرقمية لتحديثات حجم الناتج المحلي، ليستقر عند مستوى 33 مليار دولار مطلع العام الحالي.

علي زين الدين (بيروت)

رئيس الجمهورية العراقي يكلف علي الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة

رئيس الجمهورية العراقي يكلف علي الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة
TT

رئيس الجمهورية العراقي يكلف علي الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة

رئيس الجمهورية العراقي يكلف علي الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة

كلف رئيس الجمهورية العراقي نزار آميدي رجل الأعمال علي الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة.

واختار الإطار التنسيقي الشيعي بأغلبية أعضائه مساء اليوم الاثنين، الزيدي مرشحا لتشكيل الحكومة الجديدة.

وذكرت محطة تلفزيون (العهد) التابعة لحركة «عصائب أهل الحق» بزعامة الشيخ قيس الخزعلي أن ترتيبات مراسم تكليف الزيدي تجري الآن داخل المبنى الحكومي بحضور رئيس الحهورية نزار آميدي ورئيس البرلمان العراقي هيبت الحلبوسي ورئيس مجلس القضاء الأعلى في العراق فائق زيدان.

المحامي والمصرفي علي الزيدي (الشرق الأوسط)

وقال الإطار التنسيقي في بيان: «بعد تدارس أسماء المرشحين، جرى اختيار علي الزيدي، ليكون مرشح كتلة الإطار التنسيقي، بوصفها الكتلة الأكبر في مجلس النواب، لشغل منصب رئيس مجلس الوزراء وتشكيل الحكومة المقبلة».

كما ثمن الاطار التنسيقي «المواقف التاريخية المسؤولة لرئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، ورئيس ائتلاف الإعمار والتنمية السيد محمد شياع السوداني، عبر التنازل عن الترشيح لرئاسة وتشكيل الحكومة المقبلة، في خطوة تؤكد الحرص على المصالح الوطنية العليا، وتيسير تجاوز الانسداد السياسي، ولإتاحة الفرصة امام الاطار التنسيقي لاختيار المرشح الذي تتوافق معه المواصفات المطلوبة لشغل منصب رئيس مجلس الوزراء، ويتناسب مع متطلبات المرحلة وتحدياتها».


شاب سوري متهم بالتخطيط لتنفيذ هجوم «إرهابي» في برلين

ضباط الشرطة يقفون على أهبة الاستعداد خلال عملية كبرى وسط مدينة مانهايم بألمانيا بعد وقوع حادث خطير في مارس 2025 (أ.ب)
ضباط الشرطة يقفون على أهبة الاستعداد خلال عملية كبرى وسط مدينة مانهايم بألمانيا بعد وقوع حادث خطير في مارس 2025 (أ.ب)
TT

شاب سوري متهم بالتخطيط لتنفيذ هجوم «إرهابي» في برلين

ضباط الشرطة يقفون على أهبة الاستعداد خلال عملية كبرى وسط مدينة مانهايم بألمانيا بعد وقوع حادث خطير في مارس 2025 (أ.ب)
ضباط الشرطة يقفون على أهبة الاستعداد خلال عملية كبرى وسط مدينة مانهايم بألمانيا بعد وقوع حادث خطير في مارس 2025 (أ.ب)

تتهم السلطات الألمانية شاباً سورياً بالتخطيط لتنفيذ هجوم في العاصمة برلين بدوافع «إسلاموية متطرفة».

وبعد نحو ستة أشهر من اعتقاله، أقر الشاب (22 عاماً) أمام المحكمة الإقليمية في برلين بالتهم الموجهة إليه من حيث المبدأ، وقال إنه اتجه إلى «الفكر المتطرف» عن طريق الإنترنت، وأصبح في النهاية «مصمماً تماماً» على تنفيذ الهجوم، مضيفاً: «كنت محظوظاً لأنه تم القبض عليّ».

وبحسب لائحة الاتهام، فإن الشاب كان يفكر منذ مارس (آذار) 2025 على أبعد تقدير في تنفيذ هجوم «إرهابي» يستهدف بالدرجة الأولى اليهود المقيمين في برلين، إضافة إلى من وصفهم بـ«الكفار»، وإنه كان يخطط لقتل أكبر عدد ممكن من اليهود وغير المسلمين باستخدام سكين، قبل أن ينفذ هجوماً انتحارياً بواسطة حزام ناسف.

ويواجه المواطن السوري اتهامات بالتحضير لعمل عنيف خطير يهدد أمن الدولة، وتمويل «الإرهاب». كما تشمل لائحة الاتهام نشر مواد دعائية لتنظيمات «إرهابية» في أربع حالات.

وأشارت صحيفة الدعوى إلى أنه قام، في مارس، وأكتوبر (تشرين الأول) 2025 بنشر مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي مرفقة بأناشيد يستخدمها تنظيم «داعش».

عناصر من جهاز مكافحة الإرهاب في ألمانيا (أرشيفية - متداولة)

وفي مستهل المحاكمة قال الشاب إنه وصل إلى ألمانيا في نهاية عام 2023 لـ«العمل وكسب المال»، لكن أحلامه وأهدافه تغيرت لاحقاً. وأضاف أنه اتجه على نحو متزايد لـ«اعتناق الفكر المتطرف» عبر منصات على الإنترنت مثل «تيك توك»، حيث اطلع في محادثات على أفكار تتعلق بـ«الاستشهاد»، وشاهد مواد صادرة عن التنظيم. وقال: «كان الشيطان يقبع في رأسي. وقد استقيت أفكاري من تنظيم (داعش)».

وبحسب التحقيقات، تبادل الشاب عبر محادثات مع أطراف مجهولة معلومات حول كيفية صنع عبوة ناسفة، وناقش تنفيذ هجوم محتمل. ويُعتقد أنه اشترى سكيناً، وعدة مواد عبر الإنترنت يمكن استخدامها في صنع عبوة ناسفة أو حارقة.

موقع الجريمة بمدينة مانهايم غرب ألمانيا حيث تعرض سياسي من اليمين المتطرف لعملية طعن في مارس 2024 (رويترز)

وجاء في لائحة الاتهام أنه «كان على وشك صنع عبوة ناسفة»، وأنه بدأ بالفعل في تجارب أولية. ووفق تصوراته، كان يعتقد أن تنفيذ الهجوم «سيكفّر عن ذنوبه»، وسيتم الاحتفاء به بوصفه «شهيداً» وفق «الفكر المتطرف».

يُذكر أن المتهم، الذي قال إنه كان يقيم لدى أحد أقاربه في حي نويكولن في برلين، ويعمل في وكالة سفر تابعة له، يقبع في الحبس الاحتياطي منذ الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) 2025.

وخلال عمليات التفتيش، عُثر بحوزته على عدة أدلة ثبوتية. ومن المقرر عقد أربع جلسات إضافية للمحاكمة حتى الخامس من يونيو (حزيران) المقبل.


حراك مرتقب في القاهرة بشأن غزة... وتصعيد ميداني إسرائيلي

عامل فلسطيني يكسر الخرسانة في أثناء إزالة الأنقاض في خان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز)
عامل فلسطيني يكسر الخرسانة في أثناء إزالة الأنقاض في خان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز)
TT

حراك مرتقب في القاهرة بشأن غزة... وتصعيد ميداني إسرائيلي

عامل فلسطيني يكسر الخرسانة في أثناء إزالة الأنقاض في خان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز)
عامل فلسطيني يكسر الخرسانة في أثناء إزالة الأنقاض في خان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز)

تشهد العاصمة المصرية، خلال الأيام المقبلة، حراكاً سياسياً جديداً بشأن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وترجح مصادر وصول الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف إلى القاهرة، الثلاثاء، بالتزامن مع وفد من حركة «حماس» لينضم إلى بقية أعضائها الموجودين بالفعل هناك مع ممثلين عن الفصائل الفلسطينية منذ أسابيع.

وعلمت «الشرق الأوسط» أن ملادينوف سيزور إسرائيل لعدة ساعات قبل وصوله للقاهرة، ظهر الثلاثاء، كما هو متفق عليه في جدول الأعمال، حيث سيبحث مع مسؤولين إسرائيليين تطورات المحادثات التي جرت مع «حماس» مؤخراً، إلى جانب الاستماع لأي ملاحظات إسرائيلية على المقترحات الجديدة التي تمت صياغتها بالتنسيق مع الوسطاء خصوصاً المصري.

فلسطينيون يسيرون بين أنقاض المباني السكنية التي دمرتها إسرائيل في خان يونس جنوب غزة (رويترز)

وسيلتقي ملادينوف خلال زيارته إلى القاهرة مع قيادة حركة «حماس» والوسطاء، في إطار التشاور واستكمال المحادثات للتوصل إلى صياغة تجمع عليها كل الأطراف لتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بما يضمن الانتقال للمرحلة الثانية التي تشمل نزع سلاح غزة. بينما سيلتقي وفد الحركة الفلسطينية مع ممثلي الفصائل، وكذلك مع الوسطاء لإجراء مناقشات موسعة.

وتتعرقل المفاوضات راهناً بشأن اتفاق غزة، وفي حين تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار المتعلقة بالأعمال الإغاثية، وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

وقال مصدر قيادي من «حماس» في الخارج لـ«الشرق الأوسط»، إن حركته منفتحة على «التعامل بإيجابية مع جميع ما يُطرح، لكنها مصرة على إلزام إسرائيل بتنفيذ كل ما يقع على عاتقها بشأن المرحلة الأولى، خصوصاً وقف الانتهاكات والخروق المستمرة، إلى جانب إدخال المواد الإغاثية، وبدء إعمار البنية التحتية للمستشفيات والمدارس، وفتح المعابر بشكل أوسع بما في ذلك معبر رفح».

وبحسب المصدر، فإن الحركة «لا تمانع أن تكون هناك مناقشات بشأن سلاحها، ولكن ربط ذلك بقضايا إنسانية محدودة من دون أفق واضح لملف الإعمار، وحكم القطاع، ومستقبل المسار السياسي، سيفضي إلى مصير مجهول». وزاد: «في ظل محاولة فرض إملاءات ترفضها الحركة وكل فصائل غزة، ستبقى الأوضاع تراوح مكانها من دون تحرك واضح يلزم إسرائيل بكل ما تم الاتفاق عليه».

وبيّن المصدر أن حركته «وافقت خلال المباحثات التي جرت مؤخراً على أن يكون هناك تنفيذ لما تبقى من شروط المرحلة الأولى من قبل إسرائيل، وأن تجري بالتزامن مناقشات بشأن المرحلة الثانية»، لافتاً إلى أن «حركته وافقت كذلك على بعض المقترحات من الوسطاء بإمكانية تنفيذ بعض شروط المرحلة الثانية بالتزامن والتناقش حول القضايا العالقة، ومنها قضية السلاح».

وكان المصدر نفسه ومصادر أخرى من «حماس» قد ذكرت في التاسع عشر من الشهر الحالي أن «وفد الحركة اشترط في إطار تنفيذ المرحلة الأولى أن يتم السماح بدخول لجنة إدارة غزة للقطاع لمباشرة مهامها، وتسلُّم الحكم، كما أنها شددت على وجود ضمانات حقيقية وواضحة ضمن جدول زمني متفق عليه بشأن إلزام إسرائيل بتنفيذ ما عليها من التزامات في المرحلتين الأولى والثانية في حال تم التوصل لاتفاق في المفاوضات التي ستجري بشأنها».

تصعيد ميداني

ويأتي هذا الحراك السياسي على وقع تصعيد إسرائيلي مستمر في قطاع غزة أدى لسقوط مزيد من الفلسطينيين، وسط تركيز على استهداف عناصر شرطة حكومة «حماس».

وأفادت مصادر ميدانية وسكان بأنه «تم تقديم الخط الأصفر (الافتراضي الفاصل بين مناطق سيطرة الجيش الإسرائيلي غرباً و/حماس شرقاً) مجدداً في المنطقة الواقعة ما بين حي الزيتون وحتى وادي غزة جنوب مدينة غزة، ليصبح أقرب إلى طريق صلاح الدين الرئيسي».

خريطة لمراحل الانسحاب من غزة وفق خطة ترمب (البيت الأبيض)

وشرح أحد السكان في المنطقة أن «تقديم الخط الأصفر بات يشكل خطراً على حرية التنقل من الشمال إلى وسط وجنوب القطاع و العكس، بينما قُتل 3 مواطنين في قصف وإطلاق نيران في تلك المناطق خلال عملية تقديم الخط».

وقتلت قوات الاحتلال الإسرائيلي طفلاً فلسطينياً، الاثنين، في بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، بينما أصيب آخر في جباليا، وأصيب شابان جنوب خان يونس.

وبحسب وزارة الصحة بغزة، فإنه خلال آخر 24 ساعة (من ظهيرة الأحد إلى الاثنين)، قُتل 7 فلسطينيين؛ ما يرفع عدد الضحايا منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2025، إلى أكثر من 817 قتيلاً، وإصابة أكثر من 2296، بينما بلغ العدد التراكمي للضحايا، منذ السابع من أكتوبر 2023، إلى 72593 قتيلاً، وأكثر من 172 ألف مصاب.

مقتل 31 من عناصر شرطة «حماس»

وقتلت القوات الإسرائيلية، يوم الجمعة، في غضون ساعتين ما لا يقل عن 6 من ضباط وعناصر الشرطة التي تتبع حركة «حماس»، في غارتين منفصلتين بمدينتي غزة وخان يونس، بينما أصابت 3 آخرين، يوم السبت، في غارة أخرى أدت لمقتل مدني فلسطيني كان بالمكان في حي الشيخ رضوان شمال المدينة.

فلسطينيون وسط غزة يفحصون موقع غارة إسرائيلية استهدفت سيارة شرطة مارس الماضي (رويترز)

وبحسب إحصائية لشرطة «حماس»، فإن 31 ضابطاً وعنصراً قُتلوا منذ بدء وقف إطلاق النار، جميعهم تمت تصفيتهم خلال القيام بمهامهم الأمنية لضبط الحالة الأمنية والانتشار عند الحواجز، أو حل الإشكاليات التي تحصل بين السكان.

ونددت وزارة الداخلية التابعة لحركة «حماس» بهذه الهجمات، ورأت أن الهدف منها إحداث حالة من الفوضى داخل قطاع غزة.