هل تُعيد «معركة بغداد الانتخابية» رسم خريطة النفوذ بين المكونات العراقية؟

لافتات انتخابية لمرشحين في الانتخابات العراقية المقبلة على جانب أحد الشوارع في بغداد (أ.ف.ب)
لافتات انتخابية لمرشحين في الانتخابات العراقية المقبلة على جانب أحد الشوارع في بغداد (أ.ف.ب)
TT

هل تُعيد «معركة بغداد الانتخابية» رسم خريطة النفوذ بين المكونات العراقية؟

لافتات انتخابية لمرشحين في الانتخابات العراقية المقبلة على جانب أحد الشوارع في بغداد (أ.ف.ب)
لافتات انتخابية لمرشحين في الانتخابات العراقية المقبلة على جانب أحد الشوارع في بغداد (أ.ف.ب)

يتنافس على العاصمة العراقية، بغداد، عدد كبير من أبرز قادة القوى والأحزاب السياسية، إذ دخلوا حلبة التنافس في الانتخابات البرلمانية المقبلة بثقل واضح.

وتضم بغداد أكبر تجمع سكاني في البلاد يُقدر بنحو 10 ملايين نسمة، ويبلغ عدد مقاعدها 71 مقعداً من أصل 329 مقعداً في البرلمان العراقي، وهو أكبر ثقل برلماني بالقياس إلى باقي المحافظات العراقية.

وتحوّلت العاصمة إلى ساحة معركة مكوّناتية، خصوصاً بين السنة والشيعة، سواء من حيث كثافتها السكانية أو من حيث الجدل القائم حول مسألة الغالبية فيها. ففي الوقت الذي تصرّ فيه القوى الشيعية على أن نسبة الشيعة في بغداد لا تختلف عن نسبتهم بوصفهم أغلبية واضحة في عموم العراق، يرى السنة خلاف ذلك، ويربطون موقفهم بغياب أي تعداد سكاني منذ سقوط النظام العراقي السابق عام 2003 وحتى العام الماضي (2024).

موظفو لجنة الانتخابات يفرزون بطاقات الاقتراع في مركز بمدينة الصدر شرق بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

وما عزّز قناعة السنة بأن نسبتهم، إن لم تكن تفوق نسبة الشيعة، فهي على الأقل مساوية لها، هو غياب خانة المذهب في استمارة التعداد السكاني الأخير، وهو ما عدّوه تعبيراً عن مخاوف شيعية من احتمال أن تكشف نتائج التعداد عن نسبة سنية أعلى مما هو متعارف عليه.

ورغم إصرار القوى السنية على إدراج خانة المذهب في استمارة التعداد، فإن التعداد جرى من دون هذا الحقل، وهو ما زاد من شكوكهم بشأن دوافع القوى الشيعية في عدم تثبيت هذا البند الذي يعدونه مصيرياً بالنسبة لهم.

الكتلة الأكبر والتفسير الغامض

وفيما يقترب موعد الانتخابات البرلمانية المقبلة في الحادي عشر من شهر نوفمبر (تشرين الثاني)، تزداد «معركة بغداد الانتخابية» ضراوةً، سواء على مستوى اختلال التركيبة السكانية استناداً إلى نتائج الانتخابات المرتقبة، أو بالعودة إلى مسألة خلو استمارة التعداد من خانة المذهب. ففي العراق، كل شيء يعمل وفق أسس عرقية ودينية ومذهبية، بما في ذلك توزيع المناصب العليا في الدولة (الرئاسات الثلاث) نزولاً إلى أدنى المناصب في الوزارات، وحتى مديري الأقسام.

وليس هذا فحسب، فخلال انتخابات عام 2010، حصل تحالف كبير يقوده السنة على أعلى عدد من المقاعد بوصفه ائتلافاً سياسياً ترأسه آنذاك إياد علاوي، رئيس الوزراء الأسبق، في مقابل ائتلاف سياسي آخر هو «دولة القانون» بزعامة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، الذي حلّ ثانياً (ائتلاف علاوي حصل على 91 مقعداً، في حين حصل ائتلاف المالكي على 89 مقعداً).

ورغم بقاء منصب رئاسة الوزراء من حصة الشيعة، كون علاوي شيعياً حتى إن قبله السنة زعيماً لائتلافهم، فإن القوى الشيعية الرئيسية رأت في ذلك الزحف السني غير المتوقع -ومع ثاني انتخابات برلمانية آنذاك- تهديداً لمعادلة النفوذ السياسي، حتى إن كان رئيس الوزراء شيعياً، إذ رأت أن ذلك سيكون مقدمة لحصول السنة على أبرز المواقع الحسّاسة في البلاد، سواء في الوزارات أو الأجهزة الأمنية أو غيرها، مع إمكانية تعزيز دوائر الدولة ومؤسساتها بالمزيد من الكفاءات السنية، وهو ما رأت فيه تلك القوى اختلالاً سياسياً وسكانياً وطائفياً.

رياضيون خلال ماراثون احتفالاً بالعيد الوطني العراقي في بغداد 3 نوفمبر 2025 (أ.ب)

وفي سبيل تعديل التوازن، ومنع منح «ائتلاف العراقية» ذي الجسد السني والرأس الشيعي -إياد علاوي- فرصة تشكيل الحكومة، وهو بعثي سابق تشكك القوى الشيعية في ولاءاته السياسية وانتماءاته، رغم كونه أحد الأقطاب البارزين في عراق ما بعد عام 2003، تحركت المحكمة الاتحادية، برئاسة مدحت المحمود آنذاك، لاختراع تفسير جديد للمادة «76» من الدستور العراقي. فقد فسّرت المحكمة «الكتلة الأكبر» بأنها ليست الكتلة التي تحصل على أعلى عدد من المقاعد بعد الانتخابات -وهو التفسير الطبيعي- بل الكتلة التي يمكن أن تتشكل داخل البرلمان لاحقاً.

هذا التفسير الغامض، الذي أسس لعرف سياسي خاطئ يدفع العراقيون ثمنه حتى اليوم، أطاح بإياد علاوي، ومنع تشكيل حكومة يسيطر عليها السنة، ليفتح الطريق أمام نوري المالكي لتشكيل الحكومة، عبر ترؤسه ائتلاف «دولة القانون».

الثلث المُعطل وألغام الدستور

خلال انتخابات عام 2021، تكرر سيناريو مشابه لما كان على وشك أن يحدث في انتخابات عام 2010، عندما قرر زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر تشكيل تحالف عابر للمكونات، ضم تياره إلى محمد الحلبوسي، رئيس البرلمان آنذاك (السني)، ومسعود بارزاني، زعيم الحزب «الديمقراطي الكردستاني» (الكردي).

هذا التحالف العابر، الذي تشكَّل دون رضا إيران وموافقة القوى الشيعية الرئيسية، التي تفاقمت لاحقاً خصومتها مع «التيار الصدري» وزعيمه حتى وصلت إلى حد الاقتتال في المنطقة الخضراء عام 2022، كان على وشك تشكيل الحكومة. غير أن هذا الائتلاف، وبعد أن تمكَّن من تجاوز عقدة «الكتلة البرلمانية الأكثر عدداً»، اصطدم فجأة بما لم يكن في الحسبان، وهو تطبيق «الوصفة اللبنانية» المعروفة بـ«الثلث المعطل».

فبموجب الدستور العراقي، ورغم الصلاحيات المحدودة لمنصب رئيس الجمهورية، الذي يُنتخب وفق التوافق السياسي، يتطلب التصويت عليه موافقة ثلثي أعضاء البرلمان، وليس النصف زائد واحد الذي يحتاج إليه رئيس الوزراء. وبما أن التحالف الثلاثي لم يكن يمتلك عند التصويت على منصب رئيس الجمهورية -الذي كان مرشحه من الحزب «الديمقراطي الكردستاني»- ثلثي الأصوات اللازمة بسبب مقاطعة جميع القوى الشيعية التي تُشكل الآن ما يُعرف بـ«الإطار التنسيقي»، فقد فشلت تلك المحاولة، الأمر الذي اضطر الصدر إلى الانسحاب، ومن ثم مقاطعة الانتخابات الحالية.

اليوم، يتكرر المشهد لكن على نحو مختلف، إذ يتمثل الصراع الحالي في حسم المعركة عبر صناديق الاقتراع، على أن يكون الحسم في بغداد العاصمة؛ حيث يتزاحم على الرقم واحد في قوائم الانتخابات أبرز قادة العملية السياسية، علماً بأن جميعهم ليسوا من سكان بغداد باستثناء واحد، هو رئيس البرلمان محمود المشهداني.

أما بقية القادة المتنافسين على الرقم واحد في بغداد فهم رئيس الوزراء محمد شياع السوداني (من محافظة ميسان)، ورئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي (من محافظة كربلاء)، ومحمد الحلبوسي، رئيس البرلمان الأسبق (من محافظة الأنبار)، إضافة إلى وزراء ونواب آخرين ترشحوا في بغداد رغم انتمائهم إلى محافظات وسطى وجنوبية.

ملصقات انتخابية في بغداد أحدها لرئيس الوزراء محمد شياع السوداني (أ.ف.ب)

وهذا يعني أن معركة بغداد ستكون الحاسمة باتجاهين؛ فمن ناحية، هناك تنافس مذهبي على الرقم واحد بين الحلبوسي (السني) والسوداني (الشيعي)، ومن ناحية أخرى، تنافس «شيعي - شيعي» هذه المرة بين السوداني والمالكي، من أجل تكوين الائتلاف الأكبر الذي يتيح السيطرة على منصب رئيس الوزراء.

وفي المقابل، تُعلن بعض القوى السنية أنه في حال حصول السنة على أغلبية واضحة في بغداد فإنهم سيدخلون في تنافس جديد على منصب رئاسة الوزراء. أما إذا حصل الحلبوسي على الرقم واحد في بغداد من دون تحقيق أغلبية كبيرة، فإن التنافس سيتجه هذه المرة إلى منصب رئيس الجمهورية بين الكرد والسنة، مع دعم شيعي للكرد، إذ ترى القوى الشيعية أن تولي شخصية سنية عربية لهذا المنصب قد يُعيد بعض البريق إليه، في ظل قبول «عربي - سني» لمثل هذه المعادلة.


مقالات ذات صلة

اتهامات بالاستحواذ على عقود تجارية تلاحق فصائل بالعراق

المشرق العربي عنصران من فصيل «كتائب حزب الله» يحملان راية الفصيل أمام حاجز لقوة مكافحة الشغب في بغداد (رويترز)

اتهامات بالاستحواذ على عقود تجارية تلاحق فصائل بالعراق

انتقلت الخلافات بين الحكومة العراقية والفصائل المسلحة إلى مستوى جديد من المواجهة، مع تصاعد تبادل الاتهامات بشأن النفوذ الاقتصادي.

حمزة مصطفى (بغداد)
الاقتصاد حقل «مجنون» للنفط قرب مدينة البصرة العراقية (رويترز)

إنتاج العراق من النفط يتجاوز 5 ملايين برميل يومياً

قال وزير النفط العراقي باسم محمد خضير، السبت، إن بلاده تنتج أكثر من 5 ملايين برميل من النفط يومياً.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
خاص راجمة صواريخ تابعة لإحدى الميليشيات العراقية (إعلام الحشد الشعبي)

خاص العراق يدرس «خطط طوارئ» لضربات أميركية على إيران

أفيد في بغداد، الجمعة، بأن الحكومة وضعت خطة طوارئ متعددة المسارات تحسباً لاندلاع المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران، تشمل نشر وحدات عسكرية في مدن حدودية.

علي السراي (الرياض)
خاص رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني بافل طالباني انسحب من حكومة الإقليم احتجاجاً على انعقاد برلمان كردستان بغياب نوابه (أ.ف.ب)

خاص اتصالات لمنع «انفصال الإدارتين» في كردستان العراق

تجري في إقليم كردستان اتصالات سياسية لاحتواء أزمة انسحاب الاتحاد الوطني الكردستاني من الحكومة احتجاجاً على انعقاد البرلمان من دون نوابه.

هشام المياني (أربيل)
المشرق العربي عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)

الزيدي يستهدف «شركات الوساطة» في عقود التصنيع الحربي

وجّه رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي هيئة التصنيع الحربي بالتعامل المباشر مع الشركات المصنّعة، ومنع التعامل مع الشركات الوسيطة في التعاقدات.

حمزة مصطفى (بغداد)

واشنطن تطرد دبلوماسيّاً لبنانيّاً

القنصل اللبناني في ديترويت إبراهيم شرارة مشاركاً في احتفال في ديترويت (حسابه على فيسبوك)
القنصل اللبناني في ديترويت إبراهيم شرارة مشاركاً في احتفال في ديترويت (حسابه على فيسبوك)
TT

واشنطن تطرد دبلوماسيّاً لبنانيّاً

القنصل اللبناني في ديترويت إبراهيم شرارة مشاركاً في احتفال في ديترويت (حسابه على فيسبوك)
القنصل اللبناني في ديترويت إبراهيم شرارة مشاركاً في احتفال في ديترويت (حسابه على فيسبوك)

أكدت مصادر في وزارة الخارجية اللبنانية لـ«الشرق الأوسط» أن السفارة اللبنانية في واشنطن تبلغت رسمياً من وزارة الخارجية الأميركية بقرار اعتبار القنصل اللبناني في ديترويت إبراهيم شرارة شخصاً غير مرغوب فيه، وإلزامه بمغادرة الأراضي الأميركية خلال مهلة أقصاها 48 ساعة.

وكانت معلومات قد أشارت إلى أن القرار جاء على خلفية مواقفه السياسية، تحديداً بعد نشر تقرير إعلامي أميركي لمنشورات قديمة منسوبة إلى شرارة على مواقع التواصل الاجتماعي.

أتى ذلك في وقت يترقب فيه لبنان ما ستؤول إليه التحولات الانتخابية في الولايات المتحدة وإسرائيل، ليكون بوسعه أن يبني على الشيء مقتضاه، من دون أن يحيد عن تمسكه بـ«اتفاق الإطار» بوصفه خياراً دبلوماسياً أوحد للتفاوض مع إسرائيل برعاية أميركية.


الزيدي يلغي «عقود فصائل» في مطار الموصل

عنصران من فصيل «كتائب حزب الله» يحملان راية الفصيل أمام حاجز لقوة مكافحة الشغب في بغداد (رويترز)
عنصران من فصيل «كتائب حزب الله» يحملان راية الفصيل أمام حاجز لقوة مكافحة الشغب في بغداد (رويترز)
TT

الزيدي يلغي «عقود فصائل» في مطار الموصل

عنصران من فصيل «كتائب حزب الله» يحملان راية الفصيل أمام حاجز لقوة مكافحة الشغب في بغداد (رويترز)
عنصران من فصيل «كتائب حزب الله» يحملان راية الفصيل أمام حاجز لقوة مكافحة الشغب في بغداد (رويترز)

أُفيد في بغداد، أمس، بأن رئيس الوزراء علي الزيدي وجَّه بإلغاء عقود 3 شركات في مطار الموصل شمال العراق، لارتباطها بجهات مسلحة، وإحالتها إلى شركات عالمية.

ونقلت وكالة الأنباء العراقية (واع) عن مصدر، أن الزيدي وجَّه بإلغاء عقد شركة «سكاي بلس» لتأجير «كاونترات» مطار الموصل، على خلفية «ارتباطها بجهات مسلحة». وأضاف المصدر أن «رئيس الوزراء وجَّه أيضاً بإلغاء عقد تأجير المرأب الداخلي غير المسقوف في مطار الموصل الدولي، مع شركة (سما المطار) على خلفية ارتباطها بجهات مسلحة».

وألغى رئيس الوزراء كذلك عقد تأجير «التاكسي» في مطار الموصل مع شركة «الفيصل الشامخ» على خلفية «ارتباطها بجهات مسلحة».

وبالتزامن، نشرت وسائل إعلام قريبة من الحكومة معلومات عما وصفته بـ«شبكة استثمارات الكتائب»، قالت إنها تعمل بمساعدة تجار ورجال أعمال، وتتضمن الاستحواذ على عقارات في بغداد.


«حماس» تنتظر رداً إيجابياً من بلير

السيسي وترمب يوقِّعان اتفاق وقف إطلاق النار في غزة بشرم الشيخ في أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)
السيسي وترمب يوقِّعان اتفاق وقف إطلاق النار في غزة بشرم الشيخ في أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)
TT

«حماس» تنتظر رداً إيجابياً من بلير

السيسي وترمب يوقِّعان اتفاق وقف إطلاق النار في غزة بشرم الشيخ في أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)
السيسي وترمب يوقِّعان اتفاق وقف إطلاق النار في غزة بشرم الشيخ في أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)

يسعى العضو البارز في «مجلس السلام» توني بلير، إلى إنقاذ اتفاق وقف إطلاق النار المتعلق بقطاع غزة، من خلال محاولة الضغط على إسرائيل لبدء تطبيق بعض البنود بشكل مرحلي لحين تنفيذه بالكامل، بعدما انتهت انتخابات «الكنيست» الإسرائيلي في الأيام الأخيرة، في وقت تترقب فيه «حماس» الحصول على رد إيجابي يتعلق بمصير ومستقبل الاتفاق، مع استمرار تدهور الوضع الأمني والإنساني.

من ناحية ثانية، اعتقلت السلطة الفلسطينية عدداً من سماسرة العقارات، للاشتباه بتورطهم في تسريب منازل بمدينة أريحا إلى مستوطنين، في قضية أثارت أزمة في إسرائيل والأراضي الفلسطينية، وسط مخاوف من أن تُمثل بداية ما وُصف بـ«الغزو اليهودي» للمدينة.