إجراءات حكومية مكثفة تعيد ضبط السوق العقارية في السعودية

توقعات أن تشهد المنظومة مرحلة إعادة توازن مع تنامي مشاريع الوحدات السكنية

عقارات سكنية في مدينة الرياض (واس)
عقارات سكنية في مدينة الرياض (واس)
TT

إجراءات حكومية مكثفة تعيد ضبط السوق العقارية في السعودية

عقارات سكنية في مدينة الرياض (واس)
عقارات سكنية في مدينة الرياض (واس)

يشهد القطاع العقاري السعودي، خاصةً في العاصمة الرياض، مرحلة جديدة من التنظيم والإصلاح، تهدف إلى تحقيق استقرار طويل الأمد في المنظومة، وتعزيز الشفافية، وحماية حقوق جميع الأطراف. وتأتي هذه الخطوة ضمن جهود الحكومة المستمرة لتطوير قطاع متكامل يواكب مستهدفات «رؤية 2030» لبناء اقتصاد مستدام، ومتنوّع، وتسهيل تملك السكن للأسر، وتحفيز الاستثمارات المحلية، والدولية، كما تعكس حرص المملكة على معالجة التحديات التي شهدتها السوق في السنوات الماضية، بما في ذلك ارتفاع أسعار الأراضي، والإيجارات، وضمان بيئة سكنية وتجارية مستقرة، وآمنة.

ويُتوقع أن تشهد السوق خلال السنوات الخمس المقبلة مرحلة إعادة توازن واضحة، مع تحول التركيز من الكم إلى الكيف، وتنامي مشاريع التملك الميسر، والإيجار المؤسسي، إلى جانب الدور المتصاعد للمنصات الرقمية في ضبط السوق، ورفع الشفافية.

وخلال مارس (آذار) الماضي، وجّه ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء، الأمير محمد بن سلمان، باتخاذ إجراءات إضافية لتحقيق التوازن في القطاع العقاري بمدينة الرياض، لمعالجة ارتفاع أسعار الأراضي والإيجارات، وضمان استقرار السوق، من خلال حزمة من القرارات تشمل حماية حقوق المستأجرين، والمستثمرين، وتعزيز الشفافية، والبيئة السكنية، والتجارية، بما يدعم أهداف «رؤية 2030»، ويعزز التنمية المستدامة في العاصمة.

عقارات سكنية تابعة لبرنامج «سكني» في الرياض (واس)

رسوم الأراضي البيضاء

وبناءً على هذه التوجيهات، أطلق وزير البلديات والإسكان، ماجد الحقيل، خلال أغسطس (آب) الفائت، النطاقات الجغرافية لـ«رسوم الأراضي البيضاء» في مدينة الرياض، تنفيذاً لتوجيهات ولي العهد، بما يعكس اهتمام القيادة بمصلحة المواطن والمقيم، وسعيها للحد من الممارسات الاكتنازية للأراضي داخل النطاق العمراني، وزيادة المعروض، وتنشيط حركتي البيع والشراء. وقد أسفر هذا التوجه عن تعديل نظام رسوم الأراضي البيضاء، وإصدار لائحته التنفيذية، بما يسهم في إعادة التوازن للسوق العقارية، وتحفيز تطوير الأراضي داخل النطاق العمراني.

كما وجَّه الأمير محمد بن سلمان بالبدء في تنفيذ إجراءات نظامية لسوق الإيجار في مدينة الرياض، اعتباراً من 25 سبتمبر (أيلول) الماضي، من خلال إصدار حزمة من الأحكام الجديدة التي تسهم في تحقيق التوازن العقاري، وضبط العلاقة بين المؤجر والمستأجر، ومنها منع أي زيادات سنوية على الإيجارات لمدة خمس سنوات على العقود القائمة والجديدة، واعتماد التجديد التلقائي للعقود بوصفه قاعدة أساسية في كل مدن المملكة، وتقييد حالات عدم التجديد من قبل المؤجر في الرياض، بالإضافة إلى تعزيز الشفافية عبر إلزام توثيق جميع العقود في شبكة «إيجار».

وفي إطار المنظومة، دخلت اللائحة التنفيذية المفصلة لـ«تنظيم الدعم السكني» في السعودية حيز التنفيذ مؤخراً، لتضع بذلك الإطار القانوني والإجرائي الكامل الذي يحدد ضوابط وشروط استحقاق الدعم السكني الذي تُقدمه الدولة للمواطنين. وتفصل اللائحة الجديدة، الصادرة بموجب قرار مجلس الوزراء، الآليات المُعتمدة في تقييم الطلبات، وتحديد الأولويات، مؤكدة نظام النقاط الشامل بصفته معياراً أساسياً لتوزيع الدعم، وتحديد مسارات التملك، بالإضافة إلى وضع شروط واضحة تتعلق بالإقامة، وعدم ملكية المسكن، والقدرة المالية للمتقدم وأسرته.

ومنذ أيام، أعلنت الهيئة الملكية لمدينة الرياض رفع الإيقاف عن أراضٍ غرب العاصمة، بمساحة إجمالية تبلغ 33.24 كيلومتر مربع، بما يشمل تمكين ملاك الأراضي والعقارات من التصرف بالبيع والشراء، وأعمال التخطيط والتقسيم والتجزئة، وإصدار رخص البناء، على أن يُطبق الكود العمراني لمنطقة وادي حنيفة وروافده فيها.

الدعم السكني

وفي هذا السياق، أكد الرئيس التنفيذي لشركة «منصات» العقارية خالد المبيض، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن القطاع العقاري شهد خلال السنوات الأخيرة نقلة نوعية في سياسات الدعم السكني، حيث لم يعد الدعم مقتصراً على التمويل التقليدي، بل أصبح منظومة متكاملة تشمل تمكين المستفيد، وضمان ألا يتجاوز القسط 33 في المائة من الدخل، مع توفير منتجات متنوعة تتناسب مع القدرة الشرائية.

وأوضح أن هذه السياسات بدأت تقلّص فجوة التملك تدريجياً، لكنها ما زالت بحاجة إلى زيادة المعروض السكني بأسعار معقولة، لتحقيق توازن مستدام بين العرض والطلب، وهو ما تعمل عليه وزارة الإسكان والقطاع الخاص حالياً.

وأشار إلى أن القطاع العقاري لم يعد مجرد نشاط اقتصادي، بل أصبح أداة مباشرة لتحقيق التنمية المستدامة في أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، موضحاً أن كل مشروع سكني أو تجاري اليوم يُعد جزءاً من منظومة تنموية تشمل جودة الحياة، وكفاءة الطاقة، والاستدامة البيئية، بما يتوافق مع مبادرات مثل «المدن الذكية» و«رؤية 2030».

الإيجار المؤسسي

وتوقّع المبيض أن تشهد السوق خلال السنوات الخمس المقبلة مرحلة إعادة توازن واضحة، مع تحول التركيز من الكم إلى الكيف، وتنامي مشاريع التملك الميسر، والإيجار المؤسسي، ودور المنصات الرقمية في ضبط السوق، ورفع الشفافية، بما يؤدي إلى استقرار نسبي في الأسعار نتيجة زيادة المعروض، وتنظيم التمويل، خاصة بعد دخول مطورين كبار ومبادرات مثل «منصة التوازن العقاري».

وأكد أن الدور المنتظر من المستثمرين يتمثل في الانتقال من الاستثمار الفردي إلى المؤسسي، مع التركيز على تطوير منتجات تلبي احتياجات الأسر السعودية لا المضاربة فقط، موضحاً أن البيئة التنظيمية الحالية أصبحت جاذبة، وأن المناخ الاقتصادي واعد، ما يفتح الباب أمام شراكات حقيقية بين القطاعين المحلي والدولي.

تنويع المنتجات

من ناحيته، قال المستشار المالي والاقتصادي الدكتور حسين العطاس لـ«الشرق الأوسط» إن سياسات دعم السكن الحالية أسهمت بشكل واضح في تقليص فجوة التملك، ورفع نسبته إلى مستويات غير مسبوقة، من خلال تعزيز التمويل المدعوم، وتمكين الأسر من الحصول على حلول سكنية مناسبة.

ويرى أن التحدي المقبل يتمثل في ضبط أسعار الإيجارات، وتحقيق التوازن بين العرض والطلب، عبر زيادة المعروض السكني، وتنويع المنتجات بما يتلاءم مع قدرات المواطنين، خصوصاً فئة متوسطي الدخل.

المدن الذكية

وبحسب العطاس فإن القطاع العقاري يمثل اليوم ركيزة أساسية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، مشدداً على أنه لا يقتصر على توفير السكن فحسب، بل ينعكس أيضاً على جودة الحياة، وكفاءة استخدام الموارد، وتحسين البنية التحتية. وتابع أن التوجه نحو المباني الخضراء والمدن الذكية يعزز الاستدامة البيئية، بينما يسهم تنظيم السوق ورفع كفاءتها في تحقيق استدامة اقتصادية واجتماعية تتماشى مع مستهدفات «رؤية 2030».

وتوقّع أن تشهد سوق الإسكان المحلي مرحلة من الاستقرار والنضج خلال السنوات المقبلة، مع تحسن قدرة السوق على التكيف مع الطلب الحقيقي، واستمرار المبادرات الحكومية، مضيفاً أن التوسع في المدن الجديدة ومشاريع الضواحي المتكاملة، إلى جانب اعتماد تقنيات بناء حديثة تقلل التكاليف وترفع الكفاءة، سيسهمان في استقرار الأسعار، وزيادة فرص التملك.

وختم العطاس حديثه بأن المستثمر المحلي سيظل المحرك الرئيس لنمو السوق العقارية، لكن فتح المجال أمام المستثمرين الأجانب سيسهم في إدخال تقنيات متقدمة، وأساليب تمويل جديدة، ويعزز من تنافسية القطاع. ولفت إلى أن تنامي دور الصناديق العقارية والاستثمارات المؤسسية سيؤدي إلى رفع جودة المشاريع السكنية، وتنويع الفرص الاستثمارية، بما يدعم أهداف التنمية الحضرية المستدامة.


مقالات ذات صلة

التضخم السعودي يحافظ على تماسكه رغم اضطرابات الملاحة

الاقتصاد مجموعة متسوقين في أحد مراكز السلع الغذائية بالسعودية (واس)

التضخم السعودي يحافظ على تماسكه رغم اضطرابات الملاحة

استقر معدل التضخم السنوي في السعودية عند 1.9 في المائة خلال سبتمبر (أيلول)، بينما لم تسجل أسعار المستهلك تغيراً على أساس شهري.

بندر مسلم (الرياض)
شمال افريقيا أحد أفراد الهلال الأحمر المصري في موقع الحادث (الصفحة الرسمية للهلال الأحمر بفيسبوك)

مصرع 4 أشخاص وإصابة 8 آخرين في انهيار مبنى سكني بالقاهرة

أعلنت الحماية المدنية المصرية وفاة أربعة أشخاص وإصابة ثمانية آخرين والبحث عن مفقودين إثر انهيار مبنى سكني في القاهرة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
الاقتصاد مبنى الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري (الشركة)

«السعودية لإعادة التمويل العقاري» تعزز سيولة القطاع السكني بإصدار جديد

أعلنت الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري (SRC)، إطلاق الإصدار الثاني من الأوراق المالية المدعومة بالتمويلات العقارية، في خطوة نوعية لتطوير سوق التوريق.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص أعمال تطوير مخططات السنة الأولى من برنامج التوازن العقاري بمدينة الرياض (واس)

خاص عامٌ على وقف الزيادات في الرياض... السوق تختبر توازناً جديداً

بعد عام على بدء تطبيق ضوابط وقف الزيادات الإيجارية في الرياض، بدأت سوق الإيجارات في العاصمة تُظهر تحولاً واضحاً في مسار الأسعار.

محمد المطيري (الرياض)
خاص الرئيس السوري أحمد الشرع مع رجال الأعمال خلال المنتدى الاستثماري السعودي-السوري في دمشق (واس)

خاص السعودية تهيئ مسارات جديدة لدخول شركاتها إلى السوق السورية

علمت «الشرق الأوسط» أن مجلس الأعمال السعودي-السوري بدأ العمل حالياً على نحو 3 مسارات جديدة تسهّل على الشركات الوطنية دخول السوق السورية.

بندر مسلم (الرياض)

«موديز» ترفع تصنيف مصر الائتماني وتبدي نظرة مستقبلية إيجابية

لافتة لشركة «موديز» في مقرها الرئيسي بنيويورك (أ.ف.ب)
لافتة لشركة «موديز» في مقرها الرئيسي بنيويورك (أ.ف.ب)
TT

«موديز» ترفع تصنيف مصر الائتماني وتبدي نظرة مستقبلية إيجابية

لافتة لشركة «موديز» في مقرها الرئيسي بنيويورك (أ.ف.ب)
لافتة لشركة «موديز» في مقرها الرئيسي بنيويورك (أ.ف.ب)

رفعت وكالة التصنيف الائتماني «موديز» الجمعة تصنيف ديون مصر طويلة الأجل بدرجة واحدة، ليصل إلى «بي3» بدلا من «سي-إيه-إيه1»، مع منحها نظرة مستقبلية إيجابية، ما يشير إلى إمكانية رفع التصنيف مجددا خلال الأشهر المقبلة.

وتواجه مصر منذ سنوات خطر أزمة ديون، فهي من بين الدول التي تتلقى أكبر برامج المساعدة من صندوق النقد الدولي، ويناهز إجمالي قيمتها ثمانية مليارات دولار.

وتتضمن هذه القروض تدابير التزمت الحكومة المصرية بتنفيذها، لا سيما لتعزيز المالية العامة وضمان استدامة الدين العام، فضلا عن تقليص ثقل الدولة والجيش في الاقتصاد.

وهذه «الإصلاحات الهيكلية» وتدابير الضبط المالي هي تحديدا ما استشهدت به وكالة «موديز» لتبرير قرارها، معتبرة أنها أتاحت «وضع الدين العام وعبء فوائده على مسار تنازلي، وإن كان لا يزال عند مستويات مرتفعة».

وأنهت مصر خصوصا تدابير للدعم الغذائي كانت تعد أوسع نطاقا من اللازم، فيما يُتوقع أن يتجاوز معدل التضخم 13 في المائة على أساس سنوي هذا العام، بعد أن تجاوز 33 في المائة في عام 2025.

ومثلت برامج الدعم الغذائي سابقا عبئا ماليا على الدولة بقيمة 2,75 مليار يورو.

أشادت وكالة «موديز" في بيان بـ«زيادة تحصيل الإيرادات وترشيد الإنفاق» باعتبارهما عاملين دعما التقدم المحرز، كما قدّرت أن «الانتقال نحو سعر صرف مرن وسياسة نقدية أكثر صرامة قد عزز قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات».

غير أن وكالة التصنيف الائتماني أشارت إلى أن «تراجع التزام الحكومة بالانضباط المالي، وتحقيق تقدم محدود، من شأنهما أن يفرضا ضغوطا سلبية على التصنيف الائتماني».

لكنها بررت نظرتها الإيجابية في الوقت الراهن بأن مواصلة الإصلاحات من شأنها أن تتيح خفض المديونية بوتيرة أسرع مما كان متوقعا في تقديراتها الأولية.

ونشر صندوق النقد الدولي الثلاثاء تقريره حول آفاق الاقتصاد العالمي للعام الحالي والعام المقبل، وتوقع فيه أن يحقق الاقتصاد المصري نموا بنسبة 5,1 في المائة خلال العام الجاري، وبنسبة 4,7 في المائة في عام 2027.

كما توقع الصندوق ارتفاعا طفيفا في معدل التضخم عام 2027 ليصل إلى 14,8 في المائة، يليه تراجع سريع في عامي 2028 و2029.

وبالإضافة إلى برنامج صندوق النقد الدولي، حصلت مصر على دعم مالي بقيمة 7,4 مليارات يورو من الاتحاد الأوروبي، للفترة الممتدة بين عامي 2024 و2027.


الناصر: «أرامكو» تستعيد المرافق المتضررة بسرعة تفوق القطاع 6 مرات

الناصر يتحدث إلى شركاء البرنامج «نماءات» (أرشيفية - واس)
الناصر يتحدث إلى شركاء البرنامج «نماءات» (أرشيفية - واس)
TT

الناصر: «أرامكو» تستعيد المرافق المتضررة بسرعة تفوق القطاع 6 مرات

الناصر يتحدث إلى شركاء البرنامج «نماءات» (أرشيفية - واس)
الناصر يتحدث إلى شركاء البرنامج «نماءات» (أرشيفية - واس)

قال رئيس «أرامكو السعودية» وكبير إدارييها التنفيذيين، المهندس أمين الناصر، إن الشركة تستعيد المرافق المتضررة وتواصل الأعمال «بدرجة تفوق متوسط المعدلات السائدة في القطاع بستة أضعاف»، مشيراً إلى أن ذلك «ما يميّز أرامكو عن باقي الشركات النظيرة».

وأضاف الناصر: «مرونة أرامكو لم تظهر بين يوم وليلة، ولكن استغرقت أجيالاً عديدة»، موضحاً أن التخطيط للمرونة وهندستها وبناءها قبل وقوع الأزمات بوقت طويل «يُعد أمراً بالغ الأهمية».

وقال إن الشركة لديها «عدة فرق مجهزة بكامل القدرات للتعامل مع عدة حوادث متزامنة دون التأثير على سير الأعمال»، ما يمنحها القدرة على استعادة المرافق المتضررة، مستشهداً باستعادة خط «شرق - غرب» خلال أيام بدلاً من أسابيع أو أشهر.

وأكد الناصر أن «أولوية الشركة هي المحافظة على تلبية طلبات العملاء محلياً وعالمياً، ومن ثم تعزيز المرونة والموثوقية التي تضمن القدرة على مواجهة الأزمات والتحديات، وكذلك استدامة ربحية الشركة»، مضيفاً: «وهذا واضح حيث عززنا مستوى الأرباح تحت أسوأ الظروف كما شاهدنا في أرباح الربعين الأول والثاني».

وأشار إلى دور موظفي الشركة وموظفاتها في تعزيز قدرتها على مواجهة الأزمات، قائلاً إن «كفاءة موظفيها وموظفاتها وشجاعتهم وتفانيهم في وجه التحديات» تؤدي الدور الأبرز في تحويل قدرات الشركة إلى مرونة وصلابة حقيقية عند مواجهة الأزمات.


أسعار الواردات الأميركية ترتفع بأكثر من المتوقع وسط تصاعد الضغوط التضخمية

يرفرف العلم الأميركي فوق سفينة وحاويات شحن في ميناء لوس أنجليس (رويترز)
يرفرف العلم الأميركي فوق سفينة وحاويات شحن في ميناء لوس أنجليس (رويترز)
TT

أسعار الواردات الأميركية ترتفع بأكثر من المتوقع وسط تصاعد الضغوط التضخمية

يرفرف العلم الأميركي فوق سفينة وحاويات شحن في ميناء لوس أنجليس (رويترز)
يرفرف العلم الأميركي فوق سفينة وحاويات شحن في ميناء لوس أنجليس (رويترز)

ارتفعت أسعار الواردات الأميركية بأكثر من المتوقع في سبتمبر (أيلول)، مدفوعة بزيادة تكاليف منتجات الطاقة ومجموعة من السلع الأخرى، ما يقدم دليلاً إضافياً على تصاعد الضغوط التضخمية في ظل استمرار الصراع في الشرق الأوسط.

ويأتي تقرير وزارة العمل الصادر يوم الجمعة عقب بيانات نُشرت خلال الأسبوع وأظهرت زيادات قوية في أسعار المستهلكين والمنتجين الشهر الماضي، مما عزز قناعة الاقتصاديين بأن الضغوط التضخمية بدأت تمتد إلى ما هو أبعد من قطاع الطاقة. كما أسهمت الحرب في اضطراب سلاسل التوريد والإبقاء على أسعار النفط عند مستويات مرتفعة.

وعزا اقتصاديون ارتفاع التضخم إلى سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بما في ذلك الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات، فضلاً عن تداعيات الصراع في الشرق الأوسط. وأظهر استطلاع أجرته «رويترز/إبسوس» أن نحو 78 في المائة من الأميركيين يحمّلون سياسات ترمب مسؤولية ارتفاع تكاليف المعيشة.

وقال كريستوفر روبكي، كبير الاقتصاديين في شركة «إف دبليو دي بوندز»: «يواجه الأميركيون تهديداً تضخمياً على كل الأصعدة؛ فأينما يتجهوا، يجدوا أنفسهم مضطرين إلى دفع مبالغ أكبر مقابل السلع نفسها التي كانت أرخص قبل بضعة أشهر فقط». وأضاف أن تضخم أسعار السلع المستوردة لم يكن قائماً قبل بدء تطبيق السياسات الاقتصادية لترمب في يناير (كانون الثاني) 2025، لكنه أصبح الآن واسع الانتشار.

وذكر مكتب إحصاءات العمل التابع لوزارة العمل أن أسعار الواردات ارتفعت بنسبة 1.1 في المائة في سبتمبر، بعد زيادة معدلة بالخفض بلغت 0.5 في المائة في أغسطس (آب). وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاع الأسعار بنسبة 0.8 في المائة، مقارنة بزيادة سابقة بلغت 0.7 في المائة في أغسطس.

وعلى أساس سنوي، قفزت أسعار الواردات بنسبة 8.1 في المائة خلال الاثني عشر شهراً المنتهية في سبتمبر، مسجلة أكبر زيادة منذ يوليو (تموز) 2022، مقابل ارتفاع بلغ 6.7 في المائة في أغسطس.

وعلى الرغم من تسارع التضخم خلال سبتمبر، ظلت الأسواق المالية تتوقع أن يُبقي مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة دون تغيير في وقت لاحق من الشهر الحالي، مع ترجيحات بتشديد السياسة النقدية في ديسمبر (كانون الأول).

وكان البنك المركزي الأميركي قد خفض في سبتمبر سعر الفائدة القياسي لليلة واحدة بمقدار 25 نقطة أساس، إلى نطاق يتراوح بين 3.75 و4 في المائة.

ارتفاع تكاليف الطاقة والسلع

انتعشت أسعار الوقود المستورد بنسبة 4.8 في المائة في سبتمبر، بعد انخفاضها بنسبة 0.2 في المائة في أغسطس. في المقابل، استقرت أسعار المواد الغذائية بعد تراجعها بنسبة 0.6 في المائة خلال الشهر السابق.

وباستثناء الغذاء والوقود، ارتفعت أسعار الواردات بنسبة 0.7 في المائة، وهي النسبة نفسها المسجلة في أغسطس. وزادت هذه الأسعار، التي تُستخدم مؤشراً إلى الضغوط التضخمية الأساسية، بنسبة 6.2 في المائة على أساس سنوي خلال الاثني عشر شهراً المنتهية في سبتمبر.

كما ارتفعت أسعار السلع الرأسمالية بنسبة 0.9 في المائة، مواصلة الزيادة المسجلة في أغسطس، مدفوعة بارتفاع أسعار أجهزة الكمبيوتر وملحقاتها وأشباه الموصلات في ظل طفرة الاستثمار. كذلك زادت تكاليف استيراد الآلات الصناعية والخدمية، بما عوّض بفارق كبير انخفاض أسعار الآلات العلمية والطبية.

وصعدت أسعار السلع الاستهلاكية المستوردة، باستثناء السيارات، بنسبة 0.4 في المائة، مدفوعة بزيادة بلغت 0.7 في المائة في أسعار السلع المصنعة المعمرة. كما ارتفعت تكاليف استيراد المركبات وقطع الغيار والمحركات بنسبة 0.3 في المائة.

وسجلت أسعار الواردات من الصين ارتفاعاً بنسبة 0.7 في المائة، وهو الأكبر منذ ديسمبر 2021، لتصل الزيادة السنوية إلى 3.1 في المائة خلال الاثني عشر شهراً المنتهية في سبتمبر. كما ارتفعت أسعار الواردات من اليابان والاتحاد الأوروبي والمكسيك وكندا.

ارتفاع أسعار تذاكر الطيران يثير مخاوف التضخم

وأظهر التقرير أيضاً قفزة بنسبة 12.6 في المائة في أسعار تذاكر السفر الجوي المستوردة خلال سبتمبر، بعد انخفاضها في يوليو وأغسطس. وقد يؤثر هذا الارتفاع في تقديرات الاقتصاديين لمؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي، وهو المقياس الذي يفضله الاحتياطي الفيدرالي لمتابعة التضخم وتقييم التقدم نحو هدفه البالغ 2 في المائة.

وتتراوح تقديرات الاقتصاديين حالياً للزيادة الشهرية في مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي، الذي يستثني الغذاء والطاقة، بين 0.31 و0.36 في المائة في سبتمبر، وهي مستويات قد تُقرّب إلى 0.4 في المائة. ومن شأن ذلك أن يرفع معدل التضخم الأساسي السنوي إلى 3.1 في المائة، مقارنة بزيادة شهرية بلغت 0.2 في المائة ومعدل سنوي عند 3 في المائة في أغسطس.