أوروبا... بين «حاجتها للمهاجرين» و«شعبوية اليمين المتطرف»

البُعد السياسي لمُعضلة ديمغرافيتها

بحراً إلى أوروبا (أ ف ب)
بحراً إلى أوروبا (أ ف ب)
TT

أوروبا... بين «حاجتها للمهاجرين» و«شعبوية اليمين المتطرف»

بحراً إلى أوروبا (أ ف ب)
بحراً إلى أوروبا (أ ف ب)

تواجه أوروبا اليوم تحوّلاً ديمغرافياً جذرياً يهدد بإعادة تشكيل مستقبلها الاجتماعي والاقتصادي؛ ففي مطلع عام 2025 بلغ عدد سكان الاتحاد الأوروبي 450 مليون نسمة. وهذا رقم يخفي وراء ثباته الظاهري اتجاهات مُقلقة تُنذر بتحوّلات جيوسياسية عميقة. وتكمن خطورة الوضع في تآكل الوزن الديمغرافي الأوروبي على المستوى العالمي؛ إذ تقلّصت حصّة الاتحاد الأوروبي من سكان العالم بشكل مثير للقلق من 12.9 في المائة في عام 1950 إلى 5.7 في المائة فقط اليوم، ومن المتوقع أن تهبط إلى 3.7 في المائة بحلول 2070. وفي المقابل، تشهد القارة الأفريقية، خاصة منطقة الساحل، انفجاراً ديمغرافياً معاكساً؛ إذ ستقفز نسبتها من 14 في المائة إلى 27.4 في المائة خلال الفترة نفسها. الإحصاءات الأخيرة لمعهد «أوروستا للدراسات الأوروبية» تشير إلى «نمو متواضع» لا يعكس حيوية ديمغرافية حقيقية، بما أنه يعتمد كلياً على الهجرة؛ إذ تتجاوز الوفيات المواليد بانتظام منذ عام 2012.

الأزمة الديمغرافية ليست، حقاً، حكراً على أوروبا وحدها، بل تشمل معظم الدول المتقدمة مثل اليابان وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة، غير أن حدّتها في القارة الأوروبية تبدو أكثر وضوحاً بسبب التباين الجغرافي الحاد بين الدول؛ إذ تعاني بلدان أوروبا الشرقية والجنوبية من تراجع أكبر مقارنةً بدول الشمال والغرب، بجانب أن التفاوت في السياسات الوطنية وغياب استراتيجية أوروبية موحّدة يفاقمان من تعقيد التحدي.

ألمانيا والتحدي الديمغرافي

تمثّل ألمانيا، البالغ تعدادها السكاني 83.6 مليون نسمة، أكبر اقتصاد أوروبي، وتعكس خطورة الأزمة الديمغرافية بشكل بيّن حيث تسجل معدل نمو سلبي يصل إلى 0.56 في المائة سنوياً، وهي خسارة تقدّر بنحو 477 ألف نسمة سنوياً؛ إذ وصل معدل الخصوبة عام 2024 إلى 1.35 طفل لكل امرأة، وهو أدنى مستوى منذ 1994. وفي المقابل، تصل شيخوخة السكان الألمان إلى نسب حرجة؛ فنحو 24 في المائة منهم تجاوز سن الـ65، ويُتوقع تجاوز هذه النسبة إلى 30 في المائة بحلول عام 2050. وعليه، تسبّبت هذه الوضعية في نقص حاد في اليد العاملة؛ إذ وصلت الوظائف الشاغرة في قطاع التكنولوجيا وحده إلى 96 ألف وظيفة خلال عام 2024 وفق الإحصاءات التي نُشرت على موقع «أوروستا للدراسات الأوروبية»، ثم إنها أجبرت الحكومة الألمانية على اتخاذ حزمة من الإجراءات المتكاملة، أهمها: تغيير نظام التقاعد برفع سن التقاعد إلى 67 سنة بحلول 2031 للحفاظ على كبار السن كقوة عاملة لأطول فترة ممكنة، مع تحسين ظروف العمل والتكثيف من برامج التدريب المستمر. ويضاف إلى ذلك تطوير استراتيجيات متنوعة لضمان استقطاب 200 ألف مهاجر مؤهّل سنوياً، مع تسهيل قوانين الهجرة وتقليص مدة الحصول على الجنسية.

الحكومة الألمانية تنشط أيضاً في مجال الدعم الأُسَري عبر الاستثمار في خدمات رعاية الأطفال، وتشجيع العمل عن بُعد لتسهيل التوازن بين الحياة الأُسَرية والمهنية، إضافة إلى إصلاح النظام الاجتماعي وتقديم دعم أفضل للأسَر.

صحيفة «لوموند» الفرنسية كانت قد نقلت في موضوع بعنوان «ألمانيا تتحمّل دورها بالكامل كدولة مستقبلة للهجرة لمواجهة احتياجاتها من العمالة»، كلاماً للمستشار الألماني السابق أولاف شولتس دعا فيه صراحةً صنّاع القرار وأرباب العمل في «قمة دافوس» الأخيرة؛ إذ قال: «إلى كل من يريد التشمير عن ذراعه والعمل، مرحباً بكم في ألمانيا...».

فون دبر لاين (آ ف ب)

المشهد الإيطالي مثير للقلق

أما إيطاليا ذات الـ58.9 مليون نسمة عام 2025، فتقدم المشهد الديمغرافي الأكثر إثارة للقلق في أوروبا الغربية؛ إذ تجاوزت حدّة الأزمة أكثر التوقّعات تشاؤماً، وباتت تهدد أسس الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للبلاد.

هذا الحال ليس مجرد أرقام، بل هو واقع يومي يعيشه الملايين من الإيطاليين في قرى وضواحٍ تفرّغ من سكانها، ومدارس تغلق أبوابها، ومستشفيات تكافح لتوفير الرعاية لعددٍ متزايد من المسنين.

إيطاليا سجّلت أدنى معدل ولادات في القارة الأوروبية بـ6.5 ولادة فقط لكل ألف نسمة خلال عام 2024، وهو رقم يضعها في ذيل الترتيب العالمي لمعدلات الخصوبة التي لم تكن بهذا المستوى منذ القرن التاسع عشر؛ إذ بلغت الولادات نحو 370 ألفاً فقط في عام 2024، في حين كانت تسجل أكثر من مليون ولادة سنوياً خلال عقدَي الستينات والسبعينات. بيد أن الأمر الأكثر إثارة للقلق هو التسارع الحاد لنسب الشيخوخة؛ إذ تقدّم متوسط العمر بأربع سنوات كاملة خلال عقد واحد فقط؛ ما يشكل شاهداً على شيخوخة سريعة بشكل استثنائي.

من جهة ثانية، تتوقع الدراسات الديمغرافية كارثة حقيقية لإيطاليا على المدى الطويل؛ فقد تخسر البلاد 23.8 مليون نسمة بحلول عام 2100؛ ما يمثل أكبر التراجعات المتوقعة في أوروبا، وأحد أسوأ السيناريوهات الديمغرافية في العالم المتقدم؛ وذلك لأن هذا يعني أن عدد السكان قد ينخفض إلى أقل من 35 مليون نسمة بنهاية القرن؛ أي ربما يتراجع بأكثر من 40 في المائة من العدد الحالي، ثم إن هذا التراجع لن يكون موزّعاً بالتساوي على الأراضي الإيطالية؛ إذ بينما تواجه المناطق الريفية والجنوبية خطر «الانقراض» ديمغرافياً، يتوقع أن تحتفظ المدن الكبرى والمناطق الصناعية في الشمال بقدر أكبر من الاستقرار بفضل الهجرة الداخلية والخارجية.

للحدّ من هذه الأزمة اتخذت الحكومة الإيطالية بقيادة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني سلسلة من الإجراءات لمواجهة الأزمة الديمغرافية، من أهمها: خفض ضريبة القيمة المضافة بنسبة النصف على الحفاضات وحليب الأطفال، في محاولة لتقليل العبء المالي المرتبط بتربية الأطفال. وأيضاً وضعت الحكومة برنامجاً شاملاً للتعويضات العائلية يتضمّن مساعدات مالية مباشرة للأسَر التي لديها أطفال، بالإضافة إلى تخفيضات ضريبية معتبرة للعائلات الكبيرة.

الهدف من هذه السياسات تخفيف الضغط الاقتصادي الذي يُعد أحد أبرز العوائق أمام الإنجاب في إيطاليا، ثم إن الحكومة تحضّر أيضاً لرفع سن التقاعد؛ لأن نفقات المعاشات تشكّل أكثر من 15 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، ومن المتوقع أن تصل إلى 17 في المائة بحلول عام 2042. واللافت أنه على الرغم من التوجه المحافظ اليميني للحكومة الحالية، فإنها تعترف بضرورة الهجرة كعامل تعديل - أو تعويض – ديمغرافي؛ فقد اقترحت الحكومة استفتاءً لتقليص مدة الإقامة المطلوبة للحصول على الجنسية من عشر إلى خمس سنوات، في محاولة منها لتسهيل اندماج المهاجرين الموجودين فعلاً في البلاد.

مفارقات إسبانيا...والحلول الابتكارية

أيضاً على شواطئ المتوسط، تعيش إسبانيا مفارقة ديمغرافية لافتة؛ فعلى الرغم من نمو سكاني ظاهري يقدّر بـ458.300 نسمة خلال 2025 (+0.94 في المائة)، ووصول تعداد السكان إلى 49 مليون نسمة، فإن إسبانيا ما زالت تواجه أزمة ولادات حقيقية؛ إذ انخفض العدد الإجمالي للمواليد بنسبة 25 في المائة بين 2014 و2024، بالغاً 156.202 مولود فقط في النصف الأول من 2024. الإحصاءات تفيد بأن هذا النموّ ينتج حصرياً من أجيال الهجرة، بالذات من دول أميركا اللاتينية وأفريقيا، مخفياً تراجعاً طبيعياً مقلقاً. وللتصدّي لهذه الأزمة، بدأت الحكومة الإسبانية خطّة أسمتها خطة «الخصوبة الطموحة»، وهي تتمثل في برنامج بقيمة 4.5 مليار يورو يمنح 500 يورو شهرياً للأمهات دون الـ30 سنة حتى بلوغ الطفل سن السنتين (للدخل الأقل من 30 ألف يورو سنوياً) مع تمديد إجازات الأمومة والأبوة من 16 إلى 19 أسبوعاً، وتقديم تعويضات بقيمة 100 يورو شهرياً للأمهات العاملات اللواتي لديهن أطفال دون ثلاث سنوات. وشرعت الحكومة أيضاً في تسهيل تسوية أوضاع مئات الآلاف من المهاجرين غير الشرعيين ابتداء من مايو (أيار) 2025.

كيكل (غيتي)

فرنسا: استراتيجية شاملة

أخيراً، يمكن القول إن فرنسا تحتفظ بأفضل وضع ديمغرافي مقارنةً مع «جاراتها» الأوروبيات؛ إذ يبلغ تعداد سكانها 68.6 مليون نسمة مع نمو إيجابي بـ168.600 نسمة عام 2025 (+0.25 في المائة). ولكن مع أن معدل الخصوبة الفرنسي يُعد من الأعلى في أوروبا (1.8 طفل لكل امرأة)، فإنه يظل دون عتبة التجديد الطبيعي للسكان المحددة بـ2.1 طفل.

هذا الانخفاض التدريجي، المصحوب بارتفاع متوسط العمر وتزايد نسبة كبار السن الذين يمثلون اليوم نحو 21 في المائة من السكان، يضع فرنسا أمام تحديات اقتصادية واجتماعية معقّدة. وتتجلى تداعيات هذه الأزمة في الضغوط المتزايدة على نظام التقاعد الفرنسي؛ إذ يتقلص عدد المساهمين النشطين مقابل ارتفاع عدد المتقاعدين. وأيضاً، تواجه أنظمة الصحة والرعاية الاجتماعية تحدِّيات مالية جسيمة لتلبية احتياجات شيخوخة المجتمع المتسارعة. ولذا، في مواجهة هذا الواقع، تبنّت الحكومة الفرنسية استراتيجية متعددة المحاور؛ فعلى صعيد السياسات الأسرية أطلقت فرنسا ما يسمى بـ«الخطة 2050» الديمغرافية التي تهدف إلى وقف تراجع الخصوبة وضمان تجديد الأجيال، بتعزيز نظام المساعدات العائلية، وتوسيع شبكة رياض الأطفال العامة، إضافة إلى تمديد إجازة الأبوة وتحسين التوازن بين الحياة المهنية والعائلية.

أما في مجال الهجرة، فقد اعتمدت فرنسا نهجاً انتقائياً يهدف إلى جذب المواهب والكفاءات المطلوبة. وتشمل هذه المبادرات تبسيط إجراءات الحصول على تأشيرات العمل للمهنيين المهرة، وإطلاق «جواز مرور الكفاءات» الذي يسهّل على الخرّيجين «الدوليين» والمستثمرين الاستقرار في فرنسا. وكذلك طوّرت برامج لجذب الباحثين والمُبتكِرين من خلال تأشيرات خاصة متعدّدة السنوات.

أيضاً، تركّز استراتيجية الإدماج الفرنسية راهناً على تعزيز تعلّم اللغة الفرنسية وتطوير آليات الاعتراف بالشهادات الأجنبية، مع التشديد على احترام القيَم الجمهورية. ولكن، رغم هذه الجهود، تواجه السياسات الحكومية تحدّيات الرأي العام المنقسم حول الهجرة والحاجة لموازنة الفوائد الاقتصادية مع التماسك الاجتماعي، في مجتمع يبحث عن هويّته وسط التحولات الديمغرافية السريعة.

واقع يومي يعيشه ملايين الإيطاليين في قرى وضواحٍ تفرّغ من سكانها

الهجرة كحل للأزمة الديموغرافية

يرى الخبير الديموغرافي الفرنسي البروفسور فرانسوا هيران أن «الهجرة المنظمة تمثل الحل الوحيد المتاح لمواجهة هذه الأزمة»، مؤكداً أن أوروبا تحتاج إلى استقبال مليوني مهاجر سنوياً للحفاظ على التوازن الديموغرافي. ويوضح أنه في ألمانيا وحدها، يتقاعد 400 ألف شخص سنوياً مقابل 300 ألف داخل جديد إلى سوق العمل، ولهذا السبب أطلقت «المفوضية الأوروبية» مبادرة «الميثاق الجديد للهجرة واللجوء» عام 2020، كما وضعت استراتيجية «المواهب والمهارات» لجذب العمالة الماهرة. وفي حين أشارت رئيسة «المفوضية» أورسولا فون دير لاين في خطاب عام 2023 إلى أن «أوروبا تحتاج للهجرة القانونية لسّد النقص في القوى العاملة»، قال المستشار الألماني السابق أولاف شولتس في سبتمبر (أيلول) 2024 في خطاب أمام البرلمان الألماني: «لا يمكن لأي دولة في العالم تملك قوة عاملة في تراجع أن تحقق نمواً اقتصادياً. وهذه هي الحقيقة التي نواجهها اليوم... الانفتاح على العالم ضروري إذن. لكن الانفتاح على العالم لا يعني أن أي شخص يريد المجيء يمكنه ذلك. يجب أن نكون قادرين على اختيار من يأتي إلى ألمانيا. وفي هذا السياق اتفقت دول المجموعة الأوروبية على تطوير خطة لاستقبال المهاجرين، تستهدف استقبال 1.2 مليون مهاجر سنوياً حتى 2030. وهذه الوضعية التي تفرض نفسها على القارة الأوروبية تخلق معادلة بالغة التعقيد، حيث تبدو الهجرة تارة حلاً منقذاً وتارة أخرى خطراً وجودياً حسب الانتماء السياسي والقناعات الآيديولوجية».

 

 

مواقف اليسار واليمين من الهجرة والتراجع الديموغرافي

بالنسبة لقوى اليسار الأوروبية، وريثة التقليد الإنساني، تبدو مسألة الهجرة استجابة طبيعية للتراجع الديموغرافي الذي يهدد التوازنات الاجتماعية للقارة. ووفق جماعات التقدميين منهم، تتجاوز المسألة الاعتبارات الديموغرافية المحضة، لأن الأمر يتعلق بالضرورات الاقتصادية، فشيخوخة سكان الاتحاد الأوروبي تؤدي إلى تراجع القوى العاملة وزيادة تكاليف المعاشات التقاعدية ورعاية المسنين والقيم الإنسانية التي تؤسس للهوية الأوروبية. في الطرف المواجه، من الطيف السياسي، تطوّر الأحزاب اليمينية الأوروبية خطاباً مقاوماً لما تعدّه «تهديداً حضارياً». وبينما يستثمر معظمها في الخوف من الآخر ويَعِدُ بحلول وهمية، يفرض الواقعان الاقتصادي والديموغرافي اعتماداً متزايداً على الهجرة بوصفها ضرورة وجودية لا مفرّ منها، وهو ما يجعل أوروبا في مفترق طرق، مُجبرة على ابتكار نموذج جديد يوفق بين الضرورات الديموغرافية والحفاظ على الهوية والقيم الإنسانية. وهنا، تجسّد إيطاليا بامتياز المفارقة الأوروبية الراهنة بين الخطاب السياسي المعادي للهجرة والحاجة الاقتصادية الملحة إليها. ففي إيطاليا، تقود جورجيا ميلوني - التي ينحدر حزبها «إخوان إيطاليا» اليميني من جذور فاشية - سياسة متناقضة جداً، إذ بينما أنفقت حكومتها 800 مليون يورو على إنشاء مراكز احتجاز في ألبانيا لمعالجة طلبات اللجوء خارج الأراضي الأوروبية - بتكلفة فلكية تصل إلى 72.461 يورو لكل سرير - تظل إيطاليا في أمسّ الحاجة إلى المهاجرين لسدّ النقص الحاد في قطاعات حيوية كالزراعة والبناء والرعاية الصحية. وهذا المشروع، الذي واجه فشلاً قانونياً متكرراً وأبقى المراكز شبه فارغة منذ افتتاحها في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، حقق مع ذلك هدفاً سياسياً: تعزيز شعبية ميلوني محلياً وجعلها «نموذجاً» يُحتذى على المستوى الأوروبي، حتى إن المفوضية الأوروبية اقترحت في مارس (آذار) 2025 تعميم فكرة «مراكز الإعادة» خارج الاتحاد. من ناحية أخرى، في النمسا، مثلاً، يبدو التناقض أكثر حدّة، فحزب الحرية (FPÖ) اليميني المتطرف بقيادة هربرت كيكل، الذي فاز بنسبة 28.9 في المائة في انتخابات سبتمبر (أيلول) 2024 يعِدُ صراحةً بـ«إعادة هجرة الغرباء غير المدعوّين» وخفض طلبات اللجوء إلى الصفر، بل وترحيل مواطنين نمساويين من أصول مهاجرة «غير مندمجين». لكن النمسا، التي يبلغ متوسط عمر سكانها 44.7 سنة ومعدل خصوبتها أقل بكثير من مستوى الإحلال السكاني، تحتاج بشدة إلى تدفّقات هجرة منتظمة للحفاظ على نظامها الاقتصادي والاجتماعي. وحالياً، يروّج كيكل، الذي يصف نفسه بـ«مستشار الشعب» (مستخدماً مصطلحاً نازياً)، لمفهوم «قلعة النمسا» المنغلقة تماماً، متجاهلاً الواقع الديموغرافي القاسي الذي يهدّد مستقبل البلاد.


مقالات ذات صلة

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

حصاد الأسبوع صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

دشّن الإعلان عن التوصل إلى «مذكرة تفاهم» بين دمشق وموسكو تعيد تنظيم وهيكلة الوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، مرحلةً جديدة في علاقات البلدين، تفتح على

رائد جبر (موسكو)
حصاد الأسبوع ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره

عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

صعود استثنائي كتبه الصومالي «الأربعيني» عبد القادر محمد نور جامع، في وقت مبكر من شبابه، بين أروقة الدبلوماسية والأمن والسلطة في الصومال، وصولاً للتربع على كرسي

حصاد الأسبوع عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)

مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

مع تصاعد الخلافات بين الحكومة والمعارضة في الصومال، بات «مجلس الشعب» ركيزة أساسية في المشهد السياسي وصنع القرار بالبلاد، بالتزامن مع انتخاب عبد القادر محمد نور

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
حصاد الأسبوع الملك عبدالله الثاني، وبجواره إلى الشمال رئيس الوزراء جعفر حسان ومهند شحادة، وإلى اليمين وليد المصري وعزمي محافظة (الديوان الملكي الأردني)

الأردن: توتر العلاقة بين الحكومة والنواب وصيف ساخن

حالة من الارتباك تعيشها السلطتان الأكثر اشتباكاً (التنفيذية والتشريعية) في الأردن؛ إذ دخلت البلاد في حالة من الترقب وسط مخاوف من تنامي حالة «انعدام الثقة»

محمد خير الرواشدة (عمّان)
حصاد الأسبوع صورة ارشيفية لمركبات تابعة لقوات الـ"يونيفيل" قرب موقع للاحتلال الإسرائيلي بمنطقة كفرشوبا في أقصى جنوب شرقي لبنان (آ ف ب)

كيف تبدّلت قواعد الاشتباك بين إسرائيل و«حزب الله»؟

شهدت الحدود اللبنانية - الإسرائيلية خلال العقدين الماضيين تحوّلاً جذرياً في طبيعة المواجهة بين إسرائيل و«حزب الله». فما أفرزته حرب يوليو (تموز) 2006

«الشرق الأوسط» (بيروت)

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
TT

سوريا: «مذكرة التفاهم» تنظّم وجود روسيا العسكري... وتفتح الباب على تفاهمات أوسع

صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)
صورة من الجو لقاعدة حميميم الجوية في شمال غربي سوريا، قرب مدينة جبلة (رويترز)

دشّن الإعلان عن التوصل إلى «مذكرة تفاهم» بين دمشق وموسكو تعيد تنظيم وهيكلة الوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، مرحلةً جديدة في علاقات البلدين، تفتح على توسيع التعاون في مجالات مختلفة، وإزالة واحدة من العقبات الرئيسية الموروثة من حقبة الرئيس المخلوع بشار الأسد. وفي وقت تعوّل فيه موسكو على استكمال وتسريع مسار تطبيع واسع للعلاقات، يمنح الطرفين الروسي والسوري القدرة على إعادة بنائها، ويضع آليات تتجاوز صعوبات الماضي القريب وتلبي مصالح الطرفين، فإن التحدي الأبرز الذي يواجهه الطرفان، يتمثل في الضغوط الغربية المتواصلة على دمشق لتقليص العلاقات مع روسيا إلى أدنى حد ممكن.

حملت تعليقات الطرفين الروسي والسوري، بعد الإعلان عن توقيع «مذكرة التفاهم» بينهما، تطابقاً في تقييم الوضع على صعيد العلاقات الثنائية، وقناعة بأن من شأن هذه الخطوة الحاسمة إطلاق مرحلة جديدة في علاقات البلدين.

ولكن بينما وصفت وزارة الخارجية السورية التوصل إلى «مذكرة التفاهم» بأنه خطوة «تحسم مصير القاعدتين الروسيتين في حميميم وطرطوس، وترسم ‏ملامح المرحلة المقبلة للعلاقات بين البلدين». قالت موسكو في تعليقها إن التطوّر يمنح العلاقات آفاقاً واسعة تلبي مصالح البلدين.

عملية إعادة تنظيم

بموجب التفاهم، ستبدأ فوراً عملية إعادة تنظيم الوجود الروسي في الساحل السوري، ‏على أن تتولى الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، وفي مقدمها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ‏ميناء طرطوس، بما يتيح إدخالهما تدريجياً ضمن منظومة الإدارة المدنية.

أما بالنسبة للقواعد والمنشآت ذات الطابع العسكري، فأفادت المذكرة بأن «الطرفين اتفقا على إعادة ‏صياغة وظيفتها، بحيث تتحوّل من قواعد عسكرية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، ضمن ترتيبات جديدة تحفظ ‏المصالح المتبادلة»‏.

وحدّدت «مذكرة التفاهم» سقفاً زمنياً لا يتجاوز ثلاثة أشهر لاستكمال عملية ‌‏التحويل، لتدخل بعدها الترتيبات الجديدة حيز التنفيذ. ويعد التطور، الخطوة الأبرز منذ بدء المفاوضات قبل نحو عام ونصف عام، ويفتح، كما قال خبراء من الجانبين، «الباب ‏أمام مرحلة مختلفة نوعياً في العلاقات السورية - الروسية».‏

أسئلة حول المستقبل

ووفقاً لخبراء، فإن الإعلان عن توقيع «مذكرة التفاهم» يعكس رغبة متبادلة في «تجاوز الملفات الصعبة في العلاقات، وإيجاد آليات براغماتية لتنظيم العلاقة بشكل يلبي مصالح الطرفين».

لكن كان لافتاً أن المذكرة في بنودها المعلنة لم تحدّد تفاصيل عن طبيعة الوجود الروسي على الأراضي السورية مستقبلاً، سواءً لجهة عديد القوات الروسية المتفق عليه وطبيعة مهامهم وعتادهم والأسلحة التي يمكن أن تبقى في «حميميم» و«طرطوس» مستقبلاً، كما لم تحدد سقفاً زمنياً للتفاهم الجديد. وهذا أمر أثار الكثير من النقاش والتباين في التحليلات بين طرفين رأى أحدهما أن المذكرة تقلّص إلى أدنى درجة النفوذ الروسي في سوريا، وتنهي عملياً حقبة كاملة من «المكاسب» التي حصلت عليها موسكو بسبب تدخلها العسكري في هذا البلد في 2015. في حين يصرّ الموقف الرسمي في البلدين - ومعه فريق واسع من المحللين - على أن التطور «يعيد تنظيم هذا الوجود على أسس جديدة» تأخذ في الاعتبار توافقات موسكو ودمشق على إعادة هيكلة العلاقات بشكل يحفظ مبدأ الاحترام المتبادل للسيادة ويلبي أهداف ومصالح البلدين.

إلغاء الاتفاقيات السابقة

ولكن الثابت، وفقاً لأكثر من خبير، أن توقيع المذكرة «يلغي عملياً الاتفاقات السابقة» التي كانت تنظم وجوداً طويل الأمد، وصفه مسؤولون روس بأنه «إلى الأبد». وهو أيضاً يشطب كل الصلاحيات الواسعة المجحفة التي كان الأسد منحها لموسكو، كالإفادة من المناطق والمنشآت المدنية في محيط القاعدتين، والحصانة الواسعة التي كان يتمتع بها الجنود والضباط الروس على الأرض السورية. بما يعني أن المذكرة لا تعيد فقط تنظيم الوجود الروسي، بل تضع أيضاً هيكلية جديدة له تقوم على إنهاء فكرة «القواعد الروسية»، وتحوّلها إلى مراكز عمل مشتركة تخدم أهداف وتطلعات الطرفين.

توقيع «مذكرة التفاهم» يعكس رغبة متبادلة في «تجاوز الملفات الصعبة في العلاقات

وإيجاد آليات براغماتية لتنظيم العلاقة بشكل يلبي مصالح الطرفين»

ماذا تبقى لموسكو؟

في الواقع، لقاعدة حميميم وميناء طرطوس أهمية استراتيجية خاصة في الساحل السوري؛ إذ يمثل مطار حميميم منشأة جوية رئيسة، بينما يرتبط ميناء طرطوس بالموقع البحري الذي شكّل أحد أبرز أوجه الحضور الروسي في سوريا طوال السنوات الماضية.

وفي حين أن الوجود الروسي الجوي في قاعدة «حميميم» لم تكن له أهمية استراتيجية بالنسبة إلى موسكو إلا في إطار الأهداف العملياتية إبان الحرب السورية، فإن الإطلالة الروسية على البحر المتوسط في قاعدة طرطوس البحرية اكتسبت أهمية استراتيجية كبرى كون الوجود الروسي فيها شكل «حلقة لوجستية» مهمة للغاية لخدمة السفن والأساطيل الروسية التي تتحرّك في المياه الدافئة، ولضمان سلاسل الإمداد والصيانة للسفن التي تنقل المعدات والموارد إلى القارة الأفريقية.

وحقاً، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد قال غير مرة في السابق إن بلاده مستعدة لسحب فوري لقواتها في سوريا «عندما تدعو الضرورة لذلك». وبالفعل، بدأت موسكو سحباً تدريجياً لقواتها منذ خريف عام 2016 عندما أعلنت «انتهاء الجزء النشط من العمليات العسكرية في سوريا». لكن الانسحاب الأوسع جاء مع اندلاع الحرب الأوكرانية؛ إذ نقلت موسكو معدات ثقيلة ووحدات قتالية إلى مناطق أخرى، وعاد جزء كبير منها إلى ساحة المواجهة مع أوكرانيا.

وفي وقت لاحق، عندما أدت التطورات إلى إطاحة نظام الأسد، عمدت موسكو إلى نقل الجزء الأكبر المتبقي في حميميم إلى مطار القامشلي، الذي حوّلته موسكو بالتفاهم مع تركيا والولايات المتحدة إلى قاعدة جوية ضخمة، قبل أن تنسحب منه في مطلع العام استجابة لطلب من القيادة السورية الجديدة.

والحال أن القوات الروسية، التي كانت تنتشر في 114 قاعدة ونقطة ارتكاز على الأرض السورية عشية إطاحة نظام الأسد، قلّصت هذا الوجود إلى أدنى درجة ممكنة، ولم تعد تحتفظ بقوات إلا في القاعدتين الأكبر في حميميم وطرطوس.

وبعد المذكرة الحالية، يرى خبراء أن موسكو ستواصل تقليص حضورها في القاعدة الجوية، التي ستتحول فعلاً إلى مركز تدريب مشترك لم يتضح بعد ما إذا كان الطرفان سيتقاسمان الإدارة والسيطرة فيه.

قاعدة طرطوس

في المقابل، فإن الحاجة للمحافظة على الوجود الروسي في طرطوس، كونها نقطة ارتكاز لوجستية حيوية لحركة السفن الروسية، لم تتراجع. بل ستزداد أهمية بسبب اتساع نطاق الضغوط الغربية على موسكو وعلى تحرّكات الأساطيل الروسية. وتنطلق موسكو، في حال فتح الطرفان جولات مفاوضات جديدة لتحديد الوضع النهائي للوجود العسكري الروسي على الأراضي السورية، من إمكانية العودة إلى اتفاقية مبرمة في عام 1972 تنظم وجوداً محدوداً لروسيا في إطار مركز فني لخدمة وصيانة السفن وإمدادها بالوقود والمستلزمات الأخرى.

انفتاح على تعاون أوسع

في كل الأحوال، رأى خبراء أن من شأن إبرام المذكرة حالياً إزالة عائق رئيس أمام تطوير التعاون في مجالات عدة. وبحسب المستشار المقرّب من الخارجية الروسي، رامي الشاعر، فإن توقيع المذكرة شكّل استجابة عملية لإعلانات الرئيسين فلاديمير بوتين وأحمد الشرع حول وضع «آلية براغماتية» لإعادة رسم ملامح العلاقات على أرضية جديدة، وبما يتفق مع احترام متبادل للسيادة وتعزيز آليات المنفعة المتبادلة.

ورأى الشاعر أن أهمية المذكرة تكمن في كونها تطلق مرحلة جديدة للتفاهم في مجالات عدة. وأشار إلى أن روسيا ساهمت في الماضي في بناء أهم مرافق البنية التحتية، وبخاصة في مجالي الطاقة والزراعة، بالإضافة إلى تجهيز الكوادر في جميع المجالات، فضلاً عن المساهمة في بناء الجيش السوري وتزويده بكل ما يلزم. وزاد أن المذكرة الجديدة تضع أساساً لتطوير التعاون في كل هذه المجالات على أرضية جديدة.

بدوره، رأى رئيس مجلس الأعمال الروسي - السوري لؤي يوسف في توقيع هذه المذكرة «طيّاً لصفحة الماضي، وتحويلاً للعلاقة الثنائية إلى إطار قائم على المصالح المشتركة، وإعادة هيكلة براغماتية للعلاقات الروسية - السورية».

وأردف: «لا كما يروّج البعض من أنَّها انسحاب روسي من سوريا. فكل طرف يسعى للحفاظ على مكاسبه الأساسية ضمن مظلة جديدة».

وتابع أن العلاقة بين موسكو ودمشق تشهد تطوراً مستمراً بعد سقوط نظام الأسد، و«تتعدد المؤشرات على ذلك، ومنها تركيز الرئيسين الشرع وبوتين على تفعيل وتوسيع الدور الاستراتيجي للشركات الروسية وقطاع الأعمال في إعادة الإعمار. وهذا ما نعمل عليه في مجلس الأعمال الروسي - السوري، حيث نخطط لتنظيم منتدى الأعمال الروسي - السوري في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، بمشاركة الطرف السوري، وبحضور نحو 50 شركة روسية من مختلف المجالات لبحث آفاق التعاون».

تعيين سفير مخضرم

وأشاد الشاعر بتعيين سفير جديد لروسيا في دمشق له خبرة واسعة في الشأن السوري وشؤون المنطقة، وعدَّها خطوة لتنظيم آفاق أوسع للعلاقة والتعاون. وكان بوتين أصدر قبل أيام، مرسوماً يقضي بتعيين الدبلوماسي دميتري دوغادكين سفيراً فوق العادة ومفوضاً للاتحاد الروسي لدى الجمهورية العربية السورية خلفاً للسفير السابق ألكسندر يفيموف.

ويُعدّ دوغادكين دبلوماسياً مخضرماً عمل لسنوات طويلة في المنطقة، وتنقل خلال العقدين الماضيين في مناصب عدة بين مصر وسوريا وسلطنة عمان وقطر، كما تسلم بين عامي 2013 و2017 منصب مدير دائرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الخارجية الروسية، ما منحه خبرة واسعة في شؤون المنطقة واطلاعاً وثيقاً على ملفات العلاقة الروسية العربية عموماً، والعلاقات الروسية السورية على وجه الخصوص.

ويعود دوغاكين، الذي يتقن العربية، إلى سوريا سفيراً، بعدما كان قد عمل في هذا البلد مستشاراً أول ونائباً للسفير الروسي بين عامي 2009 و2013، ما يعني أنه عاصر التطورات العاصفة التي شهدتها البلاد، وتحوّل الحراك الشعبي الذي اندلع في 2011 ضد نظام بشار الأسد إلى مواجهة عسكرية طاحنة، دفعت لاحقاً إلى تدخل روسيا عسكرياً بشكل مباشر في 2015.

ضغوط غربية

في المقابل، يواجه السفير الروسي الجديد لدى سوريا ملفات معقدة وتحديات كبرى. وكان أحدث تطور على هذا الصعيد، الإشارة الأميركية التي تلقتها دمشق بضرورة وقف مشتريات النفط الروسي أو تقليصها إلى أدنى درجة ممكنة. وعمدت موسكو خلال السنة الأخيرة إلى تنشيط صادراتها من النفط والوقود إلى سوريا في إطار تفاهمات مع الحكومة السورية لمساعدتها على تجاوز الصعوبات الاقتصادية والمعيشية. وخلال الأشهر الست الأولى من هذه السنة نشطت موسكو صادراتها بشكل قوي.

وقفزت شحنات النفط الروسي إلى سوريا 75 في المائة لتصل إلى نحو 60 ألف برميل يومياً هذه السنة، وهي نسبة ضئيلة من إجمالي صادرات روسيا النفطية اليومية للعالم، لكنها جعلت موسكو المورّد الرئيس للنفط الخام إلى سوريا. ووفقاً لمصادر محلية فإن هذه الشحنات غطت ما يزيد على ثلث حاجة سوريا من النفط.

كذلك، كان مصدر سوري قد أعلن أن «سوريا تعتمد حالياً على النفط الروسي بدافع الضرورة لا التفضيل». ورد مسؤولون سوريون على الضغوط المتواصلة من جانب واشنطن بالإشارة إلى أنه على الولايات المتحدة رفع تصنيف الدول الراعية للإرهاب، لتتمكن سوريا من تنويع مصادرها في مشتريات النفط. وأبلغ مسؤول سوري في قطاع الطاقة «رويترز» أن دمشق تسعى بالفعل إلى إيجاد مورّدين جدد، وأنه من المتوقع حدوث «تغيير جذري» خلال الفترة القريبة المقبلة.

ولكن، قبل بروز هذا الملف، كانت دمشق تعرضت لضغوط مباشرة لدفعها إلى إبطاء مسار تطبيع العلاقات مع موسكو. ومع أن اللهجة الغربية تراجعت جزئياً في السنة الأخيرة، ظل هذا المطلب مطروحاً على طاولة المباحثات السورية - الأوروبية، والسورية - الغربية عموماً.

رؤية روسية

في مواجهة الضغوط الغربية، تنطلق موسكو من حاجة الطرفين إلى وضع ترتيبات جديدة للعلاقة تلبي مصالحهما. وكانت روسيا أعلنت استعدادها للمساعدة في إعادة تأهيل جزء مهم من البنى التحتية، وخصوصاً تلك التي أسهمت موسكو في السابق بشكل نشط في تشييدها، ويدور الكلام عن شبكة إمدادات الكهرباء وقطاعات عديدة أخرى ما زالت الشركات الروسية تنشط فيها. أيضاً عمدت موسكو إلى دعم دمشق بالمحروقات ومواد أخرى حيوية، وأبدت استعدادها للعمل بشكل غير مباشر على تعويض دمشق من خلال تلميح إلى احتمال إعفائها من الديون الروسية وتنشيط تعاون اقتصادي واستثماري في قطاعات عدة.

وناقش الطرفان الروسي والسوري تطوير التعاون العسكري في سياق حاجة دمشق إلى إعادة تأهيل جيشها.

بدورها، أكدت دمشق رغبتها بإعادة بناء العلاقة مع موسكو على أسس جديدة. ووضعت دمشق العلاقة مع موسكو في إطار الحاجة إلى تنويع العلاقات والإفادة من الانفتاح على كل الأطراف الدولية والإقليمية، لكنها طالبت مراراً بتحرك روسي يدعم مبدأ «العدالة الانتقالية». وبالتالي رغم الانفتاح على العلاقة المتجددة مع موسكو يبقى ملف وجود الرئيس المخلوع ورموز قيادته تحت الحماية الروسية عنصر توتر يعرقل بناء الثقة الكاملة بين الطرفين.

وفي هذا الإطار، فإن الضغوط الغربية المتواصلة على دمشق، تسعى - بين أهداف عدة - إلى عرقلة بناء علاقات متجددة بين موسكو ودمشق. وسارت واشنطن أخيراً خطوات عملية في هذا المجال، ويوم 8 يوليو (تموز)، أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكونغرس بنيّته شطب سوريا من «قائمة الدول الراعية للإرهاب»، وهو بحاجة لتبرير هذا القرار خلال 45 يوماً. ومع أن هذا القرار لا يرتبط مباشرةً بروسيا، أوضحت واشنطن أخيراً رغبتها في إضعاف علاقات روسيا مع سوريا. وكلف الكونغرس وزارة الحرب (البنتاغون) بدراسة الخيارات المتاحة لتقليص النفوذ الروسي، وضمان انسحاب قواتها من القاعدة البحرية في طرطوس والقاعدة الجوية في حميميم.


عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
TT

عبد القادر جامع... «رجل الملفات الشائكة» على رأس مجلس الشعب الصومالي

ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي

تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره
ردود الفعل على انتخاب جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره

صعود استثنائي كتبه الصومالي «الأربعيني» عبد القادر محمد نور جامع، في وقت مبكر من شبابه، بين أروقة الدبلوماسية والأمن والسلطة في الصومال، وصولاً للتربع على كرسي المنصب الثاني من حيث القوة والنفوذ في هيكل الدولة رئيساً لمجلس الشعب (البرلمان). وهو اليوم يتولّى المنصب في مرحلة مفصلية وسط خلافات سياسية حادة، وترقُّب انتخابات رئاسية وتشريعية في منتصف عام 2027.

يوم 10 أغسطس (آب) 2026، كتب عبد القادر محمد نور جامع، المولود يوم 21 أكتوبر (تشرين الأول) 1985 في مدينة بيدوا الصومالية، مرحلة جديدة في حياته السياسية مع فوزه برئاسة مجلس الشعب، لتنضم هذه المرحلة لسجل حافل بالمناصب والعلاقات المتينة مع القصر الرئاسي ورئيس البلاد حسن شيخ محمود.

في ذلك اليوم، كان جامع وزيراً للموانئ والنقل البحري، واستطاع حصد 142 صوتاً خلال جلسة انتخابية عقدت في مقر البرلمان بالعاصمة مقديشو، عقب شهرين من شغور مقعد رئاسة البرلمان إثر انتخاب رئيسه السابق، الشيخ عدن محمد نور مدوبي، رئيساً لولاية جنوب غربي الصومال في شهر يونيو (حزيران) من عام 2026.

وفي حينه حصد منافسه النائب عبد القادر عمر معلم، أحد أبرز وجوه الموالاة بالبلاد 30 صوتاً فقط، وسط غياب نواب مؤيدين للمعارضة التي ما عادت تعترف بشرعية البرلمان بعد إقرار الدستور في مارس (آذار) الماضي، ومن ثم تمديد فترتي البرلمان والرئاسة سنة حتى منتصف 2027.

اللغة التي قدم بها جامع نفسه بعد الانتخاب توحي بأنه «رجل دولة» يقدّم نفسه لمرحلة تبدو -بحسب مراقبين- مفصلية، مع ارتفاع «لاءات» المعارضة في وجه رئيس البلاد والحكومة الفيدرالية، وتمسّكها برفض الاعتراف به وبالمؤسسة التشريعية. ووفق المراقبين حاول الرجل الابتعاد عن الضغوط السياسية التي قد تستغل «قربه» من الرئيس حسن شيخ محمود.

إنها تقديرات يلخّصها خطاب فوزه، إذ وعد جامع بالتخلي عن مناصبه الحكومية والسياسية، حفاظاً على الحياد الذي يقتضيه منصب رئيس المجلس، وكذلك تعهّد بالتواصل مع النواب المعارضين الذين تغيبوا عن جلسة الانتخابات بسبب الخلافات السياسية.

أيضاً أكد رئيس البرلمان الجديد استعداده للعمل مع نائبي رئيس المجلس واللجان البرلمانية «لأداء عمل البرلمان بشكل كامل». ودعا، بعد أن غدا «الرجل الثاني» في هرم السلطة، إلى الوحدة، والمساواة، مؤكداً أن قيادته «ستسعى إلى تمثيل جميع الصوماليين، ودعم حقوقهم الاجتماعية والسياسية»، وأنه سيعمل على تعزيز التعاون مع مجلس الشيوخ، والمجالس التشريعية للولايات الفيدرالية الصومالية.

سجلّ حافل مع أروقة السلطة

خلف حضور جامع وفوزه الكبير سجل حافل، يشمل دراسته العلوم السياسية في جامعة أنقرة بتركيا بفضل منحة دراسية، وتخرجه عام 2016. وخلال هذه الفترة شغل جامع منصب السكرتير الأول في السفارة الصومالية بأنقرة بين عامي 2012 و2016، وقبل ذلك تولى منصب السكرتير الثاني في السفارة بين 2009 و2012، قبل انضمامه إلى وزارة الخارجية.

أكثر من هذا، شغل جامع منصب نائب مدير وكالة المخابرات والأمن الوطني، والقائم بأعمال المدير بعد استقالة المدير السابق حسن عثمان حسين يوم 13 أكتوبر 2018 وحتى 22 أغسطس 2018. وشغل منصب وزير العدل في الحكومة الفيدرالية الصومالية ما بين 24 أكتوبر 2020 و26 ديسمبر (كانون الأول) 2021. ثم تولّى حقيبة وزارة الدفاع في الفترة ما بين ديسمبر 2021، وحتى مارس من عام 2025، قبل أن يصبح وزيراً للموانئ والنقل البحري، حتى انتخابه الرجل الثاني بالدولة الصومالية.

رئيس مجلس الشعب

من جهة ثانية، تشير تقارير إعلامية محلية تنسب لسيرة جامع الذاتية أنه كان رئيساً للأمن في القصر الرئاسي الصومالي، وإدارة الملفات الشائكة بالدولة. وإبان توليه حقيبة وزارة الدفاع، شارك جامع في توقيع إطار للتعاون الدفاعي والاقتصادي بين الصومال وتركيا عام 2024، بهدف تعزيز التعاون الأمني والدفاعي بين البلدين.

مرحلة مفصلية

ردود الفعل التي لاحقت انتخاب عبد القادر محمد نور جامع رئيساً لمجلس الشعب الصومالي تكشف عن طبيعة المرحلة المقبلة التي ينتظرها وتنتظره، في ظل خلافات سياسية في الصومال جاوزت العامين بشأن الدستور، والعملية الانتخابية، والعلاقات بين الحكومة الفيدرالية وقوى المعارضة.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، بطبيعة الحال، هنأ جامع على انتخابه رئيساً جديداً لمجلس الشعب الفيدرالي الصومالي. وأعرب محمود عن تمنياته لرئيس المجلس الجديد بالتوفيق في أداء مسؤولياته الدستورية، مؤكداً أهمية اضطلاع مجلس الشعب بدوره في سنّ القوانين، وتمثيل الشعب، وتعزيز المساءلة داخل مؤسسات الدولة. ومن ثم دعاه إلى قيادة المجلس وفقاً للدستور، وإعطاء الأولوية للوحدة، والتشاور، والمصلحة العامة، مشدداً على أهمية الدور الذي يضطلع به البرلمان في عملية بناء الدولة الصومالية.

ومن جانبه، أعرب رئيس الوزراء حمزة عبدي بري، أيضاً، عن تمنياته لرئيس البرلمان الجديد بالتوفيق في أداء مهامه، «بما يعزز دور البرلمان، ويطور عمله التشريعي والرقابي»، مثمناً أهمية التعاون والتنسيق بين مؤسسات الدولة، ولا سيما الحكومة والبرلمان، بما يساهم في تسريع تنفيذ الخطط والبرامج الوطنية، وخدمة الشعب الصومالي. والخميس، تلقى جامع برقية تهنئة من رئيس البرلمان الأفريقي، فاتح بوطبيق، بمناسبة انتخابه رئيساً للمجلس، متمنياً له التوفيق في مهامه القيادية، وتعزيز دور المؤسسة التشريعية، بحسب «وكالة الأنباء الصومالية الرسمية».

في المقابل، أعلن «مجلس المستقبل الصومالي» المعارض، في بيان، بعد إعلان نتائج انتخابات رئيس البرلمان الفيدرالي، رفضه وإدانته ما وصفه بـ«الانتخاب المزعوم» لرئيس مجلس الشعب الصومالي المنتهية ولايته. واعتبر المجلس، في بيان، أن الولاية الدستورية للبرلمان الفيدرالي الصومالي انتهت يوم 14 أبريل (نيسان) 2026، وبالتالي، ما عاد البرلمان يتمتع بالشرعية الدستورية والسياسية التي تخوله انتخاب رئيس جديد للمجلس، كما أنه لا يملك صلاحية تمديد ولايته.

تحذير من المستقبل

أيضاً اعتبر «المجلس» أن «الطريقة التي استغل بها الرئيس المنتهية ولايته الانتخاب المزعوم، تجسّد مثالاً واضحاً على الخطة التي يسعى -بحسب البيان- إلى اتباعها لإدارة الانتخابات المقبلة للبرلمان الفيدرالي، ورئاسة الجمهورية، من خلال السيطرة على العملية الانتخابية، وإقصاء المنافسين الأقوياء، وتحديد نتائج الانتخابات مسبقاً». هذا، ويتمسك النواب الرافضون المشاركة في جلسات البرلمان بموقفهم حول «انتهاء الولاية الدستورية لمجلس الشعب في أبريل الماضي». ويؤكدون أن مدة ولاية البرلمان محددة بأربع سنوات بموجب الدستور المؤقت المعتمد عام 2012، ولذا فهم غير معترفين بالدستور الجديد الذي سمح بتمديد فترة الرئاسة والبرلمان لمدة عام وذلك لمنتصف 2027.وسط هذا الجدل، تتّجه الأنظار إلى جامع ليس باعتباره ممثلاً لصعود استثنائي في عالم السلطة فقط... بل لمتابعة إدارته للأزمة السياسية باعتباره الرجل الثاني بالدولة، والذي تضعه المعارضة بجوار الرجل الأول رئيس البلاد في خانة «رفض الاعتراف».


مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
TT

مجلس الشعب الصومالي... ركيزة حاسمة في فترة عصيبة

عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)
عناصر من «حركة الشباب» الصومالية الإرهابية (أ.ب)

مع تصاعد الخلافات بين الحكومة والمعارضة في الصومال، بات «مجلس الشعب» ركيزة أساسية في المشهد السياسي وصنع القرار بالبلاد، بالتزامن مع انتخاب عبد القادر محمد نور جامع رئيساً جديداً له يوم 10 أغسطس (آب).

محمود علي كلني، الباحث في الشؤون الأفريقية، قال لـ«الشرق الأوسط» إن تاريخ البرلمان الصومالي مرّ بعدة فترات عصيبة؛ إذ تعود جذوره إلى مرحلة الاستقلال عام 1960، عندما قامت الجمهورية الصومالية على نظام برلماني ومجلس تشريعي عُرف باسم «الجمعية الوطنية». واستمر هذا الوضع خلال عقد الستينات إلى أن أطاح انقلاب عسكري عام 1969 بالنظام المدني، وعندها دخلت البلاد مرحلة مختلفة أصبحت فيها المؤسسة التشريعية خاضعة بصورة أكبر للنظام السياسي القائم.

ثم بعد انهيار الدولة المركزية عام 1991، دخل الصومال مرحلة طويلة من الفراغ المؤسسي والحرب الأهلية، قبل أن تبدأ عملية إعادة بناء الدولة عبر مؤتمرات المصالحة الوطنية. وفي عام 2004، أُنشئ النظام الفيدرالي الانتقالي، ثم جاءت نقطة التحوّل الأساسية، وفق كلني، عام 2012 مع اعتماد الدستور الفيدرالي المؤقت، الذي أعاد تأسيس البرلمان ضمن نظام اتحادي «ثنائي الغرف» يضم «مجلس الشعب» و«مجلس الشيوخ».

اليوم، يتكوّن «مجلس الشعب» الصومالي من 275 نائباً منتخبين بشكل غير مباشر، ويتولّى إلى جانب سنّ التشريعات، مهام الرقابة على الحكومة والمشاركة في عمليات صنع القرار السياسي في البلاد، في حين يتألف «مجلس الشيوخ» الصومالي من 54 عضواً ينتخبون بشكل غير مباشر من قبل مجالس الولايات لمدة 4 سنوات.

بين أبرز مهام البرلمان إقرار الدستور الكامل للبلاد في مارس (آذار) الماضي دون توافق شامل؛ إذ ترفضه المعارضة لعدة أسباب بينها «الحد من صلاحيات الولايات وتعظيم سلطة رئيس البلاد وتمديد فترة البرلمان والرئاسة عاما لتنتهي في منتصف 2027».

وبسبب هذا الموقف فقد البرلمان عملياً اعتراف المعارضة التي يطالب ممثلوها بإجراء انتخابات فورية، في حين تتمسك السلطة بإجراء انتخابات مباشرة من دون الالتزام بالنظام القبلي، الذي تميل إليه المعارضة باعتباره غير ممثل لإرادة جميع المواطنين.

أربعة قتلى من أفراد تنظيم "حركة الشباب" إثر هجوم شنته الحركة في العاصمة الصومالية مقديشو (آ ف ب)

أيضاً واجه البرلمان تحديات أمنية جسيمة في عام 2014، حين شهد هجومين بسيارتين مفخختين في مايو (أيار) ويوليو (تموز)، من جانب انتحاريين في «حركة الشباب» الإرهابية التابعة لتنظيم «القاعدة». وتسبّب الهجوم الأول بمقتل وإصابة 10 على الأقل بينهم نواب وعناصر أمن، وأسفر الحادث لاحقاً عن استقالة وزير الأمن القومي عبد الكريم حسين جوليد.

وعلى الرغم من تراجع الهجمات الإرهابية من «حركة الشباب» ضد مؤسسات الدولة في الآونة الأخيرة، تبقى الخلافات السياسية الهمّ الأكبر عند البرلمان في ظل رفض المعارضة الاعتراف به.

وباعتقاد الباحث محمود علي كلني، فإن البرلمان «نجح في السنوات الأخيرة في أن يصبح لاعباً يستحيل تجاوزه، وركيزة حاسمة في صناعة القرار السياسي، وامتلك أدوات دستورية وتشريعية ورقابية مهمة». غير أنه يستدرك فيقول: «مع هذا، فإنه لم ينجح بعد في ترسيخ نفسه بصورة كاملة كمؤسسة مستقلة عن منطق التوازنات السياسية الضيقة».

ويضيف كلني: «بناءً عليه، مع دخول الصومال مرحلة جديدة من إعادة تعريف النظام الدستوري والانتخابي، ستتحدد أهمية البرلمان؛ ليس بعدد القوانين التي يصدرها، بل بمدى قدرته على بناء توافق سياسي قابل للحياة حيال قواعد تداول السلطة في مرحلة عصيبة بتاريخ البلاد». وبالتالي، إذا ما نجح البرلمان في ذلك، فإنه قد يتحول من ساحة للصراع على الدولة إلى مؤسسة لصناعة الدولة. أما إذا أخفق، فقد يجد الصوماليون أنفسهم أمام دورة جديدة من الأزمات السياسية، يكون البرلمان فيها ليس جزءاً من الحل، بل أحد أهم ميادين الصراع على مستقبل البلاد، كما يرى كلني.

وأخيراً يخلص الباحث والخبير إلى أن القول إن «مستقبل البرلمان الصومالي لن يُحسم داخل قاعة البرلمان وحدها، بل في قدرته على تحقيق المعادلة الأصعب عبر الانتقال من منطق تقاسم السلطة إلى منطق التمثيل السياسي، ومن شرعية التوافق بين النخب إلى شرعية الإرادة الشعبية، من دون أن يؤدي هذا الانتقال إلى تفكيك التوازن الهشّ الذي أبقى الدولة الصومالية موحّدة طوال مرحلة ما بعد الحرب».