أوروبا... بين «حاجتها للمهاجرين» و«شعبوية اليمين المتطرف»

البُعد السياسي لمُعضلة ديمغرافيتها

بحراً إلى أوروبا (أ ف ب)
بحراً إلى أوروبا (أ ف ب)
TT

أوروبا... بين «حاجتها للمهاجرين» و«شعبوية اليمين المتطرف»

بحراً إلى أوروبا (أ ف ب)
بحراً إلى أوروبا (أ ف ب)

تواجه أوروبا اليوم تحوّلاً ديمغرافياً جذرياً يهدد بإعادة تشكيل مستقبلها الاجتماعي والاقتصادي؛ ففي مطلع عام 2025 بلغ عدد سكان الاتحاد الأوروبي 450 مليون نسمة. وهذا رقم يخفي وراء ثباته الظاهري اتجاهات مُقلقة تُنذر بتحوّلات جيوسياسية عميقة. وتكمن خطورة الوضع في تآكل الوزن الديمغرافي الأوروبي على المستوى العالمي؛ إذ تقلّصت حصّة الاتحاد الأوروبي من سكان العالم بشكل مثير للقلق من 12.9 في المائة في عام 1950 إلى 5.7 في المائة فقط اليوم، ومن المتوقع أن تهبط إلى 3.7 في المائة بحلول 2070. وفي المقابل، تشهد القارة الأفريقية، خاصة منطقة الساحل، انفجاراً ديمغرافياً معاكساً؛ إذ ستقفز نسبتها من 14 في المائة إلى 27.4 في المائة خلال الفترة نفسها. الإحصاءات الأخيرة لمعهد «أوروستا للدراسات الأوروبية» تشير إلى «نمو متواضع» لا يعكس حيوية ديمغرافية حقيقية، بما أنه يعتمد كلياً على الهجرة؛ إذ تتجاوز الوفيات المواليد بانتظام منذ عام 2012.

الأزمة الديمغرافية ليست، حقاً، حكراً على أوروبا وحدها، بل تشمل معظم الدول المتقدمة مثل اليابان وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة، غير أن حدّتها في القارة الأوروبية تبدو أكثر وضوحاً بسبب التباين الجغرافي الحاد بين الدول؛ إذ تعاني بلدان أوروبا الشرقية والجنوبية من تراجع أكبر مقارنةً بدول الشمال والغرب، بجانب أن التفاوت في السياسات الوطنية وغياب استراتيجية أوروبية موحّدة يفاقمان من تعقيد التحدي.

ألمانيا والتحدي الديمغرافي

تمثّل ألمانيا، البالغ تعدادها السكاني 83.6 مليون نسمة، أكبر اقتصاد أوروبي، وتعكس خطورة الأزمة الديمغرافية بشكل بيّن حيث تسجل معدل نمو سلبي يصل إلى 0.56 في المائة سنوياً، وهي خسارة تقدّر بنحو 477 ألف نسمة سنوياً؛ إذ وصل معدل الخصوبة عام 2024 إلى 1.35 طفل لكل امرأة، وهو أدنى مستوى منذ 1994. وفي المقابل، تصل شيخوخة السكان الألمان إلى نسب حرجة؛ فنحو 24 في المائة منهم تجاوز سن الـ65، ويُتوقع تجاوز هذه النسبة إلى 30 في المائة بحلول عام 2050. وعليه، تسبّبت هذه الوضعية في نقص حاد في اليد العاملة؛ إذ وصلت الوظائف الشاغرة في قطاع التكنولوجيا وحده إلى 96 ألف وظيفة خلال عام 2024 وفق الإحصاءات التي نُشرت على موقع «أوروستا للدراسات الأوروبية»، ثم إنها أجبرت الحكومة الألمانية على اتخاذ حزمة من الإجراءات المتكاملة، أهمها: تغيير نظام التقاعد برفع سن التقاعد إلى 67 سنة بحلول 2031 للحفاظ على كبار السن كقوة عاملة لأطول فترة ممكنة، مع تحسين ظروف العمل والتكثيف من برامج التدريب المستمر. ويضاف إلى ذلك تطوير استراتيجيات متنوعة لضمان استقطاب 200 ألف مهاجر مؤهّل سنوياً، مع تسهيل قوانين الهجرة وتقليص مدة الحصول على الجنسية.

الحكومة الألمانية تنشط أيضاً في مجال الدعم الأُسَري عبر الاستثمار في خدمات رعاية الأطفال، وتشجيع العمل عن بُعد لتسهيل التوازن بين الحياة الأُسَرية والمهنية، إضافة إلى إصلاح النظام الاجتماعي وتقديم دعم أفضل للأسَر.

صحيفة «لوموند» الفرنسية كانت قد نقلت في موضوع بعنوان «ألمانيا تتحمّل دورها بالكامل كدولة مستقبلة للهجرة لمواجهة احتياجاتها من العمالة»، كلاماً للمستشار الألماني السابق أولاف شولتس دعا فيه صراحةً صنّاع القرار وأرباب العمل في «قمة دافوس» الأخيرة؛ إذ قال: «إلى كل من يريد التشمير عن ذراعه والعمل، مرحباً بكم في ألمانيا...».

فون دبر لاين (آ ف ب)

المشهد الإيطالي مثير للقلق

أما إيطاليا ذات الـ58.9 مليون نسمة عام 2025، فتقدم المشهد الديمغرافي الأكثر إثارة للقلق في أوروبا الغربية؛ إذ تجاوزت حدّة الأزمة أكثر التوقّعات تشاؤماً، وباتت تهدد أسس الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للبلاد.

هذا الحال ليس مجرد أرقام، بل هو واقع يومي يعيشه الملايين من الإيطاليين في قرى وضواحٍ تفرّغ من سكانها، ومدارس تغلق أبوابها، ومستشفيات تكافح لتوفير الرعاية لعددٍ متزايد من المسنين.

إيطاليا سجّلت أدنى معدل ولادات في القارة الأوروبية بـ6.5 ولادة فقط لكل ألف نسمة خلال عام 2024، وهو رقم يضعها في ذيل الترتيب العالمي لمعدلات الخصوبة التي لم تكن بهذا المستوى منذ القرن التاسع عشر؛ إذ بلغت الولادات نحو 370 ألفاً فقط في عام 2024، في حين كانت تسجل أكثر من مليون ولادة سنوياً خلال عقدَي الستينات والسبعينات. بيد أن الأمر الأكثر إثارة للقلق هو التسارع الحاد لنسب الشيخوخة؛ إذ تقدّم متوسط العمر بأربع سنوات كاملة خلال عقد واحد فقط؛ ما يشكل شاهداً على شيخوخة سريعة بشكل استثنائي.

من جهة ثانية، تتوقع الدراسات الديمغرافية كارثة حقيقية لإيطاليا على المدى الطويل؛ فقد تخسر البلاد 23.8 مليون نسمة بحلول عام 2100؛ ما يمثل أكبر التراجعات المتوقعة في أوروبا، وأحد أسوأ السيناريوهات الديمغرافية في العالم المتقدم؛ وذلك لأن هذا يعني أن عدد السكان قد ينخفض إلى أقل من 35 مليون نسمة بنهاية القرن؛ أي ربما يتراجع بأكثر من 40 في المائة من العدد الحالي، ثم إن هذا التراجع لن يكون موزّعاً بالتساوي على الأراضي الإيطالية؛ إذ بينما تواجه المناطق الريفية والجنوبية خطر «الانقراض» ديمغرافياً، يتوقع أن تحتفظ المدن الكبرى والمناطق الصناعية في الشمال بقدر أكبر من الاستقرار بفضل الهجرة الداخلية والخارجية.

للحدّ من هذه الأزمة اتخذت الحكومة الإيطالية بقيادة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني سلسلة من الإجراءات لمواجهة الأزمة الديمغرافية، من أهمها: خفض ضريبة القيمة المضافة بنسبة النصف على الحفاضات وحليب الأطفال، في محاولة لتقليل العبء المالي المرتبط بتربية الأطفال. وأيضاً وضعت الحكومة برنامجاً شاملاً للتعويضات العائلية يتضمّن مساعدات مالية مباشرة للأسَر التي لديها أطفال، بالإضافة إلى تخفيضات ضريبية معتبرة للعائلات الكبيرة.

الهدف من هذه السياسات تخفيف الضغط الاقتصادي الذي يُعد أحد أبرز العوائق أمام الإنجاب في إيطاليا، ثم إن الحكومة تحضّر أيضاً لرفع سن التقاعد؛ لأن نفقات المعاشات تشكّل أكثر من 15 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، ومن المتوقع أن تصل إلى 17 في المائة بحلول عام 2042. واللافت أنه على الرغم من التوجه المحافظ اليميني للحكومة الحالية، فإنها تعترف بضرورة الهجرة كعامل تعديل - أو تعويض – ديمغرافي؛ فقد اقترحت الحكومة استفتاءً لتقليص مدة الإقامة المطلوبة للحصول على الجنسية من عشر إلى خمس سنوات، في محاولة منها لتسهيل اندماج المهاجرين الموجودين فعلاً في البلاد.

مفارقات إسبانيا...والحلول الابتكارية

أيضاً على شواطئ المتوسط، تعيش إسبانيا مفارقة ديمغرافية لافتة؛ فعلى الرغم من نمو سكاني ظاهري يقدّر بـ458.300 نسمة خلال 2025 (+0.94 في المائة)، ووصول تعداد السكان إلى 49 مليون نسمة، فإن إسبانيا ما زالت تواجه أزمة ولادات حقيقية؛ إذ انخفض العدد الإجمالي للمواليد بنسبة 25 في المائة بين 2014 و2024، بالغاً 156.202 مولود فقط في النصف الأول من 2024. الإحصاءات تفيد بأن هذا النموّ ينتج حصرياً من أجيال الهجرة، بالذات من دول أميركا اللاتينية وأفريقيا، مخفياً تراجعاً طبيعياً مقلقاً. وللتصدّي لهذه الأزمة، بدأت الحكومة الإسبانية خطّة أسمتها خطة «الخصوبة الطموحة»، وهي تتمثل في برنامج بقيمة 4.5 مليار يورو يمنح 500 يورو شهرياً للأمهات دون الـ30 سنة حتى بلوغ الطفل سن السنتين (للدخل الأقل من 30 ألف يورو سنوياً) مع تمديد إجازات الأمومة والأبوة من 16 إلى 19 أسبوعاً، وتقديم تعويضات بقيمة 100 يورو شهرياً للأمهات العاملات اللواتي لديهن أطفال دون ثلاث سنوات. وشرعت الحكومة أيضاً في تسهيل تسوية أوضاع مئات الآلاف من المهاجرين غير الشرعيين ابتداء من مايو (أيار) 2025.

كيكل (غيتي)

فرنسا: استراتيجية شاملة

أخيراً، يمكن القول إن فرنسا تحتفظ بأفضل وضع ديمغرافي مقارنةً مع «جاراتها» الأوروبيات؛ إذ يبلغ تعداد سكانها 68.6 مليون نسمة مع نمو إيجابي بـ168.600 نسمة عام 2025 (+0.25 في المائة). ولكن مع أن معدل الخصوبة الفرنسي يُعد من الأعلى في أوروبا (1.8 طفل لكل امرأة)، فإنه يظل دون عتبة التجديد الطبيعي للسكان المحددة بـ2.1 طفل.

هذا الانخفاض التدريجي، المصحوب بارتفاع متوسط العمر وتزايد نسبة كبار السن الذين يمثلون اليوم نحو 21 في المائة من السكان، يضع فرنسا أمام تحديات اقتصادية واجتماعية معقّدة. وتتجلى تداعيات هذه الأزمة في الضغوط المتزايدة على نظام التقاعد الفرنسي؛ إذ يتقلص عدد المساهمين النشطين مقابل ارتفاع عدد المتقاعدين. وأيضاً، تواجه أنظمة الصحة والرعاية الاجتماعية تحدِّيات مالية جسيمة لتلبية احتياجات شيخوخة المجتمع المتسارعة. ولذا، في مواجهة هذا الواقع، تبنّت الحكومة الفرنسية استراتيجية متعددة المحاور؛ فعلى صعيد السياسات الأسرية أطلقت فرنسا ما يسمى بـ«الخطة 2050» الديمغرافية التي تهدف إلى وقف تراجع الخصوبة وضمان تجديد الأجيال، بتعزيز نظام المساعدات العائلية، وتوسيع شبكة رياض الأطفال العامة، إضافة إلى تمديد إجازة الأبوة وتحسين التوازن بين الحياة المهنية والعائلية.

أما في مجال الهجرة، فقد اعتمدت فرنسا نهجاً انتقائياً يهدف إلى جذب المواهب والكفاءات المطلوبة. وتشمل هذه المبادرات تبسيط إجراءات الحصول على تأشيرات العمل للمهنيين المهرة، وإطلاق «جواز مرور الكفاءات» الذي يسهّل على الخرّيجين «الدوليين» والمستثمرين الاستقرار في فرنسا. وكذلك طوّرت برامج لجذب الباحثين والمُبتكِرين من خلال تأشيرات خاصة متعدّدة السنوات.

أيضاً، تركّز استراتيجية الإدماج الفرنسية راهناً على تعزيز تعلّم اللغة الفرنسية وتطوير آليات الاعتراف بالشهادات الأجنبية، مع التشديد على احترام القيَم الجمهورية. ولكن، رغم هذه الجهود، تواجه السياسات الحكومية تحدّيات الرأي العام المنقسم حول الهجرة والحاجة لموازنة الفوائد الاقتصادية مع التماسك الاجتماعي، في مجتمع يبحث عن هويّته وسط التحولات الديمغرافية السريعة.

واقع يومي يعيشه ملايين الإيطاليين في قرى وضواحٍ تفرّغ من سكانها

الهجرة كحل للأزمة الديموغرافية

يرى الخبير الديموغرافي الفرنسي البروفسور فرانسوا هيران أن «الهجرة المنظمة تمثل الحل الوحيد المتاح لمواجهة هذه الأزمة»، مؤكداً أن أوروبا تحتاج إلى استقبال مليوني مهاجر سنوياً للحفاظ على التوازن الديموغرافي. ويوضح أنه في ألمانيا وحدها، يتقاعد 400 ألف شخص سنوياً مقابل 300 ألف داخل جديد إلى سوق العمل، ولهذا السبب أطلقت «المفوضية الأوروبية» مبادرة «الميثاق الجديد للهجرة واللجوء» عام 2020، كما وضعت استراتيجية «المواهب والمهارات» لجذب العمالة الماهرة. وفي حين أشارت رئيسة «المفوضية» أورسولا فون دير لاين في خطاب عام 2023 إلى أن «أوروبا تحتاج للهجرة القانونية لسّد النقص في القوى العاملة»، قال المستشار الألماني السابق أولاف شولتس في سبتمبر (أيلول) 2024 في خطاب أمام البرلمان الألماني: «لا يمكن لأي دولة في العالم تملك قوة عاملة في تراجع أن تحقق نمواً اقتصادياً. وهذه هي الحقيقة التي نواجهها اليوم... الانفتاح على العالم ضروري إذن. لكن الانفتاح على العالم لا يعني أن أي شخص يريد المجيء يمكنه ذلك. يجب أن نكون قادرين على اختيار من يأتي إلى ألمانيا. وفي هذا السياق اتفقت دول المجموعة الأوروبية على تطوير خطة لاستقبال المهاجرين، تستهدف استقبال 1.2 مليون مهاجر سنوياً حتى 2030. وهذه الوضعية التي تفرض نفسها على القارة الأوروبية تخلق معادلة بالغة التعقيد، حيث تبدو الهجرة تارة حلاً منقذاً وتارة أخرى خطراً وجودياً حسب الانتماء السياسي والقناعات الآيديولوجية».

 

 

مواقف اليسار واليمين من الهجرة والتراجع الديموغرافي

بالنسبة لقوى اليسار الأوروبية، وريثة التقليد الإنساني، تبدو مسألة الهجرة استجابة طبيعية للتراجع الديموغرافي الذي يهدد التوازنات الاجتماعية للقارة. ووفق جماعات التقدميين منهم، تتجاوز المسألة الاعتبارات الديموغرافية المحضة، لأن الأمر يتعلق بالضرورات الاقتصادية، فشيخوخة سكان الاتحاد الأوروبي تؤدي إلى تراجع القوى العاملة وزيادة تكاليف المعاشات التقاعدية ورعاية المسنين والقيم الإنسانية التي تؤسس للهوية الأوروبية. في الطرف المواجه، من الطيف السياسي، تطوّر الأحزاب اليمينية الأوروبية خطاباً مقاوماً لما تعدّه «تهديداً حضارياً». وبينما يستثمر معظمها في الخوف من الآخر ويَعِدُ بحلول وهمية، يفرض الواقعان الاقتصادي والديموغرافي اعتماداً متزايداً على الهجرة بوصفها ضرورة وجودية لا مفرّ منها، وهو ما يجعل أوروبا في مفترق طرق، مُجبرة على ابتكار نموذج جديد يوفق بين الضرورات الديموغرافية والحفاظ على الهوية والقيم الإنسانية. وهنا، تجسّد إيطاليا بامتياز المفارقة الأوروبية الراهنة بين الخطاب السياسي المعادي للهجرة والحاجة الاقتصادية الملحة إليها. ففي إيطاليا، تقود جورجيا ميلوني - التي ينحدر حزبها «إخوان إيطاليا» اليميني من جذور فاشية - سياسة متناقضة جداً، إذ بينما أنفقت حكومتها 800 مليون يورو على إنشاء مراكز احتجاز في ألبانيا لمعالجة طلبات اللجوء خارج الأراضي الأوروبية - بتكلفة فلكية تصل إلى 72.461 يورو لكل سرير - تظل إيطاليا في أمسّ الحاجة إلى المهاجرين لسدّ النقص الحاد في قطاعات حيوية كالزراعة والبناء والرعاية الصحية. وهذا المشروع، الذي واجه فشلاً قانونياً متكرراً وأبقى المراكز شبه فارغة منذ افتتاحها في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، حقق مع ذلك هدفاً سياسياً: تعزيز شعبية ميلوني محلياً وجعلها «نموذجاً» يُحتذى على المستوى الأوروبي، حتى إن المفوضية الأوروبية اقترحت في مارس (آذار) 2025 تعميم فكرة «مراكز الإعادة» خارج الاتحاد. من ناحية أخرى، في النمسا، مثلاً، يبدو التناقض أكثر حدّة، فحزب الحرية (FPÖ) اليميني المتطرف بقيادة هربرت كيكل، الذي فاز بنسبة 28.9 في المائة في انتخابات سبتمبر (أيلول) 2024 يعِدُ صراحةً بـ«إعادة هجرة الغرباء غير المدعوّين» وخفض طلبات اللجوء إلى الصفر، بل وترحيل مواطنين نمساويين من أصول مهاجرة «غير مندمجين». لكن النمسا، التي يبلغ متوسط عمر سكانها 44.7 سنة ومعدل خصوبتها أقل بكثير من مستوى الإحلال السكاني، تحتاج بشدة إلى تدفّقات هجرة منتظمة للحفاظ على نظامها الاقتصادي والاجتماعي. وحالياً، يروّج كيكل، الذي يصف نفسه بـ«مستشار الشعب» (مستخدماً مصطلحاً نازياً)، لمفهوم «قلعة النمسا» المنغلقة تماماً، متجاهلاً الواقع الديموغرافي القاسي الذي يهدّد مستقبل البلاد.


مقالات ذات صلة

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

حصاد الأسبوع دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء

«الشرق الأوسط» (بيروت)
حصاد الأسبوع في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.

سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز معركة الفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ عن ولاين ماين، بأقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، أمام

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

لا يواجه جميع المعتدلين نسخة مطابقة لاختبار السيناتورة سوزان كولينز في ولاية ماين؛ إذ بعضهم يحاول النجاة في دوائر تميل إلى الحزب الآخر، وبعضهم الآخر يدافع عن

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
حصاد الأسبوع الرئيس لولا يسعى إلى ولاية جديدة (إ.ب.أ)

البرازيل... اليمين يهدد آخر معاقل اليسار في أميركا اللاتينية

أحرز اليمين المتطرف الذي يهبّ على أميركا اللاتينية كالإعصار، نصراً مفاجئاً ومفصلياً في البرازيل، يوم الأحد قبل الماضي، 4 أكتوبر، (تشرين الأول)؛ فقد حقَّق

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)

العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

«نحن في كتلة اليمين واليمين الوسط نشكل نحو 65 في المائة من جمهور الناخبين؛ لذلك، سنظل قادرين على تشكيل الحكومة في المستقبل أيضاً. واضح لي أنني سأفقد تأييداً،

نظير مجلي ( القدس)

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء وإعادة الإعمار ودعم النازحين. وفي حين أكد الحزب أنه «يعمل على برنامج خاص بهذا الملف متى توافرت الإمكانات المالية»، برزت في المقابل مواقف نيابية معارضة رأت في هذا الطرح إقراراً بعجز الحزب عن تحمّل الأعباء، وربطت أي معالجة مستدامة بإعادة الملف كاملاً إلى الدولة وحصر السلاح بيدها. يأتي هذا السجال في ظل استمرار معاناة متضررين ونازحين من الحرب، وفي وقت لم تتبلور فيه بعد آلية شاملة لتمويل إعادة الإعمار، وسط نقاش سياسي يتجاوز مسألة تأمين الأموال إلى تحديد المسؤوليات وشروط مساهمة الدولة والجهات المانحة.

النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله يغادر البرلمان اللبناني وسط بيروت 14 يونيو 2023 (رويترز)

تكشف أرقام جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» عن أن ملف إعادة الإعمار والإيواء في لبنان لا يرتبط بأضرار حرب 2026 وحدها، بل يأتي فوق خسائر حرب 2024 التي لم يكن لبنان قد انتهى من معالجتها. ففي عام 2024، بلغت الأضرار المادية المباشرة نحو 6.8 مليار دولار أميركي، بينها 4.6 مليار دولار في قطاع السكن، في حين قُدِّرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار، قبل أن تضيف الحرب الجديدة أضراراً واسعة إلى المباني والمساكن والبنى التحتية.

في الواقع، لا تتوافر حتى الآن حصيلة وطنية نهائية لتكلفة أضرار حرب 2026 أو احتياجات إعادة الإعمار، في ظل استمرار العمليات وتأخر اكتمال التقييمات. غير أن الأرقام المرحلية التي جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» تُظهِر أن الأضرار المباشرة في المباني تجاوزت، حتى شهر أبريل (نيسان) 2026، نحو 1.745 مليار دولار في جنوب لبنان وبيروت وجبل لبنان، بينها أكثر من 1.38 مليار دولار في الجنوب وحده، وأكثر من 365 مليون دولار في بيروت وجبل لبنان. وهذه أرقام جزئية لا تمثل التكلفة النهائية للحرب، ومن ثم، لا يمكن مقارنتها مباشرة بالتقييم الوطني الشامل لأضرار 2024.

أكثر من 21 ألف وحدة سكنية مُدمَّرة

تتبيّن خطورة الأزمة بصورة أوضح في القطاع السكني. إذ بلغ عدد المباني المدمّرة بالكامل 11 ألفاً و95 مبنى في المنطقة جنوبي نهر الليطاني، إضافة إلى 146 مبنى في بيروت وجبل لبنان. كذلك أظهرت التقييمات تدمير 17 ألفاً و891 وحدة سكنية بالكامل في جنوب لبنان، و3168 وحدة في بيروت وجبل لبنان، بما يزيد على 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن المناطق التي شملتها التقييمات حتى تلك المرحلة.

وتترافق هذه الخسائر مع كمّيات ضخمة من الرّكام، بلغت نحو 3.1 مليون متر مكعب في جنوب لبنان ونحو 649 ألف متر مكعب في بيروت وجبل لبنان. ويعني ذلك أن العودة لا ترتبط بإعادة بناء المنازل فحسب؛ إذ ستحتاج مناطق واسعة أولاً إلى إزالة الركام وتأهيل الطرق وشبكات المياه والكهرباء والخدمات الأساسية، قبل أن يصبح من الممكن إعادة السكان إليها بصورة مستقرة.

النزوح يوسّع أزمة الإيواء

ويتقاطع الدمار السكني هذا مع أزمة إيواء ونزوح واسعة. إذ وفق البيانات الدولية، نزح نحو مليون شخص داخلياً في بداية التصعيد، في حين عبر نحو 100 ألف شخص إلى سوريا. وحتى الأول من شهر سبتمبر (أيلول) 2026، بقي 329 ألفاً و240 شخصاً في حالة نزوح داخلي؛ الأمر الذي يعكس استمرار الحاجة إلى حلول إيواء مؤقتة ومتوسطة الأجل، ولا سيما للعائلات التي دمّرت منازلها أو باتت بلداتها تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العودة.

بلغ عدد المباني المُدمّرة بالكامل

11 ألفاً و95 مبنى

في المنطقة جنوبي نهر الليطاني

عودة إلى الأصل أي... الدولة

في هذا السياق، طرح الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم التزام الحزب بالمساهمة في تأمين الإيواء والإعمار للمتضرّرين في الجنوب، إلى جانب حثّ الدولة على القيام بدورها، وقال إن الحزب «سيعلن قريباً عن مساهمته في مشروع للإيواء».

إلا أن النائب إبراهيم منيمنة قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» معلّقاً إن «(حزب الله)، على مدى سنوات، كان يأخذ رصيد الحكومة ويجيّره لنفسه». وأشار إلى أنه «في عام 2006 كانت الدول العربية تؤمّن القسم الأكبر من التمويل، لكن (حزب الله) استغل بعض الثغرات في أداء الدولة وحاول أن يحوّل هذا الرصيد لنفسه». وأردف منيمنة: «أما الآن، فيعود إلى الأصل، وهو الدولة. الدولة هي التي ستقوم بإعادة الإعمار... وهذا اعتراف من الحزب بأنه لن يقدر على الاستغلال».

منيمنة، وهو من نواب بيروت، توقّف أيضاً عند كلام النائب حسن فضل الله - أحد نواب «حزب الله» ومنطقة الجنوب - عن أن الدولة لديها الأموال، فقال: «المفارقة عندما يقول (فضل الله) إن الدولة لديها المال، وكأنه يحاول أن يتّهم هذه الدولة بأنها لا تقوم بواجباتها في هذا الموضوع، فيما هو يعلم أن هذا الكلام ليس صحيحاً، وهم أي الحزب ممثلون في الحكومة، وبالتالي فإن كلام الحزب غير دقيق وشعبوي».

وتابع منيمنة: «مَن يريد اليوم أن يضع ملف إعادة الإعمار، فعليه أن يدخل أولاً إلى الحكومة ويناقشه فيها، وأن ينفّذ قرارات الحكومة، أو الدولة، المتعلّقة بحصر السلاح. هذه أول خطوة حتى تكون مدخلاً إلى إعادة الإعمار».

جدير بالذكر، أن النائب فضل الله، كان في وقت سابق قد شدّد على أنه «عندما يكون هناك حكومة في لبنان، فهي المسؤولة عن شعبها وعن كل مواطن على أرضها مهما كانت أسباب الحرب، سواء كنّا معها أو معارضة لها، علماً أن لديها الإمكانات والقدرات المالية والاقتصادية».

وأضاف: «وبدل أن تصرف هذه الإمكانات في مواضع في غير أماكنها، يمكنها أن تُسخّر جزءاً من الإمكانات لموضوع إعادة الإعمار والإيواء ولدعم النازحين. وهذه مسؤولية أساسية على الحكومة، ومهما كان الخلاف معها، سنحمّلها المسؤولية، ونحن نعمل من خلالها والمجلس النيابي، لتوفير ما أمكن من موارد مالية لأجل هذا الملف».

في المقابل، أوضح منيمنة أن «التردّد في إعادة الإعمار ليس لأن الدولة لا تقوم بواجباتها»، واستطرد: «أولاً، الدول المانحة التي ستساعد على الإعمار ليست مستعدة لأن تضع أموالاً ثم تحصل حرب جديدة. ومن ناحية ثانية، النقاش حول حصر السلاح لم ينتهِ ولم يُحسم هذا الموضوع... بالتالي، هذا الكلام، ولو أن فيه اعترافاً ضمنياً بدور الدولة، فهو في الدرجة الأساسية كلام منقوص»، موضحاً أن «هناك مسؤولية على (حزب الله) بأن يدخل فعلاً إلى الدولة من خلال ملف حصر السلاح».

وعن مسؤولية «حزب الله» تجاه تعويض المتضررين، قال منيمنة: «برأيي، هو أساساً في هذا المجال لم يفِ بوعوده، والناس في حالة تذمّر لأنه لا يوجد تمويل، حتى لأعمال الإيواء، خصوصاً للناس الذين ما زالوا مهجرين... وواضح أن (حزب الله) غير قادر اليوم على القيام بهذا الملف، وبما أنه لم يعد قادراً، فقد تخلّى عنه».

الحكومة مسؤولة عن شعبها

وفي موازاة ذلك، يتردد في أوساط داخل بيئة «حزب الله» أن الحزب يعد خلال الفترة القريبة المقبلة لتقديم مساعدة نقدية للمتضرّرين، تُطرح على أنها «هدية تعويض»، من دون أن يصدر حتى الآن إعلان رسمي يحدد قيمتها أو الفئات التي ستشملها أو موعد بدء توزيعها.

وكان واضحاً في تصريح نعيم قاسم الأخير أن الحزب «سيسهِم»؛ ما يعني أنه لن يكون المموّل، بل ينتظر الدولة التي قاله إنه لن يتوقّف عن حثّها على إعادة الإعمار.

في سياق متصل، يتقاطع موقف النائب مارك ضو، النائب عن جبل لبنان، مع قراءة منيمنة لانتقال الحزب إلى التعويل على الدولة؛ إذ قال لـ«الشرق الأوسط» إن تحميل «حزب الله» الحكومة مسؤولية ملف إعادة الإعمار «يشكّل تأكيداً على عجزه»، معتبراً أن انتقاله إلى التعويل الكامل على الدولة يعكس عجزه عن تحمّل تبعات ما حصل.

وأضاف ضو: «عندما يصبح كل الاتكال على الحكومة، ويقال إن الاعتماد الآن عليها، فهذا تأكيد واضح على العجز». وتابع: «هو (أي حزب الله) يطالب الدولة والحكومة بتحمّل مسؤولية إعادة الإعمار، في حين أنه لا يتعامل معهما على هذا الأساس في ممارسته السياسية... والنتيجة، أنه يريد من الدولة أن تتولّى إعادة إعمار ما نتج عن أخطائه وأفعاله».

مسارات أخرى قبل تحميل الخزينة التكلفة

بدوره، قال النائب أديب عبد المسيح لـ«الشرق الأوسط» إن «(حزب الله) يتنصّل من مسؤوليته في ملف إعادة الإعمار، ويحاول تحميل الدولة واللبنانيين تبعات حرب كان هو سببا أساسياً في اندلاعها»، معتبراً أن أمام الحزب أكثر من مسار لمعالجة هذا الملف بدلاً من مطالبة الدولة بتحمل التكلفة كاملة.

وقال عبد المسيح، وهو من نواب شمال لبنان: «(حزب الله) ممثل في الحكومة بوزيرين، فليتفضّل وزيراه ويطالبا بقرار حكومي لإعادة الإعمار، وليحاولا تأمين إجماع حكومي على هذا الموضوع. إذا كانا قادرين على ذلك، فليفعلا».

ثم أضاف: «إذا لم يتمكّن الحزب من تأمين إجماع الحكومة على إعادة الإعمار، فهناك مسارات أخرى. أولاً، عليه أن يتحمّل مسؤوليته؛ لأنه هو من ورّط لبنان وفتح النار على إسرائيل وتسبب بهذه الحرب. وثانياً، لديه الإيرانيون، ويمكن لوزير الخارجية أن يتحرّك للمطالبة بتعويضات من الدولة الإيرانية عن الأضرار، باعتبار أن (الحرس الثوري) الإيراني حاضر على الأراضي اللبنانية عبر دعمه للحزب».

وتابع عبد المسيح: «هناك أيضاً إسرائيل، وهي المسبّب المباشر للدمار. يمكن اللجوء إلى المسارات والمحاكم الدولية للمطالبة بالحقوق والتعويضات، وعند تحصيلها تُستخدم في إعادة إعمار الجنوب. هذه حلول عملية يمكن العمل عليها».

وشدّد النائب عبد المسيح على رفضه أن تتحمّل الخزينة اللبنانية وحدها تكلفة إعادة الإعمار، قائلاً: «أما أن تتحمّل الدولة اللبنانية المسؤولية في النهاية، وأن تأخذ الضرائب من الناس، فأنا أدفع وأنت لإعادة إعمار الجنوب، فهذا لن يحدث أبداً».

ورأى أن الحزب «يتنصّل» من مسؤوليته؛ إذ «يبدأ اليوم بالمطالبات والتحركات، وقد تتحول غداً تحركات في الشارع ضد الحكومة أو ضد الجيش، بحيث يحاول، بدلاً من أن يتحمل المسؤولية، أن يحملها لغيره... هذا أمر واضح مائة في المائة. يبدأ الأمر بهذه المطالبات، ثم يجري تنظيم التحرّكات على الموجة نفسها، في محاولة للظهور كجزء من المعارضة والمطالبة بحقوق شبيهة بحقوق موظفي الدولة أو سائر اللبنانيين، في حين كان الحزب أساسياً في هذه الحرب، وليس مجرد طرف عادي فيها».

الحرب تقوّض الاقتصاد اللبناني

ختاماً، يأتي اتساع حاجات الإيواء والإعمار في وقت تراجعت قدرة الاقتصاد اللبناني والدولة على تحمل أعباء إضافية. إذ تشير الأرقام إلى توقع انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 6.4 في المائة خلال 2026، في حين تضاف احتياجات الحرب الحالية إلى فاتورة إعادة إعمار 2024 المقدرة أصلاً بنحو 11 مليار دولار.بناءً عليه؛ لم يعد الملف مقتصراً على تعويض أصحاب المنازل المتضررة، بل صار يشمل تأمين الإيواء للنازحين، وإزالة ملايين الأمتار المكعبة من الركام، وإعادة تأهيل الخدمات والبنى التحتية، ثم إعادة بناء آلاف المباني وأكثر من 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن نطاق التقييمات المُنجزة حتى الآن.


سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
TT

سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز معركة الفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ عن ولاين ماين، بأقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، أمام منافسها الديمقراطي تروي جاكسون. بعد نحو ثلاثة عقود في المجلس، تدافع كولينز (73 سنة) عن سجل طويل من الخدمات والتسويات، في حين يتساءل ناخبون اعتادوا تأييدها إن كان إخراج الجمهوريين من قيادة المجلس الطريق الأجدى لتقييد الرئيس دونالد ترمب؟ وبين الحسابين، تتجاوز المعركة مستقبلها الشخصي لتطرح سؤالاً أوسع: هل تكفي الثقة بالسياسي حين يفقد الناخب ثقته بالحزب الذي ينتمي إليه؟

كولينز المولودة في السابع من ديسمبر (كانون الأول) 1952 في كاريبو، أقصى شمال ماين، واحدة من ستة أبناء لعائلة ارتبط اسمها بتجارة الأخشاب والخدمة العامة. تولّى والدها ووالدتها رئاسة بلدية المدينة، وخدم الأب في المجلس التشريعي للولاية. هناك، قرب الحدود الكندية، تشكلت صلتها بمجتمع صغير يعرف ممثليه بأسمائهم ويحاسبهم على ما يقدمونه لحياته اليومية. لكن هذه الصلة تواجه اليوم اختباراً صعباً، مع تحول مقعدها ساحة صراع على الأغلبية، وعلى مكان الوسطيين في سياسة أميركية قد تصبح فيها هوية الحزب أهم من شخصية ممثله.

من بلدة كاريبو ...إلى واشنطن

تخرجت كولينز في جامعة سانت لورانس الصغيرة الراقية بريف ولاية نيويورك عام 1975، وبدأت العمل مع النائب الجمهوري وليام كوهين (وزير الدفاع فيما بعد)، ثم انتقلت معه إلى مجلس الشيوخ.

ولاحقاً، تولت كولينز مسؤولية التنظيم المهني والمالي في حكومة ماين، ثم إدارة المكتب الإقليمي لوكالة المشاريع الصغيرة بتعيين من الرئيس جورج بوش الأب. ثم عام 1996، انتُخبت لخلافة كوهين في مجلس الشيوخ، لتبدأ مسيرة جُددت أربع مرات. وهي متزوجة من توماس دافرون، وتقيم في مدينة بانغور بولاية ماين.

بيد أن هذه التفاصيل ليست مجرد محطات في سيرة ذاتية؛ إذ تكونت سياسياً داخل «التيار التقليدي» في الحزب الجمهوري، الذي يعوّل على الخبرة التشريعية واحترام المؤسسات والتفاوض مع الديمقراطيين لإنجاز التسويات. ولم تبنِ حضورها على الخطب الصاخبة أو «التعبئة» ضد واشنطن، بل على معرفة طرقها: كيف تُكتب التشريعات، وتُجمع الأصوات، وتُنتزع المخصّصات لولاية صغيرة.

وحقاً، تلخص كولينز خلال لقاء مع الـ«واشنطن بوست»، هذه النظرة بقولها: «هناك من يعملون، وهناك من يستعرضون»، واضعة نفسها في الفئة الأولى. ثم تقول إن خطاباً نارياً يرفع شعبية صاحبه على وسائل التواصل الاجتماعي لا يغير بالضرورة النتيجة. وهذه حجة شخصية عامة مخضرمة في زمن يكافئ المواجهة العلنية، وأحياناً يعتبر التفاوض والمساومة بعيداً عن الكاميرات ضعفاً.

غير أن تداخل الأسرة والمهنة والمؤسسة، الذي منحها جذوراً وثباتاً، يسمح لخصومها أيضاً بتصويرها ممثلة لطبقة سياسية استقرت طويلاً في السلطة. فالأقدمية في حملتها رصيد يحمي مصالح ولايتها، لكنها في حملة منافسها جاكسون تطرح سؤالاً عمّا إذا كانت الخبرة ما زالت تنتج تغييراً يشعر به الناس.

استقلالية قيد المحاكمة

والواقع، أنه يصعب اعتبار كولينز «تابعاً» لترمب؛ إذ تقول حملتها إنها لم تصوّت له قط، بل كانت ضمن الجمهوريين الذين أيّدوا محاولة عزله الثانية عام 2021. كذلك خالفت إدارته في تصويتات مهمة، بينها رفض تعيين بيت هيغسيث وزيراً للحرب، ورفض النسخة النهائية من تشريع الضرائب والإنفاق الكبير عام 2025. ولها أيضاً سجلٌ يتجاوز الاعتراض؛ فقد قادت مع السيناتور جو مانشين - الذي كان آنذاك من أبرز الديمقراطيين اليمينيين قبل مغادرته الحزب -، مساراً مشتركاً لتعديل قانون فرز الأصوات الانتخابية. وأقرّ التعديل عام 2022 لمعالجة ثغرات كشفت عنها أزمة انتقال السلطة، إثر رفض ترمب الإقرار بهزيمته أمام جو بايدن وترويجه ادعاءات بتزوير انتخابات 2020. وهذه وظيفة مؤسساتية للوسط: تحويل الخلاف إلى قواعد يمكن أن يقبلها الطرفان.

لكن منتقديها يميّزون بين مخالفة الرئيس ومنعه. ووفق تحليل في الـ«نيويورك تايمز»، فإنها تعارض سياساته في التصويت أكثر من سائر الجمهوريين، لكن معارضتها نادراً ما تبدّل النتيجة. وهنا تنتقل المحاكمة من النيات إلى الفعل... فما معنى الاستقلالية إذا بقيت الإدارة قادرة على تنفيذ ما تعترض عليه؟

وتظل قضية الإجهاض الجرح الأعمق في تقييمها. فكولينز تؤيد حقوق الإجهاض، لكنها دعمت تثبيت القاضي المحافظ بريت كافانو عام 2018، قبل أن يشارك في قرار المحكمة العليا الذي ألغى الحماية الدستورية الفيدرالية لهذا الحق عام 2022. ودفاعها المستمر عن ذلك التصويت يعيد فتح مسألة الثقة لدى ناخبين يرون أن تطميناتها لم تصمد أمام النتائج.

مع ذلك، ليس كل تصويت خاسر مسرحية سياسية، كما أن ليس كل اعتراض دليلاً كافياً على المقاومة. فالشيخ لا يملك منفرداً غالبية المجلس. أما السؤال المشروع، فهو ما إذا كانت كولينز تستخدم كامل نفوذها لفرض حدود على الإدارة، أم تكتفي بمسافة محسوبة تسمح لها بالبقاء داخل ائتلافها؟ حسب المنتقدين.

ترمب على مائدة الناخب

وبالفعل، تبدو هذه المناقشة أقل تجريداً في ماين، حيث تتقاطع السياسات الرئاسية مع فواتير التدفئة والتجارة والسياحة عبر الحدود. فالحرب مع إيران رفعت تكلفة الوقود، في حين وضعت الرسوم على كندا مصالح محلية أمام ضغوط إضافية. وباتت كولينز مطالبة بمعالجة أزمات تخلقها الإدارة التي ينتمي حزبها إليها.

وفي حين ضغطت لتسريع مساعدات التدفئة للأسر محدودة الدخل، وسعت إلى استثناء الملح الذي يُرش على الطرق في فصل الشتاء من الرسوم الجمركية، حوّل منافسها جاكسون، الحطّاب والرئيس السابق لمجلس شيوخ الولاية، إنجازها إلى عبارة هجومية مؤداها أن «سكان ماين لا يستطيعون أكل ملح الطرق»، في حرصه على نقل النقاش من الاستثناءات التي تنتزعها إلى السياسات التي تجعلها ضرورية.

وفي مناظرتهما الثالثة مساء الثلاثاء، برز مجدداً ملف الهجرة بعد مقتل مهاجر برصاص أحد عناصر إنفاذ قوانين الهجرة (أيس) في بلدة بيدفورد خلال يوليو (تموز). وأقرّت كولينز بأن الإدارة نشرت أعداداً كبيرة من العناصر من دون تدقيق مناسب في اختيارهم، في حين حمّلها جاكسون مسؤولية سياسية عن التمويل.

وفي ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها مسافة عن إدارته. لكن انتقالها من تأييد الحرب في البداية إلى دعم تقييد صلاحياته العسكرية يمنح خصمها فرصة للسؤال عن توقيت الاعتراض، لا عن وجوده وحده.

في المقابل، تهاجم كولينز سجلّ جاكسون التشريعي وتحمّله مسؤولية سياسات تقول إنها رفعت تكاليف الطاقة والسكن. وبالتالي، ما عادت المواجهة بين مرشحة بلا إنجازات وخصم بلا سجل، بل بين تفسيرين للغلاء وللجهة الأقدر على تخفيفه: نفوذ جمهوري داخل الإدارة، أم غالبية ديمقراطية تراقبها وتواجهها.

غالبية أم جسر؟

عام 2020، فازت كولينز بفارق نحو 9 نقاط مئوية، في حين خسر ترمب ولاية ماين بفارق مماثل. يومها استطاع الناخب أن يرفض الرئيس ويحتفظ بالسيناتورة على ورقة الاقتراع نفسها. أما الآن، فلا انتخابات رئاسية تتيح الفصل ذاته، بل أصبح مقعدها إحدى الأدوات المباشرة لمعاقبة البيت الأبيض.

وفي تحقيقات للـ«نيويورك تايمز» والـ«واشنطن بوست»، تلتقط شهادات الناخبين هذه النقلة، حيث لا ينكرون خدماتها ولا يشككون في كفاءتها، لكنهم يريدون ببساطة مجلساً يضع قيوداً على ترمب. في المقابل، لا يزال ديمقراطيون ومستقلون يعدّونها ممثلة موثوقة، ويرفضون التضحية بها لمجرد انتمائها الحزبي. من هنا، يرى البعض أن خسارتها قد تبدو ربحاً واضحاً للديمقراطيين في حساب المقاعد، لكنها تحمل احتمال خسارة شريكة تفاوض داخل الحزب الآخر. ولا تناقض حتمياً بين الأمرين: يستطيع الديمقراطي أن يقدّر دورها، ثم يرى أن تغيير الأغلبية أرجح كفة من الاحتفاظ بذلك الدور.

وبالمثل، لن يكون فوزها هزيمة صافية لترمب؛ فهو يحتفظ للجمهوريين بمقعد بالغ الأهمية، وربما يساعدهم على حماية الغالبية. لكنه سيبرهن أيضاً على أن الفوز في بعض الولايات يتطلب الابتعاد عن الرئيس، وأن الصيغة الجمهورية القابلة للتسويق وطنياً ليست بالضرورة الصيغة الأكثر ولاءً له.

وتزداد المفارقة مع رئاسة كولينز لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ. فهي تطلب من الناخب حماية نفوذ يصعب تعويضه سريعاً، في حين يردّ خصومها بأن النفوذ يقاس بما يمنعه أيضاً. وإذا استطاعت الإدارة تعطيل إنفاق أقره الكونغرس أو الالتفاف على أولوياته، تغدو قدرة كولينز على حماية صلاحيات الكونغرس في إقرار الإنفاق جزءاً من تقييم نفوذها نفسه.

بل حتى الطرفان اللذان يريدان حسم المعركة يجدان نفسيهما أمام حسابات متعارضة: فالجمهوريون يحتاجون إلى أصوات ناخبين ينفرون من زعيمهم، والديمقراطيون يحتاجون إلى إقناع ناخبين بأن إعجابهم بسيناتورة جمهورية لا ينبغي أن يتقدّم على تغيير اتجاه الحكم.

الوسط يبحث عن جدواه

بالتالي، لا تعني هذه المعركة أن الساحة خلت تماماً من الوسطيين، ولا أن الشعبوية احتكرت الحزبين بالقدر نفسه. كما أن الوسطية ليست مرادفاً دائماً للانتماء إلى المؤسسة. فقد يكون السياسي المخضرم شديد الحزبية، وقد يكون جديداً وقادراً على بناء تسويات. وجاكسون - نفسه الذي ينافس كولينز - يعقّد الثنائية المبسطة. فهو تقدمي طبقي، لكنه صاحب خبرة في قيادة مؤسسة تشريعية. ولذلك؛ لا يكفي وضعه في خانة الشعبوية ثم اعتبار هزيمة كولينز إذا حصلت، دليلاً تلقائياً على انتصار التطرف. فالاختبار الأهم هو ما سيقدمه الفائز من سياسات، وكيف سيتعامل مع حدود السلطة وخصومه.

مع ذلك، تكشف كولينز عن أزمة حقيقية في نموذج الوساطة القديم. فحين يُطالب الناخب بمنع قرار يمس حقوقه أو معيشته، لا تكفيه الإشارة إلى حوار مستمر مع صانعيه. بل يحتاج المعتدل إلى شرح الرابط بين قدرته على الوصول إلى المسؤولين وقدرته على تغيير ما يفعلونه، وإلّا بدت التسوية امتيازاً لأهل السياسة لا منفعة للمواطنين.

وفي صورة ساخرة من الحملة، وصل خطأً إعلان يهاجم جاكسون، موَّلته مجموعة جمهورية، إلى مدينة بورتلاند بولاية أوريغون بدلاً من مدينة بورتلاند في ماين. ثم صحح الخطأ وأعيدت الأموال، لكنه أتاح لخصوم كولينز التشكيك في اتصال حلفائها بالولاية. وهذه واقعة صغيرة في سباق يختبر صدقية القرب من الناس.

الأرجح، أن انتخابات ماين لن تحسم مصير الاعتدال الأميركي، لكنها ستكشف عن الشروط الجديدة لبقائه. فنجاة كولينز ستعني أن الرصيد الشخصي والخدمات والاستقلال النسبي ما زالت قادرة على مقاومة الاستقطاب. وخسارتها ستشير إلى أن ناخبين باتوا يفضّلون تغيير ميزان السلطة على الاحتفاظ بوسيط داخلها.


وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
TT

وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

لا يواجه جميع المعتدلين نسخة مطابقة لاختبار السيناتورة سوزان كولينز في ولاية ماين؛ إذ بعضهم يحاول النجاة في دوائر تميل إلى الحزب الآخر، وبعضهم الآخر يدافع عن استقلاليته أمام قاعدته. ومن أبرز هؤلاء من دون افتراض أن فرصهم الانتخابية ومواقفهم متساوية، الساسة التالية أسماؤهم:

• النائب الجمهوري براين فيتزباتريك في بنسلفانيا، الذي يمثل الدائرة الأولى ويواجه الديمقراطي بوب هارفي، المفوض في مقاطعة باكس والمدرّس السابق. يبني العضو السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي صورته على العمل عبر الحزبين ومخالفة ترمب في ملفات محددة. لكن خصمه يسعى إلى تحويل الاقتراع من تقييم لشخص النائب إلى حكم على الغالبية الجمهورية. ومع ذلك، لا يصح افتراض أن مجرد تشابه مأزقه مع كولينز يجعل حظوظهما متطابقة.

• النائب الجمهوري مايك لولر في نيويورك، يخوض مواجهة مع الديمقراطية كيت كونلي، صاحبة الخبرة العسكرية والأمنية، في الدائرة السابعة عشرة التي فازت فيها كامالا هاريس عام 2024. لولر يقدم نفسه جمهورياً براغماتياً قادراً على العمل مع الديمقراطيين، لكنه يحتاج إلى الاحتفاظ بالقاعدة الجمهورية أيضاً. امتحانه هو إقناع الناخب بأن استقلاله يترك أثراً ملموساً، في حين تسعى منافسته إلى جعل العلاقة بترمب محور الاختبار.

• النائبة الديمقراطية ماري غلوسنكامب بيريز في ولاية واشنطن، التي تواجه الجمهوري جون براون في الدائرة الثالثة، وتقدم نموذجاً معكوساً لكولينز؛ فهي ديمقراطية تحاول الاحتفاظ بدائرة أيدت ترمب، وتستند إلى خطاب محلي واهتمام بالمهن والتكاليف اليومية، وتخالف حزبها في بعض القضايا. لكن استمالة المحافظين لا تضمن رضا الديمقراطيين، وقد وثّقت الإذاعة العامة المحلية استياء ناخبين من خيارات السباق. ويكشف اختبارها أن بناء ائتلاف عابر للحزبين يحتاج إلى بقاء قاعدة متحمسة، لا مجرد الوصول إلى الطرف الآخر.

• النائب الديمقراطي دون ديفيس في نورث كارولينا، يواجه الجمهورية لوري باكهاوت في الدائرة الأولى، بعدما جعلت إعادة ترسيم الخريطة الانتخابية التي فرضها الجمهوريون، الفوز فيها أكثر صعوبة على الديمقراطيين. ديفيس يروّج لوسطيته، لكن الخريطة تضع حدوداً لما تستطيع السمعة الشخصية تحقيقه.

توضح هذه الحالات أن بقاء الوسط لا يعتمد فقط على اعتدال الناخبين، بل هو يتأثر بحدود الدوائر، وصورة الرئيس، وتعبئة القواعد، وقدرة المرشح على تحويل المخالفة الحزبية إلى منفعة مفهومة... ثم إن فوز معتدل من حزب قد يعني هزيمة معتدل من الآخر، لا انتصاراً تلقائياً على التطرف. لذلك قد يكون الاختبار الأعمق بعد الانتخابات: هل يملك الناجون استعداداً ونفوذاً لبناء تشريعات مشتركة، أو تفرض معركة الغالبية عليهم العودة إلى الاصطفاف الذي وعدوا ناخبيهم بتجاوزه؟