«ميكانيكا الكمّ» تقود 3 علماء للفوز بـ«نوبل الفيزياء»

بريطاني وأميركي وفرنسي

 البريطاني جون كلارك والفرنسي ميشال ديفوريه والأميركي جون مارتينيز (الأكاديمية الملكية السويدية)
البريطاني جون كلارك والفرنسي ميشال ديفوريه والأميركي جون مارتينيز (الأكاديمية الملكية السويدية)
TT

«ميكانيكا الكمّ» تقود 3 علماء للفوز بـ«نوبل الفيزياء»

 البريطاني جون كلارك والفرنسي ميشال ديفوريه والأميركي جون مارتينيز (الأكاديمية الملكية السويدية)
البريطاني جون كلارك والفرنسي ميشال ديفوريه والأميركي جون مارتينيز (الأكاديمية الملكية السويدية)

منحت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم، الثلاثاء، البريطاني جون كلارك، والفرنسي ميشال ديفوريه، والأميركي جون مارتينيز جائزة «نوبل في الفيزياء» لعام 2025، وذلك تقديراً لتجاربهم التي كشفت عن تطبيقات جديدة في فيزياء الكمّ.

وأوضحت اللجنة المانحة للجائزة، في بيانها، أن العلماء الثلاثة مُنحوا الجائزة «لاكتشافهم ظاهرة النفاذ الكمومي على المستوى العياني وتكميم الطاقة في دائرة كهربائية»، وهي ظاهرة تُعرف أيضاً باسم «النفق الكمومي». وقد فتحت تجاربهم آفاقاً واسعة لتطوير الجيل المقبل من تكنولوجيا الكمّ، بما في ذلك التشفير الكمومي، والحواسيب الكمومية، وأجهزة الاستشعار فائقة الدقة.

وأجرى الفائزون سلسلة من التجارب أثبتوا من خلالها أن الخصائص الغريبة للعالم الكمّي يمكن جعلها ملموسة داخل نظام كهربائي صغير بما يكفي ليُحمل في اليد. ففي هذا النظام فائق التوصيل، تمكن العلماء من إثبات أن التيار الكهربائي يمكنه اختراق حاجز طاقة والانتقال من حالة إلى أخرى كما لو أنه مرّ عبر جدار صلب. كما أثبتوا أن النظام لا يمتص أو يُصدر الطاقة إلا في مقادير محددة وثابتة، تماماً كما تتنبأ ميكانيكا الكمّ.

من العالم المجهري إلى التجريبي

تصف ميكانيكا الكمّ سلوك الجسيمات الدقيقة مثل الإلكترونات والفوتونات، التي تخضع لقوانين تختلف تماماً عن قوانين العالم المرئي. ففي حين أن كرةً تُقذَف نحو جدار سترتد دائماً، يمكن لجسيم ذري أن يعبر الحاجز ويظهر في الجهة الأخرى بفضل النفق الكمومي.

أما إنجاز الفائزين هذا العام، فتمثل في إثبات أن هذا السلوك الغريب يمكن أن يظهر أيضاً في أنظمة مكوّنة من عدد هائل من الجسيمات، أي على مستوى مادي كبير يمكن ملاحظته تجريبياً، وهو ما يُعدّ خطوة رائدة تربط بين العالمين المجهري والمرئي.

تجربة حاسمة

في عامي 1984 و1985، أجرى العلماء الثلاثة تجاربهم في جامعة «كاليفورنيا - بيركلي» الأميركية. وقاموا ببناء دائرة كهربائية تحتوي على مادتين فائقتي التوصيل، تفصل بينهما طبقة رقيقة عازلة لا تمر عبرها أي تيارات كهربائية. هذا التكوين يُعرف باسم «وصلة جوزيفسون» (Josephson Junction).

وفي هذا النظام، تتصرّف الإلكترونات بشكل جماعي في أزواج تُعرف باسم «أزواج كوبر» (Cooper pairs)، بحيث تتحرك جميعها في انسجام كما لو كانت جسيماً واحداً ضخماً يملأ الدائرة بالكامل. هذا الجسيم الكبير يكون عالقاً في حالة يمر فيها تيار دون وجود جهد كهربائي، كأنه محبوس خلف حاجز لا يستطيع تجاوزه. غير أن النظام أظهر سلوكاً كمّياً حين «تسلّل» عبر هذا الحاجز وأنتج جهداً كهربائياً، ما دلّ على حدوث نفاذ كمّي ماكروسكوبي.

البريطاني جون كلارك والفرنسي ميشال ديفوريه والأميركي جون مارتينيز الفائزون بجائزة «نوبل في الفيزياء» لعام 2025 (الأكاديمية الملكية السويدية)

وبفضل ظاهرة النفاذ الكمّي، تمكّن النظام فجأة من الانتقال إلى حالة جديدة يظهر فيها فرق الجهد، كما لو أن مفتاحاً كهربائياً قد تحرك من وضعية الإيقاف إلى التشغيل دون أن يُلمس. وبذلك قدّم الباحثون دليلاً مباشراً على وجود «النفق الكمومي» على مستوى مادي مرئي.

لاحقاً، أظهروا أيضاً أن النظام مكمّم الطاقة، أي أنه لا يمكنه امتصاص أو إصدار إلا كميات معينة من الطاقة وهو ما يُعرف باسم «تكميم الطاقة» (Energy Quantisation). واستخدموا موجات ميكروية لتسليط طاقة على النظام، ولاحظوا أنه ينتقل بين مستويات طاقية محددة، مما يؤكد دقة تنبؤات ميكانيكا الكم حتى على نطاق واسع.

من النظرية إلى التطبيق

لطالما كانت ظاهرة «النفاذ الكمّي» معروفة على المستوى الذري منذ عشرينات القرن الماضي، حين فُسّرت بوصفها أساساً لعمليات فيزيائية مهمة، مثل التحلل الإشعاعي للنوى الذرية الثقيلة. فقد أوضح الفيزيائي الروسي جورج جاموف أن الجسيمات يمكنها أحياناً أن «تتسلل» عبر حاجز طاقي لا تملك طاقة كافية لتجاوزه نظرياً، وهو ما شكّل المفتاح لفهم ظاهرة التحلل الإشعاعي (ألفا) في الذرات.

أما الجديد في تجربة الحاصلين على جائزة «نوبل في الفيزياء» لعام 2025 فهو أنهم أثبتوا أن النفاذ الكمومي لا يقتصر على الجسيمات المفردة، بل يمكن أن يشمل مليارات الجسيمات التي تتصرف كأنها وحدة واحدة. وتمكّن العلماء من رصد هذه الظاهرة في نظام كهربائي فائق التوصيل، ما يُعد خطوة نوعية في فهم التداخل بين العالم المجهري غير المرئي والعالم الماكروسكوبي المحسوس.

بوابة نحو التكنولوجيا الكمّية

بحسب بيان لجنة «نوبل»، فقد مهّدت أبحاث العلماء الفائزين الطريق لتطوير الدوائر الكمّية فائقة التوصيل، التي تُعد اليوم من الأسس الرئيسية لبناء الحواسيب الكمّية. هذه الدوائر تعتمد على مبدأ أن الجسيمات يمكن أن تتصرف كأنها وحدة واحدة في حالة كمّية مشتركة، وهو ما أتاح للباحثين التحكم في الظواهر الكمّية على نطاق يمكن استخدامه عملياً.

واستفاد العالم جون مارتينيز لاحقاً من هذا المبدأ في تطوير ما يُعرف بـ«الكيوبتات» (qubits)، وهي وحدات المعلومات الكمّية التي تستطيع تمثيل القيمتين (0) و(1) في الوقت نفسه، على عكس وحدات المعلومات الأساسية في الحواسيب التقليدية. وهذا يجعل الحواسيب الكمومية أسرع وأكثر كفاءة في معالجة البيانات المعقدة، وحل المشكلات التي يصعب على الحواسيب العادية التعامل معها.

ويُنظر إلى النظام فائق التوصيل الذي طوّره العلماء على أنه نوع من «الذرات الاصطناعية»، يمكن ربطها بأسلاك ومنافذ لاستخدامها في التجارب أو التطبيقات التقنية. وقد فتحت هذه النتائج الباب أمام تطوير التشفير الكمّي وأجهزة الاستشعار فائقة الدقة، التي يُتوقّع أن تُحدث ثورة في مجالات الاتصالات والفيزياء التطبيقية. وبذلك لا يُعدّ هذا الإنجاز مجرد اكتشاف نظري في عالم الفيزياء، بل ركيزة أساسية للجيل المقبل من التكنولوجيا الكميّة، التي ستغير مستقبل الحوسبة والاتصال العلمي حول العالم.

ووفق الدكتور عبد الناصر توفيق، مدير «المركز المصري للفيزياء النظرية»، فإنه في ميكانيكا الكم هناك كثير من الظواهر المميزة، أبرزها ظاهرة النفق الكمومي، التي يمكن تشبيهها بوجود حائط يفصل بين جانبين، ويحاول جسيم العبور إلى الجهة الأخرى منه. وفي الفيزياء الكلاسيكية، لا يمكن للجسيم تجاوز الحائط إلا بالصعود فوقه ثم الهبوط من الجهة الأخرى، أما في ميكانيكا الكم، فتحدث ظاهرة مختلفة تُعرف بـ«النفق الكمومي»، حيث يُحدث الجسيم نفقاً داخل الحائط نفسه ويعبر من خلاله إلى الجانب الآخر.

وأوضح توفيق لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الخاصية كانت تُعدّ مقصورة على الجسيمات الدقيقة في عالم الكم، وبالتالي لم يكن من الممكن تطبيقها في أنظمة أو أجهزة هندسية تقليدية. غير أن العلماء الثلاثة الفائزين بجائزة «نوبل» هذا العام نجحوا في تطبيق هذه الظاهرة داخل دوائر كهربائية، أي أنهم طبّقوا مبدأ كمّياً على نظام كلاسيكي، وهو ما يمثل إنجازاً علمياً غير مسبوق.

وأشار إلى أن هذا التقدم سيفتح الباب أمام تطبيقات واسعة النطاق، خصوصاً في مجالات الترانزستورات والرقائق الدقيقة الخاصة بالحواسيب الكمّية، التي يجري حالياً تطويرها في مراكز أبحاث حول العالم.

خلال الإعلان عن فوز البريطاني جون كلارك والفرنسي ميشال ديفوريه والأميركي جون مارتينيز بجائزة «نوبل في الفيزياء» لعام 2025 (أ.ف.ب)

ونوّه بأن منح العلماء الثلاثة هذه الجائزة الرفيعة أمرٌ مستحق وجدير بالتقدير، ولا يختلف في قيمته العلمية عن جائزة العام الماضي التي مُنحت عن الاختراعات الأساسية التي مكّنت تطوير التعلم الآلي باستخدام الشبكات العصبية الاصطناعية، موضحاً أن جائزة هذا العام تُكرّم أحد أهم التطبيقات العملية لميكانيكا الكم. ورغم أن هذه الأبحاث تحمل مردوداً تكنولوجياً هائلاً، إذ تمهد لتطورات كبيرة في مجالات التقنية والحوسبة المتقدمة، لكن من الناحية العلمية البحتة، فإنها لا تمثل تطوراً جوهرياً في فهم ميكانيكا الكم نفسها، ولا تشير إلى إضافة جديدة على المستوى النظري لهذا الفرع من الفيزياء، وفق رأيه.

أعظم ما أبدع العقل البشري

من جانبه، قال الدكتور محسن عوض زهران أستاذ الفيزياء النظرية ووكيل كلية العلوم بجامعة المنصورة المصرية، إن فيزياء الكمّ تُعدّ أحد أهم فروع علم الفيزياء، ووصفها بأنها أعظم ما أبدعه العقل البشري خلال المائة عام الماضية، لأنها تشكّل الأساس الذي تقوم عليه كل التقنيات الحديثة بما فيها مجالات الطب والاتصالات والهندسة والتكنولوجيا، وكل ما يمسّ جوهر الحضارة المعاصرة.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن ميكانيكا الكم تُعنى بدراسة العالم على المقاييس الذرّية، أي المكوّنات الدقيقة للمادة التي يتألّف منها الكون، مثل الذرات وطريقة تفاعلها وطبيعة ارتباطها، وهي التي تفسّر سبب كون بعض المواد موصلة جيدة للكهرباء وأخرى لا، كما أن الكيمياء الحديثة ما كانت لتتقدّم لولا مبادئ ميكانيكا الكم، إذ كانت ستظل في مرحلة بدائية تشبه العصور الوسطى.

وأشار زهران إلى أن الظواهر الكمّية عادةً ما تُلاحظ على المستوى الذرّي، لكنّ الفائزين بـ«نوبل» هذا العام نجحوا في نقلها إلى أنظمة مادية أكبر حجماً، مما أتاح دراسة غرائب ميكانيكا الكم في نطاقات مرئية وتجريبية، وهو ما يمثل نقلة علمية هائلة.

وعن أهمية هذا التطور، أوضح أن هذا الإنجاز يمهّد لعصر الحوسبة الكمية، التي ستُحدث ثورة في عالم التكنولوجيا، إذ ستُبنى الحواسيب الكمّية على مبادئ ميكانيكا الكم، ما يجعلها تفوق أقوى الحواسيب التقليدية الحالية بملايين المرات. وأضاف قائلاً: «إن أقوى الحواسيب الفائقة التي نملكها اليوم ستبدو أمام الحواسيب الكمّية وكأنها مجرد ألعاب أطفال، لأن قدرتها الحسابية ستتجاوز خيال أي عقل بشري».

واختتم حديثه قائلاً إن «العمليات الحسابية التي تستغرق سنوات طويلة في الحواسيب التقليدية، يمكن أن تُنجزها الحواسيب الكمّية في ثوانٍ معدودة»، مضيفاً أن إنتاج نسخ اقتصادية من هذه الأجهزة سيُحدث تحوّلاً جذرياً في الحضارة البشرية، ويفتح الباب أمام تطور غير مسبوق على كوكب الأرض.


مقالات ذات صلة

المديرة التنفيذية لمؤسسة «نوبل» تستقيل من منصبها

أوروبا هانا شتيرنه (مؤسسة نوبل)

المديرة التنفيذية لمؤسسة «نوبل» تستقيل من منصبها

أعلنت هانا شتيرنه، المديرة التنفيذية لمؤسسة «نوبل» المرموقة، استقالتها، الجمعة، بعد أيام من إعلان الفائزين بجوائز نوبل لهذا العام.

الاقتصاد هول وودفورد الفائزان بجائزة نوبل في الاقتصاد (أ.ف.ب)

«نوبل الاقتصاد» لعالمَيْن أميركيَّيْن

فاز الاقتصاديان الأميركيان روبرت هول ومايكل وودفورد بجائزة «نوبل الاقتصاد» لعام 2026، تقديراً لإسهاماتهما في تعزيز أدوات صانعي السياسات لمواجهة الصدمات الاقتصاد

«الشرق الأوسط» (استوكهولم)
الاقتصاد هول وودفورد الفائزان بجائزة نوبل في الاقتصاد (أ.ف.ب)

أميركيان يفوزان بـ«نوبل الاقتصاد» عن أبحاث غيّرت أساليب مواجهة الصدمات

فاز روبرت إي هول ومايكل وودفورد بجائزة بنك السويد في العلوم الاقتصادية في ذكرى ألفريد نوبل لـ2026، تقديراً لأبحاثهما في «الأسس الجزئية لاستقرار الاقتصاد الكلي».

«الشرق الأوسط» (استوكهولم)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب في نيويورك (رويترز) p-circle

ترمب يشن هجوماً حاداً على لجنة نوبل: «فقدت مصداقيتها إلى الأبد»

أبدى دونالد ترمب استياءه لعدم حصوله على جائزة نوبل للسلام، معتبراً أن جائزة نوبل للسلام فقدت مصداقيتها إلى الأبد.

«الشرق الأوسط» (نيويورك )
بروفايل بيلاي عقب فوزها بجائزة «نوبل للسلام» في قصر العدل بنورمبرغ يوم 9 أكتوبر (إ.ب.أ)

بروفايل نافي بيلاي... مطرقة العدالة الدولية في وجه «الإفلات من العقاب»

جاء فوز القاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي بجائزة «نوبل للسلام» تتويجاً لمسيرة بدأت بالدفاع عن ضحايا «الفصل العنصري» في بلادها.

أحمد عدلي (القاهرة)

مصر تطلق منصة رقمية لمواجهة الشائعات باستخدام الذكاء الاصطناعي

المنصة الخاصة بمواجهة الشائعات (رئاسة مجلس الوزراء)
المنصة الخاصة بمواجهة الشائعات (رئاسة مجلس الوزراء)
TT

مصر تطلق منصة رقمية لمواجهة الشائعات باستخدام الذكاء الاصطناعي

المنصة الخاصة بمواجهة الشائعات (رئاسة مجلس الوزراء)
المنصة الخاصة بمواجهة الشائعات (رئاسة مجلس الوزراء)

أعلن المركز الإعلامي لمجلس الوزراء المصري عن إطلاق منصة «شات EGYPT» لمواجهة الشائعات، ضمن فعاليات «منتدى مصر 2026»، بوصفها أكبر منصة رقمية وتفاعلية موحدة لمواجهة الشائعات باستخدام الذكاء الاصطناعي، موضحاً أن المنصة أداة ذكية للتحقق من المعلومات، وتعزيز إتاحة الحقيقة من مصدرها الرسمي.

ووفق ما ذكره مركز المعلومات على صفحته، الاثنين، «تمثل المنصة أداة متكاملة لرصد الشائعات والتحقق منها والرد عليها، اعتماداً على منهج مؤسسي يضمن إتاحة المعلومة الصحيحة من مصدرها الرسمي وفي التوقيت المناسب».

وتضم المنصة 4 أقسام رئيسية، هي: «ركن الأخبار، والتوعية، والإحصائيات، واستفسارات المواطنين».

وتعتمد المنصة على تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل النصوص والصور ومقاطع الفيديو، وربطها بالسياق الزمني والمعلوماتي الصحيح، بما يساعد على اكتشاف المحتوى المضلل والتلاعب بالمعلومات مبكراً، وفق ما نشره مركز معلومات مجلس الوزراء، مؤكداً أنه تم إدخال أكثر من 21 ألف عنصر بياني على المنصة حتى الآن، بالإضافة إلى التصريحات اليومية للمسؤولين في وسائل الإعلام.

وتعتمد المنصة على التكامل والتنسيق المؤسسي بين الوزارات والهيئات والمحافظات، من خلال نظام عمل لا مركزي يتيح لكل جهة رسمية إدراج البيانات والمعلومات المعتمدة الخاصة بها وفقاً لاختصاصاتها، بما يضمن سرعة تصحيح المعلومات المتداولة.

ووفق المتخصصة في الإعلام الرقمي وعضو مجلس إدارة مركز أبحاث ودراسات الرأي العام بكلية الإعلام جامعة القاهرة الدكتورة سارة فوزي فإن «منصة Chat Egypt لمكافحة الشائعات التي أطلقها المنتدى خطوة مهمة نحو توظيف التكنولوجيا في خدمة الوعي ودعم التحقق من المعلومات، ومواجهة المحتوى المضلل، وتعزيز قدرة المواطن على الوصول إلى معلومات أكثر دقة وموثوقية».

وتضيف فوزي لـ«الشرق الأوسط»: «أعتقد أن المعركة الحقيقية مع الشائعة لا تبدأ بعد انتشارها، بل قبل ذلك من خلال بناء مناعة معرفية ورقمية لدى الجمهور؛ لأن حماية الوعي تبدأ من حماية الحقيقة، ومواجهة الشائعة تبدأ بمُواطن يعرف كيف يسأل ويتحقق قبل أن يصدق أو يشارك المعلومة، فيتحول هنا المواطن إلى مدقق معلومات بصورة استباقية بدلاً من تورطه في نشر الشائعة».

وتعد منصة «شات EGYPT» خطوة جديدة نحو سرعة رصد الشائعات، والتحقق منها، والرد عليها، بما يحد من انتشارها قبل اتساع نطاق تداولها، وفق ما ذكره مركز المعلومات.

ويرى الخبير في الإعلام الرقمي و«السوشيال ميديا» محمد فتحي أن منصة «شات EGYPT» خطوة مهمة لمواجهة الشائعات، ونقل الأمر من منطق رد الفعل المتأخر إلى منطق الإتاحة الفورية للمعلومة الرسمية، في بيئة تنتشر فيها الشائعة أسرع من التصحيح.

مركز معلومات مجلس الوزراء يبرز منصة مكافحة الشائعات (فيسبوك)

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «نجاح المنصة مرهون بعدة عوامل، أولها الدقة والتحديث المستمر، وكذلك الشفافية، وذكر المصدر في كل معلومة، والاعتراف بحدود ما تعرفه المنصة بدلاً من التخمين لمجرد الرد والاستجابة، وأيضاً سرعة الاستجابة نفسها وكذلك الانتشار والتوعية؛ فالمنصة لن تكون مفيدة ما لم تصل إلى الشباب على المنصات التي يستخدمونها بالفعل، كما أن مواجهة الشائعات لا تقتصر على الأدوات التقنية، بل تحتاج إلى تعزيز الثقافة الإعلامية لدى الجمهور، وإلى سياسة اتصال حكومي تتيح المعلومات استباقياً، فالمنصة أداة قوية، لكنها جزء من منظومة».

وكان مجلس الوزراء قد ناقش في ديسمبر (كانون الأول) ضرورة أن تكون هناك وحدات رصد مبكر في جميع الوزارات لرصد الشائعات وبحثها، والرد عليها وتفنيدها في مهدها؛ حتى يتم وضع حد مبكر لانتشارها.

وعدّت صاحبة مبادرة «ثورة الذكاء الاصطناعي» إيمان الوراقي هذه المنصة «خطوة مهمة؛ لأنها تنقل مواجهة الشائعات من ردود الفعل المتأخرة إلى التحقق السريع، وتمنح المواطن طريقاً مباشراً إلى المعلومة الموثوقة من مصدرها». وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الاختبار الحقيقي لهذه المنصة لن يكون مع إطلاقها بل عند أول شائعة كبرى تنتشر أسرع من قدرة المؤسسات على الرد عليها».

وأضافت الوراقي: «التحدي الحقيقي هو أن تقدم المنصة للمواطن (الحقيقة من مصدرها) بصورة سريعة، واضحة، ومسنودة بالأدلة، لا أن تكتفي بنفي ما يتم تداوله، كما أن مواجهة الشائعات لا تعني مطاردة كل منشور كاذب، فالأهم هو معالجة البيئة التي تجعل الشائعة قابلة للتصديق والانتشار، وفي مقدمتها غياب المعلومة أو تأخرها أو غموضها».

وتناول الاجتماع المشار إليه آنفاً لمجلس الوزراء «العمل على إعداد مشروع قانون ينظم إتاحة وتداول البيانات امتثالاً لحكم المادة (68) من الدستور، بما يحقق التوازن بين تحقيق الشفافية، وتوافر المعلومات والبيانات والإحصاءات، وحماية المعلومات والبيانات السرية، وبين تحقيق الردع والتصدي الفعال للشائعات والأخبار الكاذبة».


«بومة»... امرأة تنتزع نفوذها بالعنف وتختبر الأمومة

الفيلم يشارك في مهرجان الجونة السينمائي (إدارة المهرجان)
الفيلم يشارك في مهرجان الجونة السينمائي (إدارة المهرجان)
TT

«بومة»... امرأة تنتزع نفوذها بالعنف وتختبر الأمومة

الفيلم يشارك في مهرجان الجونة السينمائي (إدارة المهرجان)
الفيلم يشارك في مهرجان الجونة السينمائي (إدارة المهرجان)

يقترب الفيلم الأردني «بومة»، الذي عُرض ضمن فعاليات مهرجان «الجونة السينمائي»، من حياة امرأة دفعتها نشأتها القاسية إلى انتزاع مكانتها داخل عالم تحكمه سطوة الرجال. ومن خلال بطلة تتوسل العنف لحماية نفسها، يفتح المخرج زيد أبو حمدان أسئلة عن الوصم والانتماء وحدود الخيارات المتاحة للنساء في بيئة اجتماعية تضيق فيها فرص الحماية والاستقلال، متتبعاً صراعها حين توقظ علاقتها بطفلين حاجتها إلى العائلة، وتضعها أمام مسؤولية الرعاية بعدما اعتادت مواجهة الحياة وحيدة.

وتؤدي الممثلة ركين سعد شخصية تحمل آثار الإقصاء في علاقتها بنفسها وبالآخرين؛ إذ نشأت من دون اسم عائلة يوفر لها الحماية، في بيئة يرتبط فيها الاعتراف الاجتماعي بالنسب وشبكات القرابة. ويصبح البحث عن مكان داخل هذا المجتمع معركة مستمرة، وتغدو قدرتها على فرض حضورها تعويضاً عن غياب السند. ومن هنا تنشأ المفارقة التي تحكم حياتها: كلما اتسعت مساحة نفوذها، ظل إحساسها بالأمان مهدداً، وبقي عليها أن تثبت قوتها من جديد.

وتدور أحداث الفيلم في أحياء مهمّشة من عمّان، حيث تعيش بومة داخل عالم تتداخل فيه الجريمة مع تدبير شؤون الحياة اليومية، وتتحكم في علاقاته المصالح والخوف. وتبني لنفسها نفوذاً في مواجهة رجال العصابات وتجار المخدرات، قبل أن يدخل طفلان إلى حياتها، فتجد نفسها أمام أسئلة تتعلق بالأمومة والانتماء. وبالتزامن مع هذه العلاقة، تصعد قوة إجرامية أكثر تنظيماً تهدد موقعها، وتدفعها إلى المفاضلة بين الحفاظ على سلطتها وحماية المقربين منها.

وتنبع صعوبة وضعها من أن العنف الذي تستخدمه يحفظ لها مكانتها، لكنه يربطها أيضاً بمصدر الخطر. فقد تعلّمت قواعد الشارع وتبنّت أساليب الرجال المسيطرين عليه، حتى أصبحت القسوة جزءاً من الطريقة التي تقدم بها نفسها وتتعامل بها مع محيطها. ولهذا تبدو قدرتها على المواجهة محمّلة بثمن نفسي، فهي مطالبة بإخفاء ضعفها باستمرار.

ويمنح دخول الطفلين إلى حياتها هذا الصراع وجهاً أكثر خصوصية؛ إذ يضعها أمام احتياجات لا تستطيع تلبيتها بمجرد فرض النفوذ. فالرعاية تقتضي الصبر والثقة والقدرة على الاقتراب، وهي أمور يصعب على امرأة تشكّلت خبرتها عبر الخذلان أن تمنحها بسهولة. وتصبح علاقتها بهما اختباراً لما تستطيع تقديمه خارج حدود الحماية بالقوة، ويكتسب التفكير في المستقبل معنى مختلفاً بعدما صار لقراراتها أثر مباشر في حياة طفلين يعتمدان عليها.

ويرى الناقد السينمائي المصري طارق الشناوي أن المخرج زيد أبو حمدان راهن في فيلم «بومة» على شخصية استثنائية، تفرض قانونها الخاص على المكان الذي تعيش فيه، وتستمد سلطتها من قدرتها على إخضاع الآخرين لقواعدها، بعيداً عن القانون العام الذي يُفترض أن ينظم حياة الجميع.

صُوِّر الفيلم في مواقع أردنية عدَّة (حساب ركين سعد على «فيسبوك»)

ويضيف الشناوي لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الظاهرة موجودة في مجتمعات مختلفة حول العالم، بينما تأتي خصوصية المعالجة من إسناد هذه القوة المفرطة إلى امرأة تمارس سطوتها على محيطها».ويؤكد أن «ركين سعد تعاملت مع الشخصية بجدية واضحة»، مشيراً إلى أن الخط الإنساني يمثل جانباً مهماً في بنائها؛ لأنه يكشف مواضع الضعف داخل امرأة تبدو قادرة على السيطرة وفرض إرادتها. ويلفت إلى أن الجانب العاطفي الكامن فيها يجعلها تفقد قدراً من سطوتها، ويمنح الصراع بُعداً يتصل بما يحدث داخل الشخصية حين تصبح مشاعرها مؤثرة في قراراتها وقدرتها على الاحتفاظ بنفوذها.

ومع تبدّل موازين القوة حولها، تتكشف هشاشة الموقع الذي انتزعته بسنوات من المواجهة؛ فالنفوذ الشخصي يصبح معرّضاً للتراجع أمام منظومة إجرامية أوسع تنظيماً، بينما يضاعف ارتباطها بالطفلين إحساسها بالخطر. وتزداد المفاضلة تعقيداً لأن التخلي عن السلطة قد يعيد إليها شعورها القديم بالعجز، في حين أن التشبث بها يطيل بقاءها داخل دائرة التهديد. أما احتمال الرحيل، فيحمل سؤالاً عما تستطيع أن تكونه بعيداً عن المكان الذي صنع اسمها.

ويأخذ الشناوي على الفيلم «ارتفاع حدة التعبير على مستويات متعددة؛ فالموسيقى والأداء والأحداث، إلى جانب الصوت والصورة، تتضافر في صناعة حالة متواصلة من الصخب». ويؤكد أنه كان يتمنى مساحة أكبر من الهدوء الدرامي تسمح بتخفيف هذه الحدة، «لأن رسالة الفيلم وصلت بالفعل، لكن كان بالإمكان إيصالها بدرجة أقل من الصخب، مع الحفاظ على مضمونها وتأثيرها الإنساني».

فيلم «بومة» من تأليف زيد أبو حمدان وإخراجه، وبطولة ركين سعد، وجوانا عريضة، ومجد عيد، ونبيل الراعي، وفرح بسيسو، وحنان حلو.


قميص صلاح يجدد «دبلوماسية كرة القدم» بين القاهرة وأنقرة

رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح معرض «تراثنا» (إكس)
رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح معرض «تراثنا» (إكس)
TT

قميص صلاح يجدد «دبلوماسية كرة القدم» بين القاهرة وأنقرة

رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح معرض «تراثنا» (إكس)
رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح معرض «تراثنا» (إكس)

جددت لفتة من مسؤول تركي دبلوماسية كرة القدم، بإهدائه رئيس الوزراء المصري قميص نادي طرابزون التركي الذي يلعب لصالحه قائد منتخب مصر محمد صلاح.

وتجسدت دبلوماسية كرة القدم في مواقف عدة وأحداث سابقة ربطت بين كرة القدم والسياسة، كان من بينها أنباء نشرتها صحف تركية قبل شهر عن ترحيب الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بلقاء محمد صلاح في القصر الرئاسي بأنقرة، بعد استقراره في النادي التركي، وفق ما ذكره رئيس النادي، دون تحديد موعد محدد للَّقاء المرتقب.

وفي الأيام الماضية، خطف الاهتمام مشهد مسؤول بالجناح التركي في معرض «تراثنا» الذي يقام في القاهرة وتشارك فيه دول كثيرة، وهو يهدي رئيس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، نسخة من قميص نادي طرابزون سبور التركي، وقد كُتب عليها اسم محمد صلاح، في لفتة طريفة حظيت باهتمام وانتشار واسع في وسائل الإعلام التركية والعربية.

جاء ذلك على هامش افتتاح مدبولي الدورة الثامنة لمعرض «تراثنا 2026» لدعم الحرف اليدوية والتراثية، تحت شعار «أصل الحكاية»؛ إذ تفقَّد الجناح التركي بالمعرض في مشهد حظي باهتمام لافت؛ خصوصاً مع ظهور علامات السعادة على وجه مدبولي ومرافقيه من الوزراء والمسؤولين، لدى تسلمه القميص المميز للفريق التركي الذي يحمل اسم قائد منتخب مصر محمد صلاح.

يذكر أن المعرض المقام في مركز مصر الدولي للمعارض، خلال الفترة من 17 إلى 24 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي يحظى بمشاركة تركية هي الأولى من نوعها.

كما زار مدبولي جناح المملكة المغربية (ضيف شرف المعرض)، وجناح دولة الإمارات العربية المتحدة، وجناح جمهورية الجزائر. ولدى تفقده الجناح التركي اطَّلع مدبولي على جانب متميز من الحرف والفنون التي تعكس عراقة التراث التركي، بينما أكد القائمون على الجناح أهمية معرض «تراثنا» كنافذة إقليمية ودولية ملهمة لإبراز هذه الفنون والتقاليد الأصيلة، ومد جسور التواصل والتقارب الثقافي.

ويرى الناقد الرياضي المصري أيمن أبو عايد أن «العلاقات المصرية التركية قديمة وممتدة خلال عصر الدولة المصرية الحديثة، وهناك علاقات مصاهرة كثيرة بين البلدين امتدت عقوداً طويلة. وكان الاستقبال الأسطوري الذي حظي به صلاح بعد انتقاله إلى الدوري التركي معبراً عن عمق تلك العلاقات، مكرراً ما حظي به من قبل في ليفربول مع الجماهير الإنجليزية. ولفتة المسؤول التركي أكدت أن الرياضة وصلاح من أدوات قوة مصر الناعمة التي تساعد في امتداد علاقاتها وتجديدها».

محمد صلاح في نادي طرابزون التركي (فيسبوك)

ومنذ انتقاله إلى صفوف طرابزون سبور في أغسطس (آب) الماضي، يحظى اللاعب المصري محمد صلاح باهتمام إعلامي واسع في تركيا، وأشار البعض إلى إمكانية انعكاس هذا الاهتمام على شعبية النادي، وعلى مكانة المدينة وتأثيرها على مستوى الرياضة والسياحة.

ويضيف أبو عايد لـ«الشرق الأوسط»: «طبعاً المسؤول التركي يعلم أهمية صلاح وشعبيته الكبيرة في مصر، وإهداء قميصه إلى رئيس الوزراء يعد تعبيراً عن سعادة تركيا، مسؤولين وجماهير، بانتقال صلاح للَّعب في طرابزون سبور التركي؛ حيث كان لوجوده دور في الدعاية والترويج للمدينة».

وامتد الاهتمام بصلاح في تركيا إلى الإعلان عن إطلاق اسمه على الشارع الذي يقيم فيه، كما شهدت مدينة طرابزون رسم جدارية ضخمة تحمل صورته بقميص النادي.