«الرالي المزدوج»: الذهب والأسهم في قمم تاريخية تكسر قواعد الأسواق

المعدن الأصفر كسر حاجز الـ 4 آلاف دولار للمرة الأولى في التاريخ

عامل مصفاة يقوم بتكديس سبائك الذهب بعد إزالتها من المصبوبات في مصهر مصفاة في سيدني (أ.ف.ب)
عامل مصفاة يقوم بتكديس سبائك الذهب بعد إزالتها من المصبوبات في مصهر مصفاة في سيدني (أ.ف.ب)
TT

«الرالي المزدوج»: الذهب والأسهم في قمم تاريخية تكسر قواعد الأسواق

عامل مصفاة يقوم بتكديس سبائك الذهب بعد إزالتها من المصبوبات في مصهر مصفاة في سيدني (أ.ف.ب)
عامل مصفاة يقوم بتكديس سبائك الذهب بعد إزالتها من المصبوبات في مصهر مصفاة في سيدني (أ.ف.ب)

عندما تواجه الأسهم صعوبات، يهرع المستثمرون عادةً إلى الذهب. لكن الوضع مختلف هذه الأيام؛ إذ تشهد الأسواق المالية ظاهرة اقتصادية نادرة ومخالفة للتاريخ؛ حيث تُسجّل أسعار الذهب والأسهم الأميركية معاً مستويات قياسية.

هذا التقاطع يكسر العلاقة التاريخية المعهودة بين الذهب والأسهم، التي تفترض عادةً تحركهما في اتجاهين متعاكسين. فبينما ارتفع الذهب ارتفاعاً صاروخياً متخطياً حاجز 4 آلاف دولار للمرة الأولى في التاريخ، مسجلاً زيادة تتجاوز 50 في المائة هذا العام، صعد مؤشر الأسهم الأميركية الرئيسي «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 13 في المائة خلال عام 2025، ليبلغ قمماً جديدة. ولم يقتصر الارتفاع على الأسهم الأميركية فحسب، بل شمل أيضاً عملة «البتكوين» التي تجاوز سعرها 125 ألف دولار، في مستوى قياسي في الخامس من هذا الشهر.

وهو ما يرسم مشهداً جديداً في الأسواق المالية العالمية التي تمر بفترة ما يُسمى «ارتفاع كل شيء»؛ حيث ترتفع أصول الملاذ الآمن والمخاطرة في آنٍ واحد. ففي العادة، هناك علاقة عكسية بين الذهب (وهو ملاذ آمن) والأصول ذات المخاطر العالية مثل الأسهم والعملات الرقمية.

وكما يُقال، «يرتفع الذهب مع ازدياد القلق، وترتفع الأسهم مع ازدياد التفاؤل». بمعنى أنه عندما تزداد ضغوط التباطؤ الاقتصادي، وتنتشر مشاعر العزوف عن المخاطرة بين المستثمرين، ترتفع أسعار الذهب. وفي المقابل، عندما تزداد الرغبة في المخاطرة وسط توقعات التعافي الاقتصادي، تكتسب الأصول ذات المخاطر العالية، مثل الأسهم، زخماً.

مع ذلك، انكسر هذا النمط مؤخراً. ويعزو المحللون هذا الارتفاع المتزامن غير المعتاد إلى السيولة الهائلة التي سُحبت منذ جائحة «كوفيد-19»، وضعف الدولار الناجم عن توقعات بخفض إضافي لأسعار الفائدة الأميركية.

لقد تكررت ظاهرة «الصعود الثنائي» بين الذهب والأسهم 6 مرات في عام 2025 وحده، وهي إشارة لم تُشاهد بهذا الوضوح منذ الاضطرابات الاقتصادية في السبعينات. فما «القوى الخفية» التي تدفع هذا «الرالي المزدوج»، وماذا يعني للمستثمرين؟

عوامل رئيسية وراء «الرالي المزدوج»

يدفع هذا الصعود المتزامن عوامل اقتصادية وجيوسياسية متداخلة:

أولاً: ضعف الدولار ورهانات الفائدة الأميركية

انخفاض قيمة الدولار مقابل العملات الرئيسية يُعد دعماً مباشراً للذهب، لأن تسعيره يتم بالعملة الأميركية، ما يجعله أرخص للمشترين من حاملي العملات الأخرى. ويتجه الدولار الأميركي نحو أسوأ عام له منذ أكثر من 40 عاماً، بانخفاض قدره 10 في المائة منذ بداية العام.

ويرتبط ضعف الدولار بتوقعات السوق بتخفيضات إضافية لأسعار الفائدة من قبل «الاحتياطي الفيدرالي». ويتوقع المتعاملون تخفيضات جديدة لأسعار الفائدة الأميركية خلال الاجتماع المقبل لـ«الاحتياطي الفيدرالي» هذا الشهر، بعدما كان قد أقدم على خفض بمقدار 25 نقطة أساس في سبتمبر (أيلول).

ووفقاً لمجلس الذهب العالمي، فإن التوقعات بخفض الفائدة تخلق بيئة مواتية للذهب؛ حيث ترتفع جاذبيته على حساب الأصول التي تدر فائدة.

ثانياً: أسعار الفائدة الحقيقية السلبية

على الرغم من بقاء أسعار الفائدة الاسمية إيجابية، فإن أسعار الفائدة الحقيقية (أي المعدلة حسب التضخم) انزلقت إلى المنطقة السلبية في عام 2025. هذه البيئة مثالية للذهب الذي يزدهر عندما يكون العائد الحقيقي على النقد والسندات سلبياً. فالفائدة الحقيقية السلبية تُقلل من تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب الذي لا يدر عائداً، ما يجعله جذاباً، حتى في ظل استمرار صعود الأسهم مدعوماً بآفاق الأرباح القوية.

ثالثاً: تباين الأوضاع الاقتصادية العالمية

يقدم الاقتصاد العالمي في عام 2025 صورة معقدة من التباين الإقليمي، ففي حين تظهر الولايات المتحدة مرونة ملحوظة في أرباح الشركات ونمو الإنتاجية، تواجه اقتصادات كبرى أخرى تحديات هائلة:

  • الصين وروسيا: تواجه الصين مشكلات عميقة في سوق العقارات وانخفاضاً في الأرباح الاقتصادية، في حين تواجه روسيا عجزاً في الموازنة، ونزيفاً في العمالة بسبب الصراعات المستمرة.
  • أرباح الشركات الأميركية: في المقابل، تُعلن الشركات الأميركية عن نمو قوي في الأرباح يفوق التوقعات، ما يدعم استمرار سباق الأسهم. وهذا التباين هو ما يدفع البنوك المركزية في المناطق المتوترة إلى تكديس الذهب بوصفه مخزون أمان.

رابعاً: البنوك المركزية وجنون شراء الذهب

تواصل البنوك المركزية على مستوى العالم حملة شرائها للذهب بوتيرة غير مسبوقة، فدول مثل الصين تزيد احتياطياتها وسط حالة عدم اليقين العالمية، في حين تقوم دول، مثل بولندا، بتسريع عمليات الشراء مثل «تأمين» ضد خطر التضخم المفرط المحتمل نتيجة الصراعات الإقليمية.

ووفقاً لبيانات مجلس الذهب العالمي، أضافت البنوك المركزية 15 طناً إضافياً إلى احتياطيات الذهب العالمية في أغسطس (آب) يمثل هذا الشراء المؤسساتي تحولاً في النظرة إلى الذهب؛ فلم يعد مجرد مخزن تقليدي للقيمة، بل أصبح أداة استراتيجية للتحصين ضد عدم الاستقرار الجيوسياسي والاقتصادي.

مجوهرات ذهبية معروضة في نافذة في مانهاتن (أ.ف.ب)

4 آلاف دولار في الأفق

تجاوزت أسعار الذهب الحالية توقعات نهاية العام الصادرة عن كبرى بنوك الاستثمار العالمية. ويعزو مجلس الذهب العالمي الارتفاع الأخير إلى انتشار الخوف من تفويت الفرص بين المستثمرين المؤسسيين. وصرح جون ريد، كبير استراتيجيي السوق في المجلس، لصحيفة «فاينانشيال تايمز»: «بدأت صناديق التحوط التي لم تواكب ارتفاع أسعار الذهب بدخول السوق من خلال صناديق الاستثمار المتداولة في البورصة (ETFs)، ما عزّز الخوف من تفويت الفرص».

ورفع «غولدمان ساكس»، يوم الاثنين، توقعاته لسعر الذهب في ديسمبر (كانون الأول) 2026 من 4300 إلى 4900 دولار للأونصة، مشيراً إلى تدفقات قوية من صناديق الاستثمار المتداولة الغربية، واحتمال زيادة مشتريات البنوك المركزية.

وكانت التقديرات السابقة تُشير إلى أنه إذا جرى تقويض استقلالية «الاحتياطي الفيدرالي» تحت ضغط من الرئيس دونالد ترمب، فقد ترتفع أسعار الذهب إلى 5 آلاف دولار. أما في أسوأ السيناريوهات، أي اهتزاز الثقة بـ«الاحتياطي الفيدرالي»، فقد يتجه المستثمرون إلى سحب أموالهم من سندات الخزانة الأميركية -بوصفها ملاذاً آمناً- وتحويلها إلى الذهب.

وتوقع بنك «إتش إس بي سي» في تقرير صدر في الثالث من الشهر الحالي أن ترتفع أسعار الذهب إلى ما يزيد على 4 آلاف دولار للأونصة على المدى القصير.

وتواصل أسواق الأسهم الرئيسية في الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية تسجيل مستويات قياسية؛ حيث انتعش مؤشر «إم إس سي آي» العالمي، الذي يضم 3000 سهم من 47 سوقاً متقدمة وناشئة، بنسبة 18 في المائة منذ بداية العام، وبنسبة 34 في المائة تقريباً عن أدنى مستوى له في أبريل (نيسان). ويشير هذا إلى أن الارتفاع الأخير في أسعار الأسهم لا يقتصر على دول قليلة.

كذلك، فإنه وفقاً لبنك التسويات الدولية، سجل الائتمان المصرفي عبر الحدود في جميع أنحاء العالم رقماً قياسياً بلغ 34.7 تريليون دولار في الربع الأول من هذا العام. وقد تجاوز هذا الرقم القياسي السابق البالغ 33.6 تريليون دولار، الذي سجلته لجنة الخدمات المالية.

ويعكس هذا الارتفاع الكبير في القروض التي تقدمها البنوك العالمية للحكومات والشركات والمؤسسات المالية في جميع أنحاء العالم، ما يُشير إلى فيضان السيولة في الاقتصاد العالمي.

يتم عرض الأساور الذهبية في متجر للمجوهرات في مومباي (رويترز)

التاريخ يحمل إشارة تحذير

وعلى الرغم من المؤشرات الإيجابية، فإن الحركة المتزامنة للذهب والأسهم تثير قلقاً، فالمثال التاريخي الأبرز لهذه العلاقة القوية كان في أوائل السبعينات، وهي فترة سبقت اضطرابات اقتصادية كبيرة شملت الركود التضخمي وتخفيض قيمة العملة.

كما أن مؤشر الذهب إلى مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» اخترق مؤخراً قاعدة دعم استمرت أكثر من 4 سنوات، وتُشير تحليلات سابقة إلى أن مثل هذا الاختراق قد يمهّد لانطلاقة صعودية طويلة الأمد للذهب، قد تجعله يتفوق على الأسهم في النهاية.

ويبقى السؤال: هل نحن في مسار مختلف عن سبعينات القرن الماضي، أم أن هذا «الرالي المزدوج» يخبئ في طياته قلقاً أكبر؟


مقالات ذات صلة

الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)

تدفقات قوية نحو صناديق الأسهم العالمية بقيادة أوروبا وآسيا

شهدت صناديق الأسهم العالمية تدفقات قوية بقيادة أوروبا وآسيا، في مؤشر على توجه المستثمرين نحو التنويع وتقليل الانكشاف على أسهم التكنولوجيا الأميركية المتقلبة.

«الشرق الأوسط» (لندن )
الاقتصاد تمثيلات للعملة الرقمية «بتكوين» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

بعد ملامسة الـ60 ألف دولار... البتكوين ترتد من أدنى مستوى في 16 شهراً

ارتفع سعر البتكوين، يوم الجمعة، بعد وصوله إلى أدنى مستوى له في 16 شهراً عند 60 ألف دولار، مع ظهور بوادر تراجع الضغوط العالمية على أسهم شركات التكنولوجيا.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة )
الاقتصاد شعار بورصة إندونيسيا على مبناها في جاكرتا (رويترز)

تخفيض نظرة «موديز» لإندونيسيا يهوي بالروبية والأسهم

انخفضت الأسهم الإندونيسية وعملتها يوم الجمعة بعد أن خفضت وكالة «موديز» توقعاتها للتصنيف الائتماني للبلاد، مسجلةً أحدث ضربة لأكبر اقتصاد في جنوب شرقي آسيا.

«الشرق الأوسط» (جاكرتا - سنغافورة:)
الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

الدولار يستقر قرب أعلى مستوى له في أسبوعين

استقر الدولار الأميركي قرب أعلى مستوى له في أسبوعين يوم الجمعة، مدعوماً بعزوف المستثمرين عن المخاطرة بعد تراجع حاد في أسواق الأسهم.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)

«داو جونز» يكسر حاجز 50 ألف نقطة للمرة الأولى... ما القوى المحركة وراء ذلك؟

متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
TT

«داو جونز» يكسر حاجز 50 ألف نقطة للمرة الأولى... ما القوى المحركة وراء ذلك؟

متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)

في لحظة وصفت بالتاريخية في مسيرة الأسواق المالية، نجح مؤشر «داو جونز» الصناعي يوم الجمعة، في تجاوز عتبة 50 ألف نقطة للمرة الأولى منذ تأسيسه، منهياً أسبوعاً من التقلبات الحادة بانتصار كاسح للثيران (المشترين) على الدببة (البائعين). ولم يكن هذا الارتفاع مجرد طفرة رقمية؛ بل جاء تتويجاً لعودة الثقة في قطاع التكنولوجيا والرهان المستمر على ثورة الذكاء الاصطناعي.

ما الذي دفع «وول ستريت» لهذا الانفجار السعري؟

لم يكن وصول «داو جونز» إلى هذا الرقم القياسي وليد الصدفة؛ بل جاء نتيجة تضافر قوى شرائية هائلة أعادت الحياة إلى قطاع التكنولوجيا. فبعد أسبوع من النزيف السعري، ارتد مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 2 في المائة، مسجلاً أفضل أداء يومي له منذ مايو (أيار) الماضي.

والسؤال الذي يطرحه المستثمرون الآن: من قاد هذا «الرالي»؟ الإجابة تكمن في قطاع أشباه الموصلات، حيث قفز سهم «إنفيديا» بنسبة 7.8 في المائة، وتبعه سهم «برودكوم» بارتفاع 7.1 في المائة، مما أدى إلى محو مخاوف التراجع التي سادت مطلع الأسبوع.

شاشة تعرض مؤشر «داو جونز» الصناعي وأرقام التداول الأخرى بعد إغلاق بورصة نيويورك (رويترز)

هل رهان «أمازون» بـ200 مليار دولار هو السر؟

أحد المحركات الرئيسية لهذا الصعود كان الإعلان الصادم من شركة «أمازون»، التي أكدت نيتها استثمار مبلغ ضخم يصل إلى 200 مليار دولار خلال هذا العام. هذا الاستثمار لا يستهدف التجارة الإلكترونية التقليدية؛ بل يركز على «الفرص الجوهرية»؛ مثل الذكاء الاصطناعي، والرقائق، والروبوتات، والأقمار الاصطناعية.

هذا التوجه طرح تساؤلاً جوهرياً في الصالونات الاقتصادية: هل نحن أمام فقاعة تكنولوجية جديدة؟ أم إعادة هيكلة شاملة للاقتصاد العالمي؟

وأكد جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا»، على شبكة «سي إن بي سي» الإخبارية المالية، أن الطلب على الذكاء الاصطناعي لا يزال «مرتفعاً للغاية»، وأن مستوى الإنفاق مناسب ومستدام. وارتفعت أسهم «إنفيديا»، أكبر شركة مدرجة في البورصة بالعالم بقيمة سوقية تبلغ 4.5 تريليون دولار، بنسبة 7.9 في المائة يوم الجمعة.

هدوء في جبهة البتكوين والمعادن الثمينة

ولم يكن المشهد بعيداً عن سوق الأصول المشفرة؛ فبعد أسابيع من الهبوط الحر الذي أفقد البتكوين أكثر من نصف قيمتها منذ ذروة أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، استطاعت العملة الرقمية الأشهر التماسك مجدداً؛ فبعد أن اقتربت من كسر حاجز 60 ألف دولار نزولاً يوم الخميس، استعادت توازنها لتقفز فوق مستوى 70 ألف دولار، مما أعطى إشارة إلى المستثمرين بأن موجة الذعر قد بدأت في الانحسار.

وفي السياق ذاته، خفتت حدة التقلبات في أسواق المعادن؛ حيث استقر الذهب عند مستوى 4979.80 دولار للأونصة بعد ارتفاع بنسبة 1.8 في المائة، في حين سجلت الفضة استقراراً نسبياً، مما يعكس تحولاً في شهية المخاطرة لدى المتداولين من الملاذات الآمنة إلى أسهم النمو.

ترمب يبارك

وكعادته في رصد أداء الأسواق، سارع الرئيس الأميركي دونالد ترمب للاحتفاء بهذا المنجز الاقتصادي، حيث نشر عبر منصته «تروث سوشيال» مهنئاً الشعب الأميركي بهذا الرقم القياسي، وحاول اعتبار هذا الصعود دليلاً على نجاح التعريفات الجمركية الأميركية - سياسته الاقتصادية المحورية - التي بلغت أعلى مستوياتها الفعلية منذ عام 1935 خلال فترة رئاسته.

وكتب ترمب: «شكراً لك يا سيد الرسوم!». وادعى قائلاً: «أمننا القومي وأمننا المالي لم يكونا أقوى مما هما عليه الآن!»، وهو ما يراه مراقبون تعزيزاً للسردية السياسية التي تربط قوة السوق بالأداء الإداري.


رئيسة «فيدرالي» سان فرانسيسكو: الاقتصاد الأميركي في وضع «هشّ»

رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
TT

رئيسة «فيدرالي» سان فرانسيسكو: الاقتصاد الأميركي في وضع «هشّ»

رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)

قالت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو، ماري دالي، يوم الجمعة، إنها ترى أن الاقتصاد الأميركي في وضع «هش». وأضافت أن الشركات تتسم إلى حد كبير بتفاؤل حذر، في حين أن الأسر أقل ثقة؛ نظراً لأن الشركات التي تتردد حتى الآن في إجراء تسريحات جماعية قد تغيّر استراتيجيتها بسرعة.

وقالت دالي في منشور على «لينكد إن»: «لقد شهدنا بيئة عمل تتسم بانخفاض التوظيف وزيادة التسريح لفترة من الوقت. قد يستمر هذا الوضع، لكن العمال يدركون أن الأمور قد تتغير بسرعة، مما قد يُعرّضهم لسوق عمل تتسم بعدم الاستقرار وارتفاع معدلات التسريح». وأضافت: «مع تجاوز التضخم هدف لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية البالغ 2 في المائة، يبدو الوضع غير مستقر، وهذا واقع ملموس»، وفق «رويترز».

وأبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأسبوع الماضي على تكاليف الاقتراض قصيرة الأجل دون تغيير، مشيراً إلى ارتفاع التضخم واستقرار سوق العمل. وصرح رئيس المجلس، جيروم باول، بأن البنك المركزي «في وضع جيد للاستجابة، مستفيداً من البيانات المتاحة».

ومنذ ذلك الحين، أشار بعض صنّاع السياسات إلى ميلهم نحو اتجاه معين؛ فقد صرحت ليزا كوك، محافظة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، يوم الأربعاء، بأن المخاطر «تميل نحو ارتفاع التضخم»، في حين أكدت ميشيل بومان، نائبة رئيس المجلس لشؤون الإشراف، بعد التصويت مع كوك بنتيجة 10-2 للإبقاء على أسعار الفائدة ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، أنها لا تعتبر أن «مخاطر تراجع فرص العمل ضمن نطاق ولايتنا قد تضاءلت».

وتشير معظم التقديرات، بما فيها تقديرات صنّاع السياسات في مجلس الاحتياطي الفيدرالي، إلى أن التضخم الأساسي في نهاية العام الماضي بلغ نحو 3 في المائة، متجاوزاً هدف المجلس البالغ 2 في المائة. وقد أكّدت بيانات سوق العمل استمرار حالة الركود الجزئي التي تتسم بانخفاض معدلات التوظيف وزيادة التسريح.

ومن المتوقع أن يصدر مكتب إحصاءات العمل تقرير الوظائف الشهري يوم الأربعاء المقبل، بعد تأخره بسبب إغلاق الحكومة نتيجة الخلاف المستمر بين الديمقراطيين والجمهوريين حول تمويل قوانين الهجرة. ويتوقع الاقتصاديون أن يُظهر التقرير استقرار معدل البطالة في يناير (كانون الثاني) عند 4.4 في المائة.

مع ذلك، أثار انخفاض فرص العمل المتاحة في ديسمبر (كانون الأول) إلى أدنى مستوى لها منذ خمس سنوات، وارتفاع طلبات إعانة البطالة الأسبوعية الجديدة، التي أعلنتها وزارة العمل الأميركية يوم الخميس، قلق بعض المحللين من احتمال اختلال التوازن لصالح ضعف سوق العمل.

وكتب المحلل توماس رايان من «كابيتال إيكونوميكس»: «قد يثير الانخفاض المفاجئ والكبير في فرص العمل المتاحة قلق مسؤولي (الاحتياطي الفيدرالي)، ويشير إلى أنهم تسرعوا في حذف بنود من بيان السياسة النقدية الصادر الشهر الماضي، والتي كانت تؤكد ارتفاع مخاطر تراجع سوق العمل». ومع ذلك، ومع استمرار ارتفاع معدلات التوظيف وانخفاض التسريحات، لا يمكن استنتاج مزيد من التراجع في سوق العمل بنهاية العام الماضي بشكل قاطع.

أما بالنسبة لدالي، فتبدو الاستراتيجية المثلى هي التريث والانتظار.

وقالت: «علينا مراقبة جانبَي مهمتنا»، مشيرة إلى هدفَي «الاحتياطي الفيدرالي» المتمثلين في تحقيق أقصى قدر من التوظيف مع الحفاظ على التضخم عند مستوى منخفض. وأضافت: «يستحق الأميركيون استقرار الأسعار وتحقيق التوظيف الكامل، ولا يمكن اعتبار أي منهما أمراً مفروغاً منه».


ثقة المستهلك الأميركي تصل إلى أعلى مستوى في 6 أشهر مطلع فبراير

متسوّقون يشاهدون المجوهرات في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)
متسوّقون يشاهدون المجوهرات في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)
TT

ثقة المستهلك الأميركي تصل إلى أعلى مستوى في 6 أشهر مطلع فبراير

متسوّقون يشاهدون المجوهرات في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)
متسوّقون يشاهدون المجوهرات في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)

ارتفعت ثقة المستهلك الأميركي إلى أعلى مستوى لها في ستة أشهر، مطلع فبراير (شباط) الحالي، رغم استمرار المخاوف بشأن سوق العمل وارتفاع تكاليف المعيشة نتيجة التضخم المرتبط بالرسوم الجمركية على الواردات.

ويُعزى التحسن الشهري الثالث على التوالي في ثقة المستهلك، الذي أعلنته جامعة ميشيغان في استطلاعاتها يوم الجمعة، في الغالب، إلى المستهلكين الذين يمتلكون أكبر مَحافظ استثمارية في الأسهم، مما يعكس ما يُعرَف بـ«اقتصاد على شكل حرف كيه»، حيث تستفيد الأُسر ذات الدخل المرتفع، بينما يواجه المستهلكون ذوو الدخل المنخفض صعوبات أكبر.

قال أورين كلاشكين، خبير اقتصادات الأسواق المالية بشركة «نيشن وايد»: «ربما شهدنا أدنى مستوى لثقة المستهلك، ومن المتوقع أن تدعم العوامل الأساسية الإيجابية التوجهات خلال عام 2026، ما دام الانخفاض الأخير في سوق الأسهم لا يستمر. ومع ذلك لا نتوقع انتعاشاً حاداً في ثقة المستهلكين».

وأعلنت جامعة ميشيغان أن مؤشر ثقة المستهلك ارتفع إلى 57.3، في هذا الشهر، وهو أعلى مستوى له منذ أغسطس (آب) الماضي، مقارنةً بـ56.4 في يناير (كانون الثاني)، في حين كان الاقتصاديون، الذين استطلعت «رويترز» آراءهم، يتوقعون انخفاض المؤشر إلى 55. ومع ذلك، لا يزال المؤشر أقل بنحو 20 في المائة من مستواه في يناير 2025. وقد أُجري الاستطلاع قبل موجة بيع الأسهم، هذا الأسبوع، التي جاءت مدفوعة بحذر المستثمرين تجاه الإنفاق الكبير لشركات التكنولوجيا على الذكاء الاصطناعي. وارتدّت الأسهم في «وول ستريت»، يوم الجمعة، واستقر الدولار مقابل سلة من العملات، وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية.

وقالت جوان هسو، مديرة استطلاعات المستهلكين: «ارتفعت ثقة المستهلكين الذين يمتلكون أكبر محافظ أسهم، بينما ظلّت ثابتة عند مستويات منخفضة بالنسبة للمستهلكين الذين لا يملكون أسهماً». ولا تزال المخاوف من تدهور الوضع المالي الشخصي نتيجة ارتفاع الأسعار وزيادة خطر فقدان الوظائف منتشرة على نطاق واسع.

وتحسنت معنويات المستهلكين المنتمين إلى الحزبين الجمهوري والديمقراطي، بينما تراجعت بين المستقلين. يأتي هذا التحسن في المعنويات على النقيض من مؤشر ثقة المستهلك، الصادر عن مجلس المؤتمرات، الذي انخفض في يناير إلى أدنى مستوى له منذ مايو (أيار) 2014. ومع ذلك، أكّد كلا الاستطلاعين ازدياد حالة اللامبالاة تجاه سوق العمل.

وأفادت الحكومة، يوم الخميس، بأن فرص العمل المتاحة انخفضت إلى أدنى مستوى لها منذ أكثر من خمس سنوات في ديسمبر (كانون الأول)، مسجلة 0.87 وظيفة متاحة لكل عاطل عن العمل، مقارنة بـ0.89 في نوفمبر (تشرين الثاني).

وعلى الرغم من استمرار قلق المستهلكين بشأن ارتفاع الأسعار، لكنهم توقعوا اعتدال التضخم، خلال الأشهر الـ12 المقبلة. وانخفض مقياس الاستطلاع لتوقعات التضخم السنوي إلى 3.5 في المائة، من 4 في المائة خلال يناير، وهو أدنى مستوى له منذ 13 شهراً، مما يشير إلى اعتقاد بعض المستهلكين بأن أسوأ آثار الرسوم الجمركية على الأسعار قد ولّت. وفي المقابل، ارتفعت توقعات المستهلكين للتضخم على مدى خمس سنوات إلى 3.4 في المائة، من 3.3 في المائة الشهر الماضي.

وقال جون ريدينغ، كبير المستشارين الاقتصاديين في «بريان كابيتال»: «يركز ؛(الاحتياطي الفيدرالي) على التوقعات متوسطة الأجل، وقد ارتفعت هذه التوقعات، للشهر الثاني على التوالي. ومع ذلك، لن يغير ذلك أي قرار بشأن سعر الفائدة في مارس (آذار) المقبل، إذ سيتوقف مصير هذا الاجتماع على بيانات التوظيف لشهريْ يناير وفبراير».