لماذا نجح التنوير الأوروبي وفشل العربي؟

الفكر الإسلامي ما بعد أركون لن يكون هو ذاته قبله

داريوس شايغان
داريوس شايغان
TT

لماذا نجح التنوير الأوروبي وفشل العربي؟

داريوس شايغان
داريوس شايغان

لقد أمضيت وقتاً طويلاً في شرح المصطلحات الأجنبية وتعريبها في أثناء نقل مؤلفات محمد أركون إلى اللغة العربية. كما أجبرني ذلك على اشتقاق عديد من المصطلحات والتراكيب اللغوية الجديدة. وهذه من فوائد ترجمة أركون التي لا يستهان بها. نعم لقد اضطررت إلى اشتقاق عشرات بل مئات المصطلحات. وأعتقد شخصياً أنه إذا ما نجح مشروع الترجمة بالمعنى الواسع للكلمة (وليس فقط ترجمة أركون) فإننا سوف نتوصل إلى لغة عربية حداثية جديدة أكثر ديناميكية ومرونة وقدرة على التعبير عن أعوص النظريات العلمية والفلسفية. وبالتالي «فاللغة العربية ما بعد الترجمة» لن تكون هي تماماً «اللغة العربية ما قبل الترجمة». عندما ننقل كل الفتوحات العلمية والفلسفية التنويرية إلى اللغة العربية فإننا سنتوصل حتماً إلى لغة عربية حديثة، وسوف ننقذ لغة الضاد. كل النهضات الكبرى قامت على أكتاف الترجمات الكبرى. انظروا إلى اليابان، أكبر بلد مترجِم في العالم والأكثر انفتاحاً على الحداثة الغربية، ومع ذلك لم تفقد اليابان أصالتها ولا شخصيتها التاريخية العميقة. الانفتاح على الآخرين لا يعني الذوبان فيهم، وإنما يعني الاستفادة من أفضل ما أعطوه للبشرية وتوظيفه في خدمة الثقافة المحلية أو الوطنية. إنه يعني تبني إيجابيات الحداثة الغربية وطرح سلبياتها. والآن دعونا نطرح هذا السؤال:

لماذا نربط بين أركون والتنوير؟ لأنه طبَّق على تراثنا العربي الإسلامي أحدث المناهج التي كانت قد طُبِّقت من قبل على التراث المسيحي في أوروبا فنوَّرته وجدَّدته إلى أقصى حد ممكن، بل حررته من تراكماته وحشوياته وظلامياته القروسطية. وقد أدى ذلك إلى تسليط إضاءات ساطعة على النص الديني التراثي لم يسبق لها مثيل من قبل. كل المثقفين العرب فشلوا في تحقيق هذه المهمة ما عدا أركون. لقد جدَّد فهمنا لتراثنا الإسلامي العريق بشكل غير مسبوق. وهنا تكمن أهميته وعظمته. وهذا ما سيتبقى منه على مدار الأجيال. الفكر الإسلامي ما بعد أركون لن يكون هو ذاته الفكر الإسلامي ما قبل أركون. بعد تطبيق كل هذه المناهج التاريخية والفلسفية الحديثة على تراثنا الكبير يخرج أركون برؤية جديدة كلياً وناصعة عن تراث الإسلام العظيم. ولكن بما أننا منصهرون منذ نعومة أظفارنا في الرؤية القروسطية التقليدية القديمة للمشايخ فإننا نجد صعوبة بالغة في فهم هذه النظرة الجديدة التي يبلورها صاحب كتاب «نقد العقل الإسلامي الأصولي». فهو يقدم رؤية حداثية أنوارية وتحريرية عن تراثنا العظيم، ولا يكتفي بتكرار الرؤية التقليدية التراثية المتحجرة والمجترة على مدار القرون. وهي رؤية ظلامية قروسطية وصلت بنا أخيراً إلى الجدار المسدود. بل أدخلتنا في صدام مدمِّر مع العالم كله. نستنتج من كل ذلك ما يلي: لا خلاص من دون انتصار التفسير الأنواري الجديد للدين على التفسير الظلامي القديم الذي لم يعد صالحاً لهذا العصر.

طه حسين

عندما يكتب أركون فإنه يفكر دائماً بطريقة مقارنة. معظم الموضوعات، إن لم يكن كلها، يتناولها من الزاوية العربية الإسلامية والزاوية الأوروبية المسيحية. ودائماً يطرح السؤال نفسه: لماذا نجحت النهضة الأوروبية وفشلت النهضة العربية أو الإسلامية؟ لماذا نجح التنوير الأوروبي وفشل التنوير العربي الذي سبقه إلى الوجود بستة قرون؟ ثم بشكل أخص: لماذا كفَّر فقهاؤنا الفلسفة في حين أنها انتعشت عند الأوروبيين كل الانتعاش؟ لا ريب في أنهم كانوا يكفِّرونها طيلة العصور الوسطى مثلنا وأكثر ولكنهم تخلوا عن ذلك بدءاً من ديكارت بل حتى قبل ذلك. هل تعتقدون أنه لولا تكفير الفلسفة والفلاسفة كانت الحركات الأصولية من إخوانية وخمينية ستهيمن على الساحة منذ انتصار الخميني عام 1979، بل حتى منذ تأسيس حركة الإخوان المسلمين عام 1928؟ لماذا انتصر حسن البنا وسيد قطب والقرضاوي على طه حسين والعقاد ونجيب محفوظ وبقية الكواكب المشعَّة للثقافة العربية؟ أقصد؛ لماذا انتصروا في الشارع وليس على مستوى الثقافة الحقيقية والنخبة المثقفة؛ فهنا لا وجود لهم؟ ثم لماذا انتصر الخميني على داريوش شايغان وعبد الكريم سورش وبقية مثقفي إيران الكبار؟ أقصد؛ لماذا اكتسح الخميني الشارع الإيراني بكل هذه السهولة؟ ولكن إلى حين... التاريخ لم يقل كلمته الأخيرة بعد.

ينبغي العلم أن أركون بصفته أستاذاً عريقاً في السوربون يعرف من الداخل كيف تشكلت الحداثة الأوروبية. لقد كان مطلعاً بشكل عميق على مسيرة الفكر الأوروبي عبر تاريخه الطويل وعلى مسيرة الفكر العربي الإسلامي عبر تاريخه الطويل أيضاً. ولذلك فهو يعرف كيفية المقارنة بشكل دقيق بين كلا المسارين، ولماذا توقف هذا وأقلع ذاك... كما يعرف كيف يشخص الانسدادات التاريخية والمآزق الحالية التي يعاني منها العرب والمسلمون عموماً. من هنا عنوان كتابه الشهير: «لأجل الخروج من السياجات الدوغمائية المغلقة»: أي من أجل الخروج من الانغلاقات الطائفية والمذهبية التي تنفجر الآن في وجوهنا انفجاراً وتكاد تمزِّق وحدتنا الوطنية تمزيقاً بفعل الفظائع الرهيبة التي ترتكبها فصائل التعصب والتطرف. ثم نفهم من كلامه أن الغرب انتصر على أصوليته الظلامية وانقساماته الطائفية وحروبه الأهلية بفضل انتصار لاهوت التنوير على اللاهوت المسيحي التكفيري القديم. أما نحن فلا نزال نتخبط في معمعة المعركة ونحترق بحر نارها. هنا يكمن التفاوت التاريخي بين العرب والغرب.

محمد أركون

يرى أركون أننا لا يمكن أن نفهم التراث الإسلامي بشكل صحيح إذا لم نقارنه بالتراثات الدينية الأخرى التي سبقته خصوصاً التراثين اليهودي والمسيحي. فعلى الرغم من كل الاختلافات الكائنة بينها فإنها تنتمي جميعاً إلى أرومة واحدة هي ما يدعوه العلماء: التراث الإبراهيمي التوحيدي. ولطالما دعا أركون الأقطار العربية إلى فتح أقسام لتدريس تاريخ الأديان المقارنة في جامعاتها من أجل فهم أوجه التشابه والاختلاف بين الأديان الإبراهيمية الثلاثة الكبرى. فلكي نفهم أنفسنا جيداً ينبغي أن نفهم غيرنا. بمعنى آخر: سوف نفهم ديننا وتراثنا بشكل أفضل إذا ما قارنّاه بالأديان الإبراهيمية الأخرى واطَّلعنا عليها وعلى تجربتها التاريخية. نقول ذلك خصوصاً أن اليهود والمسيحيين الأوروبيين مرّوا بمرحلة الغربلة التنويرية بدءاً من القرن الثامن عشر، في حين أننا لم نمر بها نحن بعد. وهنا تكمن المشكلة بالضبط. ولكن المصيبة هي أن الإخوان المسلمين والخمينيين وبقية الظلاميين يعرقلون هذا الانفتاح ويقفون في وجهه بكل قوة لأنه يهدد مشروعيتهم ويكشف عن عيوبهم ونواقصهم. إنه يهدد مفهومهم القروسطي القديم للدين. لتوضيح ذلك سوف أضرب المثل التالي: عندما أنشأت الإمارات العربية المتحدة «بيت العائلة الإبراهيمية» على أرض جزيرة السعديات في أبوظبي أشاعوا أنها تريد تذويب الإسلام في دين غريب عجيب ما أنزل الله به من سلطان. وهذا غباء ما بعده غباء. هذا إن لم يكن تعبيراً عن سوء نية ومحاولة تشويش متعمدة ومقصودة. فالإسلام سيظل هو الإسلام، والمسيحية ستظل هي المسيحية، وقُلْ الأمر ذاته عن اليهودية. الأديان الكبرى تبقى هي هي إلى أبد الدهر ولكن مفهومها يختلف. فالمفهوم التسامحي المتنور للعصور الحديثة للدين غير المفهوم التعصبي أو الظلامي التكفيري للقرون الوسطى. والإمارات إذ شيّدت كنيساً يهودياً إلى جانب كنيسة مسيحية ومسجد إسلامي، كانت تريد إقامة الحوار والتآخي بين الأديان الثلاثة لا الخلط بينها. ومعلوم أنه «لا سلام في العالم من دون سلام بين الأديان»، كما قال المفكر الشهير هانز كونغ. كانت الإمارات تريد أن تقدم صورة مشرقة عنَّا وأن تزيل تلك الصورة السوداء المرعبة التي لحقت بنا بعد ضربة «11 سبتمبر (أيلول)» الإجرامية الكبرى وما تلتها من تفجيرات وفظاعات في شتى أنحاء العالم. وقد قدمت بذلك أكبر خدمة للعرب والمسلمين. ولكن بدلاً من أن يشكروها راحوا يهاجمونها. يا أمة ضحكت من جهلها الأمم!

مشكلة الإخوان والخمينيين هي أنهم يعتقدون أن مفهومهم الرجعي المتخلف للإسلام سوف يستمر إلى أبد الآبدين. ولكنهم واهمون. فحتى لو كانوا لا يزالون يحظون ببعض الشعبية في الشارع العربي أو الإيراني أو التركي بسبب جهل الجماهير وفقرها وأميَّتها إلا أنهم فاشلون في نهاية المطاف ومهزومون لسببين أساسيين: الأول هو أنهم يمشون ضد حركة التاريخ وضد روح الأزمنة الحديثة وجوهرها، بل حتى ضد جوهر الإسلام الحنيف ذاته إذا ما فهمناه على حقيقته. ثم إن الجماهير سوف تستنير وتتعلم وتتقدم ولن تبقى جاهلة إلى الأبد. والثاني هو أنهم يجهلون أو يتجاهلون سماحة التراث الإسلامي العظيم والنزعة الإنسانية والفلسفية العميقة التي كان ينطوي عليها إبان العصر الذهبي، ولكن ليس إبان عصر الانحطاط. ومعلوم أن هذه الحركات الإخوانية والخمينية وسواها هي الوريث المباشر لعصور الانحطاط الطويلة التي لم نستطع التخلص من براثنها حتى الآن.


مقالات ذات صلة

«ملكة الجريمة» مرَّت من هنا... أجاثا كريستي ورواياتها في العراق ومصر وبلاد الشام

يوميات الشرق أجاثا كريستي تحتسي الشاي على شرفة المدرسة البريطانية لعلوم الآثار في بغداد خلال الخمسينيات (فيسبوك) p-circle 01:43

«ملكة الجريمة» مرَّت من هنا... أجاثا كريستي ورواياتها في العراق ومصر وبلاد الشام

ولدت الكاتبة أجاثا كريستي في مثل هذا التاريخ قبل 136 سنة. اشتهرت برواياتها البوليسية، لكن قلّة تعرف أنها أمضت جزءاً من حياتها متنقّلةً بين البلدان العربية.

كريستين حبيب (بيروت)
ثقافة وفنون الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

في أقصوصة فرانز كافكا «المسخ» يستيقظ شاب يدعى جريجور سامسا من نومه ذات صباح ليجد نفسه وقد تحول في فراشه إلى حشرة مقلوبة على ظهرها لا تملك أن تعتدل فتروح تتخبط..

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون «ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

بعين حساسة تجاه ثراء المشاهد البصرية ووجدان مرهف الحس، يحول الفنان التشكيلي المصري سمير فؤاد مذكراته إلى لوحة بانورامية دافئة يمتزج فيها الحنين بالأسى

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون حكايات بين مدينتين

حكايات بين مدينتين

صدرا أخيراً عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام بالقاهرة؛ للأديبة العراقية «عالية طالب» كتابها الجديد «القاهرة - بغداد: حكايات على ضفاف النهرين».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون النقد البيئي في الأدب العربي

النقد البيئي في الأدب العربي

صدر أخيراً عن دار النابغة في القاهرة كتاب «إيكولوجيا النص الأدبي: دراسات نظرية وتطبيقية مترجمة في النقد البيئي المعاصر»، ترجمة وتحرير معتز سلامة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا
TT

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

في أقصوصة فرانز كافكا «المسخ» يستيقظ شاب يدعى جريجور سامسا من نومه ذات صباح ليجد نفسه وقد تحول في فراشه إلى حشرة مقلوبة على ظهرها لا تملك أن تعتدل فتروح تتخبط عبثاً بأرجلها النحيلة في الهواء.

وفي رواية الأديب الفلسطيني إميل حبيبي «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل» (1972) يختفي الفلسطيني بفعل «فضائيين» («فدائيين»؟) جاءوا من السماء، حسب تفسير البعض لاختفائه.

وفي رواية نجيب محفوظ «ليالي ألف ليلة» (1982) حكاية تحمل عنوان «معروف الإسكافي». معروف فقير مطحون يعاني الأمرين على يدي زوجته الشرسة إلى أن يأتيه عفريت من عالم الجن يمنحه خاتم سليمان -رمز القدرة السحرية- فيطلق امرأته الظالمة ويستخدم الخاتم في صنع الخير وإقرار العدل وإسعاد الناس.

هذه نماذج من أدب الفانتازيا أو الإغراق في الخيال. وكلمة «فانتازيا» fantasy -حسب قاموس «النفيس: إنجليزي- عربي» للدكتور مجدي وهبه- تعني عدة أمور: عجيب، غريب، خيالي، وهمي، محال، غير معقول، ضخم إلى حد لا يصدق، خارق. فالفانتازي ضرب من القص نجد فيه أن الممكن وغير الممكن يختلطان إلى حد يحير القارئ (وكثيراً ما يحير الراوي أو الشخصية الرئيسية في القصة) إذ لا يجد تفسيراً متسقاً لأحداث القصة الغريبة. ويذهب تزفتان تودوروف في كتابه «مدخل إلى الأدب الفانتازي» (1970) إلى أن الحكي الفانتازي يتضمن تردداً لا حل له بين التفسيرات الخارقة للطبيعة التي نجدها في قصص العجائب أو الخوارق وبين التفسيرات الطبيعية أو النفسية التي نجدها في حكايات «الغريب».

والفانتازيا قديمة قدم الأدب والفن: فنحن نجدها في أساطير الإغريق، وكتاب «ألف ليلة وليلة»، وحكايات الجنيات والقصص الخيالية في المأثورات الشعبية لمختلف الأمم، والمدن الفاضلة أو نقيضها من مدن كابوسية، وقصص الرعب القوطية مثل «فرانكنشتاين» لماري شِلّى، و«دراكولا» لبرام ستوكر، وروايات الخيال العلمي، والواقعية السحرية عند أدباء أميركا اللاتينية ومن حذوا حذوهم.

هذه الفانتازيا موضوع كتاب باللغة الإنجليزية صدر في هذا الصيف عن مطبعة جامعة إدنبرة. يقع الكتاب في قرابة ثلاثمائة صفحة وهو من تأليف ألكسندرا شريتح الأستاذة المساعدة للأدب العربي والدراسات الأدبية والبصرية الدولية في جامعة تفتس الأميركية. وعنوان الكتاب

Alexandra Shraytekh، The Modern Arabic Fantastic، Edinburgh University Press، 2026

تقول شريتح إن الفانتازيا بما تشتمل عليه من حكايات عجيبة وأخبار غريبة نمط من الكتابة يرتبط عادة بأزمة اجتماعية أو سياسية أو جمالية، ونقلة من اليقين إلى الشك ناجمة عن تقحم عنصر خارجي على الواقع اليومي المألوف. إنه نتاج مواجهات مع غرباء (قد يكونون أشباحاً أو موتى عادوا إلى الحياة، أو كائنات من خارج الأرض). فالفانتازي موقع للالتباس أو الغموض، واختراق لقوانين العلية والزمان والمكان، ومسرح لما هو خارق وسحري.

وتسلط المؤلفة عدسة منظارها التحليلي على عدد من الأعمال الأدبية لكتاب عرب من مختلف الأجيال: «قنديل أم هاشم» ليحيى حقي، «عالمي المجهول» لأليفة رفعت، «فرانكشتاين في بغداد» لأحمد السعداوي، «فقهاء الظلام» لسليم بركات وغيرهم. وفي هذه الأعمال نجد جدلاً بين عالم الغيب وعالم الشهادة، وإبحاراً بين عوالم العلم والصوفية، ومجالاً للتفريج عما هو مكبوت وقد يحمل أبعاداً سياسية.

توجه المؤلفة اهتماماً خاصاً إلى رواية القاص الرائد محمود تيمور «موباسان المصري» «نداء المجهول»

وتوجه المؤلفة اهتماماً خاصاً إلى رواية القاص الرائد محمود تيمور «موباسان المصري» «نداء المجهول» (1939) وهي مروية على لسان سائح مصري في لبنان يزور قرية صغيرة وينطلق منها للبحث عن قلعة أسطورية سحرية في قلب الجبل. ويقع الراوي في حب مستشرقة إنجليزية تجيد اللغة العربية، ومهتمة بالفكر الصوفي، تدعى مس إيفانز. إن أحداث الرواية تدور في عام 1908 ولكنها ترتد بالذاكرة إلى صراع الدروز والطائفة المارونية في لبنان في 1860. والرحلة إلى القلعة أشبه برحلة حج وضرب من رياضة النفس يستخدم فيها تيمور مصطلحاً لفظياً وصوراً شعرية أشبه بما نجده في نثر جبران خليل جبران. إن «الاستشراق» الغربي يتحول هنا إلى «إشراق» صوفي. واتجاه إيفانز إلى المشرق وهي الأوروبية يمثل امتزاجاً بين الشرق والغرب، الذات والآخر، الحاضر والماضي.

وللكتاب ببليوغرافيا في قرابة خمسين صفحة تشهد بسعة علم المؤلفة وإحاطتها الموسوعية بموضوعها. ولكني افتقدت فيه أي إشارة إلى كتاب باللغة الإنجليزية يبدو أنه لم يقع لها، وهو كتاب صدر عن دار إلياس للنشر في القاهرة في 1985، حررته الدكتورة ملك هاشم والدكتورة سيزا قاسم دراز، عنوانه «سبحات الخيال» Flights of Fantasy وهو يضم ترجمات إلى الإنجليزية لعدد من القصص العربية القصيرة الفانتازية لنجيب محفوظ ويوسف إدريس وشفيق مقار وآخرين.

وإذ يسجل كتاب شريتح جانباً من رحلة الرواية العربية من الواقعي إلى الفانتازي فإنه يلقي ضوءاً مهماً على الفانتازيا بين الشرق والغرب ويوضح كيف أن الفانتازيا حساسية من لون معين وأجرومية قصصية وتوتر بين أقطاب متقابلة: اليقظة والحلم، الحقيقة والوهم، الإيمان والعقل، الموروث والحداثة. والنتيجة التي تنتهي إليها هي أن الفانتازي يستعصي على أي معنى ثابت، ويتسع لعديد من التفسيرات، ولكنه يحدث تحولاً في نفس القارئ. إنه عابر للثقافات والأزمنة والأمكنة. ونحن أحوج ما نكون إلى أن ندرسه اليوم، خاصة وأننا نعيش في ظل مفارقة يلخصها قولها: «لقد غدا الفانتازي هو الواقعية الجديدة في زماننا».


«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي
TT

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

بعين حساسة تجاه ثراء المشاهد البصرية ووجدان مرهف الحس، يحول الفنان التشكيلي المصري سمير فؤاد مذكراته إلى لوحة بانورامية دافئة يمتزج فيها الحنين بالأسى تجاه تحولات الأماكن من الجمال إلى الفوضى، ومن الهدوء إلى الصخب عبر كتابه «ميدان سفير - مذكرات الطفولة والصبا»، الصادر في القاهرة عن دار «الشروق».

من شرفة تطل على «ميدان سفير» الذي يتوسط حي «مصر الجديدة»، أحد أرقى أحياء القاهرة، وفي الشقة نفسها التي شهدت مولده عام 1944، يفتح الفنان نافذة واسعة على زمن كان الجمال فيه ركناً يومياً من أركان الحياة.

ويأخذنا في رحلة داخل مجتمع كان يضج بالتنوع والتعايش، حيث كانت الشوارع ملاعب آمنة للأطفال، والمترو وسيلة لاكتشاف العالم بلا خوف، ودور السينما طقساً اجتماعياً حميماً ومصدر بهجة للعائلات، لكن هذا لا يمنع أن الذاكرة اليقظة لا تزال تحفل بمشهد حرائق وسط العاصمة 1952.

وتلتقط عينا الفنان مشاهد المدارس التي شغلت قصوراً تاريخية، وحفلت بمعلمين كانوا قامات ثقافية وفنية لا مجرد ملقنين، ومنهم معلم الرسم الذي رعى المواهب البازغة، وفتح لها أبواب الفن العالمي، ومعلم اللغة الذي قاد تلميذه إلى صالون العقاد، وصولاً إلى مدرس الموسيقى الذي شكلت حصته وجدان الطلاب.

عبر صفحات الكتاب، نرى المباني على طراز «الآرت ديكو» البديع، وقصر البارون الشامخ، والحدائق الغنَّاء، وكيف مثّل الحي وعاء حاضناً لسلوكيات راقية، ونمط حياة متزناً. كل ذلك عبر شهادة حية لفنان يرى حاضره تحول إلى خيال مشوه لماضيه، فيقرر أن الفن هو فعله الوحيد للمقاومة، وأن استعادة تفاصيل هذا العالم المفقود هي محاولة جادة لترميم الذاكرة الجمعية ضد معاول النسيان والتجريف.

يتوقف فؤاد بشكل خاص أمام عام 1952، الذي عرف الأحداث الجسام في مصر، من حريق القاهرة في يناير (كانون الثاني)، إلى ثورة الضباط الأحرار في يوليو (تموز)، حيث لا يزال يتذكر كيف عاد والده من العمل مبكراً على غير العادة قائلاً: «إنهم يحرقون وسط البلد!».

وتوالت الأنباء عن الدمار الذي شمل الكثير من دور السينما والفنادق والمحلات التجارية. كان الأب مضطرباً ويريد الاطمئنان على زوج ابنته «سوسو» ومحله في شارع عماد الدين، لا سيما أن المحل يحمل «دانش»، ويمكن أن يوحي بأن صاحبه من الأجانب المستهدفين بالحرائق.

تلى ذلك فرض الأحكام العرفية بعد الحريق، فالمحال أغلقت أبوابها، والمترو توقف عن السير بعد الغروب، لكن سُمح للأفراد بالخروج. أصاب الأب الكمد بسبب ما حدث من تدمير لمنطقة وسط البلد التي امتلك ذكريات طويلة فيها، وتحدث بأسى عن فندق «شبرد»، أحد الفنادق العالمية الذي جري تدميره تماماً، وبالطبع عن مكانه المفضل «جروبي» بشارع عدلي، لكن حزنه كان أكثر على سينما «ريفولي» التي اعتادت العائلة الذهاب إليها في فصل الشتاء والجلوس في قاعة حفل الشاي الملحقة بها في الدور الأول.

من الذكريات المحفورة في ذاكرة سمير فؤاد من فترة الصبا، أحداث العدوان الثلاثي على مصر في نوفمبر (تشرين الثاني) 1956 بعد تأميم قناة السويس، والحماس الذي غلف الجو العام، حيث بقيت الإذاعة والصحف في حالة استنفار وشحن مستمريَّن، وكان الأب من المتحمسين لجمال عبد الناصر ووقوفه في وجه بريطانيا العظمى، أما الصبية فكانوا إما لاهين عن الأمر برمته، وإما يسيرون مع التيار العام.

يتذكر فؤاد جيداً ليلة الهجوم، حيث زارتهم ابنة خالته «رجاء بكري»، وجلس الجميع في الغرفة الغربية المطلة على ميدان سفير في جو خريفي جميل، وقد انتهى موسم السينمات الصيفية، وأغلقت سينما «رفييرا» أبوابها، والميدان يمتد خارج النافذة يغلفه الهدوء والسكينة، وأكملت المشهدَ أضواءُ المحلات المتناثرة في جنباته، وفجأة دوَّت صفارة الإنذار تمزق هدوء اللحظة، وبعد فترة سُمعت أصوات أزيز الطائرات، وبدأت طلقات المدفعية المضادة للطائرات تدوي، ثم امتلأت السماء بأضواء القناديل التي ألقتها الطائرات.

لم يمض الكثير وبدأت انفجارات القنابل تهز المنزل؛ لأن من الأهداف الرئيسية كان مطار ألماظة القريب منه، وشعرت العائلة أن مصدر الانفجارات كما لو أنه فوق رءوسهم. الضوء الساطع أضاء الميدان مثل وميض البرق، وبعده بلحظات أتى هزيم الانفجار الذي اهتز له المنزل بعنف كأنه سيهوي على الرؤوس.

اللقاء مع العقاد

تنوعت قراءات سمير فؤاد في شتى المجالات من العلوم والفلسفة والأدب، وفي المرحلة الثانوية تصدَّر عباس العقاد، حيث شغف بأسلوبه وتطويعه للمنطق لإثبات وجهة نظره، ثم أتيح له في نهاية الخمسينات، وهو في العام الثاني من المرحلة الثانوية، أن ينضم لندوته الأسبوعية بواسطة أستاذ اللغة الفرنسية عبد الوهاب المصري.

كان المصري شخصية استثنائية؛ فهو مثقف وقارئ نهم، وما إن علم بحب فؤاد لكتابات العقاد حتى بدأ يناقشه فيها، ووعده بأن يزور ندوته الأسبوعية يوم الجمعة صباحاً، وما زاد من شغفه بتلك الزيارة أنه قرأ وأعجب بكتاب العقاد «في بيتي» الذي يتحدث فيه عن منزله وكتبه ولوحاته، فأراد أن يشاهد بعينه بعض ما وصفه في كتابه.

في اليوم الموعود، ذهبا إلى منزل العقاد في شارع شفيق غربال بميدان «روكسي» بعمارة جميلة ما زالت قائمة حتى اليوم، لكنها تشتكي من الإهمال بدلاً من جعلها مزاراً ومتحفاً له. وكان العقاد قد شغل الطابق الأول بكامله.

ويذكر المؤلف أنهما دخلا صالة فسيحة، وعلى اليمين منها غرفة الاستقبال، حيث كان العقاد يجلس في صدارتها. صافحهما ولم يبد أي استغراب من حداثة سن الصبي، فيما تراصت المقاعد حول الغرفة، وكان هناك عدد من مريدي الرجل، بينما دارت المناقشات حول موضوعات عديدة كيفما اتفق.

داوم سمير فؤاد على زيارة ندوة العقاد من باب الفضول، ويروي أنه في يوم أخذ لوحة من لوحاته ليريها للرجل على أساس أن له باعاً في النقد الفني، ولا يذكر الآن تعليقه؛ كلُّ ما يذكره أنه كان كلاماً عاماً. وسُمح له بالتجول بحرّية في منزل العقاد، حيث انتشرت أرفف الكتب في كل مكان، وتعجب لكيفية إيجاده الكتاب الذي يريده في هذه المتاهة؛ «لأنني لم أجد أي علامات تدل على أي نظام تبويب». وعلى الحوائط مجموعة من اللوحات الفنية، منها اثنتان للعقاد بريشة «صلاح طاهر» واحدة زيتية كبيرة والأخرى جانبية بالباستيل. ومن المجموعة لوحة لقطعة من التورتة تقف عليها ذبابة ذكر العقاد في كتابه «أنها ارتبطت بقصة غرامه الفاشلة للفنانة مديحة يسري التي أوحت إليه بروايته الوحيدة (سارة)».


حكايات بين مدينتين

حكايات بين مدينتين
TT

حكايات بين مدينتين

حكايات بين مدينتين

صدرا أخيراً عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام بالقاهرة؛ للأديبة العراقية «عالية طالب» كتابها الجديد «القاهرة - بغداد: حكايات على ضفاف النهرين». يقع الكتاب في 208 صفحات من القطع المتوسط، ويتضمن 45 حكاية تتنوع ما بين حوارات ومقاربات وشواهد تاريخية، تحمل في سرديتها ملامح من الحاضر والماضي تجمع بين المدينتين، ليصبح المكان جسراً بين حضارتين وذاكرتين.

لكن الكتاب، رغم ذلك، ليس مجرد مقالات عن مكانين، بل يعدّ محاولة لفتح حوار بين مدينتين، القاهرة وبغداد،، واستعادة ما يجمعهما في الذاكرة والوجدان، عبر عين كاتبة عاشت التجربة وتأملتها من الداخل. وتأخذ عالية طالب القارئ في رحلة ثقافية وإنسانية بين مدينتين تختصران جانباً كبيراً من ذاكرة الحضارة العربية. ومن خلال مقالات ومشاهدات ومقاربات، تقرأ المؤلفة الأمكنة والشواخص والآثار، لا بوصفها حجارة صامتة، إنما بوصفها ذاكرة حيّة تستمر في مخاطبة الإنسان والحاضر، ورحلة ممتدة، مفتوحة دائماً على تخوم البدايات والنهايات.

بين النيل ودجلة، والقاهرة وبغداد، تتقاطع الحكايات والتاريخ والتراث، وتتجاور أهرامات مصر مع بابل العراق، لتكشف المقارنة عن وشائج عميقة، واختلافات ثرية، وتجارب إنسانية وحضارية تستحق أن تُقرأ من جديد.

وسبق أن أصدرت عالية طالب عدداً من الأعمال الأدبية، منها روايات «أُمٌّ هنا... أُمٌّ هُناك» و«الوجوه» و«قيامة بغداد»، وعدداً من المجموعات القصصية، منها: «الممرات» و«بعيداً داخل الحدود»، و«امرأة في العراء» و«بحر اللؤلؤ»، و«حكايات الرمل»، و«امرأة بلا نساء»، و«نُواح الآلهة».

من أجواء الكتاب، تقول الكاتبة:«...وقد عرفت المنافي قبل ذلك في وطني نفسه، خلال سنوات الخوف والإرهاب وانعدام الطمأنينة، حين تناثر الأهل والأحبة والأصدقاء بعيداً عن أرض العراق. ومن هنا جاءت مقارناتي بين القاهرة التي احتضنتني، والعراق الذي ظل حبة القلب. أحببت القاهرة التي ربتت على جراحي حتى تشافت، وودعتني بكل حب حين عدت إلى بلدي، ثم عدت إليها بعد سنوات، حاملة لها ولأهلها امتناناً لا ينتهي، لما منحتني وعائلتي من حب وسلام واحتواء».