لطفية الدليمي الشاهدة على تحوُّلات زمن عراقي عاصف

مثقفون عراقيون ينعون الكاتبة الراحلة بعيداً عن مدينتها وحياتها الأولى

لطفية الدليمي مع أغلفة بعض كتبها
لطفية الدليمي مع أغلفة بعض كتبها
TT

لطفية الدليمي الشاهدة على تحوُّلات زمن عراقي عاصف

لطفية الدليمي مع أغلفة بعض كتبها
لطفية الدليمي مع أغلفة بعض كتبها

هذا يوم حزين لبغداد، المدينة التي تعذَّبت كثيراً، وعذَّبت أهلها ونساءها بطموحها وفرادتها، لكنها اليوم أشدُّ حزناً من سواه؛ فقد فقدت مؤرختها المتفردة الكاتبة لطفية الدليمي «1939 - 2026»، ومما يزيد من فجيعة المدينة المنكوبة أن رحيل الكاتبة قد حصل في يوم «المؤنث العالمي» للمرأة، والمدن، والبلدان كلها، فكل ما هو «مؤنث» هو أم، وأصل ثابت للحياة والحكايات كلها. وهذه مصادفة تليق بالكاتبة الراحلة؛ فلطفية الدليمي ترحل «خالدة» في يوم يحتفل فيه العالم كله بالمرأة وكفاحها وحكاياتها المختلفة حقاً.

للكاتبة ميسلون هادي صديقتها، ورفيقة عمرها، كل الحق في أن تصف هذا اليوم بالحزين في الثقافة العراقية؛ فقد أسهمت الكاتبة الراحلة في رسم مسارات هذه الثقافة؛ إذ «أسست كل طيَّة من فضاءاتها بمادة معرفية عميقة، وخبرات حياتية متراكمة». وقد كان لها هذا المجال بما عاشت من حياة طويلة منحتها «معلومات تاريخية موثوقة»، ولغة «ثرية حسية متحركة أقل ما يقال عنها إنها ساحرة نابضة بالحياة والعاطفة، فوَّاحة بالعطور، منغَّمة بموسيقى مشهدية رفيعة المستوى». ولا عجب أن نجد شاعراً أو كاتباً من جيل آخر، ممن ولد بعد عقود من ترسُّخ اسم لطفية الدليمي بصفتها الكاتبة المؤسِّسة، يكرر معنى كلام الكاتبة ميسلون هادي، فصاحبة «عشاق وفونوغراف وأزمنة» تمثِّل لدى الشاعر عمر السراي اللسان الناطق «باسم هموم المجتمع من ستينيات القرن العشرين بأدبها الرصين وتجربتها العميقة التي حاكت ما مر به أبناء شعبها».

غلاف "عشاق وفوتوغراف وأزمنة"

«المرأة الكاتبة» في سياق ثقافة ذكورية

وبرغم أن الكاتبة الراحلة كانت ترفض باستمرار، كما تقول الناقدة إشراق سامي، وصف أعمالها الأساسية بصفة النسوية فإنها تظل المرأة الكاتبة في ثقافة تزخر بـ«سيادة ذكورية للمنتجين في حقول الإبداع والأدب». وهذه مفارقة تستحق التأمل كما يرى الشاعر عارف الساعدي، مدير دار الشؤون الثقافية العامة، حيث عملت هناك صحافية ومحررة، ثم مديرة تحرير لمجلة «الثقافة الأجنبية»؛ فالثقافة التي كانت تطردها للهامش كانت هي ذاتها من أعلت من شأنها، بعد أن أثبتت حضورها المتفرد على مستويات إبداعية مختلفة؛ فهي كاتبة قصة، ورواية، وهي مترجمة، وناقدة أدبية، وكاتبة مقالة صحافية من طراز متفرد. كانت حقاً، والكلام للساعدي «رقماً صعباً في مضمار الأدب، وأحسب أنها استطاعت أن تخط لها مساراً عجز عن خطه مبدعون كبار».

ومما له صلة عميقة بأصول رفضها لإدراج نصوصها في خانة «الأدب النسوي»، تعلُّق نصوصها الأساسية بما يسميه الناقد عقيل عبد الحسين في شهادته بـ«الإليغوريا الوطنية في الرواية العربية» المعبرة عن «تطلع الكتّاب إلى دولة وطنية تحكمها قيم الحرية والعدل»، فلما انتهت تلك الإليغوريا الوطنية إلى سياقات «متعالية وإقصائية ومدمرة للإنسان والبيئة»، نجد أن الكاتبة لطفية الدليمي، تحديداً في روايتها الأخيرة «مشروع أوما»، تسعى، كما يضيف عبد الحسين، إلى «استبدال بالإليغوريا العالمية الإليغوريا الوطنية، تلك التي توحِّد العالم ومشكلاته السياسية والثقافية في نمط كتابي لا ينشغل بالتمايزات في الهوية وفي الانتماءات الآيديولوجية والدينية وغيرها، ويخلص للإنسان، ولما ترى فيه مبدأه ومنتهاه، وهو الأرض، الأم، أو البيئة الحاضنة لوجوده ولإمكاناته في العيش والإحساس، ويحرره من نير التصنيفات التقليدية: مذكر/ مؤنث، أنا/ آخر، عراقي/ عربي، عربي/ أجنبي». ولا بد أن التحوُّلات الكبرى لبلادها، العراق، كانت وراء هذا النزوع الإنساني الشامل في منطقها وأدبها.

ذاكرة أخرى للأدب والحياة

وللكاتبة الراحلة فضل كبير على الأدب في العراق؛ فقد تمكَّن سردها، كما يرى الناقد علي سعدون، رئيس تحرير مجلة الأقلام، من التحوُّل إلى «ذاكرة» حكائية شاملة، أو تكاد؛ فقصصها القصيرة ورواياتها صارت بمثابة «ذاكرة حية للحياة العراقية والعربية حيث سجَّلت من خلال قصصها القصيرة ورواياتها ومخيلتها الخصبة أهم العتبات التاريخية والسياسية والثقافية وتحولاتها الحادة عراقياً وعربياً. إنها نموذج للمبدعة العصامية التي واكبت الأحداث فكتبت عنها بحراجة الراهن وأهميته». وقد يكون علينا، في سياق الكتابة عن الذاكرة الإبداعية كما تقدِّمها روايات وقصص، وحتى مقالات وترجمات الكاتبة الراحلة، أن نلاحقها على المستوى الشخصي للكاتبة، لا سيّما أن ذلك التاريخ الشخصي، كما يجادل الناقد علي حسين الفواز، شاهد «على تحولات زمن عراقي عاصف، اختلطت فيه الرومانسية بالآيديولوجيا، الرواية بالذاكرة، والسياسة بالحلم، إذ كانت فيه لطفية الدليمي الساردة والمترجمة وصاحبة المشروع النقدي، وصانعة الشخصيات الاستثنائية، في تمردها وفي وعيها، وفي بحثها عن الحرية والمعنى».

غلاف «إذا كنت تحب»

وقد لا يبتعد كثيراً الحديث عن الذاكرة الخصبة للكاتبة الراحلة على صعيدي النصوص الأدبية أو الحياة الشخصية، ما يمكن أن نلمسه من تأثير كبير مارسته الكاتبة على أجيال أدبية مختلفة. مثل هذا التأثير المختلف، المؤسِّس غالباً، لمنطق الفرادة في سياق تيار الستينيات العراقي ذي العوالم العجائبية نجده، ابتداءً، في نصوص الكاتبة الأولى؛ فهي الكاتبة الستينية التي «تغامر» و«تصدر» مجموعتها القصصية الثانية «إذا كنت تحب»، وهو عنوان «رومانسي»، كما يقول الكاتب عبد الستار البيضاني، وقد حملت القصص غلافاً مفارقاً لما كان سائداً في كتب تلك الحقبة، فقد اختارت الكاتبة «لمجموعتها صورة فوتوغرافية لحقل تداعب الريح زرعه بغنج. وكان هذا خير معبر عن مضامين مجموعتها، حيث دفء اللغة وعذوبة القص». سوى أن الإحساس بالألفة لم يكن حصة البيضاني نفسه، إنما هو ما شاركه فيه زملاؤه من الجيل الثمانيني؛ فقد تحوَّل مكتبها في مجلة «الطليعة الأدبية» إلى ملتقى لأبناء ذلك الجيل، فـ«وجدتهم يتحلقون حول مكتبها في المجلة، وصارت غرفتها هي مكان موعد لقاءاتنا». فهي الأم الرؤوم كما تظهر لدى الكاتب الروائي لؤي حمزة عباس، وهو من جيل أدبي لاحق، أو هي الأم الكونية مثلما يحلو لها أن تسمِّي نفسها. فهي المبدعة و«راعية أحلامنا، السيدة التي رسمت روحها بين سطور كتاباتها، افتح أيَّ كتاب من كتبها: في الرواية، والقصة القصيرة، والمسرح، والرحلة، والبحث، وأعمالها العديدة في الترجمة، ومؤلفها الجميل عن النبات، تجدها حاضرة، حيَّة بابتسامة الأم الرؤوم ونظرتها الحانية».

وفيما كتبته الناقدة والأكاديمية الأردنية الدكتورة مريم جبر فرحات تعليقاً على رحيل الكاتبة المحزن مصداق للتأثير الكبير الذي مارسته الكاتبة الراحلة ليس على أبناء وطنها، ولا على مدينتها بغداد فحسب، إنما تلمسه الناقدة الأردنية على مدينة عمان التي اتخذتها الكاتبة وطناً بديلاً بعد أن ضاقت بها السبل؛ فصارت بلادها ومدينتها بعيدة عنها؛ فـ«عمان حزينة بفقد قامة إبداعية عظيمة ومؤثرة».

وعندي، أنا المولود بعد عقود من القصة الأولى، والكتاب الأول للكاتبة لطفية الدليمي، فإن الأثر الباقي للكاتبة يظل ذا سياق متَّصل وآخذ بالاتساع والدوام، وهو شأن النصوص الأصيلة المعبِّرة عن عصرها وثقافتها وبلادها وحياتها. وإذ أكتب اليوم عن الكاتبة لطفية الدليمي فإني أستعيد عشرات، وربما مئات المحادثات مما جمعني مع الكاتبة الراحلة على «الماسنجر» وغيره. وكان لي أن أكتب مقالة أولى، كما أفترض، عن روايتها الأخيرة «مشروع أومَّا»، وقد نشرته «الشرق الأوسط» الغراء. لكني أستعيد، هنا، رغبتي الجامحة في ثمانينيات القرن الماضي بنشر نصوصي في المجلة الأدبية التي كانت تحرِّر فيها لطفية الدليمي القصص وما يتصل بها. نعم، أستعيد تلك الرغبة، ذلك الشغف الجارف بأن تظهر نصوصي من تحت يدي الكاتبة الكريمتين، ولكن... هيهات؛ فقد ظل حلماً جميلاً.

 برغم أن الكاتبة الراحلة كانت ترفض باستمرار وصف أعمالها الأساسية بصفة النسوية فإنها تظل المرأة الكاتبة في ثقافة تزخر بـ«سيادة ذكورية»


مقالات ذات صلة

حجاج أدول: أنا حكاء بالفطرة وأكتب ما يجذب القارئ

ثقافة وفنون حجاج أدول

حجاج أدول: أنا حكاء بالفطرة وأكتب ما يجذب القارئ

سبع سنوات من القتال الشرس عشتها ما بين نهاية الستينات وبدايات السبعينات كان لها تأثيرها النفسي الرهيب > تعود في أحدث رواياتك «الطاووس الباكي والقرد اللاطم»

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون برونو شولتز

«دكاكين القرفة»... عوالم رواية أم قصص مجموعة بمواضيع مكررة؟

بعض الكتب تحجز لنفسها مكانة خاصة في الذاكرة ليس لقيمتها فحسب، إنما لقصة تتفرد بها مع قارئها؛ قصص برونو شولتز المسماة بـ«دكاكين القرفة»، المدى، بغداد: 2026،

حمزة عليوي
ثقافة وفنون «بين عالمين»... رحلة من سوريا إلى بريطانيا بحثاً عن وطن

«بين عالمين»... رحلة من سوريا إلى بريطانيا بحثاً عن وطن

صدر في لندن بالإنجليزية كتاب «بين عالمين: رحلة سورية» للكاتبة دُنى حاج أحمد، عن دار النشر البريطانية «Palewell Press».

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون فيتزجيرالد وزوجته

الجيل الضائع في باريس

كانوا ثُلة من الكُتّاب، والشعراء، والرسامين، والمصورين، والناشرين؛ جُلّهم من أبناء العالم الجديد في أميركا، وبعضهم من أرواح أوروبا الحالمة.

شاكر نوري
ثقافة وفنون اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

اغترابٌ واندماجٌ: سِكّتان لا تُفضيان إلى أي مكان

على شاطئ البحر، في بلدة بمرفأ صغير اسمها «الحنيّة» بالجبل الأخضر في ليبيا، طلب فجأة ضارب دفٍّ بدوي في حفل عرس من شاب سوري مسيحي، ماروني المذهب،

جمعة بوكليب

حجاج أدول: أنا حكاء بالفطرة وأكتب ما يجذب القارئ

حجاج أدول
حجاج أدول
TT

حجاج أدول: أنا حكاء بالفطرة وأكتب ما يجذب القارئ

حجاج أدول
حجاج أدول

تمتد تجربة الكاتب المصري حجاج أدول في عمق التاريخ والجغرافيا معاً، فهو مسكون بميراث الحكايات الخرافية وأجواء الفانتازيا العابرة للثقافات والحدود عربياً وعالمياً، كما أن جذوره نوبية عبر أقصى جنوب البلاد حيث الخصوصية الثقافية المدهشة، في حين أن نشأته كانت بمدينة الإسكندرية، أقصى الشمال، على ساحل البحر المتوسط.

كتب القصة القصيرة والرواية والمسرحية والمقال عبر لغة سردية مختلفة وشخصيات تلعب في المنطقة الوسطى بين الواقع والخيال، وهو ما انعكس على العديد من مؤلفاته، من أبرزها «ثلاث برتقالات مملوكية»، و«جبل الصعاليك»، و«سيرة المملوك عنطزة»، و«هضبة المساخيط»، و«بولاق الفرنساوي». كما يحظى فن السينما باهتمام خاص لديه.

هنا حوار معه:

سبع سنوات من القتال الشرس عشتها ما بين نهاية الستينات وبدايات السبعينات كان لها تأثيرها النفسي الرهيب > تعود في أحدث رواياتك «الطاووس الباكي والقرد اللاطم» إلى ولعك القديم بأجواء الفانتازيا وعالم القصص الخرافية الشهيرة في التراث العربي والعالمي... ما سر هذا الولع؟

- الإبداع الأدبي ملكة متعددة الأنواع، ما بين شعر ومسرح وقصة ورواية، وكل منها له تفريعات، وبعض التفريعات لها تفريعات، وكل جيل يبتكر الجديد ويضيفه على ما قد سبق. والأديب المبدع يولد بفطرته الخاصة، وأنا مدفوع في أغلب رواياتي على حب الفانتازيا، أي الحكي العجائبي.

والحكي عموماً، بالنسبة إليّ على الأقل، فطرة وجدت نفسي فيها، فقمت بتحقيقها مستمتعاً بها تماماً، ومن ثم، فأنا موقن بأن القارئ سيستمتع أيضاً، لأنه وجد روائياً فطرته الحكي.

والحقيقة أنني أحب الحكي، وأجد أنه ألذ بند في فن الرواية، ولا أتفق مع من يقدمون بنوداً فنية روائية أخرى عليه. أحب أن أسرح مع نفسي وأكتب ما يجذب صديقي القارئ ليسرح معي ونقفز معاً في مياه بحر ممتد الأفق، نسبح سباحة رائقة شائقة مثيرة، ونجد أسماكاً متنوعة من الفكر فنتفكر معاً في هدوء.

> ينتمي العمل إلى الرواية القصيرة «النوفيلا» الذي ينطوي على تحديات فنية قد لا توجد في النص الطويل المسهب... كيف تتحدد مساحة العمل لديك؟

- لا أختار النوع سواء أكان رواية أم قصة أم مسرحاً، فالعكس هو الصحيح والتجربة تختار قالبها، أي أن النوع هو من يأتي ليقول لي اكتبني كما أتيت لك. والرواية عندي تأتيني من عقلي الوجداني بصيغتها الخاصة وتقول لي، على سبيل المثال، أنا نوفيلا، فلا أستطيع أنا بعقلي الواعي أن أشوهها لأجعلها ملحمة.

> من بين أعمالك العديدة، يبدو أن رواية «بولاق الفرنساوي» تحظى بمكانة خاصة لديك... هل السبب يعود إلى أنك تستعيد عبرها مساحة ما من سيرتك الذاتية كمقاتل خاض حرب أكتوبر 1973؟ وما الذي تبقى من تلك التجربة إنسانياً وأدبياً؟

- لحظة القتال المحتدم ليست كغيرها من اللحظات، هي لحظة قاتل أم مقتول، سليم أم مصاب. غريزة الحياة تدفع المقاتل للحرص على حياته فيجبن أحياناً، لكن واجبه الوطني أو الديني أو غيرهما يدفعانه لتخطي الجبن ليكون شجاعاً؟ لحظات رهيبة. لذا سبع سنوات من القتال الشرس التي عشتها ما بين نهاية الستينيات وبدايات السبعينيات كان لها تأثيرها النفسي الرهيب، سنوات مجيدة وموجعة معاً.

كنت أنتوي كتابة ملحمة عن سنوات القتال، لكن ظروف قاسية حالت دون ذلك، فكتبت قصصاً ثم رواية «بولاق الفرنساوي»، وحالياً أكتب «ذكريات في دفتر العبور».

> كيف ترى مصطلح «أدب الحرب» عموماً وهل ينبغي أن يكون الكاتب المصنف ضمن تلك الدائرة خاض أهوال القتال بالفعل؟

- أي مصطلح أدبي يجب أن يجمع عدداً من التجارب والأعمال الأدبية ذات الخصوصية المشتركة. فنقول أدب البحر لنحتوي روايات وقصص البحر مثل رواية «موبي ديك» لهيرمان ميلفيل أو نقول أدب الصحراء ونأتي بنصوص إبراهيم الكوني.

وأدب الحرب يجتمع تحت جناحه كل سرد أساسه الحرب، والأمثلة عديدة منها «كل شيء هادئ في الميدان الغربي» لإريش ماريا ريماك. أما أن يكون الكاتب قد حارب فعلاً، فليس بالضرورة، فتولستوي كتب «الحرب والسلام» لكنه لم يشارك في حرب روسيا ضد الغزو النابليوني، لكنه قرأ عنها وسمع، وتعمق في مشاعره تجاهها حتى صار وكأنه حارب فيها، لكن أن يكون الكاتب قد حارب فعلاً، فهذا أفضل.

> ما بين جذورك النوبية في أقصى جنوب البلاد ونشأتك بالإسكندرية بأقصى الشمال، كيف تكونت ملامح الخصوصية السردية في تجربة حجاج أدول؟

- جمعت بين أقصى الجنوب النوبي وأقصى الشمال السكندري، فحين يقال حجاج، فأنا البحر الذي يحتوي الإسكندرية، بكل ما يحمله من معانٍ، وحين يقال أدّول فأنا النيل الذي تربطه علاقة خاصة بالنوبة. وفي كتاباتي يحضر النيل مثلما في روايتي «الكُشَر» ومجموعتي القصصية «ليالي المسك العتيقة»، كما يحضر البحر في روايتَيَّ «رحلة السندباد الأخيرة» و«رحلة العنقاء إلى بلاد التبر والألماظ».

> تمتلك علاقة شديدة الخصوصية والعمق بفن السينما الذي وضعت فيه العديد من المؤلفات... ما سر تلك العلاقة؟

- من صغري وأنا عاشق لفن السينما. الشاشة الفضية أفق ساحر ممتع ملهم، وكتبت كثيراً عن «أفلام الويستيرن»، وكيف أنها تكشف جانباً عميقاً من نفسية الشعب الأميركي. ثم واصلت التعمق فأظهرت أن شخصية «الكاوبوي» لم تنحصر في فترة الوصول الأولى للمهاجرين من أوروبا، بل شخصية الكاوبوي متوغلة فيهم حتى الآن، بدليل فيلم «ذئب وول ستريت» على سبيل المثال وبطله ليوناردو دي كابريو الذي يقوم بدور صاحب شركة لها منافسون يتسمون بالشراسة، فيحفز العاملين عنده للعمل العنفواني العاصف، فماذا فعل؟ ينفعل ويقلد الغوريلا الهائجة، فيضرب بيمناه على صدره بقوة ويصيح: هُو هُو هُو، فيقلده موظفوه في حماسة ويعوون مثل الذئاب. إنهم رغم حداثة زمنهم، يبدون كأنهم في حالة توحش. إنهم حالة الكاوبوي الحديث.

> لكن إعجابك بأفلام بعينها كثيراً ما تحول إلى مشاريع كتب كاملة؟

- نشرت كتاب «رائعة خلّي بالك من زوزو» عن الأحداث التي رافقت عرض الفيلم، إنتاج 1972 بطولة السندريلا سعاد حسني وحسين فهمي، والمعارضات الحادة التي واجهته، رغم أنه لا يزال حتى الآن، الفيلم الذي ضرب الرقم القياسي في البقاء معروضاً على شاشات السينما.

بينت في الكتاب عظمة سعاد حسني، وكيف أنها تماهت تماماً مع شخصية بطلة الفيلم «زوزو»، فكان هذا التماهي زيادة في تألقها، ثم انقلب ليكون من أسباب متاعبها النفسية، حين تسرب منها الشباب وبهتت الشهرة.


«دكاكين القرفة»... عوالم رواية أم قصص مجموعة بمواضيع مكررة؟

برونو شولتز
برونو شولتز
TT

«دكاكين القرفة»... عوالم رواية أم قصص مجموعة بمواضيع مكررة؟

برونو شولتز
برونو شولتز

بعض الكتب تحجز لنفسها مكانة خاصة في الذاكرة ليس لقيمتها فحسب، إنما لقصة تتفرد بها مع قارئها؛ قصص برونو شولتز المسماة بـ«دكاكين القرفة»، المدى، بغداد: 2026، أحد هذه الكتب المختلفة القادرة على أن تكون لها قصة مختلفة. كانت المدى، الدار الناشرة للقصص، قد روَّجت، بصورة أولية، للكتاب بتجنيسه بصفة الرواية، فيما كانت الكاتبة المصرية منصورة عز الدين تصرُّ بمقالين سابقين لها وبمحاورة مباشرة معها، أن الكتاب عبارة عن قصص. ثمّ وجدت أن الدار ذاتها قد صحَّحت نشرتها بوصف الكتاب بأنه «قصص». وهذا ما أكَّده المترجم نفسه، هاتف جنابي، برسالة جوابية وصلت إليّ منه، قال إن الكتاب: قصص، وهي كل تراث برونو شولتز القصصي المؤكد، بالإضافة إلى مجموعة قصص ثانية بعنوان: «مصحَّة عند الساعة الرملية» تضمنت 13 قصة قصيرة. لكن القراءة الفعلية لقصص «دكاكين القرفة» الخمس عشرة تنحاز، ربما، للنشرة الإعلانية الأولى للدار الناشرة؛ فالقصص تتضافر في تشكيل عالم سردي بخصائص موحدة ومكرَّرة. ماذا يعني هذا؟ عوالم رواية أم قصص مجموعة بمواضيع مكررة؟

تقول لنا قراءة قصص شولتز إن هناك راوياً أساسياً واحداً يتكرر في القصص كلها، هو يوسف، فيما تدور أغلب القصص على الطبائع الغريبة للأب يعقوب وشخصيته المتفردة، وهو أبو يوسف نفسه، راوي القصص. وفي شخصية الأب نفسه ألف حجة ودليل تدعم فرضية تهافت منطق القصة القصيرة، نذكر منها بالإجمال اضطراب وصف الأب في القصص كلها؛ فلا صفات مكرَّرة عنه في القصص، وقد نقول إن كل قصة تصف لنا أباً مختلفاً عن الأب في القصة السابقة، عنها في القصة اللاحقة. وربما يكون الأمر الموحد، أو ما يجري تكراره في وصف الأب، أو حتى بناء شخصية الأب، هو تعاطف الراوي مع أبيه. وهناك الأم ذات الملامح الباهتة والشخصية النمطية التي لا يُظهر الراوي تعاطفاً معها. وثمة عم «شقيق الراوي»، وهو شخصية تشابه الأم في التزامها سلوكيات مكرَّرة. وفي القصص ثمة حضور جيد لشخصيات مكمِّلة، تدعِّم غلبة فرضية الرواية على منطق القصة القصيرة، هي: أغاتا، خالة الراوي، وزوجة العم مارك. ومارك نفسه، عم الراوي، وهو أبو لوتسيا وأميل. ولا ننسى كارول، العم الثاني للراوي. وهناك برازيا، خالة الراوي. فضلاً عن الموظف العامل في متجر الأب يعقوب: تئودور أو تيودور. ويقابل هذه الشخصيات «الواقعية» شخصيات تصفها هوامش المترجم، أو حتى الراوي/ الكاتب نفسه بأنها «خيالية»، مثل: أديلا، الشخصية الخيالية، بطلة قصة «دكاكين القرفة» التي اتَّخذت القصص من اسمها عنواناً لها. ويرد عنها في الملحق الخاتمي الإيضاح الآتي: «أديلا خادمة شابة ذات ساقين جميلتين ونحيلتين. في أعمال شولتز، ترمز إلى أنوثة شريرة ومظلمة».

هذه الشخصيات القصصية المكرَّرة، غالباً، تعيد تأسيس السرد بعيداً عن منطق السرد القصير، أو كما يُسمى بالقصة القصيرة، فهي شخصيات إشكالية متطلِّبة لأوصاف كثيرة وحكي متراكم ورؤى فكرية وسردية لتعبِّر عن عالمها وذاتها المأزومة. لذا؛ نراها تعمد إلى مراكمة التوصيفات وسرد الوقائع القصصية من زوايا مختلفة. وليست المشكلة القصصية كامنة في الشخصيات ومنطقها الحكائي المكرَّر فحسب؛ نحن نرى أن السرد وبنياته المتعددة يتلاعب بالقصة القصيرة ويتحرَّر منها، ويسعى إلى تشكيل عالمها بطرائق مختلفة تنسجم مع منطق الرواية القصيرة ذات الفصول المتعدِّدة. لكن تمرُّد السرد على منطق القصة القصيرة غير كافٍ، وحده، للتحول الأجناسي من القصة القصيرة إلى النوفيلا، مثلاً.

وقد نرجح فرضية المتتالية السردية، أو القصصية كما يستقر لدى نقاد عالميين وعرب. والقصص، مجتمعة، بتسلسلها الحالي تنتظم بمنطق التوالي؛ إذ يصعب أن تكتفي القصة الأولى، «أغسطس/ آب»، بعالمها المتفرِّد، وتكتفي به، ويظل العالم القصصي، والحدث، والزمان، والأوصاف، مفتوحة على مصراعيها كي تترحَّل أجزاء أساسية منها للقصة «المتتالية» اللاحقة، وهكذا.


«بين عالمين»... رحلة من سوريا إلى بريطانيا بحثاً عن وطن

«بين عالمين»... رحلة من سوريا إلى بريطانيا بحثاً عن وطن
TT

«بين عالمين»... رحلة من سوريا إلى بريطانيا بحثاً عن وطن

«بين عالمين»... رحلة من سوريا إلى بريطانيا بحثاً عن وطن

صدر في لندن بالإنجليزية كتاب «بين عالمين: رحلة سورية» للكاتبة دُنى حاج أحمد، عن دار النشر البريطانية «Palewell Press».

وهو عمل يمزج بين السيرة الذاتية والشهادة الإنسانية على واحدة من أكثر المراحل قسوة وتعقيداً في التاريخ السوري المعاصر.

تنطلق دُنى حاج أحمد، في كتابها، من حياتها في سوريا قبل أن تتغير ملامح ذلك العالم، مع اندلاع الحرب السورية. ومن خلال تجربتها الشخصية، تروي ما تعنيه الحرب حين لا تعود خبراً سياسياً أو رقماً في نشرات الأخبار، بل تصبح جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية: الخوف، والفقد، والانفصال عن الأماكن والأشخاص، والاضطرار إلى اتخاذ قرارات يمكن أن تغيّر مسار حياة كاملة.

لكن «بين عالمين» ليس كتاباً عن الحرب وحدها. فهو يتابع رحلة اللجوء وما يأتي بعدها: الوصول إلى بلد جديد، ومحاولة البدء من الصفر، وتعلّم العيش داخل مجتمع مختلف، والبحث عن الأمان والاستقرار، ومواجهة الأسئلة المعقدة المتعلقة بالهوية والانتماء والذاكرة.

تتابع المؤلفة التحولات التي مرّت بها حياتها، وكيف يمكن للإنسان أن يحمل وطنه معه حتى بعد أن يصبح بعيداً عنه جغرافياً. ومن هنا يأتي عنوان الكتاب «بين عالمين»، إذ يعكس حالة العيش بينهما: عالم بقي في الذاكرة، وشكّل الهوية، وعالم جديد أصبح واقعاً يومياً ومكاناً لبناء مستقبل جديد.

ويحاول الكتاب كذلك أن يذهب أبعد من الصورة النمطية للاجئ بوصفه رقماً أو حالة إنسانية عابرة. فمن خلال التفاصيل الشخصية والعائلية والمهنية، يظهر اللاجئ إنساناً يحمل تاريخاً وذاكرة وأحلاماً وعلاقات وطموحات، ويواجه بعد وصوله إلى الأمان معركة أخرى لإعادة بناء حياته واستعادة الشعور بالاستقرار والانتماء.

في بلد اللجوء والأمان تبدأ أسئلة، مثل؛ ماذا يبقى من الوطن عندما يصبح بعيداً؟ وكيف يستطيع الإنسان أن يبني حياة جديدة من دون أن يشعر أنه يتخلى عن حياته الأولى؟ وكيف تتغير علاقتنا بالمكان والذاكرة والهوية عندما نجد أنفسنا، حرفياً ومجازياً، بين عالمين؟

ومن خلال قصتها الشخصية، تفتح دنى حاج أحمد نافذة على تجربة عاشها كثير من السوريين الذين حملوا معهم إلى المنافي أكثر مما يمكن أن تحمله حقيبة سفر؛ ذكريات البيوت والشوارع، تفاصيل العائلة والأصدقاء، اللغة والعادات، صورة حياة كانت تبدو يوماً عادية وبديهية، قبل أن تصبح جزءاً من الماضي. ولهذا، لا يحاول الكتاب أن يروي قصة الحرب بقدر ما يروي قصة الإنسان الذي عاشها، وما الذي يحدث له بعد أن تتغير حياته ومكانه وعلاقته بفكرة الوطن إلى الأبد.

وفي الوقت نفسه، لا يبقى الكتاب أسيراً للحزن أو الفقد. فإلى جانب ما ضاع، هناك أيضاً ما يُبنى من جديد؛ حياة جديدة، وعلاقات جديدة، ومساحة جديدة للانتماء والأمل. وبين العالم الذي تركته دُنى خلفها، والعالم الذي أصبحت جزءاً منه، تظهر رحلة أكثر تعقيداً من مجرد الانتقال من سوريا إلى بريطانيا؛ إنها رحلة البحث عن طريقة للتصالح بين ماضٍ لا يمكن التخلي عنه ومستقبل لا يمكن التوقف عن بنائه.

وربما هنا تكمن إحدى أكثر الأفكار حضوراً في الكتاب؛ أن الإنسان قد يغادر وطنه لكن الوطن لا يغادره بالسهولة نفسها، وأن البدء من جديد لا يعني محو ما سبق بل تعلّم كيف نحمل ما فقدناه معنا، من دون أن يمنعنا ذلك من الاستمرار في الحياة.