مسرحية «أم كلثوم» تُعيد اكتشاف محطات فارقة بحياة «كوكب الشرق»

عبر فقرات استعراضية غنائية

المخرج أحمد فؤاد في البروفات الخاصة بالمسرحية (الشرق الأوسط)
المخرج أحمد فؤاد في البروفات الخاصة بالمسرحية (الشرق الأوسط)
TT

مسرحية «أم كلثوم» تُعيد اكتشاف محطات فارقة بحياة «كوكب الشرق»

المخرج أحمد فؤاد في البروفات الخاصة بالمسرحية (الشرق الأوسط)
المخرج أحمد فؤاد في البروفات الخاصة بالمسرحية (الشرق الأوسط)

في محاكاة مميزة لحفلات «كوكب الشرق» الشهيرة في القاهرة، أعاد صناع مسرحية «أم كلثوم» إذاعة إحدى مُقدِّمات الإعلامي الراحل جلال معوض، وهو يُمهِّد لرفع الستار عن «الست» بكلمات حماسية يتردد صداها بين المشاهدين المتحمسين لإطلالتها الفريدة، ليرفع ستار المسرحية الجديدة مساء الجمعة عن صورة مبهرة لكوكب الشرق بتقنية الهولوغرام.

العرض الذي حضره فنانون ووزراء؛ أعاد اكتشاف محطات فارقة من مشوار «صاحبة الحنجرة الذهبية»، عبر أكثر من ساعتين، بداية من طفولتها في قرية طماي الزهايرة بالدقهلية (دلتا مصر) وحتى وصولها إلى سلم المجد في القاهرة والعالم العربي.

جانب من بروفات العرض (الشرق الأوسط)

مزج العرض، الذي كتبه مدحت العدل وأخرجه أحمد فؤاد، واعتمد على الوجوه الجديدة بشكل كبير، بين الدراما والغناء والاستعراض في صيغة «ميوزيكال»، مع استعراض أبرز محطات حياتها.

بدأت المسرحية بمشهد مؤثر في غرفة «كوكب الشرق» وهي تستريح بين وصلات حفلاتها الشهيرة، قبل أن تستعيد ذاكرتها في رحلة إلى الطفولة في قرية طماي الزهايرة بالدقهلية. جسَّدت شخصية الطفلة «أم كلثوم» الفنانة ملك أحمد، وقدَّمت بصوتها مشاهد البدايات تحت إشراف والدها الشيخ إبراهيم الذي لعب دوره عمر صلاح الدين، ثم انتقلت المسرحية إلى مرحلة الشباب التي جسَّدتها الفنانة أسماء الجمل، حيث ظهرت على المسرح لتؤدي الأغنيات الأولى وتواجه صراعاتها مع الفنانة منيرة المهدية، التي جسَّدتها الممثلة ليديا لوتشيانو بأداء قوي وصوت متمكن أعاد الجمهور إلى أجواء صراع البدايات.

مع تقدُّم الأحداث، تجسَّدت علاقة الحب الخالدة بين الشاعر أحمد رامي وأم كلثوم، وقدَّم دوره الممثل سعيد سلمان بصدق درامي لافت، بينما ظهر الممثل أحمد علي الحجار في شخصية محمد عبد الوهاب، مجسداً اللقاء الفني الذي وُصف بـ«لقاء السحاب» في أغنية «إنت عمري». واستعاد العرض هذه اللحظة التاريخية عبر حوار غنائي حاز مساحة واسعة من التفاعل الجماهيري واستبقها تنافسهما على مقعد نقيب الموسيقيين الذي فازت به أم كلثوم عام 1942، كذلك برزت شخصيات عدة في العرض لعبت أدواراً محورية في مسيرتها، منهم رياض السنباطي، وبليغ حمدي، ومحمد فوزي.

الجانب الإنساني في علاقتها بشقيقتها ووالدها لم يكن غائباً في اللحظات الإنسانية الكثيرة التي مرَّت بها في الأحداث، ومن بينها صدمة اكتشافها المعاناة من تضخم الغدة الدرقية، ومخاوف الفشل التي لاحقتها باستمرار في كل تجربة تقوم فيها بالتجديد.

الملصق الترويجي للمسرحية (الشركة المنتجة)

كما لم يغفل العرض الدور الذي لعبته «كوكب الشرق» في المجهود الحربي، وهو ما استحوذ على جزء ليس بقليل من الوقت في الفصل الثاني، مع حفلاتها وجولاتها بعد النكسة التي جمعت خلالها ما يزيد على 4 ملايين جنيه، في وقت وُظِّفت فيه الشاشة السينمائية في الخلفية لتوثيق الأحداث عبر مقتطفات مما نشرته الصحف عنها.

وقال مخرج المسرحية أحمد فؤاد لـ«الشرق الأوسط» إن فريق العمل جرى اختياره من خلال اختبارات مكثفة امتدت لأيام عدة، شارك فيها أكثر من ألف متقدم، حيث كان الهدف البحث عن مواهب جديدة تستطيع الجمع بين التمثيل والغناء والقدرة على تقديم الاستعراض، لافتاً إلى أن «طبيعة الدراما الموسيقية فرضت على النص أن يكون مغنَّى بالكامل، وهو ما تطلّب قدرات مختلفة لدى الممثلين، مع الحرص على الاستعانة بوجوه جديدة في المسرحية».

وأضاف أن الرؤية الإخراجية انطلقت من تقديم أم كلثوم إنسانةً قريبةً من المتلقي، وليست مجرد شخصية أسطورية أو أقرب إلى صورة مثالية، لذا ركّز العرض على نقاط التحول في حياتها، وعلى إدارتها لموهبتها بشكل واعٍ ومثابر جعلها قادرة على التجدد والارتقاء الدائم، مشيراً إلى أنه كان حريصاً على عدم الانفصال عن توظيف أحدث الوسائل التقنية، مع استخدام المؤثرات البصرية والشاشات ووسائل التوثيق الصحافي لتدعيم الإيقاع السريع للعرض ونقل المتفرج بين الأزمنة والأماكن.

وعدّ الناقد خالد محمود لـ«الشرق الأوسط» أن العمل أعاد قراءة حياة أم كلثوم بشكل فني مبهر، في تجربة تميزت بالجرأة الإنتاجية والرؤية الإخراجية المتميزة، مشيراً إلى أن العرض افتقد بعض المحطات المهمة في حياة كوكب الشرق.

المخرج أحمد فؤاد في البروفات الخاصة بالمسرحية (الشرق الأوسط)

وأكد محمود أن «اعتماد العمل على وجوه جديدة وصاعدة يمثل مجازفة كبيرة من المنتج مدحت العدل، لكنه خطوة تُحسَب له لأنها أفرزت مواهب حقيقية»، مشيراً إلى أن «العمل سيكون موضع اختلاف فكري بين الجمهور والنقاد، لكنه سيُشكِّل بالوقت نفسه تجربةً فنيةً ثريةً». على حد تعبيره.

رأي دعمه الناقد محمد عبد الرحمن الذي يشير لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «العرض أتاح فرصةً استثنائيةً لمجموعة من الوجوه الجديدة لإثبات موهبتهم»، لافتاً إلى أن «هذه الطاقات الشابة كانت من أهم مكتسبات المسرحية».

وأضاف عبد الرحمن أن «المخرج أحمد فؤاد نجح في تقديم رؤية بصرية وحركية مميزة، تنقَّلت بالمُشاهد بين المراحل الزمنية بسهولة وانسيابية، مدعوماً بالمؤثرات المختلفة التي وظَّفها لخدمة العمل»، لكنه في الوقت نفسه يؤكد أن «المسرحية لم تحمل كثيراً من المفاجآت على مستوى النص، إذ اكتفى المؤلف مدحت العدل بتلخيص السيرة في شكل أقرب للتوثيق، دون تقديم رؤية مغايرة أو أسرار غير مطروقة».


مقالات ذات صلة

«أداجيو»... ابتسامة أخيرة تكسر صمت لحظات الفقد القاسية

يوميات الشرق لقطة لبطلي العمل (مخرج المسرحية)

«أداجيو»... ابتسامة أخيرة تكسر صمت لحظات الفقد القاسية

يطرح العرض المسرحي المصري «أداجيو» المأخوذ عن رواية بالاسم نفسه للكاتب المصري البارز إبراهيم عبد المجيد تساؤلات عبر حبكة درامية تتسم بالشجن.

رشا أحمد (القاهرة)
يوميات الشرق يعدّ إسطنبولي الفنون الدامجة ضرورة لجميع اللبنانيين (الجهة المنظمة)

في «أسبوع سينما الصمّ»... أفلام بلغة الإشارة في بيروت

يُنظَّم هذا النوع من المهرجانات من خلال اتصالات مباشرة بين الجهة المنظِّمة والجمعيات التي تهتم بالصمّ والمكفوفين.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق بدت الأمسية مصافحةً متأخّرةً بين ريمون جبارة وجمهور لم يعش زمنه الأول (الشرق الأوسط)

جامعة الكسليك تُكرّم ريمون جبارة... وعودة «شربل» بعد نصف قرن

جاء التكريم في وقت يحتاج فيه المسرح اللبناني إلى مَن يستعيد أسماءه المؤسِّسة.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق «شهرزاد» و«شهريار» خلال العرض (الشرق الأوسط)

«شهرزاد» تشرق مجدداً بموسيقى كورساكوف وتابلوهات «الرقص الحديث»

عادت القطعة الموسيقية الملحمية الأشهر للروسي ريمسكي كورساكوف، يتردد صداها في المسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية، في عرض الرقص المسرحي الحديث «شهرزاد».

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق حنان مطاوع تراهن على دورها في «هيروشيما» (حسابها على فيسبوك)

حنان مطاوع لـ«الشرق الأوسط»: أتمنى ترسيخ أقدامي في الكوميديا

أبدت الفنانة المصرية حنان مطاوع حزنها لعدم عرض مسلسها «حياة أو موت» حتى الآن، رغم الانتهاء من تصويره منذ عامين.

مصطفى ياسين (القاهرة)

لماذا يستخدم معظم البشر يدهم اليمنى؟

كلّ يد تحمل تاريخاً طويلاً من التطوّر والبقاء (شاترستوك)
كلّ يد تحمل تاريخاً طويلاً من التطوّر والبقاء (شاترستوك)
TT

لماذا يستخدم معظم البشر يدهم اليمنى؟

كلّ يد تحمل تاريخاً طويلاً من التطوّر والبقاء (شاترستوك)
كلّ يد تحمل تاريخاً طويلاً من التطوّر والبقاء (شاترستوك)

أدَّى المشي المنتصب إلى تحرير أيدي أسلافنا، ممّا أتاح لهم استخدامها في التعامل مع الأشياء. واليوم، يُفضّل نحو 90 في المائة من البشر، في مختلف الثقافات، استخدام اليد اليمنى في أداء المَهمّات، وربما بدأ هذا التفوّق لمصلحة اليد اليمنى عندما بدأ أسلاف البشر الأوائل بالمشي على قدمين، وفق دراسة جديدة.

وكشفت عقود من البحوث حول تفضيل استخدام اليد لدى مختلف أنواع الكائنات الحيّة، عن أنه لا يوجد أيّ نوع آخر من الرئيسيات يُظهر هذا المستوى من التفضيل الجماعي كما الحال لدى البشر. وعلى ما يبدو، فإنّ الجينات والدماغ وعملية تطوُّر الجسم منذ وجود الجنين داخل الرحم، تتعاون جميعها في تحديد ما إذا كان الشخص أيمن أم أعسر.

ومع ذلك، ظلَّ السبب الدقيق وراء هذه الهيمنة التاريخية لليد اليمنى لغزاً مُحيّراً.

أما اليوم، فتشير دراسة جديدة إلى أنّ هذه الصفة ظهرت تقريباً في المدّة التي بدأ فيها أسلاف البشر الأوائل بالمشي المُنتصب، وفي الوقت عينه بدأت أدمغتهم تزداد حجماً.

وفي هذا السياق، قال أحد مؤلّفي الدراسة التي نقلتها «الإندبندنت» عن دورية «بلوس بيولوجي»، توماس بوشل: «تشير نتائجنا إلى أنّ الأمر مرتبط على الأرجح ببعض السمات الأساسية التي تجعلنا بشراً، لا سيما المشي المنتصب وتطوّر الأدمغة الأكبر حجماً».

وعكف العلماء القائمون على الدراسة على تحليل بيانات تخص 2025 فرداً من 41 نوعاً من القرود والقردة العليا.

واختبر الباحثون فرضيات مختلفة تحاول تفسير تطور تفضيل استخدام اليد، بما في ذلك استخدام الأدوات، والنظام الغذائي، والموطن، وكتلة الجسم، والتنظيم الاجتماعي، وحجم الدماغ، وطريقة الحركة.

ووجد العلماء أنّ أفضل تفسير لتطور استخدام اليد يرتبط بوجود دماغ كبير، وطول نسبي للأذرع مقارنةً بالساقين، وهو معيار تشريحي معروف يدل على الحركة على قدمين.

وباستخدام هاتين الصفتين، تمكن الباحثون أيضاً من تقدير نمط استخدام اليد لدى أسلاف البشر المنقرضين، وخلصوا إلى أنّ أسلاف البشر الأوائل، مثل «أرديبيثيكوس» و«أسترالوبيثيكوس»، ربما امتلكوا ميلاً طفيفاً نحو استخدام اليد اليمنى، على غرار القردة العليا الحديثة.

لكن هذا التفضيل أصبح أوضح لدى جنس «هومو»، بما في ذلك «هومو إيرغاستر» و«هومو إيريكتوس» و«النياندرتال»، حتى بلغ مستواه الحالي لدى الإنسان العاقل.

ويعتقد العلماء أنّ المشي المنتصب جاء أولاً، ممّا أتاح لأسلافنا تحرير أيديهم من مهمة الحركة والتنقل، قبل أن تؤدّي الأدمغة الأكبر لاحقاً إلى ترسيخ الميل نحو استخدام اليد اليمنى بوصفه النمط السائد اليوم.


علماء يكشفون عن كيفية تحوّل القطن من نبات بري إلى محصول عالمي

قطن ينتظر قطفه في حقل بفلورنس بولاية ألاباما الأميركية (رويترز - أرشيفية)
قطن ينتظر قطفه في حقل بفلورنس بولاية ألاباما الأميركية (رويترز - أرشيفية)
TT

علماء يكشفون عن كيفية تحوّل القطن من نبات بري إلى محصول عالمي

قطن ينتظر قطفه في حقل بفلورنس بولاية ألاباما الأميركية (رويترز - أرشيفية)
قطن ينتظر قطفه في حقل بفلورنس بولاية ألاباما الأميركية (رويترز - أرشيفية)

القطن هو المحصول غير الغذائي الأكثر ربحية في العالم وأكثر الألياف الطبيعية استخداماً، إذ يعرف بملمسه المريح ومتانته، واستخدم منذ العصور القديمة في صناعة الأقمشة وغيرها من المنتجات.

تزرع 4 أنواع من القطن للاستخدام التجاري، لكن نوعاً واحداً هو السائد، إذ يمثل نحو 90 في المائة من الإنتاج العالمي.

وكشف العلماء مؤخراً، بفضل تحليلات وراثية دقيقة، كيف جرى تحويل قطن المرتفعات، المسمى «جوسيبيوم هيرسوتوم»، إلى محصول تجاري واسع الانتشار. وخلصوا إلى أن هذا التحول بدأ في المكسيك في الجزء الشمالي الغربي من شبه جزيرة يوكاتان. وكانت المنطقة في ذلك الوقت مأهولة بمزارعين من العصر الحجري، قبل وقت طويل من ازدهار حضارة المايا هناك، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

وقال جوناثان ويندل، أستاذ علم النباتات وعلم الأحياء التطوري بجامعة ولاية أيوا، إن هذه العملية حدثت منذ ما لا يقل عن 4000 عام، وربما منذ ما يصل إلى 7000 عام.

حدّد الباحثون مكان حدوث هذا التطويع من خلال مقارنة التركيب الجيني للقطن المزروع بأنواع برية، عُثر عليها في يوكاتان وفلوريدا وعدد من جزر الكاريبي، من بينها بويرتوريكو وغوادلوب، ليتبيّن أن أقربها تطابقاً هو القطن البري في يوكاتان.

بكرات من خيوط القطن في مزاد بمدينة سان فرانسيسكو الأميركية 15 مايو 2026 (أ.ب)

وقال ويندل، الباحث الرئيسي المشارك في الدراسة التي نشرت، الاثنين، في دورية «وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم»: «نباتات القطن البري هي شجيرات خشبية متعددة الفروع أو أشجار صغيرة معمرة ذات أزهار قليلة نسبياً وأزهار وثمار وبذور أصغر حجماً من تلك المزروعة حالياً».

وأضاف أن اهتمام بعض الجماعات البشرية بهذه النباتات البرية كان الشرارة الأولى لمسار طويل من التطوير الزراعي، انتهى بعد آلاف السنين إلى ظهور الشكل المعاصر للمحصول.

وقالت كورين غروفر، عالمة الوراثة وعلم الأحياء التطوري بجامعة ولاية أيوا والباحثة الرئيسية المشاركة في الدراسة: «رأى المزارعون الأوائل في هذا النبات البري... إمكانات واعدة لإنتاج مواد ناعمة. وتمكن النساجون الأوائل من عزل أليافه يدوياً واستخدامها في نسج الأقمشة وصناعة شباك الصيد والحبال وغيرها من المنتجات».

انتقل قطن المرتفعات إلى بقية العالم في أعقاب الغزوات الإسبانية للأميركتين في القرن السادس عشر. وتُعدّ الصين والهند والولايات المتحدة والبرازيل الآن من أكبر منتجي القطن في العالم.

وقالت غروفر: «تشير الأبحاث إلى أن عملية التطويع، أي تحويل هذه الألياف القصيرة الخشنة البنية إلى النسيج الناعم الأبيض عالي الجودة الذي نعرفه اليوم، تتضمن على الأرجح كثيراً من الجينات التي تعمل في تناغم معقد».

وخلصت الدراسة إلى أن نبات القطن في شكله الحالي يتمتع بتنوع جيني أقل بكثير، أي تنوع الخصائص الجينية داخل النوع الواحد، مقارنة بنظيره البري. ويمكن أن يحد انخفاض التنوع الجيني من قدرة النبات على التكيف مع التغيرات البيئية مثل التعرض للأمراض.

القطن جاهز للحصاد وهو يغطي حقلاً في مينتورن بولاية كارولاينا الجنوبية الأميركية (رويترز - أرشيفية)

وقالت غروفر: «نعلم أن التطويع غالباً ما يؤدي إلى فقدان التنوع الجيني، إذ كان المزارعون الأوائل ينتقون السمات الأكثر نفعاً، ما أدى تدريجياً إلى تراجع التنوع الجيني قبل أن تتفاقم هذه العملية مع تطور أساليب تحسين المحاصيل وتزايد ضغوط الانتقاء».

وأضافت أن الدراسة تتيح فهماً أوسع لما يعنيه هذا التحول على مستوى الجينوم العالمي للقطن، مقارنة بما لا يزال قائماً في الأنواع البرية. وأوضحت أن هذا المخزون الوراثي البري يظل بالغ الأهمية، لأن بعض الصفات التي فُقدت دون قصد مثل مقاومة آفات معينة قد تكون ذات قيمة كبيرة عند إدماجها في الأصناف المزروعة الحديثة.

جرى تحويل نوع آخر من القطن هو جوسيبيوم باربادينس، أو القطن طويل التيلة، إلى محصول زراعي في الأميركتين، خاصة بيرو أو الإكوادور في نفس الفترة الزمنية تقريباً، الذي تم فيها تطويع قطن المرتفعات. ويشكل هذا النوع حالياً نحو 5 في المائة من إنتاج القطن العالمي.

أما بقية الإنتاج فهو من نوعين آخرين جرى تحويلهما إلى محاصيل زراعية، هما جوسيبيوم أربوريوم القادم من شبه القارة الهندية، وجوسيبيوم هيرباسيوم الذي تعود أصوله إلى أفريقيا جنوب الصحراء وشبه الجزيرة العربية.

ويتفوق القطن كثيراً على محاصيل الألياف الأخرى مثل الكتان والقنب من حيث حجم الإنتاج.

وذكرت غروفر: «الطلب على القطن، رغم تباينه من سنة إلى أخرى، لا يزال مرتفعاً ويبدو أنه في اتجاه تصاعدي بشكل عام».

أدّى اختراع محلج القطن، وهو آلة فصلت آلياً البذور عن ألياف القطن، في الولايات المتحدة أواخر القرن الثامن عشر، إلى طفرة كبيرة في سرعة المعالجة، ما حوّل زراعة القطن إلى نشاط شديد الربحية. وأسهم ذلك في توسع العبودية في ولايات الجنوب الأميركي، مع تصاعد الطلب على الأيدي العاملة لزراعة هذا المحصول المربح وحصاده.


دراما خطف الأطفال... وقائع متكررة تصدم المصريين

مشاهد من مقطع فيديو يوثق واقعة «طفلة الشرقية» (موقع فيسبوك)
مشاهد من مقطع فيديو يوثق واقعة «طفلة الشرقية» (موقع فيسبوك)
TT

دراما خطف الأطفال... وقائع متكررة تصدم المصريين

مشاهد من مقطع فيديو يوثق واقعة «طفلة الشرقية» (موقع فيسبوك)
مشاهد من مقطع فيديو يوثق واقعة «طفلة الشرقية» (موقع فيسبوك)

في مشهد أقرب للدراما بمحافظة الشرقية (دلتا مصر)، جرى تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي، أمس الاثنين، أنقذ ركاب سيارة أجرة طفلة بالصف الرابع الابتدائي كانت تتعرض لمحاولة خطف، بعدما لاحظ أحدهم ارتباكها وخوفها من سيدة غريبة كانت برفقتها، قبل أن يتأكد لهم أنها لا تعرف السيدة، ما دفعهم إلى إيقاف السيارة، وتسليمهما إلى الأجهزة الأمنية، فيما كشفت التحريات الأولية أن السيدة حاولت خطف الطفلة بعد استدراجها بغرض سرقة «قرطها الذهبي» الذي كانت ترتديه.

ووفق تصريحات صحافية لوالدة الطفلة، فإن السيدة ادعت للطفلة معرفة الأم، واصطحبتها بعد خروجها من أداء الامتحانات، محاوِلة إقناعها أكثر من مرة بأخذ «القرط»، ومع رفض الطفلة، استقلت معها سيارة أجرة متجهة إلى مدينة الزقازيق (عاصمة المحافظة)، قبل أن يُكتشف أمرها.

الواقعة، ليست مجرد مشهد عابر، بل صورة متجددة من دراما خطف الأطفال التي تتكرر في المجتمع المصري، بعد وقائع متتالية، كان ضحاياها أطفال ورضّع.

وسلط المسلسل المصري «حكاية نرجس»، خلال شهر رمضان الماضي، الضوء على قضية خطف الأطفال، حيث تناول المسلسل، المأخوذ عن قصة حقيقية، قصة جرائم اختطاف سيدة عاقر للأطفال لتعوض عدم قدرتها على الإنجاب.

وفي الواقع؛ شهدت مصر وقائع سابقة لخطف الأطفال أثارت جدلا بأحداثها الدرامية، أبرزها الشهر الماضي مع حادثة اختطاف رضيعة بعد ساعات من ولادتها بمستشفى الحسين الجامعي (وسط القاهرة)، على يد سيدة مُنتقبة، بعد أن قامت والدة الطفلة بحسن نية بإعطائها إياها لتهدئتها، لكنها غافلت الجميع واختفت في لحظات، إلا أن السلطات الأمنية تمكنت من القبض عليها بعد جهد كبير قادته 8 فرق وشمل فحص 122 كاميرا مراقبة.

وشهدت محافظة الجيزة، مطلع الشهر الحالي، محاولة سائق مركبة «توك توك» خطف طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة (12 عاماً)، حيث كشفت التحريات أن السائق بعد توصيله للطفل ووالدته وعقب نزول الأم، انطلق هارباً بالطفل، إلا أن والدته استغاثت، فلاحقه الأهالي وتمكنوا من إيقافه والتحفظ عليه، بينما اعترف المتهم بمحاولة الخطف للاعتداء عليه لكونه تحت تأثير المواد المخدرة.

بنايات على نيل القاهرة (رويترز)

وفي حادثة مماثلة لـ«طفلة الشرقية»؛ وقعت الأسبوع الماضي، حاولت سيدة في إحدى أسواق محافظة الفيوم (جنوب غربي القاهرة) استدراج طفلة في الصف الأول الابتدائي واختطافها لسرقة قرطها الذهبي، إلا أن صرخات الطفلة أيقظت انتباه رواد السوق، الذين حاصروا السيدة وشلّوا حركتها، وأفشلوا محاولة الخطف، قبل تسليمها للشرطة.

ولا توجد إحصائيات رسمية حديثة بشأن عدد حالات خطف الأطفال في مصر، فيما أوضحت إحصاءات سابقة تلقي خط نجدة الطفل بالمجلس القومي للطفولة والأمومة، خلال عامي 2018 و2019، ما يزيد على 2264 بلاغاً بحالة خطف. بينما أشار مدير الإدارة العامة لنجدة الطفل، صبري عثمان، في تصريحات قبل شهرين، إلى أن بلاغات «خطف الأطفال» التي يتلقاها المجلس، بسيطة ومحدودة، ولا تعبر عن ظاهرة مقلقة.

الدكتورة إنشاد عز الدين، أستاذة علم الاجتماع، ترى أن جرائم خطف الأطفال تبدو في ظاهرها حالات فردية، لكنها آخذة في التكرار خصوصاً مع تناولها المستمر في الإعلام، لكنها ليست ظاهرة اجتماعية واسعة، وإن كانت تتكرر وترتبط بدوافع متعددة، منها السرقة، بينما أخرى تستهدف الرضّع لأسباب مختلفة، ما يعكس تنوع أنماط الجريمة وخطورتها.

وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أنه «لا يمكن وضع شرطي في كل مكان، لكن يمكن أن يكون المجتمع نفسه خط الدفاع الأول عبر الملاحظة والإبلاغ»، مؤكدة أن «وعي الركاب وشدة ملاحظتهم في حادث طفلة الشرقية نموذج إيجابي يجب تعميمه».

كما تلفت إلى دور المدرسة في حماية الأطفال، عبر وضع قواعد صارمة لتسليم التلاميذ فقط لأشخاص مسجلين مسبقاً كأولياء أمور أو أقارب معتمدين، كذلك فإن «تداول أخبار الخطف عبر وسائل الإعلام يجب أن يكون جرس إنذار للأسر، ليأخذوا الأمر بجدية أكبر، فعليهم مسؤولية في تقليل مخاطر الخطف، مثل تجنب ارتداء الأطفال لمقتنيات ثمينة كالحُلي الذهبية التي تجذب المجرمين» وفق أستاذ علم الاجتماع، التي طالبت بتسريع إجراءات التقاضي، والعدالة الناجزة، وصدور الأحكام سريعاً وإعلانها للرأي العام، لأن ذلك يردع المجرمين.

وينص قانون العقوبات في مصر على عقوبات صارمة في جرائم «خطف الأطفال»، تناولتها تسع مواد قانونية من 285 حتى 291، تضمنت أحكاماً تتراوح من السجن سبع سنوات وحتى السجن المؤبد أو الإعدام في حالات معينة.

المحامي المصري، محمد فتوح، يوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن «قوانين العقوبات رادعة لأي جريمة ومنها الخطف، والحل ليس في المزيد من التشريعات، بل في سرعة تطبيق القانون، وتعزيز دور الشرطة، وتكامل المجتمع المدني مع الدولة في حماية الأطفال».

ويؤكد فتوح أن مواجهة الظاهرة لا تقتصر على العقوبات، بل تحتاج إلى توعية المجتمع، قائلاً: «يجب أن يتعلم الأطفال في المدارس كيف يتعاملون مع الغرباء، وأن تدرك الأسر مسؤوليتها في حماية أبنائها، كما أن المؤسسات العقابية يجب ألا يقتصر دورها على السجن فقط، بل أن تقدم برامج إصلاح نفسي وتأهيل اجتماعي للسجناء».

ويضيف: «الشرطة تبذل مجهوداً كبيراً، كما حدث في قضية خطف رضيعة الشهر الماضي حين تم ضبط المتهمة خلال 24 ساعة، لكن هذه النجاحات يجب أن تُبرز في الإعلام لتردع المجرمين، كذلك هناك حاجة إلى تطوير أدوات المراقبة، مثل إلزام المحلات والمدارس بوجود كاميرات، وفرض غرامات على من يتجاهل ذلك، لأن التكنولوجيا أصبحت جزءاً أساسياً من مكافحة الجريمة».