50 عاماً من الشراكة: السعودية من متلقٍ للاستشارات إلى «شريك معرفي عالمي» للبنك الدولي

المدير المنتدب لـ«الشرق الأوسط»: تجربة المملكة في تمكين المرأة وسوق العمل «دروس للعالم»

TT

50 عاماً من الشراكة: السعودية من متلقٍ للاستشارات إلى «شريك معرفي عالمي» للبنك الدولي

المدير المنتدب الأول للبنك الدولي أكسيل فان تروتسنبرغ (تصوير: تركي العقيلي)
المدير المنتدب الأول للبنك الدولي أكسيل فان تروتسنبرغ (تصوير: تركي العقيلي)

بعد مرور نصف قرن على انطلاقها، تدخل الشراكة بين السعودية والبنك الدولي مرحلة نوعية جديدة؛ حيث تتحول العلاقة من إطار الدعم الاستشاري التقليدي إلى منصة عالمية لنقل المعارف. فيما تترسخ مكانة المملكة كأحد الشركاء الأكثر موثوقية في مسيرة التنمية العالمية، وتتحول تجاربها الإصلاحية والتحولية إلى نماذج ملهمة تتطلع إليها دول نامية ومتقدمة على حد سواء.

فقد شهدت العلاقة بين الجانبين تطوراً نوعياً، تُوّج مؤخراً بافتتاح مقر إقليمي جديد لمجموعة البنك الدولي في الرياض، ليخدم منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان، وليجسد انتقال التعاون من الإطار الاستشاري إلى منصة عالمية لتبادل المعارف والخبرات. يأتي هذا بالتوازي مع الإعلان عن شراكة لإنشاء «مركز عالمي للمعرفة» (K - Hub) في العاصمة السعودية، يهدف إلى تعزيز التبادل العالمي للأفكار والتجارب وأفضل الممارسات لمواجهة تحديات التنمية.

خلال توقيع وزير التجارة السعودي ورئيس البنك الدولي على اتفاقية إنشاء مركز للمعرفة في الرياض بديسمبر (البنك الدولي)

ومنذ توقيع اتفاقية التعاون الفني بين المملكة والبنك الدولي عام 1974، شكّلت الرياض مركزاً مهماً لبرامج الاستشارات والمساعدة الفنية التي أسهمت في دعم إصلاحات جوهرية في قطاعات الاقتصاد والبنية التحتية والتنمية الاجتماعية. وعلى مدى العقود الماضية، واصلت السعودية تعزيز موقعها كشريك رئيسي للبنك الدولي عبر مساهمات مالية في صناديق التنمية، كان أبرزها تعهدها بتقديم 700 مليون دولار في ديسمبر (كانون الأول) 2021 للعملية العشرين لتجديد موارد المؤسسة الدولية للتنمية، إضافة إلى 400 مليون دولار في العملية السابقة قبلها بعامين فقط. وهو ما يؤكد التزام المملكة بمسؤولياتها العالمية تجاه مكافحة الفقر وتعزيز الرخاء المشترك.

إضافة نوعية

من هذا المنطلق، يشدد المدير المنتدب الأول للبنك الدولي، أكسيل فان تروتسنبرغ، على أهمية الشراكة بين الطرفين. فالسعودية، بحسب ما قاله هذا المسؤول لـ«الشرق الأوسط»، لا تحتاج إلى دعم مالي، بل هي شريك معرفي أساسي.

ويضيف تروتسنبرغ أن التجربة على مدى خمسين عاماً «أثبتت أن حكومة المملكة رأت في نصائح البنك إضافة نوعية في مسيرة التنمية»، موضحاً أن العلاقة خلال هذه السنوات لم تعد تقتصر على تقديم الاستشارات، بل امتدت إلى بناء ثقة متبادلة وتعاون وثيق أفاد منه البنك الدولي نفسه، من خلال الاطلاع على تجارب البلاد الفريدة.

وقد التقت «الشرق الأوسط» تروتسنبرغ، خلال زيارته الرسمية إلى الرياض منذ أيام، ولقائه مسؤولين سعوديين وشركاء التنمية؛ حيث تمت مناقشة سبل توسيع نطاق تبادل المعارف وتعميق التعاون الفني في قطاعات محورية، مثل سوق العمل، والتعليم، والطاقة، والبنية التحتية، والتنمية الرقمية، ومناخ الأعمال، بما يسهم في صياغة استراتيجيات التنمية السعودية متوسطة وطويلة الأجل.

وقال تروتسنبرغ إن «أهم شراكة هي إذا شعرت المملكة أننا قدمنا نصائح جيدة وذات صلة»، كاشفاً أن المرحلة المقبلة من التعاون لن تكون فقط عبر تقديم المشورة، بل في كيفية نقل التجارب السعودية إلى العالم». واعتبر أن «مركز المعرفة العالمي» الذي أُعلن عن إنشائه في الرياض يمثل هذه المرحلة الجديدة؛ إذ سيتيح تبادل الخبرات والمعارف بين المملكة ودول أخرى، سواء في المنطقة أو على المستوى الدولي.

ولفت إلى أن السعودية «رائدة عالمياً» في بعض المجالات، مثل الثورة الرقمية، مستشهداً بزيارة قام بها إلى «مستشفى صحة» الذي يُعد أكبر مستشفى افتراضي في العالم، وإلى «المركز الوطني للتنافسية» الذي يمكّن المواطنين من تأسيس شركات خلال دقائق عبر الإنترنت، وهي تجارب قال إنها أمثلة جيدة يمكن أن يتعلم منها العالم، وليست فقط الدول النامية، بل أيضاً دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

وتابع أن البنك الدولي ينظر إلى السعودية اليوم ليس فقط كمتلقٍّ للاستشارات، بل كصاحبة تجربة يمكن أن يستفيد منها العالم، مبرزاً أن قضايا التوظيف وتمكين الشباب والنساء والشركات الصغيرة والمتوسطة باتت أولوية مشتركة.

"قلِقُ" على سوق العمل

من جهة أخرى، أبدى تروتسنبرغ قلقه على تطورات سوق العمل عالمياً، في وقت لا يتم خلق وظائف تكفي متطلبات الشباب. فوفق تقديرات البنك الدولي، سيدخل نحو 1.2 مليار شاب إلى سوق العمل خلال السنوات العشر المقبلة، بينما لن تتوفر فرص وظيفية سوى لنحو 400 مليون فقط. وهو ما يشكل فجوة كبيرة بين الطلب والعرض التي شدد تروتسنبرغ على وجوب حلها.

وقال: «نحن في حاجة إلى وضع الوظائف وخلق فرص العمل في صلب مناقشاتنا الاقتصادية، وللتدخل ليس فقط عبر الإجراءات التنظيمية، ولكن أيضاً عبر تهيئة الاستثمارات، سواء في التعليم، أو في مجال المهارات، أو في البنية التحتية الأساسية. والأهم من ذلك، نحن بحاجة إلى تحفيز القطاع الخاص ليستثمر أكثر ويوظف أكثر، لأنه هو الجهة التي ستساهم في خلق معظم الوظائف. هذه هي المجالات التي سيعمل عليها البنك الدولي. لكن ما نحتاج إليه هو أننا لا نستطيع حل هذا وحدنا، بل يجب أن يتم ذلك بالشراكة مع الحكومات، وأيضاً مع القطاع الخاص. ومن ثم علينا النظر إلى أحدث الاتجاهات: ما اتجاهات الرقمنة؟ ما اتجاهات الذكاء الاصطناعي؟».

وأشار في هذه النقطة إلى أهمية ما أنجزته المملكة، قائلاً: «هنا، من الواضح أن لدى السعودية بعض الدروس المهمة. لقد رأيتم على مدى السنوات الماضية أن مشاركة المرأة في سوق العمل ارتفعت بشكل ملحوظ، وهذا أمر مهم للعديد من الدول. وهناك أيضاً جانب آخر، هو أن الشركات الصغيرة والمتوسطة في السعودية كانت ديناميكية للغاية ونمت بسرعة. وهذه دروس مهمة أيضاً لدول أخرى، لأنه في قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة يتم خلق معظم الوظائف... وبالطبع لكل دولة ظروفها المختلفة، لكن من المهم أن نحدد التجارب الجيدة في دول مختلفة، والدروس التي يمكن اكتسابها من التجارب الأقل نجاحاً. وهذا هو تحديداً الدور الذي سيلعبه (مركز المعرفة)؛ حيث نود أن يكون لأصدقائنا السعوديين مشاركة نشطة لتجاربهم المختلفة هنا مع بقية العالم».

وإذ شدد تروتسنبرغ على أهمية تعزيز التعاون متعدد الأطراف، رحّب بالتعاون الدولي كمثل ذلك بين البنك والمملكة: «حيث نرى فعلياً كيف يمكننا أن نعمل معاً بشكل وثيق في مجالات مختلفة: في المجال الاقتصادي، والمجال الاجتماعي، وأيضاً في المجالات التقنية، مثل المياه أو البنية التحتية». وشرح أن هذا الأمر «يتطلب أيضاً عقلاً منفتحاً، عقلاً يؤمن أننا كمجتمع عالمي لا يمكننا حل المشكلات إلا بشكل مشترك»، موضحاً أن «الكثير من المشكلات لم يعد بالإمكان حلها فقط في إطار وطني صارم، بل تتطلب تعاوناً دولياً. والبنك الدولي مكان رائع للتعاون في هذا السياق».

وختم حديثه قائلاً: «نحن دائماً نرحب بالمبادرات الاستباقية، مثل ما تقوم به الحكومة السعودية، للنظر في كيفية تعميق هذه العلاقة بدلاً من إغلاقها».


مقالات ذات صلة

استمرار «الصراع» يطيح بفرصة التعافي الهش في لبنان

الاقتصاد علم لبنان يرفرف على خيمة نازحين بمخيم مؤقت في بيروت (رويترز)

استمرار «الصراع» يطيح بفرصة التعافي الهش في لبنان

اختصر عنوان «اقتصاد أنهكه الصراع» الذي اختاره البنك الدولي حقيقة تعرّض التعافي الهش في لبنان لانتكاسة حادة، بسبب تجدد جولات المواجهات العسكرية في الربيع الماضي.

علي زين الدين (بيروت)
الاقتصاد اختصار كلمة «الذكاء الاصطناعي» في الدورة العاشرة من معرض «فيفا تكنولوجي» للتكنولوجيا والشركات الناشئة والابتكار في باريس يونيو 2026 (رويترز)

البنك الدولي: الذكاء الاصطناعي فرصة أمام الدول النامية لتعزيز النمو

دعا البنك الدولي، يوم الثلاثاء، الدول النامية إلى تبني أدوات الذكاء الاصطناعي والاستفادة منها لتحسين الحوكمة وتوسيع نطاق الخدمات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد تدعم المذكرتان فرص الاستثمار مع شركات محفظة الصندوق في أسواق السعودية والمنطقة (PIF)

«السيادي» السعودي يبرم مذكرتي تفاهم بـ9.5 مليار دولار لتعزيز النمو الاقتصادي

أبرم صندوق الاستثمارات العامة السعودي مذكرتي تفاهم بـ9.5 مليار دولار مع مؤسسة التمويل الدولية والوكالة الدولية لضمان الاستثمار، التابعتين لمجموعة البنك الدولي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص المدير الإداري وكبير مسؤولي المعرفة في مجموعة البنك الدولي باسكال دونوهو يتحدث لـ«الشرق الأوسط» (تركي العقيلي) p-circle 01:29

خاص البنك الدولي لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تنتقل من تطوير النمو إلى تصدير المعرفة التنموية

يرى المدير الإداري وكبير مسؤولي المعرفة في البنك الدولي، باسكال دونوهو، أن ما تحقق في السعودية يتجاوز تحسين المؤشرات الاقتصادية إلى بناء نموذج تنموي.

هلا صغبيني (الرياض)
تكنولوجيا تجربة السعودية تجمع التجريب العملي وبناء القدرات والحوكمة وتنسيق منظومة الابتكار ضمن منصة وطنية (مركز التعليم الإلكتروني)

البنك الدولي: السعودية تعد أنموذجاً عالمياً للابتكار في التعليم بالذكاء الاصطناعي

وثّق البنك الدولي تجربة السعودية في توظيف الذكاء الاصطناعي بالقطاع التعليمي، مؤكداً أنها تمثل نموذجاً رائداً يُمكِن للدول والأنظمة التعليمية الاستفادة منه.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«لوسيد» تعزز حضورها الصناعي في السعودية

وزير الاتصالات وتقنية المعلومات يتحدث في انطلاق أعمال «ليب26» (واس)
وزير الاتصالات وتقنية المعلومات يتحدث في انطلاق أعمال «ليب26» (واس)
TT

«لوسيد» تعزز حضورها الصناعي في السعودية

وزير الاتصالات وتقنية المعلومات يتحدث في انطلاق أعمال «ليب26» (واس)
وزير الاتصالات وتقنية المعلومات يتحدث في انطلاق أعمال «ليب26» (واس)

تدخل «لوسيد موتورز» الأميركية مرحلة جديدة تركز على تحسين السيولة وخفض التكاليف وتعزيز الانضباط التشغيلي، مستهدفةً تحقيق وفورات بقيمة 1.4 مليار دولار، بالتزامن مع إطلاق منتجات جديدة وتوسيع عملياتها في السعودية.

وقال الرئيس التنفيذي للشركة، سيلفيو نابولي، في حديث إلى «الشرق الأوسط»، إن أولويات الشركة تشمل تحسين التدفقات النقدية، وتطوير برنامج سيارات الأجرة ذاتية القيادة، واستكمال انتقال مصنع «AMP-2» إلى التصنيع المتكامل، إلى جانب تطوير المركبات متوسطة الحجم تمهيداً لإطلاقها.

وأكد نابولي أن استراتيجية «لوسيد» في المملكة تتجاوز التصنيع، لتشمل بناء منظومة متقدمة للمركبات الكهربائية والتقنيات المرتبطة بها، بما يدعم مكانة السعودية في مستقبل قطاع التنقل.


«وول ستريت» تتراجع تحت ضغط النفط وتوقعات رفع الفائدة الأميركية

شاشة تعرض معلومات التداول فيما افتتحت مؤشرات «وول ستريت» الرئيسية على ارتفاع يوم الأربعاء (رويترز)
شاشة تعرض معلومات التداول فيما افتتحت مؤشرات «وول ستريت» الرئيسية على ارتفاع يوم الأربعاء (رويترز)
TT

«وول ستريت» تتراجع تحت ضغط النفط وتوقعات رفع الفائدة الأميركية

شاشة تعرض معلومات التداول فيما افتتحت مؤشرات «وول ستريت» الرئيسية على ارتفاع يوم الأربعاء (رويترز)
شاشة تعرض معلومات التداول فيما افتتحت مؤشرات «وول ستريت» الرئيسية على ارتفاع يوم الأربعاء (رويترز)

تراجعت المؤشرات الرئيسية في «وول ستريت» خلال تعاملات يوم الاثنين، تحت ضغط ارتفاع أسعار النفط وتجدد المخاوف بشأن التضخم، بالتزامن مع تنامي رهانات المستثمرين على احتمال رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة في سبتمبر (أيلول)، بعد النبرة المتشددة التي تبناها رئيسه كيفين وارش في خطابه الأخير.

وتأتي خسائر الأسهم في مستهل سبتمبر المرتقب، الذي يُعد تاريخياً من أضعف أشهر العام بالنسبة إلى الأسواق، في حين يترقب المستثمرون بيانات اقتصادية جديدة قد تحسم إلى حد كبير مسار السياسة النقدية الأميركية خلال الأشهر المقبلة.

وانخفض مؤشر «داو جونز» الصناعي 0.65 في المائة، أو 346.30 نقطة، إلى 53210.80 نقطة، فيما تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.46 في المائة إلى 7676.10 نقطة، وهبط مؤشر «ناسداك» المجمع 0.34 في المائة إلى 26312.74 نقطة.

رهانات متزايدة على رفع الفائدة

وتعزّزت توقعات رفع الفائدة بعد تصريحات وارش خلال اجتماعات «جاكسون هول» الأسبوع الماضي؛ إذ أشار إلى أن صناع السياسة النقدية قد يحتاجون إلى زيادة تكاليف الاقتراض إذا لم يتراجع التضخم باتجاه مستهدف البنك المركزي البالغ 2 في المائة.

وحسب أداة «فيد ووتش» التابعة لـ«سي إم إي»، فإن احتمالات رفع الفائدة في اجتماع سبتمبر ارتفعت إلى أكثر من 60 في المائة، مقارنة بـ41.4 في المائة قبل أسبوع، في تحول يعكس سرعة استجابة الأسواق لتصريحات رئيس «الاحتياطي الفيدرالي».

ويرى محللو «بنك أوف أميركا غلوبال ريسيرش» أن عدم صدور مفاجأة سلبية كبيرة في البيانات الاقتصادية يضع على وارش مسؤولية المضي نحو رفع الفائدة في سبتمبر (أيلول)، محذرين من أن التراجع عن هذا المسار قد يؤثر في المصداقية التي اكتسبها من خطابه الأخير.

بيانات الوظائف تحت المجهر

وتزداد أهمية البيانات الاقتصادية المقبلة في تحديد اتجاه السياسة النقدية، خصوصاً مع تباين المؤشرات الأخيرة بشأن مسار التضخم.

ففي حين أظهر تقرير التضخم الاستهلاكي لشهر يوليو اعتدالاً في ضغوط الأسعار، جاء مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي، الذي يفضّله «الاحتياطي الفيدرالي» لقياس التضخم، أعلى من المتوقع، مما أبقى حالة عدم اليقين بشأن مدى استمرار الضغوط السعرية.

وتتجه أنظار المستثمرين الآن إلى تقرير الوظائف الأميركي المقرر صدوره في 4 سبتمبر، باعتباره أحد أبرز المؤشرات التي قد تساعد في تحديد قرار «الاحتياطي الفيدرالي» المقبل. وكان وارش قد أشار إلى أن البيانات الأخيرة لا تُظهر تحسناً ملموساً في الاتجاهات الأساسية لسوق العمل.

النفط يزيد ضغوط التضخم

وفي الوقت نفسه، شكّل ارتفاع أسعار النفط عبئاً إضافياً على الأسهم، مع تجدد المواجهات العسكرية في الشرق الأوسط واضطراب حركة شحنات الخام عبر مضيق هرمز.

وصعد خام برنت بنحو 1.04 في المائة، ما دفع أسهم شركات الطاقة في مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» إلى الارتفاع 0.97 في المائة، في حين تعرضت القطاعات الأخرى لضغوط بيعية.

وتزيد أسعار الطاقة المرتفعة المخاوف من عودة الضغوط التضخمية، في وقت يحاول فيه المستثمرون تقدير مدى استعداد «الاحتياطي الفيدرالي» للإبقاء على السياسة النقدية المتشددة أو تشديدها مجدداً.

أسهم التكنولوجيا تقاوم الضغوط

ورغم تراجع السوق عموماً، بدت أسهم شركات التكنولوجيا وأشباه الموصلات أكثر تماسكاً، إذ ارتفع سهم «إنفيديا» 1.13 في المائة، في حين صعد سهم «سان ديسك» 3.75 في المائة، و«كوالكوم» 2.49 في المائة.

وقال كبير استراتيجيي الأسواق لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في «إنفيسكو»، ديفيد تشاو، إنه لا يزال يفضّل القطاعات المرتبطة باتجاهات النمو الهيكلي، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية.

وفي المقابل، تعرضت أسهم شركات المرافق لضغوط، إذ تراجع القطاع 1.19 في المائة، في حين هوى سهم «PG&E» بنحو 19.4 في المائة، متجهاً إلى تسجيل أسوأ جلسة له منذ أكثر من ست سنوات إذا استمرت الخسائر.

أداء شهري متباين

وعلى الرغم من تراجع المؤشرات في جلسة الاثنين، لا تزال الصورة الشهرية أكثر إيجابية لبعضها. ويتجه «ستاندرد آند بورز 500» و«ناسداك» إلى إنهاء سلسلة من التراجعات الشهرية المتتالية، في حين يسير «داو جونز» نحو تسجيل مكاسب للشهر الخامس على التوالي.

ويعكس ذلك استمرار قوة الاقتصاد الأميركي وأداء الشركات، رغم تصاعد المخاوف بشأن التضخم وأسعار الفائدة.

وفي تحرك لافت آخر، ارتفع سهم «غيم ستوب» 4.5 في المائة بعدما أعلنت الشركة أنها ستسدد نحو 27 في المائة من صفقة مبادلة ديون بقيمة 1.4 مليار دولار نقداً من السيولة المتاحة لديها، بدلاً من إصدار أسهم جديدة، في خطوة تحول دون مزيد من تخفيف ملكية المساهمين الحاليين.


تصعيد جديد بين ماسك وألتمان يضع «سبايس إكس» تحت الأنظار

انطلاق صاروخ «فالكون» الثقيل التابع لشركة «سبايس إكس» حاملاً تلسكوب نانسي غريس رومان الفضائي (أ.ف.ب)
انطلاق صاروخ «فالكون» الثقيل التابع لشركة «سبايس إكس» حاملاً تلسكوب نانسي غريس رومان الفضائي (أ.ف.ب)
TT

تصعيد جديد بين ماسك وألتمان يضع «سبايس إكس» تحت الأنظار

انطلاق صاروخ «فالكون» الثقيل التابع لشركة «سبايس إكس» حاملاً تلسكوب نانسي غريس رومان الفضائي (أ.ف.ب)
انطلاق صاروخ «فالكون» الثقيل التابع لشركة «سبايس إكس» حاملاً تلسكوب نانسي غريس رومان الفضائي (أ.ف.ب)

دخلت «سبايس إكس» أسبوعاً حافلاً بالتطورات، بعدما تصاعد الخلاف بين الملياردير إيلون ماسك والرئيس التنفيذي لـ«أوبن إيه آي» سام ألتمان، بالتزامن مع انتكاسة فنية دفعت «ناسا» و«سبايس إكس» إلى تأجيل موعد إطلاق مهمة مأهولة إلى محطة الفضاء الدولية، في وقت تراهن فيه الشركة على الذكاء الاصطناعي ليكون أحد محركات نموها مستقبلاً.

وأعلنت «أوبن إيه آي» أنها ستنهي وصول أداة البرمجة بالذكاء الاصطناعي «كورسور» إلى نماذجها، بعدما أصبحت الأداة تابعة لـ«سبايس إكس» إثر صفقة استحواذ بلغت قيمتها 60 مليار دولار في وقت سابق من أغسطس (آب).

وقالت الشركة إنها أبلغت «سبايس إكس» نيتها إنهاء عقد توفير نماذج «أوبن إيه آي» لـ«كورسور»، على أن يتوقف الوصول المقترح في 12 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026، مبررة القرار بعدم قدرتها على التأكد من استخدام «سبايس إكس» تقنياتها بما يتوافق مع شروط الخدمة.

وأضافت «أوبن إيه آي» أن قرارها يستند إلى تجربتها السابقة مع شركات ماسك، مشيرة إلى ما وصفته بخرق شروط عقود سابقة.

الخلاف بين ماسك وألتمان يتصاعد

يمثل قرار وقف الوصول إلى النماذج أحدث فصول الخلاف المستمر بين ماسك وألتمان، الذي تحول خلال الفترة الماضية من نزاع حول مستقبل الذكاء الاصطناعي إلى مواجهة قانونية وتجارية أوسع.

وكان ماسك قد أقام دعوى على «أوبن إيه آي» وألتمان، متهماً الشركة بالابتعاد عن مهمتها الأصلية غير الربحية والتحول إلى كيان هادف للربح. وانتهت القضية بحكم ضد ماسك، بعدما خلصت هيئة المحلفين إلى أن الدعوى قُدمت في وقت متأخر.

ورغم التصعيد الجديد، لم يبدِ ماسك قلقاً كبيراً من قرار «أوبن إيه آي»، قائلاً إنه «لا يكترث للأمر» عند سؤاله عن وقف وصول «كورسور» إلى نماذج الشركة، وفق «ياهو فاينانس».

لكن التداعيات قد تتجاوز الخلاف الشخصي بين الرجلين، خصوصاً أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً متزايد الأهمية من استراتيجية «سبايس إكس» المستقبلية.

الذكاء الاصطناعي رهان جديد لـ«سبايس إكس»

تراهن «سبايس إكس» على توسيع أعمالها في الذكاء الاصطناعي باعتبارها أحد مصادر الإيرادات المحتملة في المستقبل، وقدرت في ملف طرحها العام أن الفرصة طويلة الأجل في هذا المجال قد تصل إلى 26.5 تريليون دولار.

ويضع ذلك «كورسور» في موقع مهم ضمن استراتيجية الشركة الجديدة، خصوصاً مع تنامي الاعتماد على أدوات البرمجة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، واحتدام المنافسة بين الشركات العاملة في تطوير النماذج المتقدمة.

وتستخدم «كورسور» نماذج عدة شركات في خدماتها للمطورين، وكان من بينها نماذج «أوبن إيه آي». وبحسب أحد مؤسسي «كورسور»، فإن نماذج «أوبن إيه آي» تمثل نحو 5 في المائة من حركة المرور على المنصة، ما يعني أن قطع الوصول لن يؤدي بالضرورة إلى توقف الخدمة، لكنه يفرض على الشركة إعادة ترتيب مصادر النماذج التي تعتمد عليها.

وقال مايكل ترول، أحد مؤسسي «كورسور»، إن الجانبين يجريان محادثات لمحاولة حل المشكلة.

انتكاسة في برنامج الرحلات المأهولة

وفي الوقت الذي تواجه فيه «سبايس إكس» هذا التطور في نشاط الذكاء الاصطناعي، تعرض نشاطها الفضائي التقليدي أيضاً لانتكاسة محدودة، بعدما أعلنت «ناسا» و«سبايس إكس» تعديل موعد إطلاق مهمة Crew-13 إلى محطة الفضاء الدولية.

وكان من المقرر إطلاق المهمة في 12 سبتمبر (أيلول)، على متن مركبة «دراغون» وعلى متنها أربعة رواد فضاء، لكن اكتشاف تسرب في مادة مؤكسدة داخل نظام الدفع للمركبة دفع الوكالتين إلى إجراء اختبارات إضافية.

ولم تحدد «ناسا» و«سبايس إكس» موعداً جديداً للإطلاق حتى الآن، في انتظار استكمال الاختبارات ومعالجة المشكلة الفنية.

وتأتي هذه الخطوة في إطار إجراءات السلامة المعتادة للرحلات المأهولة، لكنها تضيف في الوقت نفسه تحدياً جديداً إلى جدول عمليات «سبايس إكس»، التي تعتمد على وتيرة إطلاق مرتفعة لتوسيع أعمالها في قطاع الفضاء.

السهم يتماسك رغم التطورات

ورغم التطورات المرتبطة بـ«كورسور» وتأجيل المهمة الفضائية، ارتفع سهم «سبايس إكس» بنحو 1 في المائة في التعاملات المبكرة، ما يشير إلى أن المستثمرين لم ينظروا إلى التطورات الأخيرة باعتبارها تهديداً فورياً لقيمة الشركة.

ويعكس ذلك ربما ثقة السوق باتساع مصادر نمو «سبايس إكس»، التي لم تعد تعتمد فقط على إطلاق الصواريخ والرحلات الفضائية، بل تتطلع إلى بناء حضور أكبر في الذكاء الاصطناعي.