«الميكروبيوم المتنوّع»... أساس الشيخوخة الصحية

يؤثر على كل شيء... من الهضم إلى التمثيل الغذائي وحتى وظائف الدماغ

«الميكروبيوم المتنوّع»... أساس الشيخوخة الصحية
TT

«الميكروبيوم المتنوّع»... أساس الشيخوخة الصحية

«الميكروبيوم المتنوّع»... أساس الشيخوخة الصحية

إذا كنت ترغب في العيش حتى سن الشيخوخة، فربما من المفيد أن تفكر في نفسك؛ ليس بوصفك إنساناً، وإنما بوصفك كائناً حياً متكاملاً؛ تعيش في جسمك -وعليه- مجموعة من الخلايا البشرية، بالإضافة إلى تريليونات الميكروبات، كما كتبت هيلين تومسون(*).

الخلايا تتغير وكذلك الميكروبيوم

لا تتغير خلايانا فقط مع تقدم العمر؛ وإنما يتغير الميكروبيوم الخاص بنا أيضاً (الميكروبيوم هو مجموع الميكروبات المتعايشة مع الإنسان). ويثبت الباحثون بشكل متزايد أن البكتيريا المفيدة –وغير المفيدة– وغيرها من الكائنات الحية التي تعيش في أجسامنا، هي أساس الشيخوخة الصحية. وقد يكون الاعتناء بها طريقة ذكية لعيش حياة صحية وطويلة.

قبل أكثر من قرن، افترض عالم الحيوان إيلي ميتشنيكوف أن الشيخوخة ناتجة من «السموم البكتيرية الذاتية المتعفنة»، وأوصى بتناول الحليب المخمَّر، واتباع أسلوب حياة بسيط، كعلاج. واليوم، ازدهرت تلك النظرية المبكرة.

تأثيرات هضمية ودماغية

نحن نعلم الآن أن الميكروبيوم لدينا متأصل بعمق في جهازنا الفسيولوجي، لدرجة أنه يؤثر على كل شيء، من الهضم إلى التمثيل الغذائي، وحتى وظائف الدماغ.

ومع ذلك، فإن فهم تأثيره كان أمراً صعباً. يقول عالم الأحياء الدقيقة فيليبي كابرييرو من «إمبريال كوليدج لندن»: «إن تعقيد الميكروبيوم يشبه تعقيد الدماغ البشري».

التنوع مفتاح الصحة

لا يوجد شخصان لديهما الميكروبيوم نفسه، وحتى داخل الفرد نفسه، يمكن أن يتغير الميكروبيوم من يوم لآخر. ولكننا نكتسب بعض الأدلة الحيوية. على سبيل المثال: أصبح لدينا فكرة أفضل بكثير عن أي الكائنات الحية في الأمعاء مفيدة، وأيها مسببة للأمراض. وأصبح هناك شيء واحد واضح: التنوع هو المفتاح. كلما زاد تنوع الميكروبات المعوية تحسنت حالتك الصحية.

تغير الميكروبيوم مع التقدم في العمر

للأسف، فمع تقدمنا في العمر، يتغير الميكروبيوم لدينا، ويميل إلى إظهار انخفاض في وفرة البكتيريا الصحية في مرحلة متأخرة من الحياة. ويميل كبار السن إلى اتباع أنظمة غذائية أقل تنوعاً، وتناول مزيد من الأدوية، وتقليل التفاعلات الاجتماعية، وكل ذلك له آثار سلبية متتالية على أنواع الميكروبات التي تعيش في الأمعاء. ولكن حتى الحيوانات التي تُربَّى في ظروف متطابقة طوال حياتها تظهر لديها تغيرات مرتبطة بالعمر في الميكروبيوم، ما يشير إلى حدوث تغير جوهري مع التقدم في العمر.

ولفهم تأثير ذلك الانخفاض، ركَّز كثير من الباحثين على الميكروبات التي تنتج الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة (SCFA) من خلال تخمير الألياف الغذائية. وتشارك الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة في كثير من العمليات المفيدة، مثل الحفاظ على خلايا بطانة الأمعاء، وكبح الالتهابات، وتنظيم استجابة جهاز المناعة لمسببات الأمراض، والتحكم في مستويات السكر في الدم.

ازدياد الميكروبات المسببة للالتهاب مع الهَرَم

مع تقدمنا في العمر، ينخفض عدد الميكروبات التي تنتج الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة، في حين يزداد عدد الميكروبات المسببة للالتهابات. تقول جيسيكا شنايدر، كبيرة المسؤولين العلميين في شركة «كوروندوم سيستمز بيولوجي» التي تستثمر في مجال البحوث، ومقرها في طوكيو باليابان: «يُعتقد أن هذا الاختلال يساهم في حدوث التهاب مزمن منخفض الدرجة، وهي حالة تُعرف باسم الالتهاب المرتبط بالشيخوخة، وهي تتسم بارتفاع خطر الإصابة بأمراض مثل أمراض القلب، والأوعية الدموية، والخرف، والسكتة الدماغية».

 

التكوين الميكروبي المعوي للمعمرين أكثر شبهاً بالشباب

ومع ذلك، يبدو أن ميكروبيوم الأمعاء لدى الأشخاص الذين يبلغون سن الشيخوخة المتقدمة أكثر قدرة على مقاومة هذا الانخفاض. وتأتي الأدلة الرئيسية على ذلك من دراسة أُجريت عام 2023 على 1575 شخصاً، تتراوح أعمارهم بين 20 و117 عاماً، بواسطة شيفو بانغ وشياودونغ تشين، من جامعة قوانغشي الطبية في ناننينغ، بالصين، وزملائهما.

خلصت الدراسة إلى أنه بالمقارنة بالبالغين الذين تتراوح أعمارهم بين 66 و85 عاماً، فإن التكوين الميكروبي المعوي لمن تتراوح أعمارهم بين 100 و117 عاماً كان أكثر شبهاً بما لدى الشباب، مع تنوع أكبر ووفرة أعلى من البكتيريا النافعة من فصيلة «البكتيرويدات العصوانية- Bacteroides».

وكذلك خلص الباحثون إلى أن «نتائجنا تشير بقوة إلى أن التكوين الميكروبي المعوي للمُعمِّرين يُظهر تشابهاً مع ذلك التكوين لدى الشباب»، ويتكهنون بأن هذا العامل يساهم في طول العمر.

تُظهر علامات ميكروبات الأمعاء لدى المعمرين تشابهاً مع تلك الموجودة لدى الشباب. وهذا يطرح السؤال حول ما إذا كان بإمكاننا رعاية الميكروبيوم لدينا، كي نصبح أكثر صحة مع التقدم في العمر.

إن تغيير ميكروبات الأمعاء ليس بالأمر الهين. يقول كابرييرو: «أنت تحاول إدخال مجتمع معقد إلى مجتمع معقد آخر يميل لأن يكون قوياً». ومع ذلك، في حين أن «البريبايوتكس- prebiotics» أو مغذيات المعززات الحيوية، وهي مكملات توفر الغذاء للميكروبات المفيدة في الأمعاء، و«البروبايوتكس- probiotics» أو المعززات الحيوية، وهي ميكروبات مفيدة للأمعاء يمكن تناولها كمكمل غذائي، قد لا تعيد تشكيل الميكروبيوم بصورة جذرية، فإنها قد تدفعه في الاتجاه الصحيح، ولو مؤقتاً على الأقل.

دور التغييرات الغذائية

على سبيل المثال، أظهرت شركة «زوي» للتغذية، في تجربة عشوائية أجريت العام الماضي، أن البريبايوتكس الذي تحتويه منتجاتها -والذي يحتوي على 30 مادة مغذية نباتية- يزيد البكتيريا المفيدة، مع بعض التحسينات في المقاييس الصحية، مثل المركبات الالتهابية في الدم.

كما أظهرت دراسة أخرى أجريت على 50 بالغاً يعيشون في دور رعاية المسنين، أن تناول البريبايوتكس يومياً الذي يحتوي على مركبات «فركتو أوليغوساكاريد» و«الإنولين» المشتقة من النباتات، على مدى 13 أسبوعاً، قد حسَّن من مؤشرات الضعف، مقارنة بالدواء الوهمي.

قد تكون التغييرات الغذائية فعالة بالقدر نفسه. فعندما اتبع كبار السن في بلدان عدة نظاماً غذائياً متوسطياً مدة عام واحد، احتفظ أولئك الذين التزموا به بصورة وثيقة بتنوع ميكروبي أكبر، وعززوا الميكروبات المعوية المرتبطة بالشيخوخة الصحية. وتقول جيسيكا شنايدر إن ذلك قد ترافق مع كثير من التحسينات في صحتهم، مثل تحسن سرعة المشي، والقوة، والذاكرة.

زراعة البكتيريا المعوية

وكذلك يجري استكشاف علاجات أكثر جذرية. وقد نالت عمليات زراعة البكتيريا المعوية لعلاج عدوى «كلوستريديوم ديفيكيل» الموافقة بالفعل، وتشير البيانات الواعدة إلى أنها يمكن أن تعالج حالات أخرى، ولكن يبقى سؤال مفتوح حول ما إذا كانت هذه الأساليب يمكن أن تطيل العمر أم لا. ففي الحيوانات، يؤدي استبدال الميكروبيوم القديم بميكروبيوم أصغر سناً وأكثر صحة إلى نتائج مذهلة. على سبيل المثال: تعيش أسماك الكيليفيش الأكبر سناً فترة أطول بنسبة 37 في المائة، إذا أكلت براز الأسماك الأصغر سناً. وتُظهر تجارب الفئران نتائج مماثلة.

غير أن هذا المجال لا يزال في مراحله المبكرة، كما يقول كابرييرو. ولا يزال لدينا الكثير لنتعلمه.

وتؤثر النشاطات الميكروبية على كثير من المسارات البيولوجية ذات الصلة بالشيخوخة، بما في ذلك تلك الموجودة في الميتوكوندريا، والتمثيل الغذائي، والجهاز المناعي، ونحن ما زلنا في بداية استكشاف كيفية التلاعب بميكروباتنا، من خلال النظام الغذائي والأدوية، أو حتى تقنيات تعديل الجينات «كريسبر- CRISPR».

يقول كابرييرو: «ما زلنا في المراحل الأولى، ولم ندرك كل شيء بشكله السليم تماماً، ولكن هناك حماساً كبير بشأن كيفية استفادة صحتنا وطول عمرنا من كل ذلك، وهذا أمر صحيح».

السمات البيولوجية المرتبطة بطول العمر الشديد تُستورَث بنسبة 30 % تقريباً

يلعب الحظ دوراً كبيراً في طول العمر: تجنب الحوادث المميتة، أو الأمراض المعدية القاتلة، والعيش في بلد مسالم يتمتع بمياه نظيفة ونظام رعاية صحية جيد. كما أن الفوز في «اليانصيب الجيني» يُساعد في ذلك أيضاً، كما كتب غراهام لوتون (*).

ولدى النساء فرصة أكبر من الرجال للوصول إلى عمر المائة، فأكثر من ثلاثة أرباع المعمرين إناث، وتهيمن النساء بشكل كامل على قائمة أكبر البشر سناً على الإطلاق.

إن طول العمر وراثي في العائلات أيضاً، وقد حدَّد علماء الوراثة مئات من المتغيرات الجينية ذات الصلة بالعيش حتى سن متقدمة. وتشير البحوث التي أجريت على التوائم، وعلى أشجار العائلة، إلى أن السمات البيولوجية المرتبطة بطول العمر الشديد قابلة للتوريث بنسبة 30 في المائة تقريباً.

ويبدو أن أغلب هذه الجينات توفر مستويات غير عادية من الحماية ضد أمراض الشيخوخة، مثل أمراض القلب والأوعية الدموية، وفقاً لنير بارزيلاي الذي يدرس «كبار السن الخارقين» في كلية «ألبرت أينشتاين» للطب في مدينة نيويورك.

إن أفضل طريقة للوقوف على ما إذا كان لديك جينوم يُعزز طول العمر من عدمه، هي التطلع إلى والديك، إذا كان ذلك ممكناً. لا يوجد كثير مما يمكنك فعله بشأن حمضك النووي، ولكن الخبر السار هو أنه لا يزال هناك مجال كبير للتدخل بشكل فعال. قد يشير ذلك إلى حياة تتسم بضبط النفس السليم؛ من اتباع نظام غذائي جيد، وممارسة كثير من التمارين الرياضية، والاتزان، ورجاحة العقل بالتعفف عن المهلكات. ومع ذلك، فمن المثير للدهشة أن هذه العوامل -على ما يبدو- لا تُحدث فرقاً كبيراً، على الأقل بالنسبة للأشخاص الذين حققوا بالفعل طول عمر استثنائياً.

النظام الغذائي: ماذا تأكل لتضيف عَقداً من العمر إلى حياتك

أحد الأسئلة المعتادة التي تُطرح على المعمِّرين: «كيف تفعل ذلك؟». وغالباً ما تدور الإجابات حول الطعام. بالنسبة لماريا برانياس موريرا التي كانت أقدم شخص في العالم، عندما توفيت العام الماضي عن عمر ناهز 117 عاماً، كان السر هو تناول 3 أكواب من الزبادي يومياً.

أما السيدة جين كالمينت التي تعتبر رسمياً أقدم شخص عاش على الإطلاق (على الرغم من أن هذا الأمر موضع خلاف)، فقد عزَت قوة تحملها المذهلة إلى زيت الزيتون، والشوكولاتة، وكأس من النبيذ من آن لآخر.

بالطبع، ما تأكله مهم. فالنظام الغذائي له تأثير كبير على صحتك، والبقاء بصحة جيدة هو شرط أساسي لحياة طويلة. ولكن السؤال الأفضل قد يكون: «ما الذي لم تأكله؟».

على سبيل المثال، ابتكر لارس فادنيس من جامعة بيرغن في النرويج وزملاؤه -أخيراً- نظاماً غذائياً يُعزز طول العمر، استناداً إلى تحليلهم لمجموعة بيانات ضخمة تسمَّى «دراسة العبء العالمي للأمراض». وكشفت هذه الدراسة -دون مفاجأة كبيرة- أن الأنظمة الغذائية الغربية النموذجية (الغنية بالحبوب المكررة، والسكريات المضافة، واللحوم الحمراء والمصنعة، ومنتجات الألبان، والفقيرة في الحبوب الكاملة، والفواكه، والخضراوات الطازجة، والمكسرات، والأسماك) ليست مثالية لطول العمر؛ بل في واقع الأمر، إنها قاتلة، ومسؤولة عن 11 مليون حالة وفاة مبكرة سنوياً.

وضع الباحثون نموذجاً لما سيحدث إذا تحوَّل الأشخاص الذين يتبعون هذا النظام الغذائي بصفة دائمة إلى نظام غذائي أكثر صحة، ووجدوا تأثيراً كبيراً على متوسط العمر المتوقع.

على سبيل المثال: يمكن لامرأة تبلغ من العمر 20 عاماً في الولايات المتحدة اليوم، أن تتوقع أن تعيش حتى سن 80 عاماً، إذا اتبعت النظام الغذائي النموذجي هناك. ولكن إذا قللت بشكل كبير من تناول اللحوم، والسكر، ومنتجات الألبان، والحبوب المكررة، وانتقلت بصورة دائمة إلى نظام غذائي يعتمد في الغالب على الحبوب الكاملة، والفواكه، والخضراوات، والمكسرات، والبقوليات، والأسماك، فإن متوسط العمر المتوقع لها سوف يزداد إلى 89 عاماً؛ أي بزيادة تقارب عقداً من الزمن. وبالمثل، فإن شاباً أميركياً يبلغ من العمر 20 عاماً يتبع التغيير نفسه سوف يزيد متوسط العمر المتوقع له، وإن كان من نقطة انطلاق أقل، من 76 إلى 86 عاماً.

ويقول لارس فادنيس: «نستفيد كثيراً من زيادة تناول الحبوب الكاملة والمكسرات والبقوليات، وكذلك من تقليل الأطعمة السكرية واللحوم؛ ولا سيما اللحوم المصنعة واللحوم الحمراء».

العلاقات الاجتماعية: تنمية العقلية الصحيحة للعيش حتى سن المائة

«أنا في الـ87 من عمري. لا أشعر أنني في الـ87، ولا أفكر كأنني في الـ87»، كما قالت إيلين نيوويرث على «تيك توك». وأضافت: «أهم شيء هو المشاركة... والتفاعل مع الآخرين... ووجود هدف. انهض وتحرَّك... كن جزءاً من العالم»، كما كتبت هيلين تومسون(*).

ان كلماتها التي شاهدها حتى الآن 3.6 مليون شخص، وما زال العدد في ازدياد، تعكس الإجماع العلمي المتزايد على أنه لا يكفي فقط تناول الطعام الصحي وممارسة الرياضة بانتظام لكي تعيش حياة طويلة؛ إذ يجب تعزيز صحتك النفسية.

وعلى الرغم من أنه لا يمكنك التغلب على العادات الغذائية السيئة ونمط الحياة الخامل طوال العمر، فإن هناك أدلة تشير إلى أنه لم يفت الأوان أبداً لجني ثمار إدخال بعض التعديلات النفسية.

لنبدأ بعلاقاتك: لفهم أهميتها، نلقي نظرة على أطول دراسة متعمقة أجريت على الإطلاق عن حياة الإنسان، وهي دراسة «هارفارد» لتطور نمو البالغين. منذ عام 1938، تابعت الدراسة 724 فتى وشاباً، وأكثر من 1300 من أحفادهم، لتحديد ما يجعل الناس يزدهرون جسدياً وعقلياً.

يقول مارك شولتز، المدير المشارك للدراسة، إن هناك أمراً واحداً بارزاً: العلاقات عالية الجودة؛ إذ اتضح أن الروابط الاجتماعية هي مؤشرات قوية على الصحة والرفاهية في مرحلة متأخرة من الحياة.

على سبيل المثال: أظهر تحليل للبيانات من الدراسة، أن الرجال الذين لديهم علاقات اجتماعية أكثر إيجابية، ويشاركون بشكل أكبر في مجتمعهم خلال منتصف العمر، يكونون أقل عرضة للإصابة بالاكتئاب، ويتمتعون بإدراك أفضل في مرحلة متأخرة من الحياة.

عندما يكون الناس في علاقات جيدة، فإن جراحهم تلتئم بصورة أسرع. وتشير دراسات عدة نُشرت خلال العام الماضي إلى سبب ذلك. فهي تُظهر -على سبيل المثال- أن وجود مزيد من الأصدقاء المقربين يرتبط بنظام مناعي أقوى بصفة عامة، ونسبة أكبر من الخلايا التي تؤخر شيخوخة الجهاز المناعي؛ مما يشير إلى أن الترابط الاجتماعي يمكن أن يساعد في جعل الجهاز المناعي أكثر قوة وشباباً.

التمارين تساعدك على الحياة فترة أطول

«سرِّي هو أنني لا أنهض من الأريكة أبداً»، لم يقل أي معمِّر هذا الكلام قط. ولكن تجدر الإشارة إلى أن كبار السن في العالم نادراً ما يذكرون اتباعهم لأنظمة لياقة بدنية قاسية. وبدلاً من ذلك، يميل المعمرون إلى الإبلاغ عن ممارسة تمارين منتظمة ومعتدلة طوال حياتهم، مثل المشي والزراعة والبستنة، كما كتبيت كارولين ويليامز(*).

هذه الوصفة الدقيقة لا تتناسب مع كثير من أنماط الحياة الحديثة، ولكن ذلك لم يمنع العلماء من محاولة تحديد الجرعة والنوع الأمثل من التمارين الرياضية لحياة طويلة وصحية.

ما هو واضح هو أن عدم القيام بأي شيء ليس خياراً. فقد ارتبطت قلة النشاط البدني بما لا يقل عن 3.9 مليون حالة وفاة مبكرة سنوياً على مستوى العالم، كما أنها تزيد بصورة كبيرة من خطر الإصابة بالأمراض المزمنة، بما في ذلك أمراض القلب، والسكتة الدماغية، وبعض أنواع السرطان.

على الجانب الآخر، يمكن أن تضيف ممارسة التمارين الرياضية بكمية كافية ما يصل إلى 7 سنوات إلى عمرك، مع إطالة الفترة التي تقضيها متمتعاً بصحة جيدة.

يمكن العثور على دليل تقريبي لمقدار التمارين الكافية في تاريخنا التطوري. يسير الصيادون وجامعو الثمار المعاصرون -وهم أقرب ما يمكننا الوصول إليه من طريقة عيش أسلافنا- نحو 11 ألف إلى 20 ألف خطوة يومياً، ويحصلون على «تدريبات المقاومة» من أعمال الصيد والتسلق والحفر، بحثاً عن الدرنات، وحمل الموارد التي يجمعونها إلى منازلهم.

وهم في ذلك أقل عُرضة للإصابة بالأمراض المزمنة التي تنتشر في الدول الغربية. ويبدو أن السبب يكمن في استجابة الجسم لهذا العمل كله، ما يؤدي إلى زيادة في الصيانة والإصلاح الداخليين.

ويتكهن الدكتور دانيال ليبرمان، عالم الأنثروبولوجيا التطورية في جامعة هارفارد، بأن السبب في ارتباط التمرينات الرياضية بالصيانة الفسيولوجية، هو أن التطور ربط بينهما، بحيث لا يتم تنشيط الجينات المشاركة في إصلاح الجسم وصيانته إلا عندما نتحرك. وإذا لم نتحرك، فإن الجسم يوفر الطاقة عن طريق التخلي عن هذه الوظائف.

* مجلة «نيوساينتست»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

لماذا تظهر رائحة العرق الكريهة؟ وما أفضل طرق علاجها؟

صحتك معظم الناس يعانون من رائحة جسم مؤقتة بعد التعرق (بيكسلز)

لماذا تظهر رائحة العرق الكريهة؟ وما أفضل طرق علاجها؟

تظهر رائحة الجسم الكريهة عادةً بسبب بكتيريا موجودة على سطح الجلد تقوم بتحليل إفرازات الغدد العرقية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق يُعدّ الخوف من النجاح أحد محركات التخريب الذاتي (جيسيكا سيور - جامعة إنديانا)

«التخريب الذاتي»... 4 علامات تمنعك من تحقيق النجاح

قد يقف البعض منا، خلال مرحلة من حياته، هو نفسه عائقاً في طريق نموه الشخصي بما قد يحول بينه وبين تحقيق النجاح في مهمة ما.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق هاري بتروشكين استشاري طب العيون في مستشفى «مورفيلدز» مع واحدة من المرضى (مستشفى مورفيلدز)

علاج شائع يُعيد البصر لمرضى «انخفاض ضغط العين»

أظهرت دراسة حديثة فاعلية حقنة عين شائعة الاستخدام في علاج حالة مرضية نادرة من حالات «انخفاض ضغط العين»، كانت تُعتبر في السابق غير قابلة للعلاج.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك ما أفضل الأطعمة والمشروبات التي تساعد على تهدئة أعراض الإنفلونزا؟ (بكسلز)

16 غذاءً ومشروباً لتعزيز المناعة وتسريع التعافي من الإنفلونزا

عند الإصابة بالإنفلونزا، يفقد الكثيرون الشهية، ويصبح الحفاظ على الترطيب والتغذية السليمة أمراً بالغ الأهمية لتعزيز جهاز المناعة والتعافي بسرعة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك يروج البعض الآن لأدوية «جي إل بي 3» لإنقاص الوزن (د.ب.أ)

جيل جديد من حقن إنقاص الوزن... ماذا نعرف عن مركبات «جي إل بي 3»؟

خلال السنوات الأخيرة أصبح استخدام أدوية «جي إل بي 1» شائعاً بشكل كبير لإنقاص الوزن لكن البعض يروج الآن لأدوية «جي إل بي 3» فماذا نعرف عنها؟

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

مطلوب: خبراء بشريون للمساعدة في تدريب الذكاء الاصطناعي

مطلوب: خبراء بشريون للمساعدة في تدريب الذكاء الاصطناعي
TT

مطلوب: خبراء بشريون للمساعدة في تدريب الذكاء الاصطناعي

مطلوب: خبراء بشريون للمساعدة في تدريب الذكاء الاصطناعي

قبل نحو عام، لفت إعلان انتباه آشلي روان، طالبة الدكتوراه في الفيزياء بجامعة كمبردج. كان الإعلان بسيطاً ولكنه غير مألوف: «علّم الذكاء الاصطناعي الفيزياء»، كما كتب بريت فارميلو *.

وبدافع الفضول، نقرت روان على الإعلان، وعلمت أن خبراء من مختلف المجالات - من الفيزياء والدراسات المالية... إلى الرعاية الصحية والقانون - يتقاضون الآن أجوراً للمساعدة في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي على التفكير والاستدلال وحل المشكلات مثلما يفعل المتخصصون في مجالاتهم. ولذا؛ تقدمت بطلب، وقُبلت، وتعمل الآن نحو 50 ساعة أسبوعياً لتوفير البيانات لشركة «ميركور»، وهي منصة تربط مختبرات الذكاء الاصطناعي بخبراء في مجالاتهم.

مجموعة متنامية من المحترفين... لخدمة الذكاء الاصطناعي

تُعدّ روان جزءاً من مجموعة متنامية من المحترفين الذين يُسهِمون في تشكيل كيفية تعلم نماذج الذكاء الاصطناعي. ووفقاً لموقع «فريلانسر»، ظهرت آلاف الوظائف الجديدة في مجال تدريب بيانات الذكاء الاصطناعي وتصنيفها على منصته، وقد تحقق معظم هذا النمو خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية فقط. تتراوح هذه الأدوار بين مهام الخبراء التقنيين للغاية، مثل تقييم الاستدلالات المعقدة أو تشخيص أخطاء النماذج، وقرارات دقيقة لا تزال النماذج الكبيرة تواجه صعوبة في اتخاذها.

ويقول مات باري، الرئيس التنفيذي لشركة «فريلانسر»: «ندخل مرحلةً مثيرةً للاهتمام حقاً. تحتاج نماذج الذكاء الاصطناعي إلى المزيد والمزيد من البيانات. نشهد مشاركة متخصصين من جميع المجالات في جميع أنحاء العالم في أعمال تدريب الذكاء الاصطناعي على البيانات».

رغم قراءة الذكاء الاصطناعي الإنترنت بأكملها... لا يزال ناقصاً

يثير هذا التوجه تساؤلاتٍ أوسع: إذا كانت نماذج الذكاء الاصطناعي قد دُرِّبت بالفعل على الإنترنت المفتوح ومجموعات بيانات الشركات الضخمة، فلماذا لا تزال في حاجة إلى خبراء بشريين؟ ما الذي يفعله هؤلاء الخبراء تحديداً؟ وإلى متى سيستمر هذا النوع الجديد من العمل؟ لقد «قرأ الذكاء الاصطناعي الإنترنت بأكمله» - ولا يزال في حاجة إلى خبراء حقيقيين.

هناك افتراض شائع بأن أكبر نماذج الذكاء الاصطناعي اليوم تعرف كل ما تحتاج إلى معرفته. إذ إنها في النهاية، دُرِّبت على ملايين الكتب والمقالات والأبحاث والمنشورات. لكن رواد الصناعة يقولون إن خبراء المجال أصبحوا الآن أكثر أهمية من أي وقت مضى.

يوضح جويل هرون، كبير مسؤولي التكنولوجيا في «تومسون رويترز»: «يمكن للنماذج المدربة على الإنترنت بأكمله أن توفر إجابة بنسبة 80 في المائة، ولكن في المجالين القانوني والضريبي، لا تُعدّ هذه النسبة كافية. يطالب عملاؤنا بمستوى عالٍ من الدقة والثقة. ويضمن الاستعانة بالخبراء تحقيق أعلى مستوى ممكن من الدقة».

أهمية الخبراء في مجالات عالية التنظيم والخطورة

وتتفق آنا برايس، نائبة رئيس قسم التوريد في شركة «بروليفيك»، التي توفر بيانات بشرية لمختبرات الذكاء الاصطناعي، على أن أهمية الخبراء تزداد مع دخول نماذج الذكاء الاصطناعي إلى مجالات منظمة وعالية المخاطر.

وتقول برايس: «يتزايد الطلب على الخبرة البشرية والتغذية الراجعة المتخصصة من نماذج الذكاء الاصطناعي باستمرار. ومع ازدياد حجم هذه النماذج، بات من الصعب اكتشاف الأخطاء. فالخبرة الحقيقية ضرورية لتقييم جوهر ما تنتجه النماذج، وليس مجرد صحتها الظاهرية».

بعبارة أخرى، لا يُغني الإنترنت وحده عن المعرفة المهنية المنظمة. فكلما زاد اعتماد المؤسسات على الذكاء الاصطناعي في الأعمال الجادة وعالية المخاطر، ازدادت حاجتها إلى خبراء يُرشدون النماذج إلى طريقة تفكير المحترفين الحقيقيين.

مُحاورون آليون يُجرون مقابلات مع مُدرّبي الذكاء الاصطناعي

وتعتمد بعض المنصات على مُحاورين آليين لتقييم الخبرة الفعلية للمُدرّبين المُحتملين.

يقول أرشام غهراماني، مؤسس شركة «ريبون» Ribbon، التي تُقدّم مُحاورين آليين ولديها أكثر من 500 عميل، من بينهم مُزوّد ​​بيانات تدريب الذكاء الاصطناعي الذي يُجري مقابلات مع أكثر من 15000 خبير شهرياً: «يُجري الخبراء مُقابلة عبر الهاتف، ويُجرون مقابلة مع الذكاء الاصطناعي. من المُرجّح أن تُطرح عليك أفضل أسئلة مُقابلة طُرحت عليك على الإطلاق».

يُقيّم المُحاورون الآليون الخبراء بحثاً عن مؤشرات تُشير إلى وجود شكوك حول خبرتهم، مثل وتيرة الاستجابة غير المُنتظمة، وما إذا كانت استجاباتهم طبيعية، وبالطبع، ما إذا كانوا يمتلكون الخبرة المطلوبة في مجال مُحدّد.

ويقوم النظام بمسح السيرة الذاتية ويقترح أسئلةً بالغة الأهمية. بوعد كل إجابة، كان مُحاور الذكاء الاصطناعي يتصرف كشخص حقيقي، فيلخص ما قاله الخبير ويطرح سؤالاً امتداداً طبيعياً لموضوع الحديث. إن تقييم الذكاء الاصطناعي الآن للبشر الذين يُدرّبونه، يعكس مدى التطور الذي حققه البشر في قدرات النماذج.

«الميل الأخير من المعلومات» لا يزال حكراً على البشر

يأتي أحد أوضح التفسيرات لأهمية بيانات الخبراء من مارك كوين، المدير الأول لعمليات الذكاء الاصطناعي في شركة «بيرل» والرئيس السابق للعمليات الهندسية في «وايمو». يربط كوين بين تحديات الذكاء الاصطناعي الحالية والقيادة الذاتية.

يقول كوين: «في (وايمو)، عملنا على الوصول إلى الميل الأخير من التنقل الذاتي. والآن، نعمل على الوصول إلى الميل الأخير من المعلومات. على الرغم من تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي لسدّ هذا الميل الأخير من المعلومات، فإن الواقع يُشير إلى أن الناس قد يُفضلون التحقق البشري من صحة المعلومات».

ومع ازدياد ذكاء النماذج وتوسع نطاقها، لا يزال هناك عالمٌ مليء بالحالات الاستثنائية - مواقف تتطلب حُكماً سليماً، أو تفكيراً أخلاقياً، أو منطقاً خاصاً بالمجال يصعب استيعابه في مجموعات البيانات العامة.

يعتقد بعض الرواد أن المرحلة الأخيرة ستتقلص، لكنها لن تختفي تماماً.

يشير هرون من «تومسون رويترز» إلى أن «النماذج الأساسية لا تزال في حاجة إلى الكثير من التطوير لتصبح عميقة حقاً. ستساعد الأنظمة الخبيرة والمعرفة المتخصصة النماذج على الارتقاء إلى المستوى التالي».

ويضيف برايس من «بروليفيك»: «لم نكتشف سوى القليل مما يمكن أن يفعله الذكاء الاصطناعي. يُعدّ البشر عنصراً أساسياً في هذه المعادلة، لا سيما في المجالات المتخصصة».

بعبارة أخرى، لا يكمن المستقبل في استبدال الخبراء، بل في توسيع نطاق الخبرة الضرورية لتحسين نماذج الذكاء الاصطناعي وجعلها أكثر أماناً.

نوع جديد من العمل المعرفي

بالنسبة لروان، طالبة الدكتوراه في الفيزياء، أصبح العمل في مجال البيانات المتخصصة مصدر دخلٍ مهم. وقد قبلت أخيراً وظيفة بدوام كامل، لكنها أشارت إلى أن عملها الجديد سيقتصر على 38 ساعة أسبوعياً؛ ما يتيح لها الوقت لمواصلة المساهمة في مشاريع تدريب الذكاء الاصطناعي. وما تشهده بات شائعاً: محترفون ذوو خبرة يتعاملون مع تدريب الذكاء الاصطناعي بوصفه مساراً وظيفياً إضافياً، أو عملاً جانبياً مرناً، أو حتى وظيفة بدوام كامل.

يلعب هذا العمل دوراً محورياً متزايداً في كيفية عمل أنظمة الذكاء الاصطناعي. ومع ازدياد قدرات النماذج، تتجدد قيمة الخبرة العملية، لا تتضاءل.

ولا يقتصر دور الخبراء على استخدام الذكاء الاصطناعي فحسب، بل يُعلّمونه أيضاً كيفية التفكير والتصرف كخبير.

* مجلة «فاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»

حقائق

80 %

نسبة الإجابة الدقيقة للنماذج المدربة على الإنترنت بأكمله


هل توجد حياة بعد الموت… على المستوى الخلوي؟

شكل تصويري للخلايا البشرية الحية
شكل تصويري للخلايا البشرية الحية
TT

هل توجد حياة بعد الموت… على المستوى الخلوي؟

شكل تصويري للخلايا البشرية الحية
شكل تصويري للخلايا البشرية الحية

ارتبط مفهوم الحياة في أذهاننا ببداية واضحة ونهاية حاسمة: نولد ونعيش ثم نموت. غير أن الاكتشافات العلمية الحديثة بدأت تُحدث شرخاً في هذا التصور التقليدي، خصوصاً عندما ننتقل من مستوى الكائن الحي إلى مستوى الخلية.

«الحالة الثالثة»

وتشير دراسات متزايدة إلى أن بعض الخلايا لا تتوقف عن العمل فور موت الكائن الذي جاءت منه، بل قد تستمر في النشاط والتكيّف؛ ما يفتح الباب أمام مفهوم جديد يُعرف بـ«الحالة الثالثة» بين الحياة والموت.

يتكوّن جسم الإنسان من نحو 30 تريليون خلية تعمل بتناغم مذهل للحفاظ على الحياة. وكان الاعتقاد السائد أن هذه الخلايا تفقد وظيفتها سريعاً بعد الوفاة، إلا أن أبحاثاً حديثة أظهرت أن بعض الخلايا تمتلك قدرة لافتة على إعادة التنظيم والتكيّف خارج السياق البيولوجي المعتاد.

خلايا تعيد تعريف الحياة

* «خلايا حية اصطناعية». ومن أبرز الأمثلة على هذا السلوك ما يُعرف بـ الزينوبوتات Xenobots، وهي تراكيب مجهرية متعددة الخلايا جرى تصميمها بمساعدة تقنيات الذكاء الاصطناعي انطلاقاً من خلايا ضفادع. وقد استُمد اسمها من الضفدع ذي المخالب Xenopus laevis؛ إذ تُعد كائنات حية اصطناعية صُمِّمت حاسوبياً لأداء وظائف محددة، ويتم بناؤها عبر دمج أنسجة بيولوجية مختلفة. والمثير في هذه الكائنات أن خلاياها لا تؤدي وظائفها الأصلية، بل تعيد تنظيم نفسها لتتحرك أو تُصلح أضراراً أو تتفاعل مع بيئتها بطرق غير متوقعة.

وفي مقال نُشر في 12 سبتمبر (أيلول) 2024 على موقع The Conversation، وصف العالمان بيتر نوبل الباحث في المعلوماتية الحيوية بجامعة ألاباما وأليكس بوزهيتكوف من جامعة واشنطن هذا السلوك بأنه دليل على وجود حالة وسطى لا تكون فيها الخلايا حية بالمعنى التقليدي ولا ميتة بالكامل؛ ما يفتح تساؤلات علمية وفلسفية جديدة حول حدود الحياة ذاتها.

روبوتات من خلايا بشرية حية

* روبوتات من خلايا بشرية. ولم يقتصر هذا الاكتشاف على خلايا غير بشرية فحسب؛ إذ لوحظ سلوك مشابه في خلايا بشرية أُطلق عليها اسم الأنثروبوتات Anthrobots؛ ما عزّز الفكرة القائلة بأن الخلايا قد تمتلك قدرات كامنة لا تظهر إلا عند خروجها من بيئتها الطبيعية. ففي دراسة سابقة نُشرت في مجلة Advanced Science بتاريخ 3 ديسمبر (كانون الأول) 2023، تمكّن العلماء من تطوير روبوتات بشرية مجهرية انطلاقاً من خلايا رئة بشرية بالغة وجرى توصيف خصائصها الوظيفية. وأظهرت هذه الروبوتات قدرة على الحركة داخل أطباق زراعة الخلايا، إضافة إلى تحفيز عملية التئام الجروح في الخلايا العصبية البشرية المزروعة في خطوة تفتح آفاقاً جديدة لفهم سلوك الخلايا وإمكاناتها العلاجية المستقبلية.

هل الخلايا واعية؟

وأعادت هذه النتائج سؤالاً فلسفياً وعلمياً قديماً إلى الواجهة: هل تمتلك الخلايا شكلاً بدائياً من الوعي؟ يرى بعض العلماء أن السلوك الموجّه واتخاذ قرارات بسيطة يوحيان بدرجة من الإدراك الخلوي. في المقابل، يحذّر باحثون آخرون من المبالغة، مؤكدين أن هذه الظواهر يمكن تفسيرها بآليات كيميائية وفيزيائية معروفة دون الحاجة إلى افتراض الوعي.

ورغم الخلاف، يتفق الجميع على أن هذه الاكتشافات قد تُحدث ثورة في الطب التجديدي من خلال تطوير علاجات تعتمد على إعادة برمجة خلايا المريض نفسه.

خلايا ليست من جيناتنا

وبالتوازي مع هذه الأبحاث، تكشف دراستان حديثتان نُشرتا أواخر ديسمبر (كانون الأول) 2025، الأولى في مجلة Popular Mechanics بتاريخ 17 ديسمبر والأخرى في مجلة Nature بتاريخ 31 ديسمبر، عن حقيقة علمية مدهشة، مفادها أن أجسامنا لا تتكوّن فقط من خلايانا الخاصة. إذ أظهرت الدراستان أن داخل كل إنسان توجد أعداد ضئيلة جداً من خلايا تعود لشخص آخر، غالباً الأم أو الطفل، وهي ظاهرة بيولوجية تُعرف باسم «التخليق الجزيئي» Microchimerism؛ ما يفتح آفاقاً جديدة لفهم الهوية الجسدية والعلاقة المعقّدة بين الأم والجنين.

ويُعدّ التخلق الجزئي الجنيني الأمومي الشكل الأكثر شيوعاً لهذا التبادل، ويحدث أثناء الحمل عندما تمر خلايا الجنين عبر المشيمة وتدخل مجرى دم الأم. ويبدأ هذا التبادل عادة بين الأسبوعين الرابع والسادس من الحمل، وقد تستمر بعض هذه الخلايا في جسم الأم لعقود بعد الولادة. بالمقابل، يمكن أيضاً أن تهاجر خلايا الأم إلى الجنين.

ولا يقتصر التخلق الجزئي على فترة الحمل فقط، بل يمكن أن يحدث أيضاً من مصادر أخرى، مثل عمليات زرع الأعضاء أو نقل الدم أو الولادات المتعددة، كما في حالة التوائم الذين يتشاركون الرحم. ففي هذه الحالات يمكن لخلايا أحد الأفراد أن تندمج وتستقر في أنسجة فرد آخر؛ ما يجعل أجسامنا تحتوي على خلايا أجنبية بصورة طبيعية أحياناً.

أدوار غير متوقعة

وتشير الأبحاث إلى أن هذه الخلايا «الضيفة» ليست خاملة، بل قد تسهِم في التئام الجروح أو دعم الجهاز المناعي. ففي الأطفال، يُعتقد أن خلايا الأم تساعد جهازهم المناعي على التعلّم المبكر وكأنها تنقل خبرة بيولوجية عبر الأجيال.

لكن هذه الظاهرة تطرح أيضاً أسئلة معقّدة حول أمراض المناعة الذاتية؛ إذ وُجدت أعداد أكبر من هذه الخلايا لدى بعض المرضى دون حسم ما إذا كانت سبباً أم نتيجة للمرض.

هوية أكثر تعقيداً

تتحدى هذه الاكتشافات الفكرة التقليدية عن الفرد المستقل بيولوجياً. فإذا كنا نحمل خلايا أشخاص آخرين طوال حياتنا، فهل نحن حقاً كيان واحد؟ وهل بقاء خلايانا في أجساد أحبائنا بعد موتنا يمثّل شكلاً من أشكال الاستمرار؟

رغم أن العلم ما زال في بداياته، فإن الرسالة باتت واضحة، هي أن الحياة ليست حالة ثنائية بسيطة بين الوجود والعدم والحدود بين الحياة والموت وبين «الذات» و«الآخر» أكثر مرونة وتعقيداً مما كنا نتصور. إذ إن أصغر وحدات الحياة قد تحمل مفاتيح فهم أعمق للصحة والهوية، وربما لمعنى الوجود ذاته.

حقائق

30

تريليون خلية تقريباً توجد في جسم الإنسان


مركز «هيكساجون»: حين تصبح الحوسبة الفائقة أساس الطب الذكي في السعودية

المستشفى الذكي عقل رقمي في قلب الرياض
المستشفى الذكي عقل رقمي في قلب الرياض
TT

مركز «هيكساجون»: حين تصبح الحوسبة الفائقة أساس الطب الذكي في السعودية

المستشفى الذكي عقل رقمي في قلب الرياض
المستشفى الذكي عقل رقمي في قلب الرياض

لم يعد الذكاء الاصطناعي الطبي في عالم اليوم يُقاس بعدد الخوارزميات، أو بريق التطبيقات وحدها، بل بقدرة الدول على بناء بنية تحتية حاسوبية صلبة تجعل هذا الذكاء ممكناً، وآمناً، ومستداماً على المدى الطويل. فالنماذج الذكية، مهما بلغت دقتها، تبقى مجرّد أفكار نظرية ما لم تستند إلى طاقة حوسبية كمبيوتريه قادرة على تشغيلها، وتغذيتها بالبيانات، وحمايتها ضمن أطر سيادية واضحة.

حين تلتقي الحوسبة الفائقة بالطب

الذكاء الاصطناعي يبدأ من البنية التحتية

في هذا السياق، يشكّل إطلاق مركز «هيكساجون» (HEXAGON) للحوسبة الفائقة، التابع للهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، وبقرار مباشر من مجلس الوزراء، لحظة مفصلية في مسار الذكاء الاصطناعي في المملكة. فالمسألة هنا لا تتعلّق بمشروع تقني جديد، بل بإعادة تعريف الأساس الذي سيُبنى عليه مستقبل الطب الرقمي، والبحث الطبي المتقدم في السعودية.

ويعني اسم «هيكساجون» الشكلَ السداسي، رمز الكفاءة، والتكامل في الطبيعة، في إشارة إلى بنية حاسوبية مترابطة صُمّمت لتحقيق أعلى أداء بأقصى قدر من الاستدامة.

هيكساجون: القلب الخفي للطب الذكي

«هيكساجون» لا يُختزل في كونه مركز بيانات ضخماً، أو إنجازاً هندسياً يُقاس بالمساحة، أو القدرة الكهربائية فحسب، بل يمثّل الطبقة غير المرئية التي يقوم عليها الذكاء الاصطناعي الطبي الحديث.

وداخل هذه البنية الحاسوبية، تُعالَج الصور الشعاعية عالية الدقة، وتُحلَّل البيانات الجينومية المعقّدة، وتُدرَّب نماذج التنبؤ المبكر بالأمراض، وتُدار صحة السكان على نطاق وطني شامل.

وبذلك تتحوّل البيانات الصحية من أرشيفٍ ساكن إلى منظومة ذكية فاعلة، تدعم القرار الطبي قبل وقوع المرض... لا بعده.

من البيانات الضخمة إلى المعرفة الطبية

وينتج الطب المعاصر كميات غير مسبوقة من البيانات، تمتد من التصوير الطبي عالي الدقة، إلى السجلات الصحية الرقمية، وصولاً إلى الخرائط الجينومية المعقّدة. وهذه الكثافة المعلوماتية لا يمكن معالجتها بكفاءة أو أمان عبر الحوسبة التقليدية، لا من حيث السرعة، ولا من حيث الدقة أو الاعتمادية. من هنا، تصبح الحوسبة الفائقة شرطاً علمياً أساسياً لقيام الطب الذكي، لا مجرد خيار تقني، وتغدو مراكز مثل «هيكساجون» العمود الفقري الذي يتيح تحويل البيانات الطبية الضخمة إلى معرفة قابلة للتطبيق السريري، وصناعة القرار الصحي.

الطبيب السعودي بحاجة إلى حوسبة فائقة

الذكاء الاصطناعي «السيادي»

يتمثّل التحوّل الجوهري الذي يقدّمه مركز «هيكساجون» في نقل المملكة من مرحلة استهلاك تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة امتلاك بنيته التحتية السيادية، فحين تُدار الحوسبة والبيانات داخل إطار وطني، تُصان خصوصية المعلومات الصحية، ويُحمى القرار الطبي من الارتهان الخارجي، وتُبنى نماذج الذكاء الاصطناعي وفق أولويات صحية محلية. وبهذا المعنى لا يرسّخ «هيكساجون» استقلالاً تقنياً فحسب، بل يؤسّس لسيادة صحية رقمية تجعل الذكاء الاصطناعي أداة في خدمة المريض، والمجتمع، لا مجرد تقنية مستوردة.

البيانات الصحية بين الحوكمة والأخلاقيات

حين تُدار البيانات الصحية داخل مراكز وطنية خاضعة لأطر حوكمة واضحة، ومعايير أخلاقية صارمة، يصبح بالإمكان تطوير نماذج ذكاء اصطناعي تحترم خصوصية الفرد، وتراعي الخصائص الثقافية والديموغرافية للمجتمع، بدل فرض نماذج عامة لا تعكس الواقع المحلي. وفي هذا الإطار تتحوّل البيانات من عبءٍ تنظيمي إلى أصلٍ استراتيجي يُسهم في توجيه السياسات الصحية الوطنية، ودعم الوقاية المبكرة، وتحقيق عدالة صحية قائمة على المعرفة لا على التقدير.

من طب علاجي إلى طب تنبئي وقائي

يُمكّن «هيكساجون» المنظومة الصحية من الانتقال من نموذجٍ تقليدي يركّز على علاج المرض بعد ظهوره، إلى نموذجٍ أكثر تقدماً يتنبأ بالمخاطر الصحية قبل وقوعها. فمن خلال تحليل البيانات السكانية، والسجلات الطبية، والمؤشرات الحيوية على نطاق واسع، تصبح التدخلات الوقائية أكثر دقة، وتوقيتاً، وأكثر كفاءة من حيث التكلفة، وأقرب إلى جوهر الطب الإنساني الذي يسعى لحماية الصحة قبل أن يُضطر إلى علاج فقدانها.

الذكاء الاصطناعي الطبي نظام وطني متكامل

لم يعد الطب الذكي الحديث مجموعة تطبيقات منفصلة، أو حلولاً تقنية متجزئة، بل منظومة وطنية متكاملة تبدأ من جمع البيانات وتنظيمها، وتمرّ بالحوسبة الفائقة ومعالجة الخوارزميات، لتصل في النهاية إلى دعم القرار الطبي والصحي. وفي هذا السياق يمثّل «هيكساجون» القلب النابض لهذه المنظومة، حيث تتكامل البنية التحتية مع الرؤية الاستراتيجية، ويتحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة تقنية إلى ركيزة أساسية في بناء نظام صحي حديث، ومستدام.

السعودية ونموذج البناء قبل التطبيق

في عالمٍ يتسابق فيه كثيرون على تبنّي تطبيقات الذكاء الاصطناعي قبل استكمال مقوماته، يبرز النموذج السعودي بوصفه مقاربة مختلفة تقوم على بناء الأساس أولاً. فالاستثمار في البنية التحتية الحاسوبية، وتأسيس أطر الحوكمة، وتحديد المسؤوليات الأخلاقية والقانونية، كل ذلك يسبق تعميم الحلول التقنية على أرض الواقع. وبهذا النهج لا يُقدَّم الذكاء الاصطناعي على أنه قفزة متسرّعة، بل إنه مشروع وطني محسوب يوازن بين الطموح التقني وحماية الإنسان والنظام الصحي معاً.

أثر يتجاوز القطاع الصحي

لا يقتصر أثر «هيكساجون» على تحسين الممارسة الصحية فحسب، بل يمتد ليشمل منظومة أوسع تضم البحث العلمي، والتعليم الطبي، وصناعة الدواء، والأمن الحيوي، والاستعداد الوطني للأوبئة والطوارئ الصحية. فامتلاك قدرة حوسبية فائقة يتيح تسريع الاكتشافات البحثية، وتطوير مناهج تدريب طبي قائمة على المحاكاة والبيانات، ودعم سلاسل الابتكار الدوائي محلياً، إلى جانب تعزيز الجاهزية الاستباقية لمواجهة الأزمات الصحية قبل تحوّلها إلى تحديات وطنية كبرى.

وما يحدث في السعودية اليوم ليس سباقاً على أحدث تطبيق، بل إنه استثمار هادئ في الأساس الذي يجعل الذكاء الاصطناعي الطبي آمناً، وقابلاً للمساءلة، ومفيداً على المدى البعيد.

خلاصة: بنية لا يراها المريض... لكنها تحميه

قد لا يرى المريض مركز «هيكساجون»، ولن يلمس جدرانه أو أجهزته، لكنه سيشعر بأثره المباشر في تشخيص أدق، وعلاج أسرع، ووقاية أذكى، ونظام صحي أكثر عدالة وكفاءة. فالبنى التحتية الذكية لا تُقاس بمدى ظهورها للعيان، بل بقدرتها على حماية الإنسان في اللحظة التي يكون فيها أكثر حاجة للعلم، وأقل قدرة على الانتظار.