«خطة ترمب» بشأن غزة... دور مصري «محوري» يسعى لتوافقات

القاهرة تؤكد وجود عناصر «إيجابية» وأخرى في حاجة إلى نقاش موسع

وزير الخارجية المصري يلتقي على هامش اجتماع قادة ميونيخ بمدينة العُلا السفيرة هيلجا ماريا شميد نائبة رئيس مؤسسة مؤتمر ميونخ للأمن (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري يلتقي على هامش اجتماع قادة ميونيخ بمدينة العُلا السفيرة هيلجا ماريا شميد نائبة رئيس مؤسسة مؤتمر ميونخ للأمن (الخارجية المصرية)
TT

«خطة ترمب» بشأن غزة... دور مصري «محوري» يسعى لتوافقات

وزير الخارجية المصري يلتقي على هامش اجتماع قادة ميونيخ بمدينة العُلا السفيرة هيلجا ماريا شميد نائبة رئيس مؤسسة مؤتمر ميونخ للأمن (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري يلتقي على هامش اجتماع قادة ميونيخ بمدينة العُلا السفيرة هيلجا ماريا شميد نائبة رئيس مؤسسة مؤتمر ميونخ للأمن (الخارجية المصرية)

يتسع دور مصر شيئاً فشيئاً في حل أزمة الحرب في غزة التي تقترب من عامها الثالث، فبعد وساطة قاربت العامين، ينتظر أن تلعب القاهرة دوراً في توافقات، بشأن إدارة المشهد في القطاع.

ذلك الدور الذي يتسع تدريجياً، يضاف إليه، تدريب قوات فلسطينية، والإسهام في التوافق على لجنة فلسطينية لإدارة غزة، وقيادة مصر جهود إعمار غزة، واستضافتها مؤتمراً دولياً عقب وقف إطلاق النار، كما يؤكد وزير خارجيتها بدر عبد العاطي مراراً.

الأدوار المتزايدة لمصر، يراها خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، تأكيداً على محورية مصر وأهميتها، مؤكدين، أن «أي مسار ستذهب إليه مصر بكل تأكيد يحقق أمنها القومي، ويضمن عدم تصفية القضية الفلسطينية ويحفظ حقوق الفلسطينيين».

فلسطينيون يحملون مساعدات غذائية جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

واستمراراً لدور القاهرة في الوساطة مع الدوحة وواشنطن منذ اندلاع الحرب في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، أفادت وكالة «بلومبرغ»، الأربعاء، نقلاً عن مصدر مطّلع، بأن وفداً من حركة «حماس» اجتمع، في الدوحة مع مسؤولين من قطر ومصر وتركيا، في إطار مداولات الحركة بشأن خطة ترمب.

وعلى مدار يومي الاثنين والثلاثاء، كانت مصر حاضرة، بوفد برئاسة رئيس المخابرات حسن رشاد في اجتماعات مع الفريق التفاوضي لـ«حماس» بالدوحة، بحضور قطري - تركي؛ لبحث الخطة الأميركية، وفق ما ذكره متحدث الخارجية القطرية ماجد الأنصاري في مؤتمر صحافي دوري الثلاثاء.

وبخلاف الوساطة، أعاد وزير خارجية مصر، في اجتماع قادة ميونيخ بمدينة العُلا السعودية، الأربعاء، الإشارة إلى قيام مصر بتدريب عناصر من القوات الأمنية الفلسطينية؛ لتمكينها من بسط سيطرتها الأمنية على قطاع غزة، وفق بيان للخارجية المصرية.

كما أعاد عبد العاطي الحديث عن «اعتماد القمة العربية التي عقدت بالقاهرة في مارس (آذار) الماضي للجنة إدارية فلسطينية غير فصائلية قادرة على إدارة قطاع غزة مؤقتاً، لحين عودة السلطة الفلسطينية»، والتي تعدّ من مخرجات وساطة مصرية بين الفصائل الفلسطينية، لا سيما بين حركتي «فتح» و«حماس» على مدار أشهر.

عبد العاطي يلتقي المفوض العام لوكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) (الخارجية المصرية)

وفي لقاء مع فيليب لازاريني، المفوض العام لوكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، بالعلا، ناقش وزير خارجية مصر «مستجدات المؤتمر الدولي الذي تعتزم مصر استضافته بالتنسيق مع فلسطين والأمم المتحدة والشركاء الدوليين، بعد العودة إلى وقف إطلاق النار؛ لتوفير الدعم اللازم لمتطلبات التعافي المبكر كأولوية في المرحلة الحالية».

وبشأن مستقبل مبادرة ترمب، قال وزير الخارجية المصري، في تصريحات تلفزيونية، الأربعاء، إن الخطة تتضمن عناصر إيجابية وعناصر في حاجة إلى نقاش موسع، معقباً: «كما يُقال، الشيطان في التفاصيل، وبالتالي تتعين مناقشة هذه القضايا بشكل متعمق لتحقيق توافق بشأنها، خاصة فيما يتعلق بعملية التنفيذ على الأرض».

وأوضح، أن إدارة غزة «ستكون من مسؤولية الفلسطينيين، دون تدخل خارجي مباشر، وأن دور القاهرة سيكون داعماً للجنة الانتقالية ثم للسلطة الفلسطينية».

وبخلاف تلك الأدوار المؤكدة لمصر في المشهد الغزي المستقبلي والحالي، هناك أدوار محتملة تناقلتها «الغارديان» البريطانية و«هآرتس» الإسرائيلية، تشير إلى أن مدينة العريش المصرية، ستكون مقراً مؤقتاً محتملاً لهيئة انتقالية ستدير غزة، والملياردير المصري نجيب ساويرس أحد أعضاء لجنة الهيئة التي ستكون بقيادة رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير.

وكان ترمب قال في تصريحات عقب طرحه مبادرته إن «مجلس السلام» الذي سيترأسه، سيكون مسؤولاً عن تشكيل حكومة في غزة بمشاركة فلسطينيين وغيرهم، موضحاً أن أسماء أعضاء المجلس سيتم الإعلان عنها في الأيام المقبلة.

فلسطينيون يحملون مساعدات غذائية جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويؤكد عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير محمد حجازي، «أن الدور المصري منذ اندلاع الحرب محوري، سواء عبر الوساطة، أو طرح خطة إعمار غزة التي تم تبنيها عربياً وإسلامياً، بخلاف التوافق على لجنة المتابعة المجتمعية الفلسطينية وتدريب الشرطة الفلسطينية».

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي اللواء سمير فرج، «أن مصر ساعية للسلام والاستقرار بالمنطقة، وأدوارها منذ حرب غزة التي تتزايد حالياً، سواء في تدريب قوات، أو وساطة بين الفصائل أو بين (حماس) وإسرائيل، نابعة من ذلك، ولا يمكن أن تفرط مصر في أمنها على حدودها الشرقية أو تسمح بتصفية القضية الفلسطينية».

وبرأي فرج، فإن أي أدوار مصرية محتملة ستكون محل نقاش، «ومصر لن تعترض على أي شيء ما دام لا يمس أمنها ولا يمس حقوق الفلسطينيين».

ولم تحسم «حماس» موقفها من خطة ترمب بعد، بعد الاجتماعات مع الوسطاء يومي الاثنين والثلاثاء، ونقلت وكالة «بلومبرغ»، الأربعاء عن مصدر مطلع أن وفد «حماس» أبلغ الوسطاء بأنه يراجع بعنايةٍ الخطة المؤلَّفة من 20 بنداً، التي أعلنها ترمب، يوم الاثنين، وأنه يسعى لاستيضاح بعض الجوانب الفنية، مضيفاً أن الحركة ستتشاور مع الفصائل الفلسطينية الأخرى قبل تقديم ردّها.

وقال ترمب، في تصريحات، الثلاثاء، إن أمام «حماس» «نحو ثلاثة أو أربعة أيام» لاتخاذ قرار، مضيفاً: «ما نريده بسيط للغاية، وهو عودة الرهائن فوراً، ونريد بعض التصرفات الجيدة. إما أن تقوم (حماس) بذلك أو لا، وإذا لم تفعل فستكون النهاية حزينة للغاية».

وعلى الرغم من إصدار دول عربية وإسلامية، بينها مصر، وقطر، والسعودية، وتركيا، وباكستان، والأردن وفلسطين، بيانات رحبت فيها بمبادرة ترمب عقب طرحها، أفاد موقع «أكسيوس» الأميركي، الأربعاء، نقلاً عن دبلوماسيين، بأن «تفاصيل الخطة ما زالت قيد التفاوض، وأن الاتفاق لم يُحسم بعد».

وأبلغ مسؤول أميركي «أكسيوس»، أن بعض «التعديلات الطفيفة» قد تُضاف، «لكن ترمب لا ينوي إعادة التفاوض على الخطة بأكملها».

ويرى حجازي، أن المرحلة المقبلة «ستشهد التفاوض في التفاصيل، بما يكفل لكل طرف حقوقه ويسهم في مشهد إقليمي في قطاع غزة يقود لتسوية وأفق تظهر فيه بوضوح السلطة الفلسطينية بعد إجرائها الإصلاحات المطلوبة».

وأكد فرج، «أن هناك رهاناً كبيراً على الذهاب لاتفاق»، متوقعاً «أن تمضي (حماس) في الخطة مع طلب تفسيرات أو توضيحات من الوسطاء».


مقالات ذات صلة

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

العالم قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب) p-circle

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

أعلنت محكمة العدل الدولية أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (لاهاي)
المشرق العربي أطفال فلسطينيون يشاركون في صلاة الجمعة فوق أنقاض مسجد الطالباني الذي دمره القصف الإسرائيلي خلال الحرب في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

غياب فعاليات «يوم القدس» في غزة

اكتفت الفصائل الفلسطينية بإصدار بيانات بمناسبة «يوم القدس العالمي»، مؤكدةً فيها أهمية دعم مدينة القدس والتصدي للمخططات الإسرائيلية في المنطقة بأكملها.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطيني يقف على باب ثلاجة يستخدمه قارباً مؤقتاً ويحاول الصيد بسلة حديدية في ميناء مدينة غزة مارس الماضي (أ.ف.ب)

خاص «مساحة ضيقة وملاحقة بالرصاص»... كيف دمّرت إسرائيل الصيد في غزة؟

يواجه الصيادون في غزة ظروفاً هي الأصعب منذ بدء الحرب الإسرائيلية، إذ تمنعهم قوات الاحتلال من النفاذ إلى البحر بحثاً عن قوتهم، وسط استهدافات لا تتوقف.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شمال افريقيا رافعة بناء تدخل من الجانب المصري لمعبر رفح الحدودي مع قطاع غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

غزيون في مصر بين معاناة غلق معبر رفح وانتظار المجهول

معاناة يتجرعها غزيون في مصر مع استمرار إسرائيل في إعاقة عودة الفلسطينيين لقطاع غزة أو دخول آخرين من القطاع للعلاج، مع غلق المعابر وبينها رفح الحدودي.

محمد محمود (القاهرة)
المشرق العربي الدخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ب)

إسرائيل تغتال ناشطاً من «حماس» وعصابات مسلحة تختطف 6 فلسطينيين

واصلت إسرائيل خروقاتها لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، في وقت يزداد فيه نشاط العصابات المسلحة في مناطق مختلفة من القطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)

السعودية وكندا تناقشان جهود حفظ أمن المنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
TT

السعودية وكندا تناقشان جهود حفظ أمن المنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)

ناقش الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، خلال اتصالٍ هاتفي مع نظيرته الكندية أنيتا أناند، الجمعة، مستجدات التصعيد في المنطقة، والجهود المبذولة للحفاظ على الأمن والاستقرار.

من جانب آخر، بحث وزير الخارجية السعودي، في اتصالٍ هاتفي تلقاه من نظيره الكوري الجنوبي جو هيون، تطورات التصعيد في الشرق الأوسط، والموضوعات ذات الاهتمام المشترك.

إلى ذلك، أشاد سفراء الدول الأوروبية في الرياض بالجهود التي تبذلها السعودية لصون الأمن والاستقرار بالمنطقة، والحفاظ على أمن أراضي المملكة، والتصدي بكفاءة لكل الهجمات الإيرانية السافرة.

أوضح الاجتماع موقف السعودية تجاه الأحداث الجارية وتطوراتها (واس)

وأوضح اجتماع عقده المهندس وليد الخريجي نائب وزير الخارجية السعودي مع سفراء الدول الأوروبية، في الرياض، مساء الخميس، موقف المملكة تجاه الأحداث الجارية وتطوراتها.

وجدَّد السفراء خلال الاجتماع إدانة بلدانهم للاعتداءات الإيرانية الغاشمة على السعودية ودول الخليج، وأخرى عربية وإسلامية، مُعربين عن تقديرهم للمساعدة التي قدمتها المملكة لإجلاء مواطنيهم وتسهيل عودتهم إلى بلدانهم.

حضر الاجتماع من الجانب السعودي، السفير الدكتور سعود الساطي وكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية، والسفير عبد الرحمن الأحمد مدير عام الإدارة العامة للدول الأوروبية.


السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تطلع بلاده إلى وقف الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن والعراق وإعلاء مبدأ حسن الجوار، وذلك خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

وجدد السيسي «إدانة مصر القاطعة ورفضها المطلق لاستهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق»، مشدداً على أن «هذه الدول لم تؤيد الحرب ضد إيران ولم تشارك فيها، بل أسهمت في جهود خفض التصعيد ودعمت المفاوضات الإيرانية - الأميركية سعياً للتوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة».

وأعرب الرئيس المصري، خلال الاتصال، «عن أسف بلاده للتصعيد الراهن وقلقها البالغ من انعكاساته السلبية على استقرار المنطقة ومقدرات شعوبها»، كما استعرض الجهود المصرية المبذولة لوقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار التفاوضي، مع التشديد على «ضرورة التحلي بالمرونة» في هذا السياق، وفق بيان صادر عن الرئاسة المصرية.

جاهزية قتالية متقدمة ويقظة رفيعة في المنظومة الدفاعية لدول الخليج (أ.ب)

وأشار السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، إلى أن الرئيس الإيراني أكد «أن بلاده شاركت في جولات التفاوض للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، كما شدد على حرص بلاده على علاقات الأخوة وحسن الجوار مع الدول العربية».

وتناول الاتصال، وفق بيان الرئاسة المصرية، السبل الممكنة لإنهاء التصعيد، وجدد السيسي التأكيد على «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، مؤكداً «ضرورة احترام الجميع للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية».


الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
TT

الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)

منذ 8 أعوام لم يتذوق مختار قاسم، وهو موظف عمومي، الأطعمة الرمضانية إلا في أوقات نادرة، بعد أن أجبره انقطاع راتبه على نقل عائلته من العاصمة اليمنية صنعاء إلى مسقط رأسه في ريف محافظة تعز (جنوب غرب)، فيمَ يتنقل هو بين عددٍ من المحافظات للعمل في عدة مهن حسب الطلب.

ويقول قاسم إنه كان في البداية يتحسر على عدم حصوله على الأطعمة الرمضانية، إلا أنه وبعد عمله في نقل مساعدات غذائية خلال الأسابيع الأخيرة إلى مخيمات النزوح في محافظة مأرب (شرق صنعاء)، شعر بالامتنان لنفسه لأنه يستطيع توفير تلك الأطعمة لعائلته، بعد أن شاهد آلاف النازحين يفطرون بالماء والخبز وقليل من الأرز.

ودفع التدهور المعيشي والاقتصادي الآلاف من العائلات اليمنية في مختلف المحافظات إلى التنازل عن إعداد الأطباق الرمضانية المتنوعة، والاكتفاء بما تيسر لها من وجبات متواضعة، في وضع ساوى بين مختلف الشهور وشهر رمضان الذي يحظى بحميمية خاصة لدى اليمنيين، في حين تراجعت مظاهر التكافل الاجتماعي وتوقف الكثيرون عن إقامة موائد الإفطار لأقاربهم وأصدقائهم.

تبدي أميرة سلام، وهي ربة منزل ومعلمة في صنعاء، حزنها لعدم قدرتها على إعداد كامل الأصناف الرمضانية المعتادة، واكتفائها كل يوم بصنف واحد تقدمه لعائلتها بعد أن توقف راتب زوجها الذي لم يتمكن من الحصول على عمل آخر، في حين لا يكفي راتبها لسد كافة الاحتياجات والمتطلبات.

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (أ.ب)

وتكشف عن اكتفاء عائلتها بتناول طبق «الشفوت» يومياً، الذي يتكون من الخبز واللبن الرائب أو الزبادي، أما الشورية والباجية، وهي فلافل يتم تحضيرها من اللوبياء، والكاتلكس (بطاطس محشوة)، والسنبوسة، فيتم تناول كل واحدة منها مرة في الأسبوع، ومثلها الحلويات المسماة بنت الصحن والرواني والشعوبية.

وأوقفت الجماعة الحوثية منذ نحو 10 أعوام رواتب غالبية الموظفين العموميين في مناطق سيطرتها، في حين يشكو الكثير من السكان هناك، تحتكر الإشراف على تقديم المساعدات الغذائية والمالية المقدمة من المنظمات الدولية وفاعلي الخير للمحتاجين.

تناقض سعري منهك

يتهم خبراء ماليون واقتصاديون الحوثيين بفرض سعر ثابت وغير عادل للعملات الأجنبية (535 ريالاً للدولار)، بهدف الاستفادة من الفارق بين هذا السعر والسعر الحقيقي لصالح الجماعة، في حين تواصل المواد الاستهلاكية ارتفاع أسعارها بدون أي ضوابط.

تراجع المعونات الغذائية لليمنيين خلال السنوات الأخيرة حرمهم من توفير الوجبات الأساسية (أ.ف.ب)

وعلى نقيض ذلك تتحرك الأسعار في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية وفقاً لأسعار صرف العملات الأجنبية، إلا أن السكان والمختصين الاقتصاديين يقولون إن التعافي الذي شهدته العملة في صيف العام الماضي لم يؤدِ إلى تراجع أسعار المواد الاستهلاكية.

وشهد شهر رمضان هذا العام عزوفاً مضاعفاً عن الاستهلاك، برغم الوعود الحكومية بتحسن الأوضاع المعيشية، بعد أسابيع من إخماد التمرد جنوب وشرق البلاد، وما تبع ذلك من وقف الكثير من أعمال الابتزاز بحق التجار والبضائع المنقولة والجبايات غير القانونية.

ويسعى عمار محمد، وهو اسم مستعار لمتعهد مقاولات صغيرة في صنعاء، لإقامة مائدة واحدة على الأقل لعماله خلال الأيام المتبقية من رمضان، بعد أن عجز عن ذلك طوال الأيام الماضية بسبب حرمانه من التصرف بأرصدته البنكية من قبل الجماعة الحوثية، وهو الذي كان يقيم موائد رمضانية يومية في السابق.

من جهته أرسل مختار قاسم لعائلته مبلغاً مالياً منذ أيام، وطلب منها شراء كافة الاحتياجات الضرورية لما تبقى من رمضان مع وعدٍ لها بأن يلتحق بها قبل انقضاء الشهر، ممنياً نفسه بالحصول على بعض الوجبات التي افتقدها خلال السنوات الأخيرة، ودعوة أقاربه إلى إفطار جماعي في منزل والده.

يمنية نازحة تعدّ وجبة فقيرة متواضعة لأطفالها (رويترز)

وبرغم تحسن وضع العملة المحلية نسبياً، فإن ذلك لم يؤد إلى تحسين الوضع المعيشي لليمنيين بشكل لافت، فهذا التحسن جاء بإجراءات رسمية اتخذتها الحكومة والبنك المركزي بعد أشهر من التدهور السريع للعملة، لتستعيد جزءاً من قيمتها دون أثر كبير على الأسعار والمعيشة.

إفقار المطبخ اليمني

مع اقتراب شهر رمضان من نهايته، يتحول هاجس السكان نحو تلبية احتياجات العيد، إلا أن العديد منهم يبذلون جهوداً لعدم السماح له بالرحيل دون توفير بعض متطلباته التي لم يستطيعوا توفيرها منذ بدايته، حيث يحاول المغتربون إنجاز أعمالهم والسفر إلى عائلاتهم مبكراً.

يشير الناشط السياسي والاجتماعي في مدينة تعز، صلاح أحمد، إلى أن الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة ألقيا بأثر كبير على مختلف مظاهر الحياة، بما في ذلك المظاهر الاجتماعية الرمضانية وعاداتها الغذائية.

أطفال نازحون يتلقون مساعدات غذائية لعائلاتهم قبل أعوام في الحديدة (أ.ف.ب)

ويبين أن المدينة، وبقدر ما شهدت ظهور الكثير من الأثرياء الجدد الذين صنعت الحرب ثرواتهم باستغلال معاناة سكانها، فإن الغالبية يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة يتضاعف أثرها خلال شهر رمضان الذي افتقر خلال الأعوام الأخيرة لمظاهره المعتادة، وتراجع تكافل الناس فيه بشكل كبير.

وبحسب أحمد، كانت العائلات سابقاً تتبادل الوجبات التي يجري إعدادها، وبرغم التشابه الكبير بينها، فإن لكل ربة منزل لمستها المختلفة، وهو ما كان يجعل كل مائدة في كل منزل تحتوي تنوعاً حتى في الأصناف نفسها المعتادة، ما يضفي حميمية دائمة على الأجواء الرمضانية خسرها الأهالي بسبب الحرب.

وفي حين يبدي الكثير حسرتهم بسبب عدم حصولهم على الوجبات الرمضانية التي تعودوا عليها منذ طفولتهم، يُتَوقع أن تؤثر الأوضاع المعيشية الصعبة على تراث المطبخ اليمني، وتدفع السكان إلى عادات غذائية فقيرة في المستقبل.