مواجهة صامتة بين ترمب وقادة البنتاغون بشأن مستقبل الجيش الأميركي

اجتماع دُعي إليه مئات الجنرالات والأدميرالات من مواقع عملياتية حول العالم... ووُصف بأنه «غير مسبوق»

وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث (رويترز)
وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث (رويترز)
TT

مواجهة صامتة بين ترمب وقادة البنتاغون بشأن مستقبل الجيش الأميركي

وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث (رويترز)
وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث (رويترز)

«لقد أعدت بناء الجيش الأميركي»، هكذا بدأ الرئيس دونالد ترمب كلمته أمام مئات القادة العسكريين الذين اجتمعوا الثلاثاء في قاعدة كوانتيكو بولاية فرجينيا، في حدث غير مسبوق من حيث الحجم والطبيعة. وأضاف ترمب، بابتسامة واثقة، أن الولايات المتحدة تتفوق على جميع البلدان في المجالات العسكرية، مشيراً إلى تقدم بلاده على روسيا والصين في قدرات الغواصات، وكاشفاً عن خطط لإنتاج طائرة مقاتلة جديدة من الجيل السادس. وتحدث عن إنهائه لثماني حروب خلال فترة رئاسته، واصفاً إنجازاته بأنها «سلام حقيقي»، على الرغم من أن جائزة نوبل للسلام لم تُمنح له، بحسب قوله، بل «لأي شخص ألف كتاباً ضده».

في كلمته، لم يخف ترمب امتعاضه من استمرار الحرب بين روسيا وأوكرانيا، مشيراً إلى أن الصراع ما زال محتدماً رغم وساطة إدارته. ودعا إلى تعاون مباشر بين بوتين وزيلينسكي لتسوية الأزمة، مؤكداً: «سنواجه بوتين بقوة لإنهاء حرب أوكرانيا». وفي ما يتعلق بالصراعات الأخرى، أعرب عن تفاؤله بشأن إنهاء الحرب في غزة وإرساء السلام في الشرق الأوسط، مؤكداً أن سياساته أنهت فوضى السنوات الأربع الماضية.

وزير الدفاع بيت هيغسيث أكد من جهته أن الجيش الأميركي يحتاج إلى إنهاء حالة «التدهور» المستمرة منذ عقود. وقال إن المؤسسة العسكرية كانت منشغلة بما سماه «هراء آيديولوجياً»، من التغير المناخي إلى الترقيات على أساس العرق أو الجنس. وأضاف: «لقد أُجبر الجيش، بسبب سياسيين متهورين ويفتقرون إلى الحكمة، على التركيز على أمور خاطئة. لقد أصبحنا بمثابة وزارة اليقظة، لكن هذا انتهى الآن»، متعهداً أيضاً بتخفيف القواعد التأديبية. ووعد بإعادة تركيز الجيش على التهديدات المباشرة للأراضي الأميركية، بما في ذلك مكافحة الهجرة غير الشرعية وتهريب المخدرات والجريمة المنظمة، مع تعزيز الجاهزية لأي مواجهة محتملة مع الصين في تايوان.

وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث متحدّثاً خلال مناسبة في البنتاغون يوم 19 سبتمبر 2025 (رويترز)

وكشفت مصادر متعددة، من مسؤولين حاليين وسابقين في البنتاغون، عن تصاعد قلق كبار القادة العسكريين حيال هذه الاستراتيجية، التي صاغها فريق من «المعيّنين السياسيين» المقربين من ترمب. ويَعدّ هؤلاء أن «وثيقة الاستراتيجية» تحمل تحولات جذرية في أولويات وزارة الدفاع، أبرزها التركيز على «حماية الوطن» على حساب الالتزامات التقليدية للولايات المتحدة في أوروبا وأفريقيا، وتضييق نطاق المواجهة الاستراتيجية مع الصين.

الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، كان من بين أبرز المنتقدين؛ إذ نقل عنه مقربون أنه قدم «ملاحظات صريحة للغاية» إلى الوزير هيغسيث، محذراً بأن تقليص الحضور الأميركي في الساحات الدولية قد يقوض الردع الذي شكّل لعقود حجر الأساس للأمن القومي الأميركي.

في المقابل، يدافع هيغسيث وفريقه عن خطتهم بوصفها امتداداً لشعار ترمب «أميركا أولاً»، و«السلام من خلال القوة»، مؤكدين أن الهدف هو إعادة تركيز الجيش على التهديدات المباشرة للأراضي الأميركية، بما في ذلك مكافحة الهجرة غير الشرعية، وتهريب المخدرات، والجريمة المنظمة، إضافة إلى تعزيز الجاهزية لأي مواجهة محتملة مع الصين في تايوان.

لكن الطابع السياسي الصريح الذي يطبع الوثيقة يثير مخاوف أخرى داخل البنتاغون، فوفق مطلعين، لا تخفي «مسودة الاستراتيجية» انتقادات حادة لإدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، وهو أمر غير مألوف في الوثائق الاستراتيجية التي درجت تاريخياً على اعتماد لغة مؤسساتية بعيدة عن الاصطفافات الحزبية. ويشير هؤلاء إلى أن هذا النهج قد يعمّق القلق من تسييس دور الجيش وإضعاف استقلالية القيادة العسكرية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب والسيدة الأولى خلال مشاركتهما في الاحتفال بذكرى «هجمات 11 سبتمبر»... (أ.ب)

الجدل لم يتوقف عند مضمون الاستراتيجية فقط، بل امتد إلى طريقة عرضها. فالاجتماع في «كوانتيكو»، الذي جرى تسريب خبر انعقاده قبل أيام عبر صحيفة «واشنطن بوست»، استُدعي إليه مئات الجنرالات والأدميرالات من مواقع عملياتية حول العالم. مسؤولون عسكريون ومؤرخون وصفوا هذا الحدث بأنه «غير مسبوق» من حيث الحجم والطبيعة، وسط تساؤلات عن الدوافع الحقيقية وراء جمع هذا العدد من القيادات في مكان واحد، وما يحمله من أخطار أمنية في حال استهدافه.

النقد الأشدّ جاء من جانب الكونغرس، حيث عدّت عضوان ديمقراطيتان في لجنة القوات المسلحة الاجتماع «باهظ التكاليف» ويشكل «مخاطرة أمنية غير مبررة»، خصوصاً في وقت ترفع فيه الإدارة شعار محاربة الهدر المالي.

الرئيس دونالد ترمب والسيدة الأولى ميلانيا يصلان إلى حفل إحياء الذكرى الـ24 لـ«هجمات 11 سبتمبر 2001» في البنتاغون الخميس (أ.ب)

في خلفية هذه التطورات، تتجلى ملامح انقسام متصاعد بين القيادتين السياسية والعسكرية للبنتاغون. فبينما يسعى هيغسيث إلى إعادة رسم خطوط القيادة المقاتلة وخفض أعداد الجنرالات بنسبة تصل إلى 20 في المائة، يخشى الضباط من أن تؤدي هذه التغييرات إلى شلل مؤسسي وإضعاف فاعلية القيادة العسكرية. وقد جرى بالفعل إعفاء عدد من كبار الضباط، بينهم شخصيات بارزة تولت مناصب رفيعة في عهد بايدن، مثل رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال تشارلز براون، ورئيسة العمليات البحرية الأدميرال ليزا فرنشيتي، فضلاً عن إعفاء عدد غير متناسب من النساء خلال عمليات الإقالة. وهو ما غذّى الانطباع بأن عمليات الإقالة تحمل بُعداً سياسياً.

«دق جرس» تكريماً للضحايا خلال احتفال في البنتاغون بذكرى مرور 24 عاماً على «هجمات 11 سبتمبر 2001» ضد الولايات المتحدة (رويترز)

ومع أن التاريخ العسكري الأميركي يوفّر بعض السوابق لمحاولات إعادة هيكلة مشابهة، لكن حجم الاعتراضات الحالية يشير إلى خصوصية اللحظة؛ فبالنسبة إلى كثيرين في البنتاغون، تمثل الاستراتيجية الجديدة اختباراً لمعادلة لطالما اعتمدتها واشنطن: «الدفاع عن المصالح الأميركية عبر بناء تحالفات قوية في الخارج». والتخلي عن هذه القاعدة، في نظر منتقدي الخطة، يفتح الباب أمام تمدد خصوم مثل روسيا والصين، ويضعف شبكة الردع التي استثمرت فيها الولايات المتحدة عقوداً من الموارد والنفوذ.

مع ذلك، يراهن البيت الأبيض على أن هذه الاستراتيجية ستلقى صدى لدى قاعدة ترمب السياسية؛ إذ تترجم توجهاته في استخدام الجيش لدعم سياسات مكافحة الهجرة، والأمن الداخلي، حتى وإن كان ذلك على حساب الدور الدولي التقليدي للقوات المسلحة. وقد برز هذا التوجه خلال العام الحالي مع نشر قوات على الحدود الجنوبية، واستخدام الحرس الوطني في المدن الأميركية، في خطوات واجهت اعتراضات قانونية متصاعدة.

الرئيس دونالد ترمب يتحدث خلال حفل في البنتاغون بواشنطن لإحياء الذكرى الـ24 لـ«هجمات 11 سبتمبر 2001»... (أ.ب)

الأسئلة المطروحة الآن تتجاوز تفاصيل الوثيقة لتلامس جوهر العلاقة بين الرئيس والجيش: هل يتجه البنتاغون إلى أن يصبح أداة مباشرة في خدمة أجندة سياسية داخلية، أو أن المؤسسة العسكرية ستنجح في الحفاظ على دورها بوصفها ركيزة مستقلة للأمن القومي؟ اجتماع «كوانتيكو» قد لا يقدّم الإجابة النهائية، لكنه يعكس بوضوح حجم الرهانات والشكوك المحيطة بمستقبل السياسة الدفاعية الأميركية.

ويظل الانقسام بين القيادات العسكرية والسياسية قائماً، ليضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى علاقة متوترة أصلاً بين البيت الأبيض والبنتاغون في ظل التحديات المتسارعة التي تواجهها الولايات المتحدة داخلياً وخارجياً.


مقالات ذات صلة

صور أقمار صناعية تكشف أعمالاً إيرانية في مواقع صاروخية ونووية

شؤون إقليمية صور الأقمار الصناعية تُظهر أن إيران تعمل على مواقع الصواريخ والمواقع النووية

صور أقمار صناعية تكشف أعمالاً إيرانية في مواقع صاروخية ونووية

يبدو أن إيران أصلحت بسرعة عدداً من منشآت الصواريخ الباليستية التي تضررت خلال الضربات التي نُفذت العام الماضي.

صمويل غرانادوس (نيويورك) أوريلين بريدين (نيويورك)
شؤون إقليمية رجل يمر أمام لوحة جدارية تصور تمثال الحرية بذراعه الحاملة للشعلة وهي مكسورة ومرسومة على الجدران الخارجية للسفارة الأميركية في طهران التي تطلق عليها السلطات «وكر الجواسيس» (أ.ف.ب)

عقوبات أميركية جديدة تستهدف «أسطول الظل» الإيراني

أعلنت الولايات المتحدة، الجمعة، فرض عقوبات جديدة تستهدف تجارة النفط الإيراني، عقب جولة من المحادثات غير المباشرة بين طهران وواشنطن عُقدت في سلطنة عُمان.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
شؤون إقليمية مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن»، ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي، تبحر في بحر العرب، فيما تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل، في استعراض للقوة (سنتكوم) p-circle 00:37

محادثات مسقط بلا اختراق... وتفاهم أميركي - إيراني على مواصلة المسار

انتهت جولة المحادثات النووية غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في مسقط، الجمعة، من دون اختراق حاسم، في حين وصفها وزير الخارجية الإيراني بأنها بداية جيدة.

«الشرق الأوسط» (لندن_مسقط_طهران)
الولايات المتحدة​ وزير العدل الأميركية بام بوندي برفقة مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كاش باتيل وجانين بيرو المدعية العامة لمنطقة كولومبيا (أ.ب)

تراجع شعبية ترمب تزعج الجمهوريين قبل اقتراب الانتخابات التشريعية

تراجع شعبية ترمب تزعج الجمهوريين قبل اقتراب الانتخابات التشريعية وفوز «ديمقراطي» في تكساس يدق «جرس إنذار» من تكراره في ولايات حمراء أخرى.

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ لقاء بين باراك أوباما ودونالد ترمب في البيت الأبيض (رويترز - أرشيفية)

البيت الأبيض يحذف فيديو نشره حساب ترمب يصور أوباما وزوجته على هيئة قردين

شارك الرئيس الأميركي دونالد ترمب مقطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي ​يُصور الرئيس الديمقراطي الأسبق باراك أوباما وزوجته ميشيل أوباما على هيئة قردين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

أميركا توافق على صفقة محتملة لبيع قطع غيار عتاد عسكري إلى أوكرانيا

وحدة أوكرانية تطلق قذيفة مدفعية باتجاه مواقع روسية في منطقة خاركيف 2 يونيو 2025 (أ.ف.ب)
وحدة أوكرانية تطلق قذيفة مدفعية باتجاه مواقع روسية في منطقة خاركيف 2 يونيو 2025 (أ.ف.ب)
TT

أميركا توافق على صفقة محتملة لبيع قطع غيار عتاد عسكري إلى أوكرانيا

وحدة أوكرانية تطلق قذيفة مدفعية باتجاه مواقع روسية في منطقة خاركيف 2 يونيو 2025 (أ.ف.ب)
وحدة أوكرانية تطلق قذيفة مدفعية باتجاه مواقع روسية في منطقة خاركيف 2 يونيو 2025 (أ.ف.ب)

أعلنت وزارة الدفاع ‌الأميركية (‌البنتاغون)، ‌يوم الجمعة، ​أن وزارة ‌الخارجية وافقت على صفقة ‌محتملة لبيع قطع غيار عتاد عسكري ومواد ذات ​صلة إلى أوكرانيا مقابل 185 مليون دولار، وفقاً لوكالة «رويترز».


تراجع شعبية ترمب تزعج الجمهوريين قبل اقتراب الانتخابات التشريعية

 الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة في مبنى أيزنهاور للمكاتب التنفيذية في مجمع البيت الأبيض في واشنطن العاصمة خلال فعالية مساء الخميس لخفض أسعار الدواء في محاولة للترويج لإنجازاته الاقتصادية وخفض الأسعار للأميركيين (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة في مبنى أيزنهاور للمكاتب التنفيذية في مجمع البيت الأبيض في واشنطن العاصمة خلال فعالية مساء الخميس لخفض أسعار الدواء في محاولة للترويج لإنجازاته الاقتصادية وخفض الأسعار للأميركيين (إ.ب.أ)
TT

تراجع شعبية ترمب تزعج الجمهوريين قبل اقتراب الانتخابات التشريعية

 الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة في مبنى أيزنهاور للمكاتب التنفيذية في مجمع البيت الأبيض في واشنطن العاصمة خلال فعالية مساء الخميس لخفض أسعار الدواء في محاولة للترويج لإنجازاته الاقتصادية وخفض الأسعار للأميركيين (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة في مبنى أيزنهاور للمكاتب التنفيذية في مجمع البيت الأبيض في واشنطن العاصمة خلال فعالية مساء الخميس لخفض أسعار الدواء في محاولة للترويج لإنجازاته الاقتصادية وخفض الأسعار للأميركيين (إ.ب.أ)

أظهرت نتائج عدة استطلاعات للرأي تراجعاً ملحوظاً في شعبية الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي انخفض تصنيفه إلى أدنى مستوياته منذ بداية ولايته الثانية، لدى غالبية الناخبين، ما أثار مخاوف وقلق الجمهوريين من تأثير هذا التراجع في شعبية ترمب على مسار ونتائج انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2026 مع سعي الجمهوريين إلى الحفاظ على سيطرتهم على الكونغرس.

ترمب ووزير الصحة روبرت كينيدي جونيور ومدير مراكز الخدمات الطبية والخدمات الإسعافية محمد أوز خلال إطلاق الموقع (أ.ب)

وجاءت نتائج فوز الديمقراطية تايلور ريمت في انتخابات فرعية في ولاية تكساس- في 31 يناير (كانون الثاني) - بمثابة «جرس إنذار» للحزب الجمهوري لدراسة كيفية التعامل مع تراجع شعبية ترمب وإعادة صياغة رسائلهم حول الاقتصاد والأمن لتجنب «تسونامي أزرق» في نوفمبر المقبل

وفقاً لاستطلاع حديث أجراه مركز هارفارد-هاريس في يناير 2026، يعتقد 51 في المائة من الناخبين المسجلين أن أداء ترمب أسوأ من أداء بايدن، مقابل 49 في المائة يرونه أفضل، في انعكاس طفيف عن ديسمبر (كانون الأول) 2025، حيث كان ترمب يتقدم بنسبة 53 في المائة مما يعكس تحولاً في الرأي العام. ويرجع ذلك بشكل أساسي إلى قضيتين رئيسيتين: الهجرة والاقتصاد.

مظاهرة نظمها طلاب وأساتذة جامعة كولومبيا احتجاجاً على سياسات الهجرة التي يتبعها الرئيس الأميركي دونالد ترمب وللمطالبة بأن تصبح الجامعة ملاذاً آمناً للطلاب المهاجرين في مدينة نيويورك 5 فبراير 2026 (رويترز)

في مجال الهجرة، أثار إطلاق النار على مواطنين أميركيين من قبل ضباط فيدراليين في مينيابوليس في يناير 2026 غضباً عاماً واسعاً، حيث يرى 58 في المائة من الناخبين أن الوكالات الفيدرالية استخدمت قوة مفرطة، و57 في المائة يعتقدون أن إدارة الهجرة وإنفاذ الجمارك (أيس) ودوريات الحدود «تجاوزت حدودها» في التنفيذ. مقابل ذلك، يرى فقط 8 في المائة أنها لم تكن قاسية بما فيه الكفاية. هذا الاستطلاع يظهر رفضاً متزايداً للسياسات الصارمة التي يدافع عنها ترمب، والتي كانت في السابق نقطة قوته الانتخابية.

ووفقاً لاستطلاع لشبكة «فوكس نيوز» في يناير 2026، حصل ترمب على تصنيف إيجابي صافٍ فقط في أمن الحدود (52 في المائة موافقة)، لكنه سلبي في الهجرة العامة (45 في المائة موافقة مقابل 55 في المائة رفض)، مما يشير إلى أن محاولات الإدارة لتوسيع تنفيذ سياسات الهجرة ومكافحة المهاجرين غير الشرعيين قد أدت إلى رد فعل عكسي.

أما الاقتصاد، فيُحمّل 63 في المائة من الناخبين سياسات ترمب مسؤولية الوضع الاقتصادي الحالي، بزيادة 11 نقطة عن الأشهر السابقة. يشعر 56 في المائة من الناخبين أن الاقتصاد «يتقلص»، مع 60 في المائة من المستقلين يرونه أسوأ تحت ترمب مقارنة ببايدن. ويظهر استطلاع مركز بيو في يناير 2026 أن الثقة في قيادة ترمب الاقتصادية انخفضت، مع 34 في المائة فقط يثقون في مهاراته القيادية.

نائب الرئيس الأمیركي جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو يغادران البيت الأبيض في 14 يناير الماضي (أ.ف.ب)

قلق الجمهوريين

يُشكل تراجع شعبية ترمب تهديداً مباشراً للحزب الجمهوري، خاصة مع اقتراب الانتخابات النصفية في نوفمبر 2026، حيث يعتمد الجمهوريون على قاعدته الانتخابية للحفاظ على الأغلبية الضئيلة في الكونغرس (218-214 في النواب، 53-47 في الشيوخ). تاريخياً، يخسر حزب الرئيس عادة مقاعد في الانتخابات النصفية، ومع شعبية ترمب المنخفضة، قد تكون الخسائر أكبر.

وقد ظهرت تأثيرات تراجع شعبية ترمب بالفعل في انتخابات تكساس الأسبوع الماضي حيث فازت الديمقراطية تايلور ريهمت بمقعد كان الجمهوريون يعدونه مضموناً للحزب في منطقة فورت وورث «الحمراء» تقليدياً.

وأرجع المحللون هذه الخسارة إلى انخفاض الإقبال الجمهوري، الذي يمكن أن يسري في مناطق أخرى في الانتخابات في تكساس وميسيسيبي وجورجيا، حيث يتقدم الديمقراطيون في مناطق تعد محافظة وتتبع الجمهوريين.

وتسري تكهنات بأنه وفقاً لهذه المؤشرات، هناك إمكانية أن يسيطر الديمقراطيون على مجلس النواب مع عدد مقاعد كبيرة في الشيوخ، حيث يظهر استطلاع هارفارد-هاريس تقدم الديمقراطيين بـ4 نقاط في التصويت العام للكونغرس، مع مخاطر خسارة مقاعد مثل تلك في ولاية مين (سوزان كولينز) ونورث كارولاينا (مفتوح) وأوهايو (شيرود براون)، وقد يصل الديمقراطيون إلى 50 مقعداً في الشيوخ إذا استمر هذا الاتجاه. ويتفاقم القلق بسبب تقاعد 28 جمهورياً، ما يجعل المقاعد المفتوحة أكثر عرضة للخسارة. وهذا يعني أن الجمهوريين قد يواجهون خسائر تصل إلى 49 مقعداً في النواب إذا لم يتمكنوا من عكس الاتجاه.

تحركات ترمب

كارولين ليفيت المتحدثة باسم البيت الابيض تحمل صورة أحد المجرمين الذين تريد إدارة ترمب ترحيلهم من الولايات المتحدة وتدافع خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض يوم الخميس 5 فبراير 2026 عن سياسات الإدارة الأميركية في مجال الهجرة وترحيل المهاجرين غير الشرعيين (أ.ب)

اشتكى الرئيس ترمب من تعامل حزبه مع قوانين الانتخابات وطالبهم بالسيطرة على عملية التصويت في 15 ولاية على الأقل محذراً من «فخ» الديمقراطيين في تشجيع الفوضى في مدن مثل مينيابوليس لإضعاف موقفه. ودعا ترمب إلى «تأميم» الانتخابات، وإصدار «قانون إنقاذ الناخبين» Save Act الذي يهدف إلى تشديد قوانين التصويت وقد دافعت كارولين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض عن هذا التشريع بعدّه يوفر إجراءات منطقية للتصويت مثل إثبات هوية الناخبين.

ويشترط هذا التشريع ليس فقط إبراز بطاقة هوية شخصية بل إثبات الجنسية الأميركية كشرط للتصويت مثل جواز السفر أو شهادة الميلاد، كما يلغى حق الولايات في إجراء انتخابات عبر البريد. وقد أقر مجلس النواب نسخة من قانون «إنقاذ الناخبين» لكنه لم يعرض بعد على مجلس الشيوخ مع خلافات قوية تعوق تمريره، مع مخاوف الديمقراطيين من قمع الأصوات في المناطق الديمقراطية.

ويدفع الرئيس ترمب والجمهوريون لإعادة تقسيم الدوائر الانتخابية في ولايات مثل تكساس ونورث كارولاينا لزيادة المقاعد الآمنة للجمهوريين، ما قد يضيف 7 مقاعد، لكن هذا السعي يثير احتجاجات قانونية تثير غضب الديمقراطيين، الذين يرونه محاولة لتقويض الديمقراطية وقمع الناخبين وسرقة الأصوات بشكل صريح.

ويقول المحللون إن ما يقوله ترمب وما يفعله الجمهوريون في الكونغرس لا يشير إلى خطة منسقة للفوز بانتخابات التجديد النصفي بل إلى حزب في حالة فوضى وسط موجة ديمقراطية متصاعدة، محذرين في الوقت نفسه الديمقراطيين من الإفراط في التفاؤل.

زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب الأميركي حكيم جيفريز يتحدث خلال مؤتمر صحافي في مبنى الكابيتول الأميركي (أ.ف.ب)

أما إذا فاز الديمقراطيون، خاصة بالسيطرة على النواب، فسيؤدي ذلك إلى تعطيل تشريعي لكل مشاريع القوانين التي يسعى ترمب والجمهوريون لتمريرها، مع إمكانية فتح تحقيقات موسعة في حوادث قتل مواطنين على يد عملاء الهجرة والجمارك في ولايات مثل مينيابوليس، وإعاقة ميزانيات الهجرة، ما يضعف أجندة ترمب.

قد يؤدي فوز الديمقراطيين إلى رفع الضرائب على الأثرياء، وتعزيز الإنفاق الاجتماعي، لكن مع مخاطر عجز أكبر.

وإذا نجح الديمقراطيون في تأمين مقاعد تحقق لهم سيطرة ديمقراطية (50 مقعداً محتملة) في مجلس الشيوخ، فقد يعني هذا القدرة على منع تعيينات ترمب، ما يجعل الولاية الثانية «مشلولة» سياسياً، ويزيد من الاستقطاب قبل انتخابات الرئاسة 2028.


البيت الأبيض يحذف فيديو نشره حساب ترمب يصور أوباما وزوجته على هيئة قردين

لقاء بين باراك أوباما ودونالد ترمب في البيت الأبيض (رويترز - أرشيفية)
لقاء بين باراك أوباما ودونالد ترمب في البيت الأبيض (رويترز - أرشيفية)
TT

البيت الأبيض يحذف فيديو نشره حساب ترمب يصور أوباما وزوجته على هيئة قردين

لقاء بين باراك أوباما ودونالد ترمب في البيت الأبيض (رويترز - أرشيفية)
لقاء بين باراك أوباما ودونالد ترمب في البيت الأبيض (رويترز - أرشيفية)

قال البيت الأبيض، الجمعة، إن أحد موظفيه نشر «عن طريق الخطأ» مقطع فيديو عنصرياً مسيئاً للرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما وزوجته ميشيل، صورهما فيه على هيئة قردين، وذلك عبر حساب الرئيس دونالد ترمب على منصته للتواصل الاجتماعي، قبل أن يتم حذف المنشور لاحقاً.

وجاء في تصريح أدلى به مسؤول في البيت الأبيض، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أن الفيديو «نشره موظف في البيت الأبيض عن طريق الخطأ، وقد حُذف». وكانت المتحدثة باسم ترمب، كارولين ليفيت، قد وصفت السخط الذي أثاره المنشور بأنه «غضب مصطنع».

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد شارك مقطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي ​يصور الرئيس الديمقراطي الأسبق باراك أوباما وزوجته ميشيل أوباما على هيئة قردين، مستخدماً صوراً عنصرية كثيراً ما استُخدمت لتجريد ذوي الأصول الأفريقية من إنسانيتهم.

ونشر ترمب، في وقت متأخر من يوم الخميس، مقطع ‌فيديو مدته دقيقة واحدة ‌يضخم ادعاءات ​الرئيس ‌الجمهوري الكاذبة بأن هزيمته في انتخابات 2020 كانت نتيجة تزوير. وأُدرجت في المقطع لقطة يبدو أنها مولدة بالذكاء الاصطناعي، لقردين راقصين رُكب عليهما رأسا أوباما وزوجته.

وأثار المنشور انتقادات سريعة من شخصيات سياسية بارزة، بمن ‌في ذلك السناتور الجمهوري تيم سكوت الحليف لترمب، وهو من أصل أفريقي، وفقاً لوكالة «رويترز».

وقال سكوت على منصة «إكس»: «أتمنى أن يكون هذا ملفقاً؛ لأنه أكثر الأشياء عنصرية التي رأيتها تخرج ​من هذا البيت الأبيض. يجب على الرئيس حذفه».

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، إن المنشور أثار «غضباً زائفاً»، مضيفة أن «هذا مأخوذ من فيديو ساخر على الإنترنت يصور الرئيس ترمب على أنه ملك الغابة، ويصور الديمقراطيين على أنهم شخصيات من فيلم (الأسد الملك)»، وتضمن مقطع ترمب أغنية من هذا الفيلم الموسيقي.