مخاوف اقتصادية من استعادة تقييم «عدم اليقين» في لبنان

مقر مصرف لبنان في بيروت (الوكالة الوطنية للإعلام)
مقر مصرف لبنان في بيروت (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

مخاوف اقتصادية من استعادة تقييم «عدم اليقين» في لبنان

مقر مصرف لبنان في بيروت (الوكالة الوطنية للإعلام)
مقر مصرف لبنان في بيروت (الوكالة الوطنية للإعلام)

يرتفع منسوب القلق، بشكل واضح، في الأوساط الاقتصادية والمالية، على المستويين العام والخاص، من استعادة مشهد المراوحة السلبية في حال «عدم اليقين»، ما لم يتم احتواء الخلافات الداخلية المستجدة على خلفية حدث «صخرة الروشة»، وعزل انعكاساتها التلقائية الآيلة إلى تعظيم التعقيدات القائمة أساساً بشأن ملف «حصرية السلاح».

وبرزت على هوامش البعد السياسي للأزمة المستجدة، المخاوف من تداعيات اقتصادية فورية ولاحقة، تؤدي إلى بدء استنزاف رصيد الزخم الإيجابي الذي رافق انطلاقة العهد الرئاسي وتشكيل الحكومة أوائل العام الحالي، والذي لامس تباعاً مرحلة «التعافي» المنشود والنمو الإيجابي المفقود للناتج المحلي، نتيجة التقدم المشهود نحو محطات مفصلية في مقاربة ملفات الانهيارات النقدية والمالية، وتعويم المفاوضات البينيّة مع صندوق النقد الدولي.

وتشكل عودة مؤشرات الاقتصاد اللبناني إلى النمو علامة فارقة، وفق مسؤول مالي معنيّ، للخروج من رحلة الانكماش القاسية التي تمدّدت على مدار 5 سنوات متتالية، فقد معها الناتج المحلي نحو نصف قيمته البالغة سابقاً نحو 53 مليار دولار، وانكشف فيها البلد واقتصاده على «فجوة» خسائر تعدّت 73 مليار دولار، وتعمّدت حكومته السابقة إخراج قطاعه المالي من الأسواق الدولية عبر تعليق دفع حقوق السندات الدولية؛ ما أنتج سلسلة انهيارات نقدية ومالية ومعيشية كارثية.

ورغم محدودية ترقبات النمو للعام الحالي بين 2 و3 في المائة، حسب رصد مؤسسات مالية دولية ومحلية، فإن الترجيحات اللاحقة، وأحدثها الصادر عن بنك «غولدمان ساكس» العالمي، تشير إلى نسب أعلى تناهز 4 في المائة للعام المقبل، ضمن مسار تصاعدي. في حين تنضج فرصة مواتية لاستدامة النمو وتعظيم نسبه السنوية وحشد المساعدات الموجهة للإعمار ودعم الاقتصاد مع كل تقدم إضافي في ملفَّي السلاح والإصلاح.

وبالتوازي، فقد بادر البنك المركزي، بالتنسيق مع هيئة التحقيق الخاصّة، إلى إصدار سلسلة من الإجراءات لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وذلك عقب إدراج لبنان على القائمة الرماديّة من قبل مجموعة العمل المالي في خريف العام الماضي. وتهدف هذه الإجراءات إلى تعزيز الالتزام بالمعايير الدولية واستعادة الثقة في النظام المالي والاقتصاد.

كما أشار مصرف لبنان، في تقرير محدّث، إلى أنّ السلطات اللبنانيّة قد اتّخذت خطوات مهمّة في مجال التشريعات المتعلّقة بالقطاع المالي خلال النصف الأول من عام 2025، كتعديل قانون السريّة المصرفيّة وإقرار القوانين ومشاريع القوانين المتعلقة بإعادة هيكلة المصارف ومعالجة خسائر القطاع المالي.

ومن الثابت، وفق المسؤول المالي الذي تواصلت معه «الشرق الأوسط»، أن «التضحية السياسية» بهذه الفرصة، ستفضي إلى زعزعة الاستقرار الهشّ، واستهلاك الإيجابيات المحققة في قطاعات حيوية، والتقدم المتواصل في حزمة الإصلاحات التنفيذية والتشريعية. في حين أنّ الحاجة لاستعادة الثقة تفرض استعادة هيبة الدولة والجيش وحصر السلاح بيد الدولة، كشرط مسبق من أجل تأمين الحاجات التمويلية لإعادة البناء.

وتكتسب هذه المسائل أهمية مضافة لجهة ضرورة التصريح بأجوبة صريحة عن أسئلة مشروعة مرتقبة، عشية توجه وفد لبناني رسمي إلى واشنطن قبيل منتصف الشهر المقبل، للمشاركة في الاجتماعات الخريفية الدورية لصندوق النقد والبنك الدوليين، وعقد اجتماعات عمل تشمل مسؤولين في وزارة الخزانة الأميركية وبنوك مراسلة للقطاع المالي المحلي، علماً بأن الوفد يضم وزيرَي المال ياسين جابر، والاقتصاد عامر البساط، وحاكم البنك المركزي كريم سعيد، ومجموعة من المديرين والمستشارين.

وفي الأثناء، كشف مصرف لبنان المركزي، في رصده الدوري المستعاد، أنّ الاقتصاد اللبناني بدأ يُظهر بعض علامات التعافي الهشّ خلال النصف الأول من العام الحالي، مدعوماً باستقرار الساحة السياسيّة، ومجموعة من التطوّرات الإيجابيّة التي أدّت إلى تحسين مستويات الثقة في السوق وتقليص حال عدم اليقين السياسي، كما مهّدت الطريق لعودة الانتظام إلى عمل المؤسّسات العامة.

مناصرون لـ«حزب الله» يتجمعون في منطقة الروشة على الكورنيش البحري لبيروت إحياءً لذكرى اغتيال نصر الله وصفي الدين (أ.ب)

ويتوقّع البنك المركزي في تقريره الصادر قبل أيام، والذي يفحص المؤشرات المحققة، أن يحقّق لبنان نموّاً اقتصاديّاً حقيقيّاً متواضعاً في عام 2025، مدعوماً بالتحسّن على الصعيد السياسي وفي قطاع السياحة ومستوى الاستهلاك المحلي، وهو الأمر الذي بدأ يتّضح من خلال المؤشّرات المسجّلة خلال النصف الأول من العام الحالي، بعد انكماش بنسبة 6.4 في المائة خلال العام الماضي، بسبب التأثير السلبي للحرب على السياحة والاستهلاك الخاصّ.

وفي إشارة لافتة بمضمونها، يشير التقرير إلى أنه «بالرغم من المستويات المرتفعة للمخاطر السياسيّة والاقتصاديّة، فإنّه يمكن للبنان في حال استكمال التقدّم الذي تمّ تحقيقه مؤخّراً على الصعيدين التشريعي والمؤسسي عبر تنفيذ الإصلاحات المتبقية، أن يرسل إشارة قويّة مفادها أنّه يجري وضع ركائز لتعافٍ أكثر استدامة وشمولاً».

وعلى صعيد القطاع المالي، يسلط التقرير الضوء على دور البنك المركزي الأساسي في إدارة الأزمة في ظل غياب خطة انتعاش حكوميّة وانكماش نشاط القطاع المصرفي؛ إذ يوضح أنّ إجراءاته تمحورت حول إعطاء الأولويّة لحقوق المودعين، والحفاظ على استقرار القطاع المصرفي، والحدّ من تقلبات سعر صرف الليرة مقابل الدولار الأميركي، مشيراً في هذا الصدد إلى أنّ مجموعة التعاميم التي أصدرها للتسديد التدريجي للودائع بالعملات الأجنبيّة قد نتج عنها عودة نحو 4.2 مليار دولار للمودعين، إلا أنه أكّد أنّ هذه السحوبات لا تُعدّ بأي حال من الأحوال بديلاً عن استراتيجيّة شاملة لإعادة الهيكلة.

وقد ارتفعت احتياطات مصرف لبنان بالعملات الأجنبيّة إلى 11.3 مليار دولار مع نهاية النصف الأوّل من العام الحالي، مدفوعةً بتوقّف التمويل المباشر للحكومة والتدخّلات في سوق القطع ورفع الدعم. وبالمثل، ارتفعت قيمة احتياطات الذهب بنسبة 41 في المائة على أساس سنوي لتصل إلى 30.28 مليار دولار مع نهاية النصف الأوّل من العام، على خلفيّة تحسّن أسعار الذهب عالميّاً.


مقالات ذات صلة

المشرق العربي سيارة بداخلها مؤيدون لـ«حزب الله» تمر في مدينة صور بجنوب لبنان يوم 28 نوفمبر 2024 (رويترز)

القضاء اللبناني يدّعي على 4 عناصر من «حزب الله» بتهمة نقل وحيازة أسلحة

ادّعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية في لبنان على أربعة عناصر من «حزب الله» بتهمة حيازة ونقل أسلحة، وفق ما أفاد مصدر قضائي الاثنين.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
خاص أطفال بمسدسات بلاستيكية في إحدى المدارس التي تحولت إلى مركز إيواء في بيروت (رويترز)

خاص الحرب تحاصر التعليم في لبنان وتعمّق عدم المساواة بين الطلاب

مع تحوّل قسم كبير من المدارس اللبنانية إلى مراكز أساسية لإيواء النازحين مباشرة بعد اندلاع الحرب، يبدو التعليم أمام واقع استثنائي يهدّد استمراريته.

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي وحدة مدفعية إسرائيلية تطلق النار عند الحدود الإسرائيلية اللبنانية (رويترز)

إسرائيل تشن غارة على الضاحية الجنوبية لبيروت بعد تحذير بالإخلاء

استهدفت غارة إسرائيلية الضاحية الجنوبية لبيروت، مساء الأحد، وفق ما أفاد إعلام محلي، بعدما أصدر الجيش الإسرائيلي تحذيرا بالإخلاء في الصباح شمل أحياء عدة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جنود إسرائيليون يُحمّلون قذائف في مدفع هاوتزر ذاتي الحركة يُطلق قذائف باتجاه جنوب لبنان من موقع في الجليل الأعلى شمال إسرائيل قرب الحدود (أ.ف.ب)

مدينة الخيام الحدودية عنوان المواجهة بين «حزب الله» والجيش الإسرائيلي

أعادت الاشتباكات في محيط بلدة الخيام وبلدات حدودية طوال ليل الأحد، الحديث عن أهمية هذه البلدة والاستعدادات الإسرائيلية للاجتياح البري.

صبحي أمهز (بيروت)

«وكالة الطاقة»: يمكن سحب المزيد من احتياطات النفط عند الحاجة

مصفاة «كاشيما» النفطية التابعة لمجموعة «إينيوس» في شرق طوكيو - 15 مارس 2026 (أ.ب)
مصفاة «كاشيما» النفطية التابعة لمجموعة «إينيوس» في شرق طوكيو - 15 مارس 2026 (أ.ب)
TT

«وكالة الطاقة»: يمكن سحب المزيد من احتياطات النفط عند الحاجة

مصفاة «كاشيما» النفطية التابعة لمجموعة «إينيوس» في شرق طوكيو - 15 مارس 2026 (أ.ب)
مصفاة «كاشيما» النفطية التابعة لمجموعة «إينيوس» في شرق طوكيو - 15 مارس 2026 (أ.ب)

قال المدير التنفيذي لوكالة الطاقة ​الدولية فاتح بيرول، يوم الاثنين، إن الدول الأعضاء في الوكالة ربما تسحب مزيداً من ‌احتياطات النفط ‌من ​مخزونها ‌لاحقاً «حسب الحاجة»، ⁠مشيراً ​إلى أنه ⁠لا يزال لديها أكثر من 1.4 مليار برميل في مخزوناتها رغم ⁠الموافقة بالفعل على ‌أكبر ‌عملية ​سحب ‌في التاريخ.

وقررت وكالة الطاقة الدولية، بالتنسيق مع مجموعة دول السبع، سحب نحو 400 مليون برميل من احتياطات النفط لديهم، بالتنسيق، وبدأت بالفعل دول مثل اليابان السحب.

وأضاف بيرول ‌في بيان: «على الرغم من سحب هذه الكمية الضخمة، ‌لا يزال لدينا الكثير من المخزونات. ⁠وبمجرد ⁠اكتمال عملية السحب الحالية من المخزونات، تكون احتياطات وكالة الطاقة الدولية لدى الدول الأعضاء تقلصت بنحو 20 في المائة فقط».

وتراجعت أسعار النفط، خلال تعاملات جلسة الاثنين، بداية تعاملات الأسبوع، مع تصريحات وكالة الطاقة الدولية، ودعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى بذل جهود عالمية لتأمين مضيق هرمز.

وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت 92 سنتاً لتصل إلى 102.22 دولار للبرميل بحلول الساعة 12:48 بتوقيت غرينتش، بينما انخفض خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 3.45 دولار، أو 3.5 في المائة، ليصل إلى 95.26 دولار.

وارتفع كلا العقدين بأكثر من 40 في المائة هذا الشهر، مسجلين أعلى مستوياتهما منذ عام 2022، بعد أن دفعت الهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران إلى وقف الملاحة عبر مضيق هرمز، وهو ممر مائي حيوي لنحو 20 في المائة من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية.

وأوضح بيرول، أن الوكالة تنسق عن كثب مع جميع الدول الأعضاء لضمان وصول كل كميات النفط التي اتُفق على الإفراج عنها إلى السوق في الوقت المناسب.

وتزداد المخاوف من استمرار حرب إيران، التي عطلت حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز، وأثرت على أسواق الطاقة الدولية.

وأكد بيرول هنا، أنه «يجب الاستعداد في حال استمرار النزاع لفترة أطول... تعافي تجارة الطاقة العالمية سيستغرق وقتاً».


أسعار النفط تتراجع إلى نطاق 100 دولار وسط مساعٍ لفتح مضيق هرمز

يحوم خام برنت حالياً في نطاق 100 دولار للبرميل (رويترز)
يحوم خام برنت حالياً في نطاق 100 دولار للبرميل (رويترز)
TT

أسعار النفط تتراجع إلى نطاق 100 دولار وسط مساعٍ لفتح مضيق هرمز

يحوم خام برنت حالياً في نطاق 100 دولار للبرميل (رويترز)
يحوم خام برنت حالياً في نطاق 100 دولار للبرميل (رويترز)

انخفضت أسعار النفط، خلال تعاملات جلسة الاثنين، بداية تعاملات الأسبوع، مع دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى بذل جهود عالمية لتأمين مضيق هرمز.

وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت 92 سنتاً لتصل إلى 102.22 دولار للبرميل بحلول الساعة 12:48 بتوقيت غرينتش، بينما انخفض خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 3.45 دولار، أو 3.5 في المائة، ليصل إلى 95.26 دولار.

وارتفع كلا العقدين بأكثر من 40 في المائة هذا الشهر، مسجلين أعلى مستوياتهما منذ عام 2022، بعد أن دفعت الهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران إلى وقف الملاحة عبر مضيق هرمز، وهو ممر مائي حيوي لنحو 20 في المائة من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية.

وذكر مصدران، وفقاً لـ«رويترز»، أن إنتاج الإمارات العربية المتحدة اليومي من النفط انخفض بأكثر من النصف؛ حيث أجبر الصراع الإيراني والإغلاق الفعلي لمضيق هرمز شركة النفط الحكومية العملاقة أدنوك على تنفيذ عمليات إيقاف واسعة النطاق للإنتاج.

وأفاد مصدران آخران باستئناف بعض عمليات الشحن في ميناء الفجيرة، وأشار أحدهما إلى أن اثنين من مراسي الميناء الثلاثة ذات النقطة الواحدة، التي ترسو فيها السفن، يعملان بكامل طاقتهما.

وذلك بعد تعليق «أدنوك» عمليات تحميل النفط الخام في ميناء الفجيرة بالإمارات، بعد أن تسبب هجوم بطائرة مسيرة في اندلاع حرائق في محطة التصدير الرئيسية.

وتعد الفجيرة، الواقعة خارج مضيق هرمز، منفذاً لنحو مليون برميل يومياً من خام مربان، وهو النفط الرئيسي للإمارات، أي ما يعادل نحو 1 في المائة من الطلب العالمي.

وصرحت كارولين ليفيت، المتحدثة باسم البيت الأبيض، خلال مقابلة مع قناة «فوكس نيوز»، يوم الاثنين، بأن الرئيس دونالد ترمب يجري محادثات مع الحلفاء الأوروبيين والعديد من الدول الأخرى بشأن فتح مضيق هرمز.

وقال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الاثنين أيضاً، إن بريطانيا لن تنجر إلى حرب أوسع نطاقاً مع إيران، لكنها ستعمل مع الحلفاء على خطة «قابلة للتطبيق» لإعادة فتح مضيق هرمز.

وصرح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت لشبكة «سي إن بي سي» بأن وزارة الخزانة لم تتدخل في أسواق النفط، وأن أي إجراء أميركي للحد من ارتفاع الأسعار سيعتمد على مدة الحرب.

وقالت وكالة الطاقة الدولية، يوم الخميس، إن الحرب في الشرق الأوسط تتسبب في أكبر اضطراب في إمدادات النفط في التاريخ؛ حيث خفضت دول منتجة رئيسية للنفط، مثل السعودية والعراق والإمارات، إنتاجها.

ويوم الأحد، أعلنت وكالة الطاقة الدولية أن أكثر من 400 مليون برميل من احتياطيات النفط ستبدأ بالتدفق إلى السوق قريباً من دول مجموعة السبع بالتنسيق، في سحب قياسي يهدف إلى مكافحة ارتفاع الأسعار الناجم عن حرب الشرق الأوسط.

ويرى المحلل تاماس فارغا من شركة «بي في إم» أن المستثمرين يدركون أن عواقب نزاع مطوّل ستكون وخيمة، لا سيما مع استنزاف المخزونات بشكل مطرد، في ظل الأضرار الجسيمة التي لحقت بالإنتاج والصادرات والتكرير جراء أسبوعين فقط من الاضطرابات في مضيق هرمز.


الاقتصاد الصيني يكتسب زخماً مبكراً في عام 2026

متسوقون في أحد المتاجر الغذائية الكبرى بالعاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)
متسوقون في أحد المتاجر الغذائية الكبرى بالعاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)
TT

الاقتصاد الصيني يكتسب زخماً مبكراً في عام 2026

متسوقون في أحد المتاجر الغذائية الكبرى بالعاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)
متسوقون في أحد المتاجر الغذائية الكبرى بالعاصمة الصينية بكين (إ.ب.أ)

بدأ الاقتصاد الصيني العام على أسس أكثر صلابة، مع تسارع وتيرة الإنتاج الصناعي، وانتعاش مبيعات التجزئة والاستثمار في يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط)، مما وفر ارتياحاً مبكراً لصناع السياسات، في ظل ما تُضفيه الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران من حالة عدم يقين جديدة بشأن النمو.

وجاءت هذه المرونة في أعقاب طفرة في الصادرات مدفوعة بالطلب المتزايد على التكنولوجيا المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، والذي دعم أيضاً قطاع التصنيع، على الرغم من تحذير المحللين من مخاطر التوترات الجيوسياسية، وهشاشة ثقة المستهلك، والضغوط في أسواق التجارة والطاقة العالمية على التوقعات.

وأظهرت بيانات المكتب الوطني للإحصاء، الصادرة يوم الاثنين، ارتفاع الإنتاج الصناعي بنسبة 6.3 في المائة، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، متجاوزاً نسبة النمو المسجلة في ديسمبر (كانون الأول)، والبالغة 5.2 في المائة. وقد تجاوز هذا النمو توقعات استطلاع أجرته «رويترز» والتي أشارت إلى نمو بنسبة 5 في المائة، مسجلاً بذلك أسرع نمو منذ سبتمبر (أيلول) من العام الماضي.

وقال هاو تشو، كبير الاقتصاديين في شركة «غوتاي جونان» الدولية: «على الرغم من ازدياد المخاطر التي تهدد التوقعات، وسط التوترات الجيوسياسية والاضطرابات التي تشهدها أسواق التجارة والطاقة العالمية، تشير أحدث الأرقام إلى أن الصين دخلت العام بقاعدة نمو أقوى مما كان يُعتقد سابقاً».

وقفزت مبيعات التجزئة -وهي مؤشر على الاستهلاك- بنسبة 2.8 في المائة، متسارعة من وتيرة 0.9 في المائة المسجلة في ديسمبر، محققة بذلك أكبر زيادة لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي.

وكان المحللون قد توقعوا نمواً بنسبة 2.5 في المائة. ويعود هذا الزخم القوي جزئياً إلى طول عطلة رأس السنة القمرية في البلاد خلال شهر فبراير، وساهمت الاحتفالات في رفع إجمالي الإنفاق السياحي بنسبة تقارب 19 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، والتي كانت أقصر بيوم واحد.

ولكن الإنفاق السياحي الداخلي لكل رحلة انخفض بنسبة 0.2 في المائة، مما يشير إلى استمرار حذر المستهلكين. وعلى سبيل المثال، أظهرت بيانات صدرت مطلع الأسبوع الماضي انخفاض مبيعات سيارات الركاب محلياً بنسبة 26 في المائة خلال الشهرين الأولين.

وتجمع الصين بيانات شهرَي يناير وفبراير لتخفيف حدة التشوهات الناتجة عن عطلات الأعياد التي قد تقع في أي من الشهرين.

انتعاش غير متوقع للاستثمار

وقدمت بيانات يوم الاثنين مؤشراً مشجعاً آخر لصناع السياسات؛ حيث خفف الانتعاش غير المتوقع في الاستثمار من حدة التحدي المتمثل في التراجع المطول في قطاع العقارات الحيوي.

وارتفع الاستثمار في الأصول الثابتة الذي يشمل الاستثمار في العقارات والبنية التحتية، بنسبة 1.8 في المائة خلال الشهرين الأولين، متجاوزاً التوقعات بانخفاض قدره 2.1 في المائة بعد انكماشه بنسبة 3.8 في المائة في عام 2025، وهو أول انخفاض سنوي له منذ نحو 3 عقود.

وقاد الاستثمار في البنية التحتية هذا الانتعاش، مسجلاً نمواً بنسبة 11.4 في المائة، مع بدء تأثير الدعم الحكومي، بما في ذلك أداة تمويل جديدة من البنوك لتمويل المشاريع الرئيسية. ورغم أن البيانات الإجمالية تُظهر بعض الزخم الإيجابي، فإنها لا تزال تشير إلى فجوة واسعة بين الطلب الخارجي القوي وضعف استهلاك الأسر، وهو ما يحذر المحللون من أنه قد يعيق آفاق النمو الصيني على المدى الطويل.

وقال تشاوبينغ شينغ، كبير استراتيجيي الصين في بنك «إيه إن زد»: «لا يمكن استبعاد استمرار تعرض بيانات الطلب المحلي في مارس (آذار) لضغوط نزولية»، مضيفاً أن البيانات الإجمالية لا تدعم خفض أسعار الفائدة على المدى القريب.

وأشارت بيانات الإقراض الصادرة الأسبوع الماضي إلى استمرار تراجع اقتراض الأسر. كما أظهرت بيانات المكتب الوطني للإحصاء أن معدل البطالة على مستوى البلاد -وفقاً للمسح- ارتفع إلى 5.3 في المائة في أول شهرين من العام، مقارنة بـ5.1 في المائة في ديسمبر، وهو ما يثير القلق بشأن توليد الدخل.

وقال خريج جامعي يُدعى باي، متخصص في التعليم، في أثناء حضوره معرضاً للتوظيف في بكين: «لا تزال سوق العمل الحالية مليئة بالتحديات، ويصعب العثور على وظائف».

وفي الاجتماع السنوي للبرلمان الذي اختُتم الأسبوع الماضي، حدد صناع السياسات هدف النمو الاقتصادي لهذا العام بنسبة تتراوح بين 4.5 في المائة و5 في المائة، بانخفاض عن هدف العام الماضي الذي كان نحو 5 في المائة. وقد تحقق هذا الهدف في عام 2025 بفضل فائض تجاري قياسي بلغ 1.2 تريليون دولار، مما زاد من قلق شركاء الصين التجاريين.

ويقول المحللون إن الصين تواجه تحديات كبيرة في سعيها لتحقيق نمو مستدام طويل الأجل. وبينما تعهدت الحكومة بارتفاع «ملحوظ» في استهلاك الأسر، فقد أوضحت إجراءات محدودة تشير إلى توجه نحو إصلاحات جذرية في جانب الطلب.

ويُضيف الصراع في الشرق الأوسط مزيداً من عدم اليقين؛ إذ يُؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب التجارة العالمية، مما يزيد من أهمية زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى بكين في أواخر مارس الجاري للقاء الرئيس شي جينبينغ.

وصرَّح فو لينغ هوي، المتحدث باسم المكتب الوطني للإحصاء، في مؤتمر صحافي، يوم الاثنين، بأن حرب الشرق الأوسط قد فاقمت تقلبات أسعار النفط واضطرابات السوق، ولكن إمدادات الطاقة الإجمالية للصين من شأنها أن تُساعد في تخفيف الصدمات الخارجية. وأضاف أن تأثير الصراع على الأسعار المحلية سيتطلب مزيداً من التدقيق.

وعلَّق تشيوي تشانغ، كبير الاقتصاديين في شركة «بينبوينت» لإدارة الأصول، بالقول: «من المتوقع أن تظهر آثار الاضطرابات في الشرق الأوسط على الاقتصاد العالمي خلال الأشهر المقبلة... وأتوقع أن يستجيب صناع السياسات من خلال السياسة المالية إذا لزم الأمر».