اتهام حقوقي للحوثيين باعتقال ألف يمني لاحتفالهم بثورة «26 سبتمبر»

إدانة حكومية لاختطاف محامٍ في صنعاء

الحوثيون يتهمون المخالفين لهم فكرياً ومذهبياً بالسعي إلى تقويض انقلاب الجماعة (رويترز)
الحوثيون يتهمون المخالفين لهم فكرياً ومذهبياً بالسعي إلى تقويض انقلاب الجماعة (رويترز)
TT

اتهام حقوقي للحوثيين باعتقال ألف يمني لاحتفالهم بثورة «26 سبتمبر»

الحوثيون يتهمون المخالفين لهم فكرياً ومذهبياً بالسعي إلى تقويض انقلاب الجماعة (رويترز)
الحوثيون يتهمون المخالفين لهم فكرياً ومذهبياً بالسعي إلى تقويض انقلاب الجماعة (رويترز)

كشفت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات عن تصاعد غير مسبوق في الانتهاكات التي ارتكبتها الجماعة الحوثية المدعومة من إيران على خلفية نيتهم الاحتفال بذكرى ثورة «26 سبتمبر»، وأكدت أنها وثقت اعتقال وإخفاء 1063 شخصاً في عدة محافظات خاضعة لسيطرة الجماعة خلال عامين.

وفي تصريحات رسمية لرئيس الشبكة، محمد العمدة، أوضح أن من بين الضحايا 450 شخصاً اعتقلوا العام الماضي، فيما شهد العام الحالي نحو 613 جريمة اعتقال وإخفاء قسري توزعت على صنعاء وريفها ومحافظات حجة وعمران والضالع وذمار وإب وصعدة والمحويت والحديدة.

وأضاف أن شهر سبتمبر (أيلول) الحالي وحده شهد 123 عملية اقتحام ومداهمة لمنازل المواطنين على خلفية نيتهم رفع العلم الوطني أو المشاركة في فعاليات رمزية مرتبطة بذكرى الثورة.

ووفق العمدة، فإن الاعتقالات غالباً ما تتم بشكل تعسفي من الطرق العامة أو المنازل أو الأسواق والمساجد، حيث يُقيد الضحايا وتصادر جوالاتهم وأوراقهم قبل اقتيادهم إلى أماكن احتجاز مجهولة.

عناصر حوثيون خلال حشد للجماعة في صنعاء (إ.ب.أ)

وأكد أن أسراً كثيرة لا تزال تجهل مصير ذويها بسبب ممارسات الإخفاء القسري، عادّاً أن هذه الإجراءات تعكس حالة الرعب التي تسيطر على الحوثيين مع كل مناسبة وطنية.

وشدّد العمدة على أن ما تقوم به الجماعة يرقى إلى مستوى الجرائم الممنهجة ضد المدنيين، لافتاً إلى أن مجرد رفع العلم الوطني أو التعبير عن الانتماء للجمهورية اليمنية أصبح كفيلاً بزجّ المواطنين في المعتقلات.

وحمّل رئيس الشبكة الحقوقية الحوثيين المسؤولية الكاملة عن سلامة المختطفين، داعياً المجتمع الدولي إلى ممارسة ضغط حقيقي لإيقاف الانتهاكات.

إدانة حكومية

في السياق ذاته، أدان وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني بشدة اقتحام مكتب المحامي والمستشار القانوني عبد المجيد صبرة، واختطافه، ومصادرة جواله وجهاز الكمبيوتر الخاص به، على خلفية إعلانه استعداده للدفاع عن المعتقلين المرتبطين بذكرى الثورة. وأوضح الوزير أن الجريمة جاءت بعد حملة تحريض ممنهجة قادتها شخصيات نافذة في الجماعة ضد صبرة، الذي يعد من أبرز المدافعين عن حقوق المختطفين في معتقلاتها.

وأشار الإرياني إلى أن صبرة تصدّر خلال السنوات الماضية مهمة الدفاع عن السياسيين والإعلاميين والصحافيين الذين تعرضوا لمحاكمات صورية وتعذيب ممنهج، وتعرّض بسبب نشاطه الحقوقي لمضايقات وتهديدات متكررة. وعدّ أن استهدافه يكشف الطبيعة «الإجرامية» للجماعة وتجردها من أي التزام بقيم العدالة وحقوق الإنسان.

معمر الإرياني وزير الإعلام والثقافة والسياحة في الحكومة اليمنية (سبأ)

وأكد الوزير اليمني أن هذه الجرائم تأتي ضمن حملة قمع وتصعيد ممنهج مع حلول الذكرى الوطنية، في مسعى بائس إلى طمس رمزية الثورة وإسكات كل صوت يذكّر اليمنيين بقيمها في الحرية والعدالة والمساواة.

وقال: «حالة السعار والهلع التي تعيشها الميليشيات مع كل مناسبة وطنية تحوّلها إلى هستيريا جماعية، تدفعها لملاحقة المواطنين لمجرد رفع العلم الوطني أو التعبير عن انتمائهم لليمن».

وحمّل الإرياني الحوثيين المسؤولية الكاملة عن سلامة صبرة وبقية المختطفين السياسيين والإعلاميين والحقوقيين، داعياً المبعوث الأممي والمفوضية السامية لحقوق الإنسان والاتحاد الدولي للمحامين والمنظمات الحقوقية الدولية إلى إدانة الجريمة والتحرك الفوري للضغط على الجماعة للإفراج عنهم.

وأكد الوزير على أن هذه الممارسات لن تُرهب اليمنيين، بل ستزيدهم إصراراً على التمسك بقيم وأهداف ثورة سبتمبر، داعياً المواطنين في الداخل والخارج إلى تحويل لحظة القمع إلى مناسبة للتحدي الوطني، عبر الاحتفاء بالثورة ورفع العلم الوطني في كل مكان. واختتم بالقول إن «مشروع الميليشيا الطائفي إلى زوال، فيما ستظل قيم سبتمبر حية في وجدان الشعب اليمني».


مقالات ذات صلة

297 ألف أسرة يمنية في مأرب بحاجة إلى مساعدات عاجلة

العالم العربي تقديرات رسمية بوجود نحو 4 ملايين يمني نزحوا داخلياً أغلبهم في مأرب (الأمم المتحدة)

297 ألف أسرة يمنية في مأرب بحاجة إلى مساعدات عاجلة

أفاد تقرير يمني رسمي بأن نحو 297 ألف أسرة في مأرب تحتاج إلى مساعدات عاجلة وسط تصاعد انعدام الأمن الغذائي وتدهور خدمات التعليم والصحة والمياه.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي ممارسات المسلحين الحوثيين خارج إطار أجهزة الأمن أدت إلى وقوع حوادث مميتة (أ.ف.ب)

دماء العيد... العنف يكشف فشل الحوثيين في تطبيع المجتمع

شهد عيد الأضحى في مناطق سيطرة الحوثيين وقائع انفلات أمني كشفت عن فشل الجماعة بتطويع المجتمع لها، كما أقدمت على ملاحقة المشاركين في صلاة الغائب على الرئيس هادي.

وضاح الجليل (عدن)
الخليج جانب من الاجتماع المرئي بين مركز الملك سلمان ومفوضية اللاجئين (مكتب مفوضية اللاجئين بالرياض)

مركز الملك سلمان ومفوضية اللاجئين يوقِّعان اتفاقية لتعزيز الحماية والرعاية الصحية باليمن

وقَّعت «المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» و«مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية»، اتفاقية بقيمة 3.1 مليون دولار، لحماية اليمنيين.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
العالم العربي يمنيّ في صنعاء يزور أقاربه القتلى بمقبرة أنشأها الحوثيون (أ.ف.ب)

«عناوين للبحوث»... مركز يمني لفهمٍ أعمق للشأن المحلي والعربي

إطلاق مركز «عناوين» للبحوث ودراسة التحولات كمؤسسة بحثية مستقلة متخصصة في تحليل المتغيرات اليمنية والإقليمية عبر الدراسات وقواعد البيانات والأدوات الرقمية.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي فرق صحية توفر الرعاية للأسر اليمنية في مخيمات النزوح (الأمم المتحدة)

السعودية تعزز جهود الاستجابة الصحية في اليمن

كثّفت السعودية دعمها للقطاع الصحي اليمني عبر فرق متنقلة وإمدادات طبية وبرامج تدريب وتأهب للأوبئة، بما يعزز الخدمات الصحية ويحمي الفئات الأكثر ضعفاً

محمد ناصر (عدن)

إيكرت مدرب ساوثهامبتون يعتذر عن فضيحة التجسس

توندا إيكرت مدرب ساوثهامبتون (أ.ف.ب)
توندا إيكرت مدرب ساوثهامبتون (أ.ف.ب)
TT

إيكرت مدرب ساوثهامبتون يعتذر عن فضيحة التجسس

توندا إيكرت مدرب ساوثهامبتون (أ.ف.ب)
توندا إيكرت مدرب ساوثهامبتون (أ.ف.ب)

اعتذر توندا إيكرت مدرب ساوثهامبتون عن تورطه في فضيحة تجسس، مشدداً على تحمله مسؤولية كل ما حدث للنادي الإنجليزي.

بعد اعتراف المدرب الشاب بالتجسس على حصة تدريبية لفريق ميدلسبره، تم استبعاد ساوثهامبتون من تصفيات الصعود للدوري الإنجليزي الممتاز لكرة القدم، الشهر الماضي.

وقال المدرب الألماني الشاب في بيان الثلاثاء: «بكل وضوح وصدق، أعتذر عما حدث، وأتحمل المسؤولية كاملة بصفتي مدرباً، أنا المسؤول عن كل ما حدث للنادي».

وذكرت وكالة الأنباء البريطانية (بي إيه ميديا) أنه تمت إدانة ميدلسبره أيضاً بالتجسس على فرق أخرى خلال الموسم المنتهي مثل إبسويتش وأكسفورد.

واصل المدرب الألماني في بيانه: «أعتذر لهذه الأندية، وأعتذر لجماهيرنا»، مشيراً إلى أن التجسس يبقى ظاهرة منتشرة في دوريات أخرى.

أشار: «التشكيلات الأساسية كان يتم تسريبها دائماً لوسائل الإعلام في أثناء عملي 4 سنوات في إيطاليا».

وأضاف: «السبب في ذلك هو إقامة التدريبات التي تسبق المباريات وسط حضور وسائل الإعلام والفرق المنافسة».

واستطرد أيضاً: «لقد تحدث جوسيب غوارديولا عن هذه الظاهرة في أثناء عمله في بايرن ميونيخ، وأكد أنها كانت منتشرة في ألمانيا».

وأوضح مدرب ساوثهامبتون: «لا أقصد تبرير ما فعلته، بل استعراض تجارب أخرى رأيتها طوال مسيرتي مع كرة القدم».

وتردد بقوة أن النادي الإنجليزي بصدد إقالة إيكرت، بعد إقصاء ساوثهامبتون واستبداله بفريق ميدلسبره الذي خسر المباراة النهائية للإقصائيات في ويمبلي.

وتسبب ذلك في ضياع عائدات مالية بقيمة 200 مليون جنيه إسترليني (269 مليون دولار) على نادي ساوثهامبتون.

لكن قبل بيان إيكرت، أعلن دراغان سولاك مالك ساوثهامبتون دعمه للمدرب الشاب البالغ من العمر 33 عاماً.

وبخلاف الإقصاء، عوقب ساوثهامبتون أيضاً بخصم 4 نقاط من رصيده في الموسم المقبل، وفتح الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم تحقيقاً في الواقعة.


بين حقيبة النزوح ومفتاح المنزل... كيف غيّر تهديد الضاحية حياة اللبنانيين؟

سيارات تغادر الضاحية الجنوبية لبيروت عبر الطريق السريع بعد تهديدات إسرائيلية باستهداف المنطقة (إ.ب.أ)
سيارات تغادر الضاحية الجنوبية لبيروت عبر الطريق السريع بعد تهديدات إسرائيلية باستهداف المنطقة (إ.ب.أ)
TT

بين حقيبة النزوح ومفتاح المنزل... كيف غيّر تهديد الضاحية حياة اللبنانيين؟

سيارات تغادر الضاحية الجنوبية لبيروت عبر الطريق السريع بعد تهديدات إسرائيلية باستهداف المنطقة (إ.ب.أ)
سيارات تغادر الضاحية الجنوبية لبيروت عبر الطريق السريع بعد تهديدات إسرائيلية باستهداف المنطقة (إ.ب.أ)

أربك التهديد الإسرائيلي الأخير الضاحية الجنوبية لبيروت خلال ساعات قليلة. حيث أُخليت مدارس، وهرع الأهالي لاصطحاب أولادهم من الصفوف، وغادر كثيرون منازلهم على عجل، فيما امتلأت الطرق بحركة نزوح جديدة أعادت إلى الأذهان مشاهد عاشها اللبنانيون مراراً خلال الأشهر الماضية. لكن ما خلّفه التهديد لم يكن محصوراً بساعات الإنذار نفسها، بل امتد إلى ما بعدها. انتهى الإنذار وبقي القلق. عاد بعض الناس إلى أعمالهم، لكنهم لم يستعيدوا إحساسهم بالأمان. وبالنسبة إلى كثيرين، لم يعد السؤال متى ستقع الغارة؟ بل كيف يمكن العيش في ظل انتظار دائم للإنذار التالي؟

البيت الذي لم يعد آمناً

أوضحت ليلى حسن لـ«الشرق الأوسط»، أن التهديد الأخير للضاحية لم ينته بالنسبة إليها مع انتهاء الإنذار، لأن الشعور الذي تركه ما زال يرافقها. فالمشكلة، كما تصفها، لم تعد مرتبطة بحدث أمني محدد، بل بحالة دائمة من عدم اليقين.

وبينت أن العلاقة الطبيعية التي كانت تربط الإنسان بمنزله تغيّرت بصورة جذرية. «فالبيت الذي كان يمثل المساحة الآمنة التي يلجأ إليها الإنسان عند الخوف أو الخطر، أصبح اليوم جزءاً من مصادر القلق». وتعد أنّ «حصول الإنذار جعل فكرة العودة أكثر تعقيداً من فكرة المغادرة، خصوصاً بالنسبة إلى الأشخاص الذين يتحملون مسؤولية أطفال أو أفراد من عائلاتهم».

وترى «أن الحياة في أماكن النزوح، رغم صعوبتها وقلة الخدمات فيها، تبدو أحياناً أقل قسوة من القلق المرتبط بالعودة. فالكهرباء والمياه وضيق المساحات ومشقة الحياة اليومية تصبح تفاصيل ثانوية أمام هاجس واحد هو تأمين الحماية للعائلة». وتضيف: «أن تكرار هذه التجربة يدفع الإنسان تدريجياً إلى التكيف مع ظروف غير طبيعية، حتى يصبح مجرد الشعور بالأمان هدفاً بحد ذاته، ولو كان ذلك على حساب جودة الحياة التي اعتادها سابقاً».

كل يوم يبدأ بالخوف

لم تعد فاطمة شمص إلى الضاحية بعد تهديد يوم الاثنين. تقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «اللبنانيين يعيشون اليوم حالة ترقب دائمة تجعل الخوف جزءاً من الروتين اليومي. فكل صباح يبدأ بسؤال مختلف، لكنه يحمل المعنى نفسه: هل سيمر هذا اليوم بسلام؟».

وتروي كيف انعكس التهديد الأخير على الحياة اليومية للعائلات. فشقيقتها كانت في المدرسة عندما تقرر وقف الامتحانات وإخلاء التلاميذ بصورة عاجلة. وخلال دقائق، وجد الأهالي أنفسهم مضطرين إلى ترك أعمالهم والتوجه نحو المدارس وسط ازدحام الطرق والقلق من احتمال حصول أي تطور أمني مفاجئ.

وتقول إن «أصعب ما يعيشه الناس ليس فقط الخوف من الغارات، بل الإحساس الدائم بعدم الاستقرار. فالعائلات لم تعد قادرة على التخطيط ليومها أو لأسبوعها، لأن أي إنذار جديد قد يقلب كل الخطط رأساً على عقب». وترى «أن الخطر لم يعد محصوراً بمنطقة دون أخرى، بعدما امتدت الإنذارات والتوترات إلى مناطق مختلفة من لبنان، ما جعل الشعور بعدم الأمان أكثر انتشاراً من أي وقت مضى».

سكان يغادرون الضاحية الجنوبية لبيروت بعد تهديدات إسرائيلية باستهدافها (إ.ب.أ)

الترقب يستهلك الناس

يصف علي نور الدين، ابن بلدة تول الجنوبية والمقيم في الضاحية الجنوبية، ما يعيشه السكان بأنه «ترقب قاتل». ويقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «الأزمة لم تعد مرتبطة بالإنذار نفسه، بل بالحالة النفسية التي تليه. فبعد كل تهديد، يبقى الناس عالقين بين احتمال العودة إلى حياتهم الطبيعية واحتمال حصول تصعيد جديد». ويشير إلى أن «هذا النوع من القلق المستمر يستنزف السكان أكثر مما تفعل الأحداث الأمنية المباشرة، لأنه يحول حياتهم إلى حالة انتظار مفتوحة لا يعرف أحد متى تنتهي».

ويضيف أن «القلق لا يقتصر على الضاحية، بل يمتد إلى الجنوب أيضاً، حيث تتابع العائلات أخبار بلداتها ومنازلها ومصير مناطقها وسط غياب أي وضوح بشأن المرحلة المقبلة».

نحمل ذكرياتنا في حقيبة

بدورها، لم تعد ليان عبد الله إلى الضاحية منذ التهديد الأخير. فبالنسبة إلى الطالبة الجامعية، لم تعد الحياة الجامعية تدور حول المحاضرات والامتحانات والطموحات، بل حول النزوح والبحث عن مكان آمن.

تقول لـ«الشرق الأوسط» إن «حياتها باتت عبارة عن توضيب للأغراض داخل حقيبة، ثم الانتقال إلى مكان جديد، قبل الاستعداد لإمكانية تكرار الأمر مجدداً». وتعد أن جيلها لم يعد قادراً على التفكير بمشاريعه المستقبلية أو بخططه المهنية، لأن الأولوية أصبحت محصورة بتجاوز اليوم الحالي بسلام.

وتتحدث عن شعور قاسٍ يرافق كل عملية نزوح، يتمثل في اختصار حياة كاملة داخل حقيبة واحدة. «فالإنسان لا يترك وراءه جدراناً وأثاثاً فقط، بل يترك ذكريات وتفاصيل وعلاقات ارتبطت بالمكان».

كما تشير إلى «معاناة إضافية تواجه العائلات التي تضم مرضى يحتاجون إلى متابعة طبية مستمرة. فكل انتقال يفرض أسئلة جديدة حول الطرق الآمنة وإمكانية الوصول إلى المستشفيات وتأمين العلاج، ما يضيف عبئاً إضافياً إلى الضغوط النفسية التي يعيشها الجميع».

مواطنون يغادرون الضاحية الجنوبية لبيروت سيراً على الأقدام بعد تهديدات إسرائيلية (إ.ب.أ)

نزوح من الضاحية وخوف من خسارة بنت جبيل إلى الأبد

لا يتحدث حسن بزي عن التهديد الأخير للضاحية الجنوبية بوصفه حدثاً أمنياً عابراً، بل بوصفه لحظة أعادت إليه هواجس أعمق تتعلق بمستقبله ومستقبل بلدته بنت جبيل.

يقول لـ«الشرق الأوسط» إنه «وجد نفسه، كما الآلاف غيره، أمام احتمال نزوح جديد من الضاحية، فيما يرافقه شعور بأن المسافة تكبر يوماً بعد يوم بينه وبين بلدته الجنوبية التي أمضى سنوات طويلة وهو يخطط للعودة إليها والاستقرار فيها».

ويضيف: «بعد تهديد الضاحية الأخير عاد الإحساس نفسه بأن حياتنا كلها أصبحت معلقة. لم يعد الأمر متعلقاً فقط بمكان نسكن فيه اليوم أو غداً، بل بمستقبل كامل لا نعرف إذا كنا سنتمكن من استعادته».

ويشرح أن لديه أراضي وعقارات في بنت جبيل كان يعدها مشروع عمره ومصدر استقراره بعد أكثر من ثلاثة عقود من العمل، لكنه بات يشعر بأن تلك الخطط تبتعد باستمرار مع استمرار الحرب وتعقّد المشهد سياسياً وعسكرياً.

ويقول: «كنت أتصور أن أعود لأعيش في أرضي وأهتم بما بنيته طوال سنوات. كنت أعتقد أن التعب الذي استمر ثلاثين عاماً سيمنحني فرصة للراحة والاستقرار. اليوم أشعر بأن كل ذلك أصبح مؤجلاً إلى أجل غير معروف».

ويرى أن التهديدات المتكررة والنزوح المستمر من الضاحية والجنوب يضعان الناس أمام حالة من الإنهاك النفسي المتراكم، حيث يصبح من الصعب التفكير بالمستقبل أو بناء أي خطط طويلة الأمد.

ويضيف: «أخشى أن يكبر أولادنا وهم لا يعرفون هذه القرى كما عرفناها نحن، وأخشى أن يتحول انتظار العودة إلى حالة دائمة. لهذا السبب لا يقلقني النزوح من الضاحية وحده، بل يقلقني أكثر أن يأتي يوم أشعر فيه بأن بنت جبيل أصبحت مجرد ذكرى».


لبنان يعود إلى مفاوضات واشنطن لـ«تثبيت وقف النار»

لبنان يعود إلى مفاوضات واشنطن لـ«تثبيت وقف النار»
TT

لبنان يعود إلى مفاوضات واشنطن لـ«تثبيت وقف النار»

لبنان يعود إلى مفاوضات واشنطن لـ«تثبيت وقف النار»

بدأ مفاوضون لبنانيون وإسرائيليون الثلاثاء جولة رابعة من محادثات السلام برعاية أميركية تستمر إلى الأربعاء، وسط جهود مكثفة لـ«تثبيت وقف النار»، الذي كاد يترنح تماماً لولا تدخل الرئيس الأميركي دونالد ترمب للجم جنوح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نحو استهداف بيروت والضاحية الجنوبية مقابل وقف استهداف «حزب الله» للأراضي الإسرائيلية.

وترأس الوفد الأميركي الذي يقوم بدور الوساطة مساعد الرئيس ترمب نائب مستشار الأمن القومي مايكل نيدهام بمشاركة كبير موظفي وزارة الخارجية دان هولر والمسؤول الرفيع في دائرة الشرق الأدنى جاي مينز والسفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى ونظيره في إسرائيل مايك هاكابي.

ويقود الوفد اللبناني السفير السابق سيمون كرم بمشاركة السفيرة اللبنانية لدى الولايات المتحدة ندى حمادة معوض ونائب السفير وسام بطرس والملحق العسكري اللبناني في واشنطن العميد الركن أوليفر حاكمة. وشارك إسرائيلياً نائب مستشار الأمن القومي يوسي درازنين والمسؤول في رئاسة الوزراء أوري رزنيك والسفير في واشنطن يحيئيل ليتر.

وسعى الوفد اللبناني إلى «تثبيت وقف إطلاق النار» كضرورة ملحة لمناقشة بقية القضايا مع إسرائيل، على أن تشمل الخطوات التالية المتبادلة توسيع نطاق وقف النار، والشروع في سحب القوات الإسرائيلية بالتزامن مع الجهود اللبنانية للعمل على تطبيق قرار الحكومة اللبنانية الخاصة بحصرية السلاح بيد المؤسسات الرسمية للدولة اللبنانية.

وتيسر وزارة الخارجية الأميركية هذه المحادثات ضمن «المسار السياسي» الذي يهدف إلى استعادة الهدوء على جانبي الحدود، وسط استعداد أميركي لتقديم «ضمانات» تكفل «السيادة الكاملة» للحكومة اللبنانية على كل الأراضي اللبنانية، وخصوصاً في منطقة جنوب نهر الليطاني، بالإضافة إلى «تأمين سلامة الأراضي الإسرائيلية، وخصوصاً المدن والبلدات والقرى الشمالية» القريبة من الحدود مع لبنان. ويصر الجانب الإسرائيلي على ضرورة «البدء فوراً» بعملية نزع سلاح «حزب الله» قبل انسحاب القوات الإسرائيلية. وتطالب إسرائيل أيضاً بإنشاء لجنة تنسيق مباشر بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي.

وعلمت «الشرق الأوسط» أن الأفكار اللبنانية المتعلقة بـ«إعلان نيات» محتمل لم تتبلور تماماً، لأن الأميركيين «يعملون على وضع اتفاق إطاري شامل يتضمن ترتيبات أمنية».

وكان الجيشان اللبناني والإسرائيلي عقدا الجمعة محادثات في وزارة الحرب الأميركية «البنتاغون»، ضمن «المسار الأمني» الموازي للمفاوضات السياسية. وكانت الولايات المتحدة استضافت مفاوضين لبنانيين وإسرائيليين في ثلاث جولات من محادثات «المسار السياسي» منذ إعلان وقف النار في منتصف أبريل (نيسان) الماضي.