فوز الديمقراطيين في انتخابات أريزونا يضيّق الفارق في مجلس النواب

قضية إبستين تهيمن على المشهد التشريعي... وعين الجمهوريين على 2026

النائب غريجالفا تحتفي بفوزها في الانتخابات الخاصة في توكسون أريزونا - يوم 23 سبتمبر (أ.ب)
النائب غريجالفا تحتفي بفوزها في الانتخابات الخاصة في توكسون أريزونا - يوم 23 سبتمبر (أ.ب)
TT

فوز الديمقراطيين في انتخابات أريزونا يضيّق الفارق في مجلس النواب

النائب غريجالفا تحتفي بفوزها في الانتخابات الخاصة في توكسون أريزونا - يوم 23 سبتمبر (أ.ب)
النائب غريجالفا تحتفي بفوزها في الانتخابات الخاصة في توكسون أريزونا - يوم 23 سبتمبر (أ.ب)

جاء فوز الديمقراطية، أديليتا غريجالفا، في الانتخابات الخاصة بولاية أريزونا ليُضيف جولة جديدة من التعقيد إلى المشهد السياسي الأميركي، في وقت يبدو فيه أن كل مقعد بات يُحدّد موازين القوة داخل مجلس النواب.

فبعد أسابيع قليلة من الفوز المفاجئ لجيمس ووكينشو، في انتخابات خاصة بفيرجينيا، يجد الجمهوريون أنفسهم أمام أغلبية أكثر هشاشة، لا تتجاوز بضعة أصوات؛ ما يجعل كل تصويت على الملفات الساخنة، من الموازنة إلى قضية جيفري إبستين، اختباراً مفتوحاً لسلطة رئيس المجلس، مايك جونسون.

أغلبية ضئيلة

غريجالفا، التي خلفت والدها الراحل راؤول غريجالفا في تمثيل الدائرة السابعة لأريزونا، حملت معها إرثاً تقدمياً يُعزز الجناح اليساري داخل الحزب الديمقراطي. لكن الأهم أن مقعدها الجديد خفّض الفارق إلى 219 للجمهوريين مقابل 214 للديمقراطيين، وهي معادلة تُبقي على قدرة الجمهوريين في تمرير التشريعات بأغلبية ضئيلة، لكنها تجعل أي انشقاق فردي داخل صفوفهم تهديداً فعلياً لقيادتهم. وقد بدا ذلك واضحاً في الأسابيع الماضية، مع تزايد الانقسامات داخل الحزب الجمهوري بشأن سقف الدين، وأيضاً حول الكيفية التي يجب أن يتعامل بها المجلس مع المطالب المتصاعدة بنشر ملفات إبستين.

رئيس مجلس النواب مايك جونسون يتحدث مع الصحافيين - 8 سبتمبر 2025 (أ.ب)

الانتخابات الخاصة التي جرت في أريزونا، وتلك التي سبقتها بفيرجينيا، لم تكن مجرد منافسات محلية؛ فقد رأت فيها القيادة الديمقراطية فرصة لترسيخ سردية أن القاعدة الانتخابية لا تزال متماسكة، رغم كل ما يثار حول الرئيس جو بايدن وإرثه ومستقبل الحزب. أما الجمهوريون فتعاملوا معها باعتبارها إنذاراً مبكراً يذكّرهم بصعوبة الحفاظ على أغلبيتهم الضئيلة؛ خصوصاً في ظل رئاسة مجلس هشّة تعتمد على ولاءات متقلّبة وتحالفات مؤقتة.

لكن الملف الأكثر حساسية الذي يُلقي بثقله على الكونغرس اليوم هو قضية إبستين؛ ففي الوقت الذي احتفل فيه الديمقراطيون بتقليص الفارق العددي، كانت الأنظار تتجه إلى عريضة تقدّم بها النائب الجمهوري توماس ماسي والديمقراطي رو خانا، لإجبار المجلس على التصويت بشأن مشروع قانون يُلزم وزارة العدل بالكشف عن كل الملفات غير السرية المرتبطة بالقضية. وقد حققت العريضة زخماً استثنائياً؛ إذ جمعت 216 توقيعاً قبل انتخابات فيرجينيا، ثم أضاف ووكينشو صوته ليصل العدد إلى 217. قبل أن يأتي فوز غريجالفا ليجعل من مقعدها عاملاً مرجحاً في ضمان الحصول على التوقيع الحاسم.

قضية إبستين

هكذا، تحوّلت انتخابات محلّية بدت في ظاهرها تقليدية إلى عنصر ضاغط في واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في واشنطن.

زوار يتفاعلون مع تمثال برونزي لترمب وإبستين في واشنطن - يوم 23 سبتمبر (رويترز)

فملف إبستين لا يقتصر على حيثيات جنائية تتعلق بشبكة اعتداءات جنسية واتجار بالقاصرات، بل يمتد إلى أسئلة محرجة تطال دوائر النفوذ السياسي والاقتصادي والإعلامي. ووجود اسم الرئيس دونالد ترمب في قلب النقاش، سواء من خلال تقارير صحافية عن علاقته القديمة بإبستين، أو عبر أعمال فنية ساخرة ظهرت في شوارع العاصمة، جعل الملف مادة سياسية لا يمكن لأي حزب تجاهلها.

البيت الأبيض حاول التقليل من شأن الجدل الدائر حول التمثال البرونزي الذي ظهر في «ناشيونال مول»، في قلب واشنطن، مصوّراً ترمب وإبستين متشابكي الأيدي، عادّاً الأمر مجرد استعراض سياسي من خصوم الرئيس. غير أن انتشار الصور على وسائل التواصل الاجتماعي وإقبال الزوار على التقاطها، أظهر أن رمزية العمل الفني تجاوزت حدود السخرية، لتصبح تعبيراً عن مأزق أميركي أعمق: كيف يمكن لمؤسسات الحكم أن تُظهر الشفافية في قضية تطال أقوى الدوائر السياسية، من دون أن تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات الحزبية؟

معادلة دقيقة

يُدرك الديمقراطيون أن تضييق الفارق في مجلس النواب يمنحهم أوراقاً إضافية للضغط، خصوصاً أن ملف إبستين يتقاطع مع شعاراتهم حول الشفافية ومحاسبة النخب. أما الجمهوريون، فبينما يسعون لحماية أغلبيتهم الهشة، يجدون أنفسهم منقسمين بين تيار يريد إغلاق الملف بسرعة وتيار آخر يرى في دعوات الإفصاح فرصة لتقويض خصومهم. وفي الحالتين، تبدو سلطة رئيس المجلس مهددة؛ إذ يكفي انشقاق صوتين جمهوريين فقط لتعطيل أجندته التشريعية.

النائب غريجالفا تلقى كلمة أمام أنصارها في توكسون أريزونا - يوم 23 سبتمبر (أ.ب)

اللافت أن المزاج الشعبي بدوره أصبح جزءاً من هذه المعادلة. كثير من الناخبين الذين تحدثوا لوسائل الإعلام أمام التمثال الجديد أكدوا أن ما يعنيهم ليس الخلافات الشكلية، بل حقيقة أن أسماء كبرى في السياسة الأميركية ارتبطت يوماً بشخص مثل إبستين، وأن المؤسسة لم تفعل ما يكفي لطمأنتهم بشأن العدالة والشفافية. هذه المشاعر تلتقي مع ما يراهن عليه الديمقراطيون؛ أن الغضب من التواطؤ المزعوم للنخب قد يُترجم في صناديق الاقتراع لمصلحتهم.

ومع اقتراب انتخابات خاصة جديدة في تكساس وتينيسي قبل نهاية العام، يبقى التوازن داخل مجلس النواب عرضة لمزيد من التغييرات. كل مقعد جديد قد يعني الفرق بين تمرير قانون أو تعطيله، بين فتح الملفات أو طيّها. وفي قلب هذه الحسابات، يقف ملف إبستين بوصفه اختباراً لمدى قدرة النظام السياسي الأميركي على مواجهة ماضيه القريب، من دون أن يغرق في مزيد من الانقسام.

تمثال برونزي يظهر ترمب وإبستين يبتسمان ويمسكان بأيدي بعضهما في واشنطن - يوم 23 سبتمبر (أ.ف.ب)

والأمر لم يعد يتعلق بمجرد الفوز بمقعد هنا أو هناك؛ فالانتخابات الخاصة الأخيرة أظهرت أن السياسة الأميركية دخلت مرحلة يصبح فيها لكل ورقة اقتراع أثر يتجاوز حدود الدائرة الانتخابية ليطال البلاد بأسرها. ووسط مشهد يختلط فيه إرث إبستين بحسابات الأغلبية الضئيلة، يبدو أن الطريق نحو الاستحقاقات المقبلة، خصوصاً انتخابات التجديد النصفية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2026، لن يكون سوى أكثر وعورة، وأكثر حاجة إلى إجابات لم تقدَّم بعد.


مقالات ذات صلة

مجلس النواب الأميركي يرفض تقييد صلاحيات ترمب في حرب إيران

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)

مجلس النواب الأميركي يرفض تقييد صلاحيات ترمب في حرب إيران

أيد ​مجلس النواب الأميركي، الخميس، الحملة العسكرية التي ‌شنها ‌الرئيس ​دونالد ‌ترمب ⁠على إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ تظهر استطلاعات الرأي دعماً كبيراً من قاعدة «ماغا» لترمب في حرب إيران (رويترز)

حرب إيران تُربك اليمين الأميركي... وترمب يراهن على ولاء «ماغا»

عمّقت حرب إيران الشرخ داخل اليمين الأميركي، رغم صمود دعم قاعدة «ماغا» لقرارات الرئيس دونالد ترمب.

رنا أبتر (واشنطن)
الولايات المتحدة​ خلال مؤتمر العمل السياسي المحافظ (CPAC) في تكساس بالولايات المتحدة في 26 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعم جمهوري لحرب ترمب على إيران خلال مؤتمر العمل السياسي المحافظ

أظهر الجمهوريون في المؤتمر السنوي للعمل السياسي المحافظ تأييداً واسعاً للضربات الأميركية على إيران، وأبدوا دعمهم للرئيس دونالد ترمب في هذه الحرب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الديمقراطية إميلي غريغوري الفائزة في انتخابات خاصة الثلاثاء في ولاية فلوريدا الأميركية (متداولة) p-circle 01:21

ديمقراطية تفوز بانتخابات خاصة في معقل ترمب بولاية فلوريدا

فازت المرشحة الديمقراطية إميلي غريغوري في انتخابات خاصة جرت الثلاثاء في ولاية فلوريدا الأميركية، لتقلب دائرة تشريعية كانت تُعد معقلاً للجمهوريين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ المحكمة العليا الأميركية تراجع قوانين الانتخابات بالبريد

المحكمة العليا الأميركية تراجع قوانين الانتخابات بالبريد

باشرت المحكمة العليا الأميركية النظر في قضية تتعلق بحق الولايات في احتساب بطاقات الاقتراع البريدية المتأخرة، وسط مساعي الرئيس لحرمان الديمقراطيين منها.

علي بردى (واشنطن)

تقرير: أميركا أبلغت دولاً أوروبية باحتمال تأخر شحنات أسلحة

صورة لـ«البنتاغون» من الجو في واشنطن (رويترز)
صورة لـ«البنتاغون» من الجو في واشنطن (رويترز)
TT

تقرير: أميركا أبلغت دولاً أوروبية باحتمال تأخر شحنات أسلحة

صورة لـ«البنتاغون» من الجو في واشنطن (رويترز)
صورة لـ«البنتاغون» من الجو في واشنطن (رويترز)

ذكرت 3 مصادر مطلعة لوكالة «رويترز» أن مسؤولين أميركيين أبلغوا نظراءهم الأوروبيين بأن بعض شحنات الأسلحة التي تم التعاقد عليها من قبل من المرجح أن تتأخر، مع استمرار الحرب في إيران في استنزاف مخزونات الأسلحة.

وقالت المصادر، التي تحدثت شريطة عدم الكشف عن هويتها نظراً لسرية الاتصالات، إن دولاً أوروبية عدة ستتأثر بذلك، ومنها دول منطقة البلطيق والدول الاسكندنافية. وأضافت المصادر أن دولاً أوروبية اشترت بعض الأسلحة المعنية في إطار برنامج المبيعات العسكرية الخارجية، لكنها لم تتسلمها بعد. وقالت المصادر إنه من المرجح أن تتأخر عمليات التسليم هذه.

وبدأت الولايات المتحدة وإسرائيل غارات جوية على إيران في 28 فبراير (شباط)، في حملة أثارت مخاوف لدى بعض المسؤولين الأميركيين من عدم قدرة صناعة الدفاع الأميركية على تلبية الطلب، واحتمال اضطرارها إلى إبطاء الشحنات إلى عدد من المشترين.

وكانت الولايات المتحدة سحبت بالفعل مخزونات أسلحة بمليارات الدولارات، تشمل أنظمة مدفعية وذخائر وصواريخ مضادة للدبابات، منذ غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022 وبدء إسرائيل عملياتها العسكرية في غزة أواخر عام 2023.


مجلس النواب الأميركي يرفض تقييد صلاحيات ترمب في حرب إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
TT

مجلس النواب الأميركي يرفض تقييد صلاحيات ترمب في حرب إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)

رفض مجلس النواب الأميركي الخميس محاولة للحد من سلطة الرئيس دونالد ترمب لشنّ حرب على إيران، في انتكاسة أخرى لمساعي الديمقراطيين لمعاودة إشراك الكونغرس في القرارات المرتبطة بالتحرّك عسكرياً في الشرق الأوسط، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وجاء التصويت الذي جرى بعدما أصرّ الديمقراطيون على طرح المسألة على جدول الأعمال، في ظل قلق في كابيتول هيل حيال الحرب التي اندلعت قبل ستة أسابيع في وقت يتخوّف المشرّعون من التكاليف المتزايدة وعدم وضوح الهدف النهائي وخطر اتساع رقعة الحرب.

وكان من شأن الإجراء أن يلزم ترمب بوضع حد للعمليات العسكرية ضد طهران ما لم يوافق الكونغرس عليها صراحة، استناداً إلى قرار صلاحيات الحرب لعام 1973 الذي يحد من حرية الرئيس في القيام بأعمال عدائية مطوّلة من دون موافقة النواب.

وجرى التصويت إلى حد كبير على أساس حزبي رغم أن أحد الجمهوريين أيّد القرار فيما امتنع آخر عن التصويت، بينما صوّت ديمقراطي ضدّه.

يرى الديمقراطيون أن ترمب أشعل النزاع بشكل مشترك مع إسرائيل يوم 28 فبراير (شباط) من دون إذن الكونغرس المنصوص عليه في الدستور الذي يمنح الكونغرس وحده سلطة إعلان الحرب.

وقال كبير الديمقراطيين في لجنة الشؤون الخارجية غريغوري ميكس قبيل التصويت: «نقف على حافة هاوية، وعلى الكونغرس أن يتحرك قبل أن يدفعنا هذا الرئيس إلى السقوط. كل يوم نتأخر فيه نقترب أكثر من نزاع لا مخرج منه».

وجاءت الهزيمة رغم أن الديمقراطيين قلّصوا الفارق مقارنة بتصويت سابق فشل في مجلس النواب في مارس (آذار)، عندما لم يمر قرار مماثل بفارق سبعة أصوات.

وقد حافظ ترمب حتى الآن على دعم واسع من حزبه رغم انزعاج بعض النواب من رفض الإدارة نشر تفاصيل علنية للتكاليف المالية والعسكرية للحرب.

وفي أثناء جلسات استماع في الكونغرس يومي الأربعاء والخميس، رفض مدير ميزانية البيت الأبيض راس فوت تقدير تكلفة الحرب على دافعي الضرائب، ولم يؤكد تقديرات قدّمها كبير الديمقراطيين في لجنة الموازنة بمجلس الشيوخ جيف ميركلي بأن الرقم بلغ نحو 50 مليار دولار حتى الآن.

ويصرّ الديمقراطيون على أن عمليات التصويت الفاشلة المتعلقة بسلطات الحرب ما زالت تنطوي على قيمة لأنها تُجبر المشرّعين على تسجيل مواقفهم بشكل رسمي.

وجاء تصويت مجلس النواب غداة رفض مجلس الشيوخ مرة أخرى اتخاذ خطوات تتصل بسلطات الحرب، رغم أن قادة الديمقراطيين في المجلسين تعهّدوا بمواصلة إعادة طرح القضية.

وقالت نائبة زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب كاثرين كلارك إن «الأميركيين يشهدون سقوط مئات الضحايا في حرب لم يمنحهم أحد فيها الاحترام الكافي لتقديم توضيحات».

وأضافت: «لكن الأمر الوحيد الواضح هو أنه يُطلب من الأميركيين تحمّل الكلفة، بأرواح أبنائهم وبناتهم، ومع ملياري دولار ننفقهما يومياً على هذا النزاع، وهو مبلغ كان بإمكانه أن يساعد الأميركيين في تغطية كلفة زيارة الأطباء».


كيف يمكن لأميركا تطهير مضيق هرمز من الألغام؟

سفن مكافحة ألغام أميركية من فئة «أفنجر» تُجري مناورة في بحر العرب 6 يوليو 2019 (رويترز)
سفن مكافحة ألغام أميركية من فئة «أفنجر» تُجري مناورة في بحر العرب 6 يوليو 2019 (رويترز)
TT

كيف يمكن لأميركا تطهير مضيق هرمز من الألغام؟

سفن مكافحة ألغام أميركية من فئة «أفنجر» تُجري مناورة في بحر العرب 6 يوليو 2019 (رويترز)
سفن مكافحة ألغام أميركية من فئة «أفنجر» تُجري مناورة في بحر العرب 6 يوليو 2019 (رويترز)

مع بدء الولايات المتحدة مهمة إزالة الألغام من مضيق هرمز، قد تلجأ إلى ترسانة من المسيّرات والروبوتات الملغومة والطائرات الهليكوبتر للحدّ من المخاطر، إلا أن فرق إزالة الألغام ربما تظل عرضة للهجمات الإيرانية، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

وتحاول الولايات المتحدة تطهير المضيق من الألغام، في إطار جهود وضع حدّ لعرقلة إيران حركة الملاحة في الممر المائي، التي أدّت إلى تعطل إمدادات الطاقة العالمية بشدة منذ بدء حرب أميركا وإسرائيل مع إيران في نهاية فبراير (شباط).

لكن مع استعانة الولايات المتحدة بالتكنولوجيا الحديثة للبحث عن الألغام وإزالتها عن بُعد، يرى ضباط سابقون في البحرية ومتخصصون في هذا المجال أن تطهير ممر مائي استراتيجي مثل مضيق هرمز من الألغام سيظل عملية بطيئة ومتعددة الخطوات.

وأعلن الجيش الأميركي مطلع هذا الأسبوع بدء عملية إزالة الألغام، حيث أرسل سفينتين حربيتين عبر المضيق، لكنه لم يقدّم سوى القليل من التفاصيل بشأن المعدات المستخدمة. وقال يوم السبت إن قوات إضافية، بما في ذلك مسيّرات تعمل تحت الماء، ستنضم إلى هذه الجهود في الأيام المقبلة.

وكانت «رويترز» نقلت الشهر الماضي عن مصادر مطلعة قولها، إن إيران نشرت مؤخراً نحو 12 لغماً في مضيق هرمز. ومن غير المعروف بشكل علني موقع تلك الألغام.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مطلع هذا الأسبوع، إن جميع سفن إيران التي تزرع الألغام تم إغراقها، لكن بعض المتخصصين يقولون إن هناك خطراً من أن تكون طهران نشرت معدات إضافية.

وقال الأميرال السابق بالبحرية البريطانية، جون بنتريث، الذي تقاعد ويعمل حالياً مستشاراً، إن حرب الألغام فعّالة لأن الأدوات رخيصة، وإزالتها مكلفة، «حتى مجرد التهديد بوجود حقل ألغام يكفي لإيقاف السفن، خاصة السفن التجارية».

سفينة في مضيق هرمز قبالة سواحل عمان 12 أبريل 2026 (رويترز)

تطور عمليات إزالة الألغام

تقليدياً، كانت البحرية الأميركية تعتمد على سفن إزالة الألغام المأهولة التي تدخل حقول الألغام فعلياً، مستخدمة أجهزة السونار لتحديد مواقع الألغام ومعدات ميكانيكية تُسحب خلف السفينة لإزالة المتفجرات، مدعومة أحياناً بغواصين بشريين. ومعظم هذه النوعية خرجت من الخدمة.

وجرى استبدالها بسفن أخفّ وزناً تُعرف باسم سفن القتال الساحلية، التي تحمل معدات حديثة لكشف الألغام مثل المسيّرات التي تعمل بشكل شبه ذاتي فوق الماء وتحته، بالإضافة إلى الروبوتات التي يتم التحكم فيها عن بُعد، والتي تتيح للطواقم الابتعاد عن حقل الألغام. ولدى البحرية الأميركية 3 سفن من هذا النوع قيد الانتشار.

وأفاد مسؤول أميركي رفيع المستوى لوكالة «رويترز» في أواخر مارس (آذار)، بأن اثنتين من هذه السفن تخضعان للصيانة في سنغافورة. وأضاف المسؤول أنه في ذلك الوقت كانت قدرات الولايات المتحدة على إزالة الألغام في الشرق الأوسط تشمل مركبات غير مأهولة تحت الماء، و4 سفن تقليدية من فئة «أفنجر»، وطائرات هليكوبتر، وغواصين.

ويرى مسؤولون سابقون في البحرية ومتخصصون آخرون أن طهران لديها عدة أنواع من الألغام البحرية. تشمل الألغام القاعية التي تستقر على قاع البحر، وتنفجر عندما تمر السفن فوقها، والألغام المربوطة التي يتم تثبيتها، لكنها تطفو بالقرب من السطح، والألغام العائمة التي تتحرك بحرية على الماء، والألغام اللاصقة التي تلتصق مباشرة ببدن السفينة.

ومن المرجح أن تتضمن العملية الأميركية البحث عن الألغام باستخدام مركبات سطحية وتحت مائية غير مأهولة مزودة بأجهزة استشعار. وبمجرد اكتشاف جسم يشبه اللغم، يتم عادة نقل البيانات إلى الطواقم العاملة خارج حقل الألغام، التي تتعرف على الجهاز. ثم تحدد كيفية تحييده.

وتشمل قدرات البحث لدى البحرية الآن مركبات سطحية وتحت مائية غير مأهولة مزودة بأجهزة سونار، بالإضافة إلى طائرات هليكوبتر تُستخدم لاكتشاف الألغام القريبة من السطح، وفقاً لما ذكره مسؤولون سابقون في البحرية.

وذكرت شركة «بي إيه إي سيستمز»، المتخصصة في مجال الصناعات الدفاعية، أنه من أجل نجاح البحرية في تدمير الألغام سيتعيّن عليها نشر أنظمة مثل «أرشرفيش» طوربيديّ الشكل، المعتمد على جهاز يتم تشغيله عن بُعد يبلغ طوله نحو مترين، ويحمل شحنة متفجرة، ويرسل مقاطع فيديو إلى المشغلين عبر كابل. وتبلغ تكلفته عشرات الآلاف من الدولارات، وهو معدّ للاستخدام مرة واحدة.

وقال بريان كلارك، ضابط البحرية الأميركية المتقاعد والحاصل على درجة الزمالة من «معهد هدسون»، إن الولايات المتحدة يمكنها أيضاً استخدام قوارب مسيّرة تسحب زلاجات لإزالة الألغام تعمل على تفجيرها أو جمعها. ويقول المتخصصون إنه يتم أحياناً استخدام غواصين بشريين، بما في ذلك لجمع المعلومات الاستخباراتية.

عملية بطيئة

وقال كلارك إن تطهير المضيق من الألغام قد يستغرق أسبوعين أو 3 أسابيع، وقد تؤدي هجمات إيرانية على طواقم إزالة الألغام إلى إبطاء العملية وزيادة المخاطر. ونتيجة لذلك، قال إن الجيش الأميركي قد يتخذ تدابير دفاعية، منها نشر الزوارق والطائرات المسيّرة لحماية الطواقم والمعدات.

وقال الأميرال الأميركي داريل كاودل، رئيس العمليات البحرية، في مارس، إن «العثور على الألغام وتدميرها يستغرق وقتاً طويلاً». وأضاف أن ذلك يجعل القدرة على إزالة الألغام «ضعيفة».

ويقول متخصصون إن هناك تقنيات جديدة قيد التطوير لتسريع عملية إزالة الألغام، خصوصاً من خلال التطورات في أجهزة الاستشعار المستخدمة في الرصد.

وتقول مجموعة تاليس الفرنسية للتكنولوجيا والدفاع إن أحدث أجهزة السونار الخاصة بها يمكنها فحص ما يشتبه أنها ألغام من 3 زوايا مختلفة في مسح واحد، وهي عملية تتطلب عادة عدة مسحات.

كما تتيح التطورات في مجال الذكاء الاصطناعي إجراء مزيد من تحليلات البيانات على متن السفن غير المأهولة.

وعلى المدى الطويل، يصل سقف الطموح إلى نشر مجموعات من الأنظمة غير المأهولة التي يمكنها البحث عن الألغام وتحديدها وتدميرها، بدلاً من أن تكون عملية متعددة الخطوات.