ما أولويات دور «الانعقاد المقتضب» للبرلمان المصري؟

عقب توجيه رئاسي بتعديل قانون «الإجراءات الجنائية»

السيسي طالب مجلس النواب بإعادة النظر في بعض مواد قانون «الإجراءات الجنائية» (تصوير: عبد الفتاح فرج)
السيسي طالب مجلس النواب بإعادة النظر في بعض مواد قانون «الإجراءات الجنائية» (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

ما أولويات دور «الانعقاد المقتضب» للبرلمان المصري؟

السيسي طالب مجلس النواب بإعادة النظر في بعض مواد قانون «الإجراءات الجنائية» (تصوير: عبد الفتاح فرج)
السيسي طالب مجلس النواب بإعادة النظر في بعض مواد قانون «الإجراءات الجنائية» (تصوير: عبد الفتاح فرج)

تنطلق أولى جلسات الدور السادس للانعقاد العادي لمجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، الأسبوع المقبل، وهو دور «انعقاد مقتضب»؛ نظراً لانتهاء مدة الخمس سنوات للبرلمان الحالي في 10 يناير (كانون الثاني) المقبل، وسط ترقب لأولويات «النواب» خلال هذه الفترة القصيرة.

وتستمر عضوية مجلس النواب بموجب الدستور والقانون لمدة 5 سنوات، على أن تجرى الانتخابات لاختيار مجلس نواب جديد خلال 60 يوماً من انتهاء مدة المجلس الحالي، مما سيجعل دور الانعقاد السادس للمجلس أقل من 100 يوم.

ورد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قانون «الإجراءات الجنائية» الذي صدّق عليه البرلمان في نهاية أبريل (نيسان) الماضي، للمجلس أخيراً، مطالباً بإعادة النظر في 8 مواد على الأقل أبدى تحفظاً عليها، وهو ما دفع «النواب» لإصدار بيان أكد فيه «تفهم اعتراضات الرئيس مع إعادة النظر في القانون».

وبخلاف «الإجراءات الجنائية»، لدى البرلمان عدد من القوانين المفترض مناقشتها خلال الفترة المتبقية من عمر المجلس، وسبق أن طرحت بالفعل في الجلسات العامة أو باللجان المختلفة التي عقدت في أدوار الانعقاد الماضية، من بينها قانون «الأحوال الشخصية» الذي عُقد بشأنه عدد من جلسات «الحوار المجتمعي»، وجرى صياغته في 355 مادة مقسمة إلى 3 أقسام.

ومن بين القوانين التي جرى العمل على تعديلها، القانون المنظم لعمل «المجلس القومي لحقوق الإنسان»، والذي جرت مناقشة تعديلاته بالفعل بين رئيس «القومي لحقوق الإنسان» محمود كارم، ورئيس الوزراء مصطفى مدبولي، وسط تأكيدات من أعضاء «المجلس» على سرعة إجراء تعديلات القانون لتعزيز «استقلاليته»، وفق بيان صدر، الخميس الماضي، عقب لقاء تشاوري جرى تنظيمه بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي.

عضو مجلس النواب المصري، عبد الفتاح يحيى، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن المجلس سيتحرك خلال الفترة المتبقية من عمره وفق «فقه الأولويات»، والذي يتضمن وضع تعديلات قانون «الإجراءات الجنائية» في الصدارة لإنجازها، مع حاجتهم لمزيد من الوقت لمناقشة كافة ملاحظات الرئيس السيسي على القانون، بالإضافة إلى الحوار حولها، متوقعاً أن «يكون القانون الرئيسي الوحيد الذي يجري تمريره، ما لم يكن هناك مشاريع قوانين أخرى ملحة مقدمة من الحكومة أو من الأعضاء».

جلسة سابقة من مجلس النواب المصري (وزارة الشؤون النيابية)

رأي تدعمه عضوة مجلس النواب، مرثا محروس، التي تؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن تعديلات «الإجراءات الجنائية» أمر ليس سهلاً حتى لو كانت ملاحظات الرئيس مقتصرة على 8 مواد فقط بالقانون، فكل مادة منها تحتاج لمناقشة واسعة، سواء في اللجان أو الجلسات العامة، وغيرها من الإجراءات التي تستغرق وقتاً طويلاً، بينما المتبقي في عمر «المجلس» فترة محدودة.

في حين يرى كبير الباحثين بـ«المركز المصري للفكر والدراسات»، محمد مرعي، «إرجاء أي قوانين أخرى مُعلقة للبرلمان الجديد الذي سيجري انتخابه بغضون أسابيع قليلة»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن ضيق الوقت سيكون عائقاً رئيسياً أمام الحديث عن أي قوانين أو تشريعات تحتاج إلى «حوار مجتمعي» على غرار قانون «المحليات».

ويعد قانون «نظم الإدارة المحلية» أو «المحليات» من القوانين التي يفترض أن يقرها «النواب»، خصوصاً أن مناقشته قائمة بالفعل منذ انتخاب المجلس، فيما يفترض أن يعيد القانون انتخابات المجالس المحلية الغائبة عن الانعقاد منذ عام 2010 وحتى الآن.

مرعي أكد أهمية أن يكون هذا القانون على رأس أولويات «النواب»؛ نظراً لأهميته في استكمال الغرف الرقابية للنظام السياسي، مشيراً إلى «أهمية خروجه بتوافق وحوار مجتمعي حقيقي يوفر كافة الضمانات من أجل تمكين المجالس المحلية من القيام بدورها الرقابي».

وبحسب يحيى، فإن «مجلس النواب الحالي أنجز عديداً من القوانين الملحة والتي لم يتم إجراء تعديلات تناسبها منذ فترة طويلة، وفي مقدمتها (الإجراءات الجنائية)»، مؤكداً أن «استكمال تعديلات القانون ووضعه أولويةً بمختلف اللجان والمناقشات، سيحققان هدف إصدار قانون جديد يلائم العصر الحالي».

وطلب السيسي من البرلمان إعادة النظر في بعض مواد «الإجراءات الجنائية» المعترض عليها، بما «يعزز الضمانات المقررة لحرمة المسكن، ويحمي حقوق المتهمين أمام جهات التحقيق والمحاكمة».


مقالات ذات صلة

ترقب في مصر لمراجعة «صندوق النقد» وتقييم تأثيرات «الحرب الإيرانية»

شمال افريقيا مصر تترقب شريحة دعم جديدة من صندوق النقد الدولي (الشرق الأوسط)

ترقب في مصر لمراجعة «صندوق النقد» وتقييم تأثيرات «الحرب الإيرانية»

تترقب الحكومة المصرية الحصول على شريحة دعم بقيمة 1.65 مليار دولار (الدولار نحو 53 جنيهاً) من صندوق النقد الدولي، ضمن خطة إصلاحها الاقتصادي.

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري يلتقي وزير التجارة والصناعة الهندي على هامش اجتماع وزراء خارجية بريكس (الخارجية المصرية)

مصر تُروج لفرصها الاستثمارية والاستفادة من التوسع الهندي نحو أفريقيا

روجت مصر لفرصها الاستثمارية خلال لقاءات عقدها وزير الخارجية بدر العاطي، مع وزير التجارة والصناعة الهندي وعدد من الشركات.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا احتفالية الخطوط الجوية التركية الجمعة بمناسبة مرور 75 عاماً على انطلاق أولى رحلاتها إلى القاهرة  (وزارة الطيران المدني في مصر)

مصر وتركيا تعززان تعاونهما عبر تنشيط الحركة الجوية والسياحية

تزامناً مع الاحتفال بمرور 75 عاماً على انطلاق أول رحلة طيران بين البلدين، تعزز مصر وتركيا تعاونهما و«شراكتهما الاستراتيجية» عبر تنشيط حركة الطيران والسياحة.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
المشرق العربي وزير التربية والتعليم المصري محمد عبد اللطيف (وزارة التعليم المصرية)

مصر: الغش في «الثانوية العامة» هاجس مستمر دون حلول جذرية

تتَّجه الحكومة المصرية لتنفيذ إجراءات جديدة تستهدف الحدَّ من «الغش» في امتحانات «الثانوية العامة»، وتطرَّقت لأول مرة لإمكانية «قطع الإنترنت» عن بعض اللجان.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا أزمة «هرمز» تعزِّز مكانة ميناء دمياط المصري ممراً بين أوروبا والخليج (وزارة النقل المصرية)

أزمة «هرمز» تعزّز مكانة ميناء دمياط المصري ممراً بين أوروبا والخليج

عزَّزت أزمة مضيق «هرمز» مكانة ميناء دمياط المصري ممراً بين أوروبا والخليج، وذلك في ظلِّ تصاعد تداعيات الحرب الإيرانية على المنطقة.

عصام فضل (القاهرة)

ترقب في مصر لمراجعة «صندوق النقد» وتقييم تأثيرات «الحرب الإيرانية»

مصر تترقب شريحة دعم جديدة من صندوق النقد الدولي (الشرق الأوسط)
مصر تترقب شريحة دعم جديدة من صندوق النقد الدولي (الشرق الأوسط)
TT

ترقب في مصر لمراجعة «صندوق النقد» وتقييم تأثيرات «الحرب الإيرانية»

مصر تترقب شريحة دعم جديدة من صندوق النقد الدولي (الشرق الأوسط)
مصر تترقب شريحة دعم جديدة من صندوق النقد الدولي (الشرق الأوسط)

تترقّب الحكومة المصرية الحصول على شريحة دعم بقيمة 1.65 مليار دولار (الدولار نحو 53 جنيهاً) من صندوق النقد الدولي، ضمن خطة إصلاحها الاقتصادي.

وتتجه الأنظار خلال الأيام المقبلة إلى ما ستسفر عنه المراجعة السابعة التي يُجريها خبراء الصندوق في مصر، والتي تأتي وسط أوضاع إقليمية مضطربة، وتتضمّن «تقييم تأثيرات الحرب الإيرانية على الاقتصاد المصري».

وقالت مديرة إدارة الاتصالات في الصندوق، جولي كوزاك، خلال مؤتمر صحافي عُقد في واشنطن، الخميس، إن وفد الصندوق وصل إلى القاهرة تمهيداً لإجراء المراجعة، لافتة إلى أن «المناقشات الجارية مع الحكومة المصرية تركز على تقييم تداعيات الحرب في الشرق الأوسط على الاقتصاد المصري، ومراجعة السياسات المطلوبة لدعم برنامج الإصلاح الاقتصادي».

وبدأت مصر برنامجاً للإصلاح الاقتصادي تحت إشراف صندوق النقد الدولي، تضمن حصولها على عدة قروض بمليارات الدولارات، مقابل اتباع خطة وضعها الصندوق للإصلاح، تضمنت عدة محاور؛ من بينها: تقليص الدعم، وتحرير سعر الصرف، وتخارج الحكومة من الاقتصاد.

ويعتقد أستاذ الاقتصاد في جامعة الإسكندرية، عاطف وليم، أن الحكومة المصرية ستحصل على الشريحة النقدية بعد المراجعة، رغم الملاحظات التي قد تكون لدى خبراء الصندوق في اتباع الحكومة برنامجه، وفي مقدمتها محور التخارج من الاقتصاد.

ويشير وليم، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى ظاهرة «التزاحم» في الاقتصاد التي تعبّر عن وضع السوق في حال منافسة المؤسسات الرسمية للمستثمرين في الاقتصاد الحر، مما يخلق بيئة تنافسية غير متكافئة، ويجعل التخارج من الاقتصاد أحد شروط الصندوق للإصلاح في مصر، متوقعاً أن تحققه الحكومة حتى لو بعد فترة.

مارة في أحد شوارع وسط القاهرة (الشرق الأوسط)

ويستمر تنفيذ مسار الطروحات الذي يستهدف قيد نحو 20 شركة تابعة للشركات القابضة بوزارة قطاع الأعمال العام سابقاً في البورصة، حيث تم قيد 12 شركة حتى الآن، فيما يجري حالياً تجهيز 8 شركات أخرى لاستكمال إجراءات القيد، إلى جانب العمل على إعداد نحو 10 شركات بقطاع البترول للقيد في البورصة، وفق تقديرات حكومية.

ويرى الخبير الاقتصادي وائل النحاس، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنه رغم عقبة التخارج، فمن المتوقع صرف الشريحة، بالنظر إلى الأوضاع الإقليمية، وتأثر الاقتصاد المصري بها، مستدلاً على ذلك بصرف الشريحة السادسة لمصر العام الماضي، رغم أن الملاحظات نفسها الخاصة بالتخارج، وتحويل الدعم العيني إلى نقدي، لم يتحقق أغلبها بعد، في المقابل دفعت حرب غزة وتداعياتها إلى الحصول على الشريحة.

وعلى العكس يرى أستاذ الاقتصاد في جامعة الإسكندرية أن الحرب الإيرانية لن تكون عاملاً مؤثراً عند مراجعة الصندوق، باعتبار أن التأثر بالأوضاع الإقليمية بات من الأمور المتكررة.

وكانت مديرة الاتصالات في صندوق النقد الدولي قد قالت، خلال المؤتمر الصحافي الأخير، إن «تأثير التوترات الإقليمية على الاقتصاد المصري لا يزال محدوداً نسبياً، في ظل الإجراءات الحاسمة التي اتخذتها الحكومة، والتي أسهمت في احتواء الضغوط الخارجية والمالية».

وقررت الحكومة المصرية في مارس (آذار) الماضي، رفع أسعار المحروقات بنسبة تراوحت بين 14 و30 في المائة، بعد 10 أيام فقط من اندلاع الحرب الإيرانية، لاحتواء آثارها. كما قررت في وقت لاحق تبكير غلق المحال التجارية لترشيد الكهرباء، قبل أن تتراجع عنه بعد وقف إطلاق النار.

وتستهدف بعثة الصندوق الانتهاء من المراجعة بحلول 15 يونيو (حزيران) المقبل، حسب جولي كوزاك، مشيرة إلى أنه في حال التوصل إلى اتفاق على مستوى الخبراء، فمن المتوقع عرض نتائج المراجعة على المجلس التنفيذي للصندوق خلال الصيف.

ويقلّل الخبيران من أثر الحصول على الشريحة في احتواء آثار الحرب، أو تحسين وضع الاقتصاد، في ظل أوضاع إقليمية غير مستقرة، تُنذر بالانفجار في أي وقت.

Your Premium trial has ended


العطش يحاصر سكان الخرطوم في عام الحرب الرابع

تجمعات باعة المياه الذين يستخدمون عربات الكارو للحصول على المياه وبيعها (الشرق الأوسط)
تجمعات باعة المياه الذين يستخدمون عربات الكارو للحصول على المياه وبيعها (الشرق الأوسط)
TT

العطش يحاصر سكان الخرطوم في عام الحرب الرابع

تجمعات باعة المياه الذين يستخدمون عربات الكارو للحصول على المياه وبيعها (الشرق الأوسط)
تجمعات باعة المياه الذين يستخدمون عربات الكارو للحصول على المياه وبيعها (الشرق الأوسط)

مع دخول الحرب في السودان عامها الرابع، تتفاقم معاناة المواطنين بصورة غير مسبوقة، في ظل الانقطاع الطويل للتيار الكهربائي والانهيار الواسع للخدمات الأساسية، لتتحول أزمة المياه إلى واحدة من أكثر التحديات قسوة في الحياة اليومية. ولم يعد الحصول على مياه الشرب أمراً عادياً، بل أصبح معركة يومية لا تقل قسوة عن أصوات المدافع والقذائف، وتستنزف الوقت والجهد والمال، وسط ظروف إنسانية واقتصادية خانقة.

ومنذ اندلاع الحرب، تحولت مياه الشرب من خدمة أساسية متاحة إلى عبء ثقيل يرهق الأسر السودانية، حيث يقضي السكان ساعات طويلة في طوابير ممتدة للحصول على براميل مياه تكفي احتياجاتهم اليومية، وتبقي الحياة ممكنة في البيوت والأسواق والمطاعم الصغيرة، التي تعطلت بسبب انعدام الإمداد المائي.

أحد مراكز المياه حيث يتجمع الباعة على عربات الكارو للحصول على المياه وبيعها (الشرق الأوسط)

وفي عدد من الأحياء الطرفية بالعاصمة الخرطوم، تبدو آثار الأزمة واضحة في تفاصيل الحياة اليومية؛ أطفال ونساء يحملون الأواني لمسافات بعيدة، وعربات الكارو التي تجرها الدواب أصبحت الوسيلة الرئيسية لنقل المياه إلى المنازل، في وقت يشكو فيه السكان من ارتفاع الأسعار وتراجع جودة المياه المتوفرة، وسط مخاوف متزايدة من انتشار الأمراض المرتبطة بالتلوث وانعدام البدائل الصحية، ومطالبات متزايدة بضرورة التدخل العاجل للسلطات لإعادة الخدمات الأساسية وتخفيف معاناة السكان.

معاناة يومية مستمرة

يقول الطيب بلال، صاحب عربة كارو لنقل المياه، إن الأزمة تفاقمت بصورة كبيرة نتيجة الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي، الأمر الذي أدى إلى تعطل محطات المياه في كثير من المناطق. وأضاف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أنه يقضي أحياناً أكثر من عشر ساعات في انتظار الحصول على برميل مياه يشتريه بخمسة آلاف جنيه سوداني، (نحو دولار) قبل أن يبيعه بنحو عشرين ألف جنيه (4 دولارات) وفق أسعار السوق الموازية، لتغطية تكاليف النقل والمجهود اليومي.

الطيب بلال بائع مياه قال إنه يقضي ساعات طويلة في انتظار تعبئة برميل الماء (الشرق الأوسط)

أما المواطنة زينب التوم، فتصف معاناة السكان بأنها «قاسية ومستمرة»، مشيرة إلى أن الأسر باتت مضطرة منذ أكثر من عام إلى شراء المياه بشكل يومي رغم تدهور الأوضاع المعيشية. وأوضحت أن بعض المياه التي تصل إلى المواطنين تكون ملوثة أو غير صالحة للاستخدام الكامل، إلا أن السكان يضطرون لاستخدامها بسبب غياب أي بدائل أخرى.

وتتحدث مكة عبد الله، وهي بائعة شاي، عن الأعباء المتزايدة التي فرضها انقطاع الكهرباء على أصحاب الأعمال الصغيرة، مؤكدة أنها تضطر يومياً إلى شراء عبوتي مياه سعة 24 رطلاً، إلى جانب الفحم وبقية المستلزمات، ما يستهلك معظم دخلها المحدود. وناشدت السلطات التدخل العاجل لإعادة خدمات الكهرباء والمياه، مؤكدة أن استمرار الأزمة فاقم معاناة المواطنين بصورة كبيرة.

بائعة الشاي مكة عبد الله تقول إن انقطاع الكهرباء زاد من أعباء أصحاب الأعمال الصغيرة (الشرق الأوسط)

وفي السياق نفسه، تقول فاطمة حسن، صاحبة مطعم، إن الارتفاع المتواصل في أسعار المياه والثلج أثر بشكل مباشر على عملها، موضحة أن معظم الإيرادات تذهب لتغطية تكاليف التشغيل دون تحقيق أي أرباح حقيقية. وأضافت أنها تعمل في ظروف شاقة لإعالة أسرتها، في وقت يعاني فيه زوجها من المرض والشلل النصفي، بينما يواصل أطفالها الخمسة دراستهم وسط مصروفات متزايدة.

ويرى محمد النور، وهو جزار، أن أزمة المياه أصبحت من أخطر الأزمات التي تواجه المواطنين حالياً، لما لها من تأثير مباشر على الحياة اليومية والأنشطة المهنية، مطالباً الجهات المعنية بالتحرك العاجل لإيجاد حلول جذرية ومستدامة تضمن وصول المياه بصورة منتظمة إلى الأحياء السكنية.

كما أشار المواطن عباس محجوب إلى أن نحو 60 ألف نسمة في مناطق شرق النيل والوادي الأخضر، شرقي الخرطوم، لا يزالون يعانون من أزمة عطش حادة، في ظل ضعف الاستجابة الرسمية واعتماد بعض المناطق على الجهود الذاتية لصيانة آبار المياه الجوفية.

زيادة كبيرة في الاستهلاك

من جانبها، أرجعت الجهات المختصة تفاقم الأزمة إلى الانقطاعات المتكررة للكهرباء وتذبذب التيار المغذي لمحطات المياه، إضافة إلى تراجع إنتاج الكهرباء وارتفاع معدلات الاستهلاك خلال فصل الصيف.

وأوضح المتحدث الرسمي باسم حكومة ولاية الخرطوم، الطيب سعد الدين، أن السلطات لجأت إلى تشغيل بعض محطات المياه عبر مولدات تعمل بالجازولين لضمان استمرار الإمداد المائي، مشيراً إلى أن محطة مياه المنارة في مدينة أم درمان تحتاج وحدها إلى نحو ثمانين برميلاً من الجازولين يومياً حتى تواصل عملها بصورة طبيعية.

تجمعات باعة المياه الذين يستخدمون عربات الكارو للحصول على المياه وبيعها (الشرق الأوسط)

وأكد سعد الدين تنفيذ تدخلات عاجلة خلال الأيام الماضية لمعالجة أزمة المياه في محلية أم بدة غربي الخرطوم، شملت حفر عشر آبار عالية الإنتاجية لتغطية مناطق أم بدة السبيل ودار السلام، معرباً عن توقعاته بحدوث انفراج تدريجي في الأزمة مع اكتمال التشغيل الكامل لمحطة مياه المنارة.

وفي بلد أنهكته الحرب وأثقلته الأزمات المتلاحقة، لم تعد معاناة السودانيين تقتصر على الخوف والنزوح وفقدان الأمن، بل امتدت إلى أبسط مقومات الحياة. وبين طوابير الانتظار والأسعار المرتفعة والانقطاع المستمر للخدمات، يواصل المواطنون صراعهم اليومي من أجل البقاء، في مشهد يعكس حجم التدهور الإنساني الذي تعيشه البلاد.


مباراة لكرة القدم تتحول إلى أزمة سياسية واشتباكات في العاصمة الليبية

عبد الحميد الدبيبة في صورة تذكارية مع لاعبي فريق الاتحاد (الوحدة)
عبد الحميد الدبيبة في صورة تذكارية مع لاعبي فريق الاتحاد (الوحدة)
TT

مباراة لكرة القدم تتحول إلى أزمة سياسية واشتباكات في العاصمة الليبية

عبد الحميد الدبيبة في صورة تذكارية مع لاعبي فريق الاتحاد (الوحدة)
عبد الحميد الدبيبة في صورة تذكارية مع لاعبي فريق الاتحاد (الوحدة)

حوّل التعصّب الكروي بعض مناطق العاصمة الليبية إلى ملعب كبير، تم فيه تبادل إطلاق الرصاص وإضرام النيران في المنشآت واندلاع الاشتباكات، وسط أجواء متوترة لا تخلو من انعكاسات سياسية نمّت شعور فريق بـ«الانحياز» والافتقار إلى «العدل الكروي».

القصة بدأت عندما شهدت طرابلس، التي تلتقط أنفاسها من اشتباكات التشكيلات المسلحة، توتراً جديداً اندلع مساء الخميس، بعد قرار الحكم في مباراة كرة قدم جرت بين فريقي الاتحاد الطرابلسي والسويحلي المصراتي على أرضية ملعب مدينة ترهونة (65 كيلومتراً جنوب شرقي طرابلس).

آلية عسكرية في الطرق المؤدية إلى مقر الحكومة بطرابلس (حسابات موثوقة)

المباراة التي جرت ضمن منافسات سداسي التتويج بالدوري الليبي الممتاز، توقفت في الدقيقة 87 إثر احتجاجات لاعبي الاتحاد على القرار التحكيمي، الذي عدّوه «تجاهل احتساب ركلة جزاء»، فاقتحم مشجعوه أرضية الملعب، ما أدى إلى اندلاع أعمال شغب أسفرت عن أضرار مادية، وإصابة عدد من حراس الملعب.

وفي تلك الأثناء، كانت جماهير أخرى لفريق اتحاد طرابلس، تتابع المباراة في مقر ناديهم بطرابلس، فتوجهوا نحو مبنى حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وألقوا باتجاهه عبوات حارقة، ما أدى إلى اشتعال النيران في جزء من واجهة المبنى.

ومع تصاعد أعمال الشغب والعنف في ملعب ترهونة، وإضرام الجماهير الغاضبة النار في سيارة البث المباشر، توترت الأوضاع في طرابلس، خصوصاً بعد وقوع عدد من الجرحى في صفوف العسكريين والمدنيين. وعبّر المجلس الرئاسي عن أسفه لـ«انحراف المباراة عن مسارها الرياضي، لتصل إلى حد استهداف ديوان الحكومة بأعمال تخريب وحرق»، وعدّ الأحداث «مساساً خطيراً بهيبة الدولة».

وأمام تصاعد النيران في واجهة مبنى مجلس الوزراء بطريق السكة، وارتفاع أعمدة الدخان، سارعت سيارات الإطفاء إلى إخماد النيران، وراجت صور ومقاطع فيديو لعناصر تابعة لـ«اللواء 444» وهو يطلقون النار على الجماهير عقب المباراة، في ظل حالة كرّ وفرّ بين المواطنين.

جانب من النيران التي اندلعت في مبنى حكومة «الوحدة» (حسابات موثوقة)

ويرى كثير من الليبيين أن هذه الأزمة «تصبّ في حجر عائلة الدبيبة»، بالنظر إلى أن محمد، نجل عبد الحميد الدبيبة، يترأس نادي اتحاد طرابلس، فيما يتولى إبراهيم الدبيبة، مستشار الأمن القومي للدبيبة، رئاسة مجلس إدارة نادي السويحلي المصراتي، معتبرين أن «السياسة أفسدت المسار الرياضي في ليبيا».

ودعا المجلس الرئاسي، في بيان، الجمعة، الجماهير والروابط الرياضية، إلى ضبط النفس والتحلي بالروح الوطنية، والحفاظ على المنشآت العامة، وتغليب صوت العقل لقطع الطريق أمام دعوات التحريض والتفرقة بين أبناء الوطن الواحد، بينما هدأت الأوضاع بطرابلس في الساعات الأولى من صباح الجمعة، لافتاً إلى «تفهمه الكامل لمطالب الجماهير الرياضية في الحصول على منافسة شريفة، تُحترم فيها حقوق الجميع وتُرسخ فيها مبادئ العدالة والمساواة».

ووجّه المجلس الرئاسي، مكتب النائب العام، الصديق الصور، ببدء «التحقيقات الفورية لمحاسبة المسؤولين عن الإهمال الجسيم، الذي أدى إلى الفشل في تأمين المرافق الحيوية، والكشف عن المتورطين في أعمال الشغب».

محمد الدبيبة (إلى اليسار) محتفلاً مع جماهير نادي الاتحاد أبريل الماضي (حسابات موالية للنادي)

واعتبر المجلس أن «أي شعور بالغبن أو القصور في الإجراءات الرياضية، يجب أن يُعالج عبر الأطر القانونية واللوائح المنظمة، بعيداً عن العنف الذي يضر بالمصلحة الوطنية»، متوعداً بأن «يد القانون ستطول كل من تسول له نفسه العبث بمؤسسات الدولة، أو ترويع المواطنين».

ومع بزوغ نهار الجمعة، كانت المدرعات والآليات المسلحة تغلق جميع المداخل المؤدية إلى مقر الحكومة، وسط تساؤلات عن أسباب تمكن جماهير الكرة الغاضبة من الوصول إلى مقر الحكومة، وإضرام النار فيه بهذه السهولة، في ظل وجود حراسة مشددة، بينما لم يتمكن متظاهرون بأعداد ضخمة في مرات سابقة، من الاقتراب منه.

واستغرب الإعلامي الليبي محمد القرج ما حدث، قائلاً: «نادٍ رئيسه محمد الدبيبة خسر مباراة أمام نادٍ رئيسه إبراهيم علي الدبيبة، يتم حرق مقر الحكومة؟... نريد فهم الخريطة الرياضية السياسية!».

وهذه ليست المرة الأولى التي تندلع فيها أعمال شغب مرتبطة بكرة القدم بليبيا؛ ففي أبريل (نيسان) 2025، دهست سيارة مسلحة، تحمل شعار وزارة الداخلية بالحكومة، عدداً من الجماهير خارج أسوار ملعب طرابلس الدولي، عقب انتهاء مباراة أهلي طرابلس والسويحلي، ما أدى إلى إصابة عدد من المشجعين.

وأمام انتقادات محلية واسعة، وجّهت وزارة الداخلية بفتح تحقيق «فوري وشامل» في الحادثة.

وفي يونيو (حزيران) الماضي، توقفت مباراة أهلي طرابلس والاتحاد في الدوري الليبي الممتاز، بعد أن اقتحم لاعبو الأهلي البدلاء والجماهير الملعب، اعتراضاً على احتفال لاعبي الاتحاد بتسجيل الهدف الأول، في أحداث تسببت في إصابة حكم برتغالي وعدد من المشجعين.

جانب من النيران التي أشعلها متفرجون غاضبون (حسابات موثوقة)

وأعرب فريق السويحلي - الذي كان متقدماً بهدف سجله اللاعب أيوب عياد - عن «بالغ استنكاره ورفضه القاطع للأحداث المؤسفة والخطيرة التي شهدتها المباراة، في مشهد لا يمت للرياضة ولا لقيم التنافس الشريف بأي صلة»، وقال إن فريقه كان في طريقه للعودة إلى مصراتة «متوجاً بالفوز».

وأضاف الفريق في بيان، الجمعة: «كانت المباراة تسير بصورة طبيعية، وسط أفضلية واضحة لفريقنا، وشهدت الدقائق الأخيرة محاولات مرفوضة للتأثير على مجريات اللقاء، عبر تدخلات واحتجاجات صدرت من دكة البدلاء والطاقم الفني، الأمر الذي أسهم في تأجيج الأجواء وإخراج المباراة عن إطارها الرياضي».

وفي موازاة ذلك، طالب نادي الاتحاد بفتح «تحقيق شامل» في جميع الحالات التحكيمية التي رافقت اللقاء، ومراجعة القرارات التي أثرت بشكل مباشر على مجريات المباراة ونتيجتها، معرباً عن «بالغ استغرابه واستيائه من المستوى التحكيمي»، وداعياً إلى «اتخاذ ما يلزم من إجراءات تحفظ حقوق النادي، وتصون نزاهة وعدالة المنافسة».