سيف نبيل يُطلق «المجموعة» من بيروت: ولادة جديدة واستماع غير مسبوق

الفنان العراقي لـ«الشرق الأوسط»: أصعب المعارك أخوضها مع نفسي

سيف نبيل يُطلّ من بيروت بـ«المجموعة»... ولادة فنّية جديدة (تشانل إم إي)
سيف نبيل يُطلّ من بيروت بـ«المجموعة»... ولادة فنّية جديدة (تشانل إم إي)
TT

سيف نبيل يُطلق «المجموعة» من بيروت: ولادة جديدة واستماع غير مسبوق

سيف نبيل يُطلّ من بيروت بـ«المجموعة»... ولادة فنّية جديدة (تشانل إم إي)
سيف نبيل يُطلّ من بيروت بـ«المجموعة»... ولادة فنّية جديدة (تشانل إم إي)

كان هواء الخريف قد بدأ يهبُّ خفيفاً على ليل الشاطئ اللبناني، يحمل معه شيئاً من الهدوء الذي يسبق المفاجآت. في منطقة زوق مكايل، اجتمع الفنّ بالعاطفة في أمسية أرادها الفنان العراقي سيف نبيل مختلفة، فوجد نفسه مُحاطاً بوجوه مُحبّة، من فنانين وإعلاميين وأصدقاء يشاركونه حفل إطلاق ألبومه الجديد «ذا كولكشن». تحوّل المكان المُضاء بالشموع والمُزيَّن بالورود البيضاء إلى بيت يفتح أبوابه على موسيقى جديدة تُخاطب الحاضر وتؤسِّس لمرحلة أخرى من مسيرة فنان يواصل البحث عن نفسه.

الأمسية تحوَّلت إلى بيت مفتوح للجميع (تشانل إم إي)

خصوصية الأمسية في تفاصيلها الجمالية، وفي الفكرة غير المألوفة التي اعتمدتها: جلسة استماع مباشرة للأغنيات، تُقام بهذا الشكل للمرة الأولى في الشرق الأوسط. عَرَض سيف نبيل جميع أغنيات الألبوم أمام الحضور قبل أن تُطرَح رسمياً، كأنه أراد أن يُشاركهم لحظة الولادة ويضعهم في موقع الشهود والمشاركين في آن. كان المشهد أشبه بمسرح للتفاعل الفنّي. تعلو الآراء والانطباعات على وَقْع الموسيقى، فيشعر الفنان أنّ صوته يعود إليه مُضاعَفاً بما يحمله الآخرون من تفاعل.

راح الشريكان موريس متّى وإيلي الحلو يتنقّلان بين الضيوف بحرص واهتمام، يُراقبان التفاصيل الصغيرة التي تجعل الأمسية مُتماسكة، فشركة «تشانل إم إي» التي أسَّساها، وضعت لنفسها معياراً خاصاً في التنظيم، وبدت في تلك الأمسية كأنها تمتحن قدرتها على الجَمْع بين التميُّز والمهنية. حين تولّى إيلي الحلو إدارة الحوار مع سيف نبيل، بدا واضحاً أنّ الهدف إتاحة فرصة لأسئلة حقيقية تمنع ضوضاء العبارات الفارغة وتُفسح مجالاً لنقاش يُظهر عمق التجربة. كان التنظيم «صارماً» من دون أن يفقد لمسته الإنسانية، والحوار سلساً من دون أن يتخلّى عن الجدّية، فخرجت الأمسية مثل لوحة تجمع الودّ بالرصانة.

في تلك اللحظة التي فاجأته تفاصيل لم يكُن على عِلْم بها، قال سيف نبيل بعفوية: «قلبي كِبِر كتير كتير كتير». كلمات بسيطة مُحمّلة بحقيقة الشعور، تعكس حجم الامتنان والبهجة. ظهر بوضوح أنه كان فرداً من عائلة كبيرة التفَّت حوله لتُشاركه انطلاقة يراها منعطفاً في مساره. العروض الحصرية لمقاطع الألبوم، والإطلاق الرسمي لفيديو كليب «أخذ الروح» الذي حصد إعجاب الحاضرين، منحت الأمسية معنى أعمق في نظره. استُقبلت الأغنية مثل إضافة بصرية وفكرية تفتح نافذة جديدة في مسيرة فنان يتوق دائماً إلى التجريب.

لكنّ قيمة «المجموعة» تُقاس أيضاً بما حمله من روح متجدِّدة. 10 أغنيات مختلفة يجمعها خيط بحث عن التنوّع. تراءى سيف نبيل في وضعية إعادة تعريف نفسه عبر كلّ أغنية؛ يُجرّب صورة جديدة ويكتشف نغمة أخرى، من دون أن يتخلَّى عن جذوره. يُقدّم عملاً متعدّد الطبقات، يتنقّل فيه بين اللهجات العربية، لكنه يظلّ محتفظاً بالروح العراقية التي يعرفها جمهوره ويُقدّرها.

في حواره مع «الشرق الأوسط»، يتحدَّث عن هذا التحدّي: كيف يُحافظ الفنان على هويته الأصلية وهو يُجرّب ألواناً جديدة؟ يقول: «أنا ابن العراق أولاً وأخيراً، هويتي حاضرة في كلّ كلمة وكلّ لحن. لكنَّ الفنّ لغة إنسانية عالمية لا تعرف الحدود. اللهجات العربية ثراء وليست تفرقة، وقد استطعتُ أن أوحِّد هذا التنوّع لأني غنّيتُ بصدق وحافظتُ على الروح العراقية التي يُحبّها الناس، فيما أضافت اللهجات الأخرى ألواناً جديدة إلى الصورة نفسها».

أغنيات متجدّدة تُعيد رسم صورة سيف نبيل خارج القوالب (تشانل إم إي)

نسأله عن منعطف التغيير، فيُجيب من موقع التجربة: «يصل كلّ فنان إلى مرحلة يشعر فيها أنّ صوته والجمهور يحتاجان إلى ولادة جديدة. لم يكن الهدف أن أُبدّل هويتي، وإنما أن أضيف نَفَساً جديداً. اللحظة جاءت حين أدركتُ أنّ الجمهور يتوقَّع مني شيئاً أبعد ممّا اعتاد عليه، وهناك قرّرتُ أن أُقدّم سيف نبيل المختلف». في كلماته ما يُشبه الاعتراف بأنّ التكرار فخّ يُهدّد الفنان إن لم يُجدّد ذاته، والمغامرة في الفنّ مطلوبة.

لم يُخفِ أنّ العراق هو الجذر الذي يمنحه هويته، لكنه يرى في الانتشار العربي جناحاً يُتيح له التحليق أبعد. يردُّ على إشكالية التوازن بين الانتماء والانتشار: «لا أراهما في صراع، فهما متكاملان. الانتماء يمنحني الصدق، والانتشار يمنحني المساحة لأطير بجناحي». في تلك العبارة خلاصة تجربته؛ فيكون حاضراً بجذوره، ومنفتحاً في الوقت نفسه على فضاء أوسع يضمّ الجميع.

يتحدَّث عن النقلة النوعية، ويربطها بمعركة داخلية لا يفلت منها أي فنان: «أصعب معركة يخوضها الفنان هي مع نفسه، كيف يُطوّرها ويُقدّم ما يرضيها قبل إرضاء الآخرين. لكنها أيضاً رسالة للساحة الفنّية بأنّ ثمة دائماً مساحة للتجديد والخروج من القوالب».

وفي لحظة تأمُّل، نسأل سيف نبيل عمّا لو عاد إلى نفسه الأولى؛ تلك التي بدأت المشوار قبل سنوات، فماذا كان ليقول لها؟ يجيب وصورٌ من الماضي تعبُر أمامه: «كنتُ سأقول: ابقَ كما أنتَ. آمن بحلمك وامشِ بخطوات ثابتة. لكلّ نجاح وقته، ولكلّ أغنية عمرها. اجعل قلبكَ دليلك، ولا تخف من التحدّيات. فكلّ تجربة ستمنحك قوة وخبرة».


مقالات ذات صلة

كاظم الساهر يحتفل بألبومه الجديد وعيد ميلاده مع جمهوره المصري

يوميات الشرق جانب من حفل كاظم الساهر في القاهرة (حساب الشركة المنظمة للحفل على «إنستغرام»)

كاظم الساهر يحتفل بألبومه الجديد وعيد ميلاده مع جمهوره المصري

بحنجرة ذهبية تحمل ألحاناً وكلمات فصحى عميقة، صدح «القيصر»، كاظم الساهر، في القاهرة بباقة مميزة من أجمل أغنياته.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق نجاة لحظة تكريمها من الشيخ ذياب بن محمد بن زايد آل نهيان (إدارة الجائزة)

ظهور استثنائي لنجاة في «أبوظبي للكتاب» يخطف اهتمام مصريين

خطف ظهور استثنائي للمطربة المصرية الكبيرة نجاة بمعرض «أبوظبي للكتاب» بدورته الـ35 اهتمام مصريين وذلك خلال تكريمها ومنحها جائزة «شخصية العام الثقافية».

انتصار دردير (القاهرة )
أوروبا عَلم مسابقة الأغنية الأوروبية (يوروفيجن) يرفرف بميناء بورغاس على ساحل البحر الأسود في بلغاريا الذي سيستضيف مسابقة الأغنية الأوروبية الـ71 عام 2027... 14 أغسطس 2026 (أ.ب)

آيرلندا تقاطع «يوروفيجن» للعام الثاني على التوالي بسبب حرب غزة

أعلنت هيئة الإذاعة والتلفزيون الآيرلندية أن آيرلندا لن تشارك في مسابقة الأغنية الأوروبية (يوروفيجن) 2027 للعام الثاني على التوالي، مشيرةً إلى الخسائر في غزة.

«الشرق الأوسط» (دبلن)
يوميات الشرق حفل سيلين ديون الأول في باريس ضمن مجموعة حفلات تحييها بعد غياب 6 سنوات (رويترز)

ليلة سيلين ديون في باريس... عودة مدويّة ومضادّة للألم

سيلين ديون تشعل ليل باريس مصارحةً الجمهور عن مرضها، ومؤدّيةً مجموعة من أغاينها الأسطورية وسط دموع الفرح.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق علي الحجار خلال الحفل (دار الأوبرا المصرية)

علي الحجار يستعيد سحر البدايات بتوقيع عمر خيرت

الحفل الذي جمع بين صوت علي الحجار وألحان عمر خيرت يُعد حفلاً استثنائياً، تميَّز بالرقي من خلال شارات درامية تعكس محطات مهمة في مسيرة كل منهما.

انتصار دردير (القاهرة )

باريس: عرض أكثر من 280 قطعة من مقتنيات بريجيت باردو في مزاد

معرض تمهيدي لمقتنيات شخصية لبريجيت باردو في دار «دروو» بباريس (أ.ف.ب)
معرض تمهيدي لمقتنيات شخصية لبريجيت باردو في دار «دروو» بباريس (أ.ف.ب)
TT

باريس: عرض أكثر من 280 قطعة من مقتنيات بريجيت باردو في مزاد

معرض تمهيدي لمقتنيات شخصية لبريجيت باردو في دار «دروو» بباريس (أ.ف.ب)
معرض تمهيدي لمقتنيات شخصية لبريجيت باردو في دار «دروو» بباريس (أ.ف.ب)

تُعرَض في باريس، اليوم الاثنين، مجموعة من المقتنيات الشخصية للممثلة الفرنسية الراحلة بريجيت باردو، في مزاد يستعيد محطات من حياةِ واحدة من أشهر نجمات السينما الفرنسية في القرن العشرين، ويكشف جانباً من تفاصيل حياتها بعيداً عن الأضواء التي رافقتها خلال عقود من الشهرة، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار مزادات «ميلون» إن أكثر من 280 قطعة من مقتنيات باردو ستُطرَح للبيع، بينها تماثيل صغيرة ودُمى محشوة وتذكارات شخصية وأغراض استخدمتها في حياتها اليومية. وتأتي المعروضات من عقارات كانت تملكها الممثلة في سان تروبيه، ولا مادراج، ولا جاريج، إضافة إلى شقتها الباريسية في شارع رو دو لا تور.

ومِن أبرز القطع المعروضة آلة كاتبة من ماركة «أوليفيتي»، استخدمتها باردو في كتابة الجزء الثاني من مذكراتها، إلى جانب أحذية باليه من علامة «ريبيتو»، وصور وتذكارات ومجموعة من الأغراض الشخصية الصغيرة التي تعكس تفاصيل من حياتها الخاصة.

وتتراوح القيمة التقديرية للقطع بين 20 يورو و10 آلاف يورو، في حين تقل قيمة معظم المعروضات عن 100 يورو. وتذهب عائدات المزاد إلى مؤسسة بريجيت باردو، وإلى ابنها الوحيد نيكولا-جاك شارييه.

كانت باردو، التي تُوفيت في 28 ديسمبر (كانون الأول) 2025 عن 91 عاماً، قد صنعت شهرتها في خمسينات وستينات القرن الماضي، وأصبحت واحدة من أبرز الوجوه النسائية في السينما الفرنسية. وجاءت انطلاقتها العالمية خصوصاً مع فيلم «وخلق الرب المرأة» في عام 1956، من إخراج روجيه فاديم، الذي منحها حضوراً لافتاً على الشاشة وجعل اسمها معروفاً خارج فرنسا.

وخلال مسيرتها السينمائية، شاركت باردو في عشرات الأفلام؛ من بينها «الحقيقة» و«الاحتقار» للمخرج جان-لوك غودار، إلى جانب أعمال كوميدية ودرامية رسخت صورتها بوصفها واحدة من أبرز نجمات السينما الأوروبية في تلك المرحلة.

لكن باردو قررت، في سن مبكرة نسبياً، الابتعاد عن صناعة السينما، مُنهية مسيرتها الفنية وهي في التاسعة والثلاثين من عمرها، لتتجه، بصورة متزايدة، إلى الدفاع عن حقوق الحيوانات. وفي عام 1986، أسست مؤسسة تحمل اسمها، كرّست جهودها لحماية الحيوانات ومناهضة إساءة معاملتها.

ويمنح المزاد الحالي فرصة لجمهور السينما وهواة جمع التذكارات للاطلاع على مقتنيات مرتبطة بمراحل مختلفة من حياة باردو؛ من سنوات الشهرة السينمائية، إلى حياتها الخاصة ونشاطها في مجال الرفق بالحيوان. وبين آلة كاتبة وأحذية باليه وصور وتذكارات بسيطة، تستعيد القطع المعروضة جانباً شخصياً من حياة نجمة بقي حضورها مرتبطاً بتاريخ السينما الفرنسية، حتى بعد مغادرتها الشاشة.


«أحبك... وأتركك» فيلم سويسري يختبر صمود الصداقة أمام الاضطراب النفسي

عرض الفيلم ضمن فعاليات «مهرجان لوكارنو» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم ضمن فعاليات «مهرجان لوكارنو» (الشركة المنتجة)
TT

«أحبك... وأتركك» فيلم سويسري يختبر صمود الصداقة أمام الاضطراب النفسي

عرض الفيلم ضمن فعاليات «مهرجان لوكارنو» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم ضمن فعاليات «مهرجان لوكارنو» (الشركة المنتجة)

ليست كل الأفلام الوثائقية تُولد من فكرة سينمائية، فبعضها يخرج من قلب تجربة شخصية يصعب على أصحابها فهمها قبل روايتها، ومن بينها الوثائقي السويسري «أحبك... وأتركك» (I LOVE YOU, I LEAVE YOU)، للمخرج السويسري موريس فرايبورغهاوس، الذي يقترب من الاضطراب ثنائي القطب عبر أكثر زواياه حساسية، ليس من منظور المريض وحده، بل من منظور الصديق الذي يقف عاجزاً وهو يشاهد شخصاً يعرفه منذ سنوات طويلة يتبدل أمام عينيه.

لا ينشغل الفيلم الذي عرض في «مهرجان لوكارنو السينمائي» بسويسرا بتفسير المرض أو البحث عن أسبابه، بقدر ما يتأمل أثره في العلاقات الإنسانية، حيث تصبح الصداقة امتحاناً يومياً، ويتحول السؤال الأكثر إلحاحاً إلى: كيف يمكن الوقوف إلى جوار من نحب، من دون أن نصادر حريته أو نفقده في الوقت نفسه؟

تنطلق أحداث الفيلم مع الموسيقي السويسري - الأنغولي دينو برانداو، الذي يعود إلى أنغولا، مسقط رأس والده، بعد أكثر من 15 عاماً من الغياب، لإحياء حفل موسيقي، غير أن الرحلة، التي تبدأ بوصفها عودة إلى الجذور واستعادة لجزء من هويته العائلية، تتحول تدريجياً إلى مواجهة مع أسئلة الانتماء والذاكرة، قبل أن تقوده إلى نوبة هوس جديدة تقلب حياته رأساً على عقب.

ومع عودته إلى سويسرا، يجد أفراد أسرته وأصدقاؤه أنفسهم أمام واقع شديد التعقيد، وهم يحاولون مساعدته على تجاوز نوبة الهوس وإبعاده عن العودة إلى المستشفى النفسي. ومن خلال تلك الرحلة، يقترب الفيلم من جميع الشخصيات من دون أحكام مسبقة، فلا ينحاز إلى طرف على حساب آخر، ولا يبحث عن بطل أو ضحية، بقدر ما يتتبع الأعباء التي يفرضها المرض على كل من يحيط بالمصاب، حيث يصبح كل قرار، مهما بدا صائباً، قابلاً للتشكيك، ولا تبدو أي إجابة نهائية أو مطمئنة.

المخرج السويسري اعتمد على تجربة شخصية مع أحد أصدقائه (الشركة المنتجة)

ويكشف المخرج السويسري موريس فرايبورغهاوس، في لقاء عبر «زووم» لـ«الشرق الأوسط» عن أن الفيلم بدأ كامتداد لعلاقة صداقة تجمعه بالموسيقي السويسري - الأنغولي دينو برانداو منذ أكثر من 20 عاماً.

ويقول إنهما كبرا معاً، وشهدا محطات كثيرة في حياة كل منهما، بما في ذلك النوبات التي مر بها دينو، وهو ما جعل فكرة تحويل هذه التجربة إلى فيلم قراراً بالغ الحساسية بالنسبة له، لأن الكاميرا هذه المرة كانت ستقترب من صديق يعرفه جيداً، وليس من شخصية يلتقيها من أجل التصوير فقط.

ويضيف أن «المبادرة جاءت من دينو نفسه، بعدما خرج من أحد المستشفيات النفسية، حيث كان يقضي فترة علاج تخللتها أيام من العزل، وما إن استعاد هاتفه الجوال حتى أرسل إلي رسالة قصيرة كتب فيها (حان وقت الجزء الثاني)».

ويوضح أن هذه العبارة لم تكن مفهومة إلا لهما، إذ سبق أن أنجزا قبل أكثر من 10 أعوام فيلماً روائياً قصيراً استوحياه من أول نوبة هوس مر بها دينو، وكانت تلك التجربة محاولة لاستيعاب ما عاشاه معاً أكثر من كونها مشروعاً سينمائياً، لذلك، أدرك فور قراءته الرسالة أن صديقه لا يقترح مجرد فيلم جديد، وإنما يدعوه إلى استكمال حكاية بدأت قبل سنوات، لكن هذه المرة من قلب الواقع، لا عبر إعادة تمثيله.

ويقر فرايبورغهاوس بأنه لم يشارك صديقه حماسه منذ اللحظة الأولى، إذ زاره بعد خروجه من المستشفى، لكنه خرج مقتنعاً بأن دينو لا يزال تحت تأثير نوبة الهوس، وأن أي قرار يتخذه في تلك المرحلة لا يمكن اعتباره تعبيراً كاملاً عن إرادته.

قدم المخرج توثيقاً لمعاناة صديقه من الاضطراب ثنائي القطب (الشركة المنتجة)

ويضيف أن «المشروع تأجل قرابة 6 أشهر، حتى استعاد دينو قدراً من الاستقرار، وعندها فقط بدأ العمل الحقيقي على الفيلم، لكن حتى في تلك المرحلة لم يكن الشكل النهائي قد تبلور بعد، إذ كانت الخطة الأصلية مختلفة تماماً عما شاهده الجمهور لاحقاً».

ويكشف أن تصوره الأول كان يقوم على إعادة بناء النوبة السابقة من خلال مقابلات مع أفراد العائلة والمقربين، والاستعانة بالوثائق الطبية، بحيث يعود الفيلم إلى الماضي ويحاول تفكيكه، غير أن مسار الأحداث فرض اتجاهاً آخر، فبينما كان يجري مقابلات بحثية مع دينو وأسرته، تعرض الأخير لنوبة هوس جديدة، وهو ما دفع الفريق إلى إعادة التفكير في المشروع بأكمله.

ويرى المخرج أن «تلك اللحظة كانت نقطة التحول الحقيقية، لأن الفيلم توقف عن استعادة ما حدث، وبدأ يعيش ما يحدث بالفعل»، مشيراً إلى أن «قرار التصوير جاء استجابة لواقع فرض نفسه على الجميع، ولذلك اكتسب العمل صدقه، لأنه لم يحاول صناعة الدراما، بل وجدها تتكشف أمامه يوماً بعد آخر»، وفق قوله.

غير أن التحول الأكبر، بحسب فرايبورغهاوس، لم يكن فنياً بقدر ما كان أخلاقياً، فكلما تقدمت مراحل العمل، وجد نفسه يواجه سؤالاً أكثر تعقيداً من أي سؤال سينمائي: هل يحق له أن يكشف هذا القدر من خصوصية أقرب أصدقائه أمام الجمهور؟

ويقول إنه «خلافاً لما قد يعتقده البعض، كنت الشخص الأكثر تردداً داخل المشروع، إذ لم أتوقف عن سؤال دينو إذا ما كان متأكداً من رغبته في إنجاز الفيلم، ثم في عرضه أمام الجمهور، فالتصوير مرحلة يمكن التراجع عنها، أما إطلاق الفيلم فيعني أن الحكاية ستصبح ملكاً للمشاهدين».

ويستعيد فرايبورغهاوس أصعب لحظة واجهها خلال التصوير، مؤكداً أنها لم تكن مرتبطة بصناعة الفيلم بقدر ما كشفت عن هشاشة الحدود الفاصلة بين المخرج والصديق، لافتاً إلى أن المشهد الأكثر قسوة وقع عندما أوقفت الشرطة دينو أمام عينيه خلال إحدى نوبات الهوس، بينما وجد نفسه عاجزاً عن الاقتراب منه أو حتى التدخل لمساعدته، مكتفياً بمراقبة ما يحدث من بعيد.

ويؤكد أن تلك الواقعة دفعته إلى إعادة التفكير في الطريقة التي ينبغي أن تُروى بها القصة، إذ رفض البحث عن صور بديلة أو إعادة تمثيل ما جرى، مفضلاً أن ينقل الحدث كما هو، من خلال نص قصير يظهر على الشاشة، تاركاً للمشاهد مساحة لتخيل تفاصيله، بدلاً من فرض صورة قد تنتقص من صدقه الإنساني.


«البحر الأحمر السينمائي» يؤجل دورته السادسة إلى 2027

جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)
جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يؤجل دورته السادسة إلى 2027

جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)
جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)

أعلنت مؤسسة البحر الأحمر السينمائي تأجيل الدورة السادسة من مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي إلى الربع الرابع من عام 2027، بعد مراجعة عدد من الاعتبارات المرتبطة بتوقيت إقامة الدورة المقبلة والمتطلبات اللوجستية لاستضافة حدث دولي بهذا الحجم.

وأوضحت المؤسسة أن قرار التأجيل يأتي في إطار حرصها على اختيار التوقيت والظروف الملائمة لتقديم التجربة التي عُرف بها المهرجان، ومواصلة تطويره والبناء على ما حققه خلال دوراته السابقة، بما يعزز حضوره على خريطة المهرجانات السينمائية الدولية.

ومن المقرر أن يعود المهرجان إلى جدة التاريخية في 2027 بدورته السادسة، التي قالت المؤسسة إنها ستقام «برؤية متجددة»، وبرنامج يواصل الاحتفاء بالسينما وصنّاعها من السعودية والمنطقة والعالم.

وفي غضون ذلك، أكدت المؤسسة استمرار برامجها وأنشطتها على مدار العام لدعم صنّاع الأفلام وتعزيز صناعة السينما، من خلال منظومتها التي تضم «صندوق البحر الأحمر» و«معامل البحر الأحمر»، إلى جانب برامج ومبادرات أخرى تستهدف ربط المواهب وصنّاع الأفلام بصناعة السينما الدولية.

وتنطلق في نوفمبر (تشرين الثاني) 2026 برامج المؤسسة الممتدة على مدار العام في «ميدان الثقافة» بجدة التاريخية، الذي سيستضيف عروضاً سينمائية وفعاليات ثقافية وبرامج متخصصة في صناعة الأفلام، على أن تعلن المؤسسة لاحقاً تفاصيل تلك البرامج ومواعيدها عبر قنواتها الرسمية.

وأعربت مؤسسة البحر الأحمر السينمائي عن تقديرها لصنّاع الأفلام والشركاء والضيوف والجمهور على دعمهم، مؤكدة تطلعها إلى استقبال مجتمع السينما العالمي مجدداً في جدة التاريخية عام 2027.